تباين ليبي حول انعكاسات احتجاجات طرابلس على المبادرة الأميركية لحل الأزمة

أنباء عن لقاء مرتقب بين تكالة وعقيلة

بولس والدبيبة في لقاء بالعاصمة طرابلس يوليو الماضي (مكتب الدبيبة)
بولس والدبيبة في لقاء بالعاصمة طرابلس يوليو الماضي (مكتب الدبيبة)
TT

تباين ليبي حول انعكاسات احتجاجات طرابلس على المبادرة الأميركية لحل الأزمة

بولس والدبيبة في لقاء بالعاصمة طرابلس يوليو الماضي (مكتب الدبيبة)
بولس والدبيبة في لقاء بالعاصمة طرابلس يوليو الماضي (مكتب الدبيبة)

رغم انحسار موجة الاحتجاجات الشعبية في طرابلس، وعودة الهدوء النسبي إلى العاصمة الليبية، فإن الجدل عاد بشأن مستقبل المبادرة الأميركية لتقاسم السلطة بين أطراف الصراع الليبي، وسط تباين في تقدير تأثير الحراك الشعبي على حسابات رئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة، وموقفه من الانخراط في مسارها.

من مخلفات الاشتباكات التي شهدتها شوارع طرابلس (أ.ف.ب)

ومع إعلان الحراك الشعبي، الأحد الماضي، إعادة فتح المؤسسات الحكومية التي أغلقها احتجاجاً على تردي الأوضاع المعيشية وتفاقم أزمة الكهرباء، اتجهت الأنظار لمعرفة ما إذا كانت التطورات الأخيرة ستؤثر في مسار المبادرة الأميركية، أو ستبقى محصورة في إطار الضغوط الداخلية على الحكومة.

ويلتزم الدبيبة بتأجيل إعلان موقف حكومته من المبادرة الأميركية إلى خطاب مرتقب، مكتفياً بقائمة من الشروط سبق أن طرحها في يوليو (تموز)، تضمنت التأكيد على بناء دولة مدنية، وإجراء انتخابات نزيهة، ورفض اللجوء إلى القوة لحسم الخلافات، وإخضاع الأجهزة العسكرية والأمنية للرقابة في عموم البلاد، إلى جانب الحديث عن ضرورة تقديم «تنازلات شجاعة».

أحد عناصر جهاز الردع في طرابلس (حسابات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

ولا يستبعد سياسيون أن يترك الحراك الشعبي الأخير «ارتدادات غير مباشرة» على المبادرة الأميركية، خصوصاً على حسابات حكومة الدبيبة، وهي رؤية عضو «المجلس الأعلى للدولة»، محمد معزب، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن رئيس الحكومة «سيبقى حريصاً على تفادي مزيد من الانتقادات لحكومته، خصوصاً أن بعض شعارات الموجة الاحتجاجية طالبت بإسقاطها»، متوقعاً أن يدفعه ذلك إلى «التردد كثيراً في المضي بالمبادرة الأميركية، في ظل الرفض الذي تبديه قوى في المنطقة الغربية لها».

في الاتجاه نفسه، توقع نائب رئيس «المؤتمر الوطني» السابق، صالح المخزوم، أن يحجم الدبيبة عن إعلان موقف واضح من المبادرة، تفادياً لمزيد من التصدعات داخل حاضنته السياسية والاجتماعية، لا سيما في مدن المنطقة الغربية.

رئيسا «المجلس الرئاسي» محمد المنفي و«الأعلى للدولة» محمد تكالة في لقاء بالعاصمة طرابلس الأحد الماضي (مكتب المنفي)

وقال المخزوم لـ«الشرق الأوسط» إن «الاحتجاجات ربما أضعفت صورة حكومة (الوحدة) أمام واشنطن، في ظل عجزها عن السيطرة على مناطق بالعاصمة والمدن المحيطة بها، وهو ما تجلّى في اقتحام محتجين مجمع مليتة لمعالجة النفط والغاز في الزاوية»، لافتاً إلى «اهتمام واشنطن بملف الطاقة وتأمينه».

كما رجح أن «تغذي الاحتجاجات مواقف الرافضين لمبادرة بولس، ممن يصفونها بصفقة فوقية لتقاسم السلطة، دون وعود واضحة بتحسين الخدمات أو إجراء الانتخابات»، مرجحاً أن «يعاد صياغة كثير من تفاصيلها، وقد تُدمج مع الخريطة الأممية عبر حوار سياسي موسع».

صدام حفتر (أ.ف.ب)

ولم ينقطع حديث نخب سياسية ليبية منذ أشهر عن مبادرة يقودها مستشار الرئيس الأميركي، مسعد بولس، تستهدف توحيد السلطة التنفيذية تمهيداً لإجراء الانتخابات. وتتناقل أوساط سياسية أن المقترح المطروح يقضي بالإبقاء على الدبيبة رئيساً للحكومة، مقابل تولي نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، صدام حفتر، رئاسة المجلس الرئاسي.

في المقابل، لم يطرأ أي تحول على مواقف قوى سياسية وعسكرية في غرب ليبيا من المبادرة الأميركية، التي لا تزال تواجه تحفظات أُبلغ بها بولس خلال زيارته مصراتة الشهر الماضي، في ظل رفض أي دور سياسي متقدم لصدام حفتر، ومخاوف من إعادة إنتاج «الحكم العسكري»، واستحضار تداعيات حرب طرابلس عام 2019.

غير أن محللين وخبراء آخرين يقللون من تأثير الاحتجاجات الأخيرة في طرابلس على مسار المبادرة، انطلاقاً من أن الاتصالات السياسية والأمنية استمرت بالتوازي مع الحراك الشعبي.

ويرى مدير المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية، أشريف عبد الله، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن الاحتجاجات لم تعطل المسار السياسي، مستنداً إلى استمرار التحركات الدولية، بينها ترتيبات لجنة «4+4» بين ممثلي حكومة «الوحدة» في غرب ليبيا و«الجيش الوطني» في شرقها، إلى جانب زيارة وفد من الكونغرس إلى طرابلس وبنغازي، التي أسفرت عن تفاهم بشأن إنشاء غرفة عمليات عسكرية مشتركة. ورأى أن الحراك لم يغيّر موقف عبد الحميد الدبيبة المتحفظ على «مبادرة بولس».

كما أشار عبد الله إلى أن الحراك الاحتجاجي كان في جانب كبير منه «مسيّساً»، مستنداً إلى تمركزه في سوق الجمعة، معقل جهاز «الردع»، وإلى انحساره عقب استئناف التواصل بين الجهاز وحكومة «الوحدة» وإعادة انتشاره أمنياً، مع تأكيده أن ذلك لا يعفي الحكومة من مسؤولية الإخفاق الخدمي.

ويتفق المحلل السياسي حسام الدين العبدلي مع هذا التقييم، معتبراً في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن المبادرة الأميركية تمضي بوتيرة طبيعية، بل وذهب إلى الاعتقاد بأن التقارب بين الدبيبة و«الردع» قد يكون جزءاً من ترتيبات الاستقرار قبل دخول المبادرة الأميركية طور التنفيذ.

ويرى العبدلي أنه حتى وإن كانت الاحتجاجات قد كشفت محدودية سيطرة حكومة «الوحدة» على طرابلس، فإنها في المقابل «عززت لدى واشنطن قناعة بأن الدبيبة والقيادة العامة للجيش الوطني يظلان الطرفين الأكثر قدرة على تنفيذ أي تسوية سياسية محتملة».

وعلى صعيد موازٍ، يبدو أن تحركات سياسية محتملة ستسابق الزمن للحاق بمبادرة بولس، إذ كشف معزب لـ«الشرق الأوسط» عن احتمال عقد لقاء بين رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، خلال الأيام المقبلة. وتوقع معزب أن يفضي اللقاء إلى «تفعيل خريطة الطريق التي توافق عليها الرجلان، إلى جانب رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، قبل نحو شهر ونصف، لإنهاء المراحل التمهيدية».

وأعاد معزب التذكير بأن تلك الخريطة «تتضمن التوافق على القوانين الانتخابية وحسم نقاط الخلاف بشأنها، تمهيداً لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة»، معتبراً أن ذلك «قد يقود إلى تشكيل سلطة تنفيذية جديدة موحدة».


مقالات ذات صلة

ليبيا: رحيل فحيمة يطوي صفحة من ملف «لوكربي» المفتوح

شمال افريقيا الأمين خليفة فحيمة مُلوّحاً بيده بعد يوم واحد من تبرئته في محاكمة تفجير لوكربي (غيتي)

ليبيا: رحيل فحيمة يطوي صفحة من ملف «لوكربي» المفتوح

بعد نحو 38 عاماً على تفجير طائرة «بان آم 103» فوق بلدة لوكربي الاسكوتلندية، لا تزال القضية تحتفظ بقدرتها على فتح أسئلة جديدة، حتى مع رحيل شخصيات كانت في صلبها.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا وزير التربية والتعليم في غرب ليبيا محمد القريو خلال ترؤسه اجتماع لمتابعة جاهزية المدارس الليبية للعام الدراسي الجديد الاثنين (الوزارة)

أعباء المعيشة تربك استعداد الليبيين للعام الدراسي الجديد

تستعد الأسر الليبية لاستقبال العام الدراسي الجديد وسط ضغوط معيشية متزايدة، مع ارتفاع أسعار المستلزمات المدرسية وشح السيولة وتراكم الالتزامات المالية.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا خبراء في اجتماع لفريق العمل المعني بنزع السلاح والتسريح واعادة الادماج بالعاصمة الليبية طرابلس الأحد الماضي «البعثة الأممية»

الأمم المتحدة إلى «خطوات عملية» لتوحيد المؤسسات الأمنية في ليبيا

تدفع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا باتجاه ترجمة الدعوات إلى توحيد المؤسسات الأمنية وإصلاح القطاع الأمني إلى «خطوات عملية»، في وقت لا يزال الانقسام مترسخاً

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا احتفالات بني وليد الليبية بـ«ثورة الفاتح» في سبتمبر 2025 (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

تهديدات مسلّحة تستبق احتفالات أنصار القذافي بعيد «الفاتح»

تلوح في الأفق تهديدات مِن شأنها أن تزيد الوضع في ليبيا توتراً، استباقاً لاحتفالات أنصار نظام الزعيم الراحل معمر القذافي بـ«ثورة الفاتح من سبتمبر».

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة يستقبل وفداً من شركة أميركية لتطوير المشروعات والحوكمة في ليبيا (مكتب الدبيبة)

غضب شعبي متصاعد في العاصمة الليبية بسبب أزمة الكهرباء

في أحدث موجة غضب شعبي من سياسة تخفيف الأحمال وانقطاع الكهرباء في غرب ليبيا، اقتحم متظاهرون، صباح الثلاثاء، محطة توزيع أحمال كهربائية في طرابلس.

خالد محمود (القاهرة)

مقتل 12 شخصاً جراء حرائق الغابات في الجزائر

فرق الإطفاء تحاول إخماد النيران في برج أوخريس بضواحي العاصمة الجزائر (أرشيفية - د.ب.أ)
فرق الإطفاء تحاول إخماد النيران في برج أوخريس بضواحي العاصمة الجزائر (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

مقتل 12 شخصاً جراء حرائق الغابات في الجزائر

فرق الإطفاء تحاول إخماد النيران في برج أوخريس بضواحي العاصمة الجزائر (أرشيفية - د.ب.أ)
فرق الإطفاء تحاول إخماد النيران في برج أوخريس بضواحي العاصمة الجزائر (أرشيفية - د.ب.أ)

أعلن وزير الداخلية الجزائرية، سعيد سعيود، مساء الأربعاء، مقتل 12 شخصاً جراء موجة حرائق الغابات التي اندلعت في عدد من مدن شرق البلاد.

ونقلت وسائل إعلام محلية عن سعيود، قوله إن 5 أشخاص لقوا حتفهم بولاية جيجل، و4 بولاية بجاية، و3 بولاية تيزي وزو.

كان جهاز الدفاع المدني الجزائري أعلن مساء الأربعاء، تسجيل 173 حريقا جرى إخماد 56 منها، بينما لا يزال 75 حريقا مشتعلا أغلبها بولايات بجاية، وتيزي وزو، وسكيكدة، وجيجل، والطارف، وميلة، وسطيف، كما كشف عن عمليات إجلاء وقائية للسكان بولايات جيجل وبجاية والطارف.

من جهته، أعلن جهاز الدرك الوطني غلق عدد من الطرق الوطنية بولايات سطيف وبجاية وجيجل.

ووصل سعيود، مساء الأربعاء إلى ولاية بجاية، للوقوف ميدانيا على عمليات إخماد الحرائق، يرافقه كل من وزير الصحة، محمد الصديق آيت مسعودان، والمدير العام للأمن الوطني، علي بداوي، والمدير العام للحماية المدنية العقيد بوعلام بوغلاف.

وكانت مصالح الأرصاد الجوية حذرت، الثلاثاء من موجة حر وارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة بعدد من مناطق البلاد، وسط ظروف مناخية تساعد على انتشار الحرائق، لا سيما مع اشتداد الرياح.


«الحوار السوداني» يطرق أبواب المعارضة

متداولة لعضو لجنة الحوار السوداني المحامي نبيل أديب
متداولة لعضو لجنة الحوار السوداني المحامي نبيل أديب
TT

«الحوار السوداني» يطرق أبواب المعارضة

متداولة لعضو لجنة الحوار السوداني المحامي نبيل أديب
متداولة لعضو لجنة الحوار السوداني المحامي نبيل أديب

تستعد لجنة وطنية مستقلة في السودان، لإطلاق الترتيبات لحوار سوداني - سوداني من الخرطوم، مطلع الأسبوع المقبل، على أن يُحدَّد موعد هذا الجلسات بعد مشاورات مع القوى السياسية والمدنية والاجتماعية.

وقال عضو اللجنة، القانوني نبيل أديب، لـ«الشرق الأوسط» إن المهمة تتمثل في هيئة الحوار وإزالة العقبات، من دون فرض قرارات على المشاركين، مؤكداً عدم صلتها بالحكومة.

وتعتزم اللجنة، التي تضم 18 عضواً وقابلة للتوسّع، طرق أبواب المعارضة في الخارج، في مقدمها تحالف «صمود» بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك؛ لإقناعها بالمشاركة، متسلحة بضمانات أطلقها رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان بعدم تدخل الدولة في تحديد الأطراف أو الأجندة والمخرجات، وتوفير الحماية القانونية والأمنية للمعارضين. لكن قوى مدنية ترفض حواراً يُعقد في مناطق سيطرة طرفي الحرب.

وستعرض اللجنة تفاصيل خطتها خلال مؤتمر صحافي في الخرطوم الأسبوع المقبل، وسط استمرار الخلافات بشأن مشاركة الحركة الإسلامية وحزبها «المؤتمر الوطني» المعزول.


الدور السياسي لـ«العلمين» المصرية يتسع بموازاة ازدهارها السياحي

الرئيس المصري وملك البحرين في القصر الرئاسي بالعلمين (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري وملك البحرين في القصر الرئاسي بالعلمين (الرئاسة المصرية)
TT

الدور السياسي لـ«العلمين» المصرية يتسع بموازاة ازدهارها السياحي

الرئيس المصري وملك البحرين في القصر الرئاسي بالعلمين (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري وملك البحرين في القصر الرئاسي بالعلمين (الرئاسة المصرية)

رسخّت مدينة «العلمين الجديدة» المصرية، مكانتها السياسية مع استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي فيها لقادة دول ومسؤولين، فضلاً عن اجتماعاته المستمرة مع وزراء الحكومة، لتتجاوز المدينة بذلك الصورة التقليدية عن كونها «مصيفاً فاخراً»، إلى كونها مدينة لـ«صناعة القرار»، وفق مراقبين.

وتعد مدينة «العلمين» الساحلية، أبرز الوجهات السياحية في مصر راهناً، وهي تقع في الساحل الشمالي، وتمتد على مساحة أكثر من 48 ألف فدان، وتشتهر بأبراجها الفارهة، فنادقها وشواطئها، وتعد مقصداً للمشاهير والسياح.

وقد صُنفت في العام الماضي 2025 على أنها «عاصمة المصايف العربية» من قبل «المنظمة العربية للسياحة».

في الأسابيع الماضية، طفا على السطح دور المدينة السياسي إلى جانب ازدهارها السياحي. فعلى هفيف هوائها تُفتح النقاشات حول ليبيا وغزة وتطورات «حرب إيران» وغيرها من القضايا الإقليمية والدولية، وتدار ملفات التعليم والطرق والتموين والطاقة.

وفي العلمين استقبل الرئيس السيسي، رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في 12 يوليو (تموز) الماضي، وفي الشهر ذاته استقبل رئيس جمهورية مدغشقر الأفريقية، ميكائيل راندريانيرينا، واستقبل ملك البحرين حمد بن عيسي في 5 أغسطس (آب) الحالي.

ويعتبر رئيس «مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية» سابقاً والمفكر السياسي، عبد المنعم سعيد، أن العلمين حالياً يمكن اعتبارها «العاصمة الساحلية لمصر، وهو أمر ليس بالجديد، فقد كان وجود مثل هذه العواصم غير الرسمية دارجاً في حقب سابقة»، لافتاً إلى ميزة العلمين باعتبارها «مدينة معروفة عالمياً مرتبطة بمعارك العلمين خلال الحرب العالمية الثانية، وبها مقابر ألمان وإيطاليين، ما يجعلها مقصداً سياحياً للكثيرين»، معتقداً أن التركيز الإعلامي على وجود الرئيس فيها يهدف بالأساس إلى الترويج للمدينة باعتبارها وجهة سياحية واستثمارية، وفق حديثه لـ«الشرق الأوسط».

السيسي يستقبل رئيس دولة الإمارات في العلمين منتصف يوليو 2026 (الرئاسة المصرية)

وناقش السيسي تطورات اتفاق «وقف إطلاق النار» في قطاع غزة، بعد التوصل لتفاهمات بشأن «سلاح المقاومة»، واستقبل في 16 أغسطس الحالي، صهر الرئيس الأميركي جاريد كوشنر، وكذلك فإن قضية توحيد المؤسسات الليبية كانت حاضرة خلال استقباله قائد «الجيش الوطني» الليبي المشير خليفة حفتر، في 19 الشهر الجاري، وذلك بعد ثلاثة أسابيع من استقباله رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية، عبد الحميد الدبيبة في 30 يوليو الماضي بالمدينة نفسها.

المدينة ذاتها كانت شاهدة على محادثات واجتماعات أخرى بعيداً عن اللقاءات الرئاسية، حيث شهدت هذا الشهر اجتماعات للفصائل الفلسطينية هدفت إلى توحيد الصف والاستعداد للانتخابات التشريعية المقبلة، وبالتزامن معها جرت لقاءات بين مسؤولين مصريين وفلسطينيين.

وشهدت المدينة لقاء رئيس المخابرات العامة المصرية، اللواء حسن رشاد، مع نائب القائد العام للقوات المسلحة الليبية، الفريق أول صدام حفتر يوم 22 أغسطس الجاري، للتباحث بشأن الجهود المبذولة لدفع مسار التسوية السياسية في ليبيا.

مصايف الرؤساء

وضع الرئيس المصري حجر أساس تدشين «مدينة العلمين» في مارس (آذار) من عام 2018. وآنذاك «لم يرتبط اسم السيسي بمصيف مفضل، كما كان لغيره من الرؤساء»، وفق الباحث في علم الاجتماع عصام فوزي، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن «فكرة وجود عاصمة صيفية للأنظمة السياسية حول العالم موجودة منذ القدم، هرباً من الحرارة، ولم تختفِ الفكرة في زمن المكيفات، بل تطورت لأغراض أخرى».

وأضاف: «في روسيا توجد عاصمة شتوية وأخرى صيفية، وكذلك في مصر منذ العهد الملكي حيث مدينة الإسكندرية (شمالاً) التي كان الملك ينتقل إليها في فصل الصيف ويقيم بقصر التين... وشرم الشيخ (على ساحل البحر الأحمر) في عصر الرئيس الراحل حسني مبارك».

وأضاف فوزي أن «العلمين بذلك تختلف عن شرم الشيخ، فالأخيرة اقتصر دورها على عرض القرارات، أي إقامة مؤتمرات واجتماعات، أكثر من كونها مركزاً لصناعة قرار سياسي مثل العلمين حالياً».

وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا في العلمين (مدينة العلمين الجديدة)

ومنذ 26 يوليو الماضي، يوجد الرئيس المصري بصورة مستمرة في العلمين، حيث دارت كل اجتماعاته بالوزراء المصريين، كان آخرها ترأس اجتماع حضره رئيس الوزراء مصطفى مدبولي والرئيس التنفيذي لشركة «إيني» الإيطالية كلاوديو ديسكالزي، الثلاثاء، وكان السيسي قد استقبل في المدينة المنتخب الوطني عقب عودته من كأس العالم في 11 يوليو الماضي.

واللافت في مدينة «العلمين الجديدة» أنها مدينة حديثة وليدة النظام الحالي، في «انعكاس لفلسفة التوسع وتدشين المدن الجديدة»، وفق أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرئيس «يتبنى المدن الجديدة باعتبارها حلاً هيكلياً لتخفيف الضغط عن الوادي والدلتا بإنشاء مراكز حضرية جديدة، بداية من العاصمة الإدارية، ثم العلمين وغيرهما من مدن الجيل الرابع»، معتبراً أن «العلمين هي النسخة الساحلية للعاصمة الإدارية».

العمل الميداني

وأضاف صادق، أن «وجود الحكومة في العلمين يعكس أيضاً فلسفة الوجود الرمزي في مواقع التنمية، على اعتبار أن الحكومة لا تدير من المكاتب فقط، بل من مواقع التنفيذ، ما يعزز صورة الدولة التي تبني والقيادة التي تتابع»، لافتاً إلى أنه «في الوقت الذي يحتفي بعض المواطنين بالمدينة باعتبارها مركزاً حضارياً جديداً، يراها قطاع آخر من الطبقات الأقل دخلاً، انعكاساً لاتساع الهوة المجتمعية».

مدينة «طول العام»

منذ مرحلة التأسيس، استهدفت الحكومة المصرية بناء مدينة تضم مراكز صناعية وسكنية وتعليمية، وهو ما عبر عنه رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، خلال جولة منتصف الشهر الماضي، لتفقد مشروعين غذائيين في المدينة، قائلاً إنها «تشهد طفرة كبيرة في المشروعات، وتسليم الوحدات السكنية فيها»، لافتاً كذلك إلى «محطة الضبعة النووية» التي توجد في المدينة، وستبدأ العمل في غضون عامين.

السيسي مستقبلاً المنتخب الوطني بعد مشاركته في كأس العالم بمدينة العلمين (الرئاسة المصرية)

ويؤكد أستاذ الاقتصاد والخبير العقاري، ماجد عبد العظيم، أن «عقد الرئيس لقاءاته فيها، يوجه الأنظار عالمياً لها، ويقدمها بوصفها مدينة مكتملة وليس مجرد مصيف»، خصوصاً مع «تدشين 4 جامعات فيها، ستبدأ الدراسة فيها بعد الإجازة الصيفية، أي أننا أمام حركة مستمرة في المدينة».

وأضاف عبد العظيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الامتداد العمراني في المدينة ووجود مراكز للحكم بها مثل القصر الرئاسي ومقر الحكومة، من عوامل جذب للاستثمار أكثر، خصوصاً من الخليج. ويضيف المفكر السياسي عبد المنعم سعيد، أن «العلمين تعكس بشكل رئيسي التوجه الحكومي المصري في تنمية السواحل الشاطئية»، معتبراً أن «الهدف من العلمين ليس المدينة فقط، ولكن باعتبارها مدخلاً للساحل الشمالي المصري الذي يشهد حركة تنمية غير مسبوقة».