الجزائر: رواية النيابة بخصوص «حافلة الموت» تفجِّر جدالاً كبيراً

تشكيك قانوني وحقوقي في شمولية نتائج التحريات المبدئية

المنحدر الذي سقطت فيه الحافلة بمنطقة بومرداس شرق العاصمة الجزائرية يوم الجمعة الماضي (الحماية المدنية)
المنحدر الذي سقطت فيه الحافلة بمنطقة بومرداس شرق العاصمة الجزائرية يوم الجمعة الماضي (الحماية المدنية)
TT

الجزائر: رواية النيابة بخصوص «حافلة الموت» تفجِّر جدالاً كبيراً

المنحدر الذي سقطت فيه الحافلة بمنطقة بومرداس شرق العاصمة الجزائرية يوم الجمعة الماضي (الحماية المدنية)
المنحدر الذي سقطت فيه الحافلة بمنطقة بومرداس شرق العاصمة الجزائرية يوم الجمعة الماضي (الحماية المدنية)

أثارت النيابة العامة في الجزائر جدلاً حاداً عقب إعلانها أن سائق حافلة الركاب، التي انقلبت يوم الجمعة الماضي بمنطقة بومرداس شرق العاصمة، في حادث أسفر عن مقتل 27 شخصاً وإصابة 36 آخرين، كان تحت تأثير مواد مخدرة، وهو ما فُسّر على أنه حسم لأسباب الفاجعة وحصر للمسؤولية في السائق.

وأكدت النيابة العامة لدى مجلس قضاء بومرداس (محكمة الاستئناف) في بيان، الأحد، أن التحقيقات الأولية في الحادث المروّع «أظهرت قيادة السائق المتوفى تحت تأثير مواد مخدرة مختلفة الأصناف، مع العثور على قرصين من المؤثرات العقلية بحوزته».

وأضافت: «الفاجعة ناجمة أيضاً عن تجاوزات كبيرة؛ إذ كانت الحافلة تسير بسرعة 121.63 كيلومتر في الساعة في منحدر حُددت فيه السرعة بـ60 كيلومتراً في الساعة».

أسئلة عالقة

ووفق بيان النيابة، كانت الحافلة تقل 64 شخصاً، في حين أن طاقتها الاستيعابية المرخصة لا تتعدى 51 راكباً. وأشار البيان إلى «مواصلة مصالح الضبطية القضائية للدرك الوطني تحقيقاتها المعمقة تحت إشراف نيابة الجمهورية للإحاطة بكافة ظروف الحادث وتحديد المسؤوليات بدقة»، مؤكداً «اتخاذ الإجراءات القانونية بكل صرامة وحزم ضد كل من تثبت مسؤوليته في الحادث، وإطلاع الرأي العام على النتائج في حينها».

جزء من بقايا الحافلة بعد انتشالها من المنحدر بمنطقة بومرداس شرق العاصمة الجزائرية (الدرك الوطني)

وكانت «حافلة الموت» قد انطلقت فجر الجمعة من مدينة العلمة، الواقعة على بعد 300 كيلومتر شرق العاصمة، متوجهة إلى ولاية بومرداس الساحلية على مسافة نحو 400 كيلومتر، حيث كان المسافرون يعتزمون قضاء يوم على الشاطئ والعودة مساءً. وما إن اقتربت الحافلة من نقطة الوصول، حتى انحرفت عن الطريق وسقطت في منحدر بعد أن انقلبت عدة مرات. وأدخل الحادث البلاد في حالة حزن، وأعلنت الرئاسة حداداً لمدة 3 أيام.

وأثارت الخلاصات التي انتهت إليها النيابة بشأن المأساة نقاشاً قانونياً ومجتمعياً حاداً عكسته منصات الإعلام الاجتماعي. وكتب المحامي والناشط السياسي المعروف سعيد زاهي: «التحقيق لم يقل كلمته بعد... ما زال في بدايته ولا يعدو في هذه المرحلة أن يكون تحريات أولية، لذلك فإن إصدار الأحكام أو تحديد المسؤوليات يبقى سابقاً لأوانه».

وأضاف: «من المفروض أن يشمل التحقيق جميع الجوانب التي قد تكون تسببت في وقوع الحادث، بما في ذلك الأسباب التقنية والفنية والميكانيكية، وحالة الطريق، ومدى احترام معايير السلامة، والظروف الجوية إن وُجدت، إلى جانب العامل البشري، وكل عنصر يمكن أن يساعد في كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات بدقة».

صور بعض ضحايا الحادث (حسابات ناشطين)

من جهته، تساءل المحامي المختص في الثغرات القانونية عبد الله هبول في منشور بحسابه: «هل كُل قيادة لمركبة تحت تأثير الكحول أو المخدرات أو المؤثرات العقلية تؤدي بالضرورة وحتماً إلى وقوع حادث مرور، أو قد تكون للحادث أسبابٌ أخرى؟». ويُفهم من هذا المنشور أن نتائج التحقيق الرسمي لا تغطي كامل زوايا القضية.

وفي سياق التشكيك في شمولية الرواية الرسمية، طرح الناشط الحقوقي البارز عبد المؤمن خليل مجموعة من الاستفهامات الجوهرية، مشيراً إلى أن تركيز النيابة على شخص السائق يُغفل جوانب تقنية مفصلية، وفي مقدمتها نتائج المعاينة الفنية للحافلة، وآلية تحديد سرعتها بدقة والمقطع الذي سُجلت فيه... مؤكداً أن ملف القضايا المماثلة يحتمل فتح مسارات أعمق للتحقيق.

«حرمة الموتى»

وفي محيط الشاب السائق المتوفى أسامة ذيب (33 سنة)، طرح أحد أصدقائه هذا التساؤل: «لو تخرج العائلة عن صمتها وتقول إن ابننا لا يتعاطى هذه الأشياء، ونطالب بخبرة محايدة... فهل يُقبل ذلك؟».

تشييع ضحايا حادث انقلاب الحافلة الجزائرية يوم السبت الماضي (حسابات ناشطين)

وفي شهادة مناقضة للرواية الرسمية، فَنَّد صديق آخر لأسامة كل الأخبار المتداولة حول تعاطيه مؤثرات عقلية، مشدداً في فيديو نشره بالإعلام الاجتماعي على أنه كان «إنساناً خلوقاً ومشهوداً له بالاستقامة الطيبة بين معارفه». وأكد الصديق أن السبب الحقيقي وراء هذه الفاجعة يعود إلى خلل فني مفاجئ طرأ على نظام المكابح أثناء نزول الحافلة في المنحدر، مشيراً إلى أن السائق استمات في محاولة تدارك العطب والتصرف بحكمة لتفادي الكارثة، غير أن أعداد المسافرين الغفيرة، إلى جانب ثقل الأمتعة، جعلا التحكم بالمركبة والسيطرة عليها أمراً مستحيلاً في تلك اللحظات الحرجة.

من جهته، اختار السكرتير الأول السابق لـ«جبهة القوى الاشتراكية» (أقدم حزب معارض)، عبد المالك بوشافة، مقاربة سياسية لموقف النيابة من الحادث، مؤكداً في منشور أن «احترام مشاعر عائلة السائق المتوفى ليس تفضلاً من أحد، بل هو واجب أخلاقي وإنساني يفرضه الضمير قبل أن تفرضه القوانين أو الأعراف. فحرمة الميت خط أحمر لا ينبغي أن تُنتهك تحت أي ظرف؛ لأن الموت يضع حداً لكل شيء».

السكرتير الأول لحزب «جبهة القوى الاشتراكية» سابقاً عبد المالك بوشافة (حسابه الخاص)

وأضاف: «ما تعيشه أسرة فقدت أحد أفرادها من ألم وحزن يكفيها، ولا يجوز مضاعفة مأساتها بكلمات قاسية أو تعليقات تفتقر إلى الرحمة».

واستطرد قائلاً: «إن المجتمعات الراقية تُعرف بقدرتها على احترام الإنسان حتى بعد رحيله؛ لأن الأخلاق الحقيقية تظهر في كيفية تعاملنا مع الضعفاء والمكلومين، لا في استغلال مآسيهم... فلنحفظ للميت حرمته، ولأهله حقهم في الحزن بكرامة، ولنتذكر أن الحوادث لا تستأذن أحداً، وأن ما وقع اليوم لغيرنا قد يقع غداً لأي واحد منا».


مقالات ذات صلة

«تصفيات أمم أفريقيا»: أوناحي يقود المغرب للفوز على ليسوتو... والجزائر تنجو من بوروندي

رياضة عربية «أسود الأطلس» هزموا ليسوتو بجنوب أفريقيا (منتخب المغرب)

«تصفيات أمم أفريقيا»: أوناحي يقود المغرب للفوز على ليسوتو... والجزائر تنجو من بوروندي

عاد منتخب المغرب بـ3 نقاط ثمينة من خارج ملعبه بالفوز على ليسوتو بنتيجة 2 / 0، الثلاثاء، ضمن منافسات الجولة الثانية من التصفيات المؤهلة لكأس أمم أفريقيا.

«الشرق الأوسط» (بلومفونتين)
شمال افريقيا وزير خارجية الجزائر أحمد عطاف يلقي كلمة بالأمم المتحدة (الخارجية الجزائرية)

الجزائر تؤكد رفضها «الإملاءات والمساومات» في قضية الصحراء

أكد وزير خارجية الجزائر أحمد عطاف خلال كلمة بالأمم المتحدة، الاثنين، أن بلاده ترحب بالمفاوضات حول نزاع الصحراء برعاية أممية ومساهمة أميركية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال لقائه بالنخبة العلمية في المهجر (الرئاسة)

الجزائر تستنفر عقولها المهاجرة لخدمة أولوياتها الاقتصادية

أطلقت الجزائر «المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية في الخارج»، تحت إشراف مباشر لرئاسة الجمهورية، وبمشاركة 27 خبيراً جزائرياً.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بالجزائر (سلطة الانتخابات)

أحزاب جزائرية تبدي مخاوف من انتخابات بلدية «بلا مترشحين»

حذّرت أحزاب معارضة بالجزائر من عزوف عن الترشح للانتخابات المحلية المقبلة، بسبب نص في قانون الانتخابات يُقصي مترشحين بسبب صلات مفترضة بأوساط المال والأعمال.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية مهاجم فريق مرسيليا الفرنسي ومنتخب الجزائر أمين غويري (أ.ف.ب)

غويري يلحق بآيت نوري خارج صفوف منتخب الجزائر

أعلن المنتخب الجزائري، غياب مهاجم فريق مرسيليا الفرنسي أمين غويري، عن صفوف المتتخب خلال بقية المعسكر المُقام لخوض مباراتي تصفيات كأس أمم أفريقيا.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

«توقيف» 6 صحافيين في مصر... و«النقابة» تطالب بالإفراج عنهم

مقر «نقابة الصحافيين» في وسط القاهرة (صفحة النقابة على فيسبوك)
مقر «نقابة الصحافيين» في وسط القاهرة (صفحة النقابة على فيسبوك)
TT

«توقيف» 6 صحافيين في مصر... و«النقابة» تطالب بالإفراج عنهم

مقر «نقابة الصحافيين» في وسط القاهرة (صفحة النقابة على فيسبوك)
مقر «نقابة الصحافيين» في وسط القاهرة (صفحة النقابة على فيسبوك)

قالت منصة مصرية، الأربعاء، إنه «تم توقيف صحافيين اثنين من فريق عملها، ليرتفع عدد المقبوض عليهم إلى 6 خلال 24 ساعة»، فيما أكدت «نقابة الصحافيين» في بيان رسمي أنها «قدمت طلباً لوزير الداخلية للإفراج عنهم».

وأوضحت المنصة المعروفة باسم «متصدقش (لا تصدق)»، المعنية بالتحقق من مصادر البيانات والأخبار، أن «عدد صحافيي المنصة الذين جرى القبض عليهم خلال الساعات الماضية ارتفع إلى ستة صحافيين»، لافتة إلى أن «هؤلاء يمثلون كل فريق التحرير في غرفة الأخبار دون توضيح سبب التوقيف».

وبحسب «المنصة»، فإن «جميع الصحافيين المحتجزين مصريون يمارسون عملهم بصورة معلنة، ويقومون بإعداد المواد الصحافية، والتحقق من المعلومات، ونشرها وفق الأصول المهنية».

وأعلنت «نقابة الصحافيين» أنها تقدمت بشكوى لوزارة الداخلية، وبلاغ للنائب العام للإفراج عن الصحافيين الستة بمنصة «متصدقش»، طالبت فيهما بـ«الإفراج عنهم، والكشف عن ملابسات وأسباب القبض عليهم، ومكان احتجازهم». ولم يتسن الحصول على تعليق فوري من وزارة الداخلية المصرية بشأن الواقعة.

وقالت النقابة في البلاغ الذي تقدم به نقيب الصحافيين، خالد البلشي، إنها تلقت شكاوى من محامين وزملاء بشأن القبض على 6 صحافيين بمنصة «متصدقش»، أحدهم يحمل عضوية النقابة. وأكدت أنه «تم القبض على الزملاء الستة عبد الله قدري، محمد شرف، محمد عادل، إسلام بركات، محمد محمود، وعمر هداية، خلال اليومين الماضيين من منازلهم».

وطالبت النقابة بالإفراج عنهم، أو تحديد موعد ومكان التحقيق، والتهم المنسوبة لهم، حتى يتسنى للنقابة الحضور معهم حال تمت إحالتهم للتحقيق. وأكدت أنها تبذل «مساعي حثيثة على مدار الساعة، للإفراج عن الزملاء الستة بضمانها، مع تعهدها الكامل بمثولهم أمام أية تحقيقات حال توجيه أية اتهامات لهم».


نهاية محنة بحارة مصريين في الصومال بعد 4 أشهر من الاختطاف

البحارة المصريون عقب تحريرهم الأربعاء (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)
البحارة المصريون عقب تحريرهم الأربعاء (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)
TT

نهاية محنة بحارة مصريين في الصومال بعد 4 أشهر من الاختطاف

البحارة المصريون عقب تحريرهم الأربعاء (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)
البحارة المصريون عقب تحريرهم الأربعاء (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

أعلنت القاهرة، الأربعاء، انتهاء أزمة البحارة الثمانية الذين كانوا مختطفين على متن السفينة «M/T Eureka» قبالة سواحل إقليم بونتلاند في الصومال منذ 2 مايو (أيار) الماضي.

ولم تكشف القاهرة عن تفاصيل ما حصل، بينما تحدثت سلطات بونتلاند عن «عملية أمنية».

يشار إلى أن الناقلة «إم تي يوريكا (MT EUREKA)» وأفراد طاقمها المكون من 8 مصريين و4 هنود، كانوا محتجزين لدى قراصنة صوماليين، عقب اعتراضها في الثاني من مايو الماضي قرب سواحل محافظة شبوة اليمنية، قبل أن تتجه إلى خليج عدن، ثم إلى المياه المقابلة للسواحل الصومالية.

والبحارة المصريون الذي كانوا محتجزين هم: محمد المحسب، ومؤمن أكرم أمين، ومحمود الميكاوي، وسامح السيد، وإسلام سليم، ومحمد عبد الله، وأحمد درويش، وأدهم جابر.

ووجه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي السفارة المصرية في مقديشو، باستقبال البحارة المصريين والاطمئنان عليهم، وتيسير عودتهم إلى مصر على أقرب رحلة طيران.

وأكد سفير الصومال لدى مصر، ومندوبها الدائم لدى جامعة الدول العربية، علي عبدي أواري، «استمرار التنسيق بين الجهات المصرية والصومالية المعنية، والعمل بشكل مشترك لاستكمال الترتيبات اللازمة لتأمين عودة البحارة المصريين إلى أرض الوطن».

وأفادت وكالة «رويترز»، الأربعاء، بأن قوة شرطة بونتلاند البحرية «قالت في بيان، مساء الثلاثاء، إنها أنقذت ناقلة النفط (إم تي يوريكا) التي اختُطفت في مايو الماضي بعد فرار خاطفيها عند اقتراب الشرطة منها».

وأضافت: «مع اقتراب قوة شرطة بونتلاند البحرية من المنطقة، فر القراصنة باتجاه الشاطئ وتحركوا باتجاه البر، وتواصل قوة شرطة بونتلاند البحرية ملاحقة المتورطين، وتُجري عمليات إضافية للقبض على الفارين».

ولفتت سلطات بونتلاند في بيان آخر نقلته «رويترز»، الأربعاء، إلى أنه «تم تحرير سفينة أخرى»، مشيرةً إلى أنه بهاتين العمليتين، يرتفع عدد السفن التي تم تحريرها إلى خمس سفن من أصل ست سفن كان القراصنة يحتجزونها قبالة السواحل الصومالية حتى أواخر أغسطس (آب) الماضي.

وشكَّلت القرصنة البحرية قبالة سواحل القرن الأفريقي، على مدى سنوات، أحد أبرز التهديدات التي واجهت حركة الملاحة الدولية، وبلغت ذروتها عام 2008 مع تعرض عشرات السفن التجارية لهجمات متكررة أثارت قلقاً دولياً واسعاً.

ورغم التراجع الملحوظ في أعمال القرصنة خلال العقد الماضي نتيجة تكثيف الوجود الأمني الدولي في المنطقة، عادت الظاهرة إلى الواجهة منذ أواخر عام 2023، بالتزامن مع الاضطرابات الأمنية المتزايدة في الممرات البحرية الحيوية بالبحر الأحمر، وخليج عدن.


موريتانيا وحلف الأطلسي يبحثان التعاون العسكري

جانب من اجتماعات وفد الناتو مع وزير الدفاع الموريتاني حننه ولد سيدي في نواكشوط الثلاثاء (الجيش الموريتاني)
جانب من اجتماعات وفد الناتو مع وزير الدفاع الموريتاني حننه ولد سيدي في نواكشوط الثلاثاء (الجيش الموريتاني)
TT

موريتانيا وحلف الأطلسي يبحثان التعاون العسكري

جانب من اجتماعات وفد الناتو مع وزير الدفاع الموريتاني حننه ولد سيدي في نواكشوط الثلاثاء (الجيش الموريتاني)
جانب من اجتماعات وفد الناتو مع وزير الدفاع الموريتاني حننه ولد سيدي في نواكشوط الثلاثاء (الجيش الموريتاني)

عقد وزير الدفاع الموريتاني الفريق المتقاعد حننه ولد سيدي اجتماعاً مع وفد عسكري من حلف شمال الأطلسي (الناتو) يزور نواكشوط برئاسة اللواء ماسيمو سبادافيكيا، نائب مدير شعبة التعاون والأمن التابعة لهيئة الأركان العسكرية الدولية للحلف.

وبحسب ما أعلنت وزارة الدفاع الموريتانية، في بيان نشره الجيش الموريتاني عبر موقعه الإلكتروني، الأربعاء، فإن اللقاء تناول علاقات التعاون القائمة بين الجانبين وسبل تعزيزها وتطويرها، خصوصاً في مجال الدفاع.

كما عقد وفد حلف الأطلسي اجتماعاً في وقت لاحق مع الأمين العام لوزارة الدفاع العقيد إسحاق عبد الله محمود إبراهيم، تناول تعزيز التعاون بين الطرفين، وذلك بحضور قيادات عسكرية موريتانية أخرى.

ولم تكشف وزارة الدفاع عن تفاصيل تقنية أو اتفاقيات جديدة محددة نتيجة اللقاءين اللذين عُقدا الثلاثاء، مكتفية بالإشارة إلى تناول «علاقات التعاون القائمة» و«سبل تعزيزها وتطويرها»، وهو ما يعكس الطابع الدوري لمثل هذه الزيارات التي تركز على متابعة برامج التعاون القائمة بين الطرفين.

الشريك الاستراتيجي

تعود العلاقة بين نواكشوط وحلف شمال الأطلسي إلى عام 1995، حين انضمت موريتانيا إلى «الحوار المتوسطي» الذي أطلقه الحلف بهدف تعزيز الأمن والاستقرار في منطقة المتوسط.

وفي السنوات الأخيرة، أعلن الحلف أن موريتانيا «شريك استراتيجي» في منطقة الساحل وغرب أفريقيا، وذلك بالتزامن مع تراجع التعاون الأمني بينه وبين دول الساحل الأخرى، بعد أن أدارت مالي وبوركينا فاسو والنيجر ظهرها للشركاء الغربيين التقليديين واتجهت نحو موسكو.

وجعل هذا التحول من موريتانيا، التي نجحت نسبياً في احتواء التهديدات الإرهابية منذ 2011، الشريك الرئيسي، أو شبه الوحيد، للناتو في منطقة الساحل.

جانب من اجتماع وفد الناتو مع الأمين العام لوزارة الدفاع الموريتانية إسحاق عبد الله محمود إبراهيم في نواكشوط الثلاثاء (الجيش الموريتاني)

وفي قمة مدريد عام 2022، أقر قادة الحلف حزمة لبناء القدرات الدفاعية والأمنية لموريتانيا، بناءً على طلب منها، تتوزع على عدة محاور هي تطوير قوات العمليات الخاصة، والأمن البحري، والاستخبارات، وبرنامج لتحويل العسكريين المتقاعدين إلى مهن مدنية، وإدارة مخزونات الأسلحة الصغيرة والخفيفة، والتعليم العسكري.

وتُرجمت هذه الحزمة إلى إجراءات ملموسة، شملت تسليم معدات لقوات العمليات الخاصة أواخر 2024، وتدريبات بحرية مشتركة، ودعماً لبرامج التعليم الدفاعي، فضلاً عن برنامج تجريبي لتحويل نحو 120 عسكرياً متقاعداً نحو مهن زراعية وحرفية خلال 2025 و2026، بحسب بيانات نشرها الحلف.

واكتسبت العلاقة زخماً إضافياً هذا العام حين زار الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في 25 مارس (آذار) الماضي مقر الناتو في بروكسل، والتقى الأمين العام مارك روته والمجلس الأطلسي، في أول زيارة له إلى مقر الحلف منذ يناير (كانون الثاني) 2021.

وتُوّجت الزيارة بإقرار «برنامج شراكة فردي مخصص»، وصفه الحلف بأنه يفتح «مرحلة جديدة» في التعاون بين الطرفين. كما استقبلت موريتانيا في أبريل (نيسان) الماضي قائد كلية الدفاع التابعة للناتو، واستمرت اللقاءات الدورية رفيعة المستوى، وكان من بينها زيارة الممثل الخاص للجوار الجنوبي خافيير كولومينا مطلع العام الماضي.

اضطرابات الجوار

ويأتي تعزيز هذا التعاون في وقت تتصاعد فيه مخاوف موريتانيا من تداعيات التدهور الأمني في مالي المجاورة على شريطها الحدودي الشرقي، الذي يمتد لأكثر من 2000 كيلومتر عبر تضاريس صحراوية شبه خالية من السكان، ما يجعل مراقبته بالوسائل التقليدية مهمة بالغة الصعوبة.

فقد وسّعت جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين»، المرتبطة بتنظيم القاعدة، نشاطها خلال العام الماضي في مناطق قريبة من الحدود الموريتانية، بعدما نفذت في يوليو (تموز) 2025 سبع هجمات متزامنة على بلدات في المنطقة تقع على مقربة من السنغال وموريتانيا.

ويرى محللون أن هذه الهشاشة الحدودية تفتح الباب أمام الجماعات المسلحة لاستغلال الفراغ الأمني والثغرات الاجتماعية والاقتصادية لسكان المناطق الحدودية، سواء لتجنيد عناصر جدد أو لبناء شبكات تهريب تمول أنشطتها، وهو ما يجعل من تعزيز التعاون العسكري مع شركاء مثل حلف الأطلسي، لا سيما في مجالي الاستخبارات والأمن الحدودي، أولوية متصاعدة بالنسبة لموريتانيا في مواجهة تهديد يتحرك غرباً نحو حدودها بشكل متسارع.

محاولة التوازن

من الملاحظ أن موريتانيا أصبحت تعتمد بشكل كبير في الآونة الأخيرة على دول حلف شمال الأطلسي، خاصة في مجال العتاد والطائرات المُسيرة وتكنولوجيا الدفاع والأمن، لمواجهة مخاطر الجماعات المسلحة وشبكات التهريب في المنطقة.

لكن هذا لا ينفي سعيها للتوازن في علاقاتها، فزيارة وفد حلف الأطلسي تأتي بعد أسبوعين فقط من مشاركة وزير الدفاع الموريتاني في منتدى «الصين وأفريقيا للسلام والأمن» ببكين، ومباحثات مع نظيره الصيني الأدميرال دونغ جون، وهو ما يرى مراقبون أنه مؤشر على سياسة تنويع الشراكات الدفاعية.

ويرى محللون أن موريتانيا تسعى من خلال هذا التنويع إلى بناء قدرات عسكرية حديثة دون الانخراط الكامل في التزامات سياسية تفرضها عضوية كاملة في أي محور بعينه، مستفيدة من موقعها كـ«جزيرة استقرار» نسبية في منطقة مضطربة، تستضيف في الوقت ذاته لاجئين من مالي وتواجه تهديدات عابرة للحدود تشمل الإرهاب والتهريب والهجرة غير النظامية.