طهران تنفي التفاوض مع واشنطن وتبحث ممراً جديداً في «هرمز»

بقائي: تفاهم عُمان شرط لازم لا يكفي لفتح المضيق… و«الكرة في الملعب الأميركي»

جانب من مضيق هرمز (رويترز)
جانب من مضيق هرمز (رويترز)
TT

طهران تنفي التفاوض مع واشنطن وتبحث ممراً جديداً في «هرمز»

جانب من مضيق هرمز (رويترز)
جانب من مضيق هرمز (رويترز)

نفت إيران، الاثنين، وجود مفاوضات جارية مع الولايات المتحدة، وقالت إن المحادثات الحالية تقتصر على ترتيبات ثنائية مع سلطنة عُمان لإنشاء ممر مؤقت وآمن للملاحة في مضيق هرمز، وذلك بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن بدء جولة جديدة من المحادثات مع طهران.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، خلال مؤتمره الصحافي الأسبوعي، إن طهران ومسقط تتفاوضان بوصفهما دولتين ساحليتين على تحديد ممر ملاحي واحد يضم مسارين للدخول والخروج، موضحاً أن التفاهم المرتقب لا يعني تلقائياً إعادة فتح المضيق.

وأضاف أن المفاوضات مع عُمان استمرت «بجدية» خلال الأيام السبعة أو الثمانية الماضية، وشملت تبادل خرائط ودراستها بمشاركة خبراء والجهات الإيرانية المعنية، معرباً عن أمل طهران في التوصل قريباً إلى ترتيب مؤقت يضمن سلامة الملاحة.

وقال بقائي: «لا نجري حالياً مفاوضات مع الولايات المتحدة. مفاوضاتنا مع عُمان ومركزة على مضيق هرمز»، مضيفاً أن حضور أطراف أخرى في هذا المسار قد يكون «بنَّاءً أو مخرباً»، لكن الملف المطروح يظل شأناً بين إيران وعُمان.

وجاء النفي بعدما قال ترمب إن محادثات مع إيران ستبدأ بعد ظهر الاثنين، من دون أن يحدد مكان انعقادها أو هوية المشاركين فيها. ورد بقائي بأن وزير الخارجية عباس عراقجي سيتوجه إلى العراق للمشاركة في مراسم الأربعين، وأن أعضاء فريق التفاوض موجودون داخل إيران، مضيفاً أن طهران لا تستضيف خلال الأيام الحالية وفداً أجنبياً ولا تعتزم إرسال وفد للتفاوض في الخارج.

وكان عراقجي قد قال في مستهل اجتماع الحكومة، الأحد، إن المحادثات بين طهران ومسقط «تسير نحو الانتهاء وتطوي مراحلها الأخيرة»، من دون تحديد موعد إعلان نتائجها أو الكشف عن تفاصيل الترتيبات المقترحة.

ممر وسط بين مسارين

قدم بقائي تفاصيل أوسع عن التصور الإيراني للممر الجديد، قائلاً إن المفاوضات تبحث تحويل المسار الجنوبي، الذي يمر عبر المياه العُمانية، والمسار الشمالي، الذي يمر عبر المياه الإقليمية الإيرانية، إلى «مسار وسط» يراعي مصالح الدولتين الساحليتين وحساباتهما الأمنية والسيادية.

وأضاف: «نتحدث الآن عن ممر واحد له مسارا ذهاب وعودة، وليس عن مسارين أو ثلاثة مسارات منفصلة»، موضحاً أن الترتيب سيُستخدم بصورة مؤقتة إلى حين التوصل إلى نظام ثابت يحل محل نظام فصل حركة الملاحة المعروف دولياً بـ«TSS».

وتختلف هذه الصيغة عن تقرير سابق لـ«القناة 12» الإسرائيلية، أفاد بأن عراقجي وافق على مقترح يسمح للسفن بدخول الخليج العربي عبر المسار الشمالي داخل المياه الإيرانية، والخروج عبر المسار الجنوبي في المياه العُمانية.

وكانت وكالة «فارس»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، قد نفت في البداية صحة التقرير الإسرائيلي، ونقلت عن مصدر قريب من الفريق الإيراني المفاوض أنه لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن إعادة فتح المضيق.

كما نقلت عن مصدر عسكري قوله إن مضيق هرمز سيظل مغلقاً ما دامت «الإجراءات العدائية الأميركية» مستمرة، وإن عبور السفن سيبقى مقتصراً على المسارات التي تحددها طهران وبعد الحصول على تصريح من بحرية «الحرس الثوري».

وقال بقائي إن التفاهم مع عُمان بشأن المسار الآمن يمثل «شرطاً لازماً» لإعادة فتح مضيق هرمز، لكنه «ليس شرطاً كافياً»، مشدداً على أن تعطل الملاحة لم ينجم عن خلاف بين طهران ومسقط.

وأضاف أن وضع المضيق لن يشهد تغييراً جوهرياً ما دام ما وصفه بـ«العدوان الأميركي» والحصار البحري والهجمات على إيران ومصالحها مستمراً.

وقال إن القضايا المتعلقة بالعلاقات الإيرانية - الأميركية وتنفيذ واشنطن التزاماتها ستُبحث في مرحلة لاحقة، وفقاً لمسار التطورات.

خلاف على إدارة المضيق

قال بقائي إن إيران وافقت، بموجب البند الخامس من مذكرة تفاهم إنهاء الحرب الموقّعة في 18 يونيو (حزيران)، على وضع ترتيبات مستقبلية لإدارة المضيق وإعادة حركة الملاحة إلى مستوياتها السابقة للحرب خلال مهلة مدتها 30 يوماً.

وأضاف أن واشنطن لم تنتظر انتهاء المهلة، واستأنفت هجماتها على إيران في اليومين الحادي والعشرين والثاني والعشرين، قبل أن تعلن انهيار التفاهم بذريعة تعرض سفن لحوادث داخل المضيق.

واتهم الولايات المتحدة بمحاولة فتح المسار الجنوبي بصورة منفردة بعد يوم من زيارة وزير الخارجية الأميركي للمنطقة وإصداره بياناً مشتركاً مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي.

وقال إن طهران تُعدّ المسار الجنوبي مخالفاً للبند الخامس من مذكرة التفاهم، وترى أنه يضر بمصالحها الوطنية ويشكل خطراً بيئياً وأمنياً.

وزعم بقائي أن سفناً استخدمت المسار تحت ضغط القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، وأن بعضها كان يحمل معدات عسكرية، في حين عبرت قطع بحرية صغيرة مستفيدة من حماية السفن التجارية الكبيرة.

وأضاف أن الالتزام الإيراني كان يقتصر على توفير مسار آمن للسفن التجارية، وأن المضيق لم يكن مقرراً استخدامه لأغراض عسكرية.

وكانت طهران قد رفضت الأسبوع الماضي مقترحاً عُمانياً للإدارة المشتركة للمضيق، وتمسكت بأن تبقى إدارة حركة الملاحة تحت سيطرتها. وقال مسؤولون إيرانيون إن المضيق «لن يعود إلى وضعه الذي كان عليه قبل الحرب».

ولم يكشف بقائي عما إذا كانت الترتيبات المقترحة تتضمن فرض رسوم على السفن، وقال إن تفاصيل التفاهم لا تزال قيد التفاوض، وإن أي اتفاق سيضع في الحسبان الحقوق السيادية والأمن القومي والمصالح الوطنية والخدمات البحرية.

«الكرة في الملعب الأميركي»

كرر بقائي موقف طهران بأن واشنطن هي التي نقضت مذكرة تفاهم إنهاء الحرب، عبر استئناف الهجمات وإعادة الحصار البحري وإلغاء السماح ببيع النفط الإيراني.

وقال: «نحن لم ننقض مذكرة التفاهم. الولايات المتحدة هي التي نقضتها»، مضيفاً أنه، باستخدام تعبير رياضي، فإن «الكرة موجودة منذ فترة طويلة في الملعب الأميركي».

وأوضح أن باكستان لا تزال الوسيط في القضايا المتعلقة بإيران والولايات المتحدة، في حين تقدم قطر المساعدة عند الحاجة، نافياً أن تكون الصين قد انضمت رسمياً إلى قائمة الوسطاء.

وقال إن بكين، بوصفها شريكاً وثيقاً لإيران، تسعى إلى منع اتساع المواجهة، لكنها لا تؤدي دور «وسيط جديد» بالمعنى الدقيق.

ورفض بقائي انتقادات داخلية اتهمت وزارة الخارجية بتغليب لغة الحرب على الدبلوماسية، قائلاً إن الوزارة تعمل في ظروف «حرب حقيقية» ولا تستطيع تجاهل مقتضياتها.

وأضاف أن إيران لم تُخيّر بين الحرب والسلام، وأن الولايات المتحدة «لم تهاجم إيران طلباً للسلام»، مشدداً على أن «الخارجية» لا تعدّل مواقفها إرضاءً للتيارات السياسية.

كما وصف اعتراض السفن التجارية الإيرانية ومهاجمتها أو إخضاعها للعقوبات والترهيب بأنه «قرصنة بحرية»، وقال إن ذلك يعكس استمرار واشنطن في مسار المواجهة رغم حديثها عن الدبلوماسية.

وكان الرئيس الأميركي قد أعلن تعليق هجوم جديد على إيران، مشترطاً التوصل سريعاً إلى اتفاق يشمل إعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء ما وصفه بـ«التهديد النووي الإيراني».

لكن مسؤولين عسكريين إيرانيين رفضوا روايته بأن طهران طلبت تأجيل الهجوم، ووصفوها بأنها «كذبة جديدة»، مؤكدين أن القوات الإيرانية لا تزال في أعلى درجات الاستعداد.

وقال بقائي إن إيران تثمّن الجهود التي تبذلها السعودية ودول المنطقة لمنع اتساع الحرب، في إشارة إلى الاتصالات الإقليمية التي سبقت إعلان ترمب تعليق هجومه المقرر على إيران.

لكنه قال إن ما منع الولايات المتحدة من توسيع عملياتها، هو «قوة إيران وقدرتها على الردع»، وليس الاتصالات الدبلوماسية وحدها.

وأضاف أن أمن المنطقة «غير قابل للتجزئة»، وأن انعدام الأمن في دولة واحدة سينتقل إلى الدول الأخرى، داعياً الدول المجاورة إلى بناء ترتيبات أمنية على أساس التعاون والثقة المتبادلة.

وقال بقائي إن طهران لا تستهدف دول الجوار. وأضاف أن استمرار الوجود العسكري الأميركي في دول المنطقة «لا ينتج سوى انعدام الأمن والانقسام والخلاف».


مقالات ذات صلة

ترمب: نجري محادثات بنّاءة مع إيران ولن نهاجمها قبل الانتخابات

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلوّح للصحافيين أثناء سيره في الحديقة الجنوبية عند وصوله إلى البيت الأبيض يوم 8 أكتوبر 2026 (أ.ب)

ترمب: نجري محادثات بنّاءة مع إيران ولن نهاجمها قبل الانتخابات

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، إن الولايات المتحدة تُجري محادثات مثمرة مع إيران ولن تشن هجوماً عليها قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي مشهد عام لسوق الشورجة في بغداد 7 أكتوبر 2026 (رويترز)

بغداد تتحرك لاحتواء «صدمة الدولار»... ودعوات للاحتجاج

حاولت الحكومة العراقية احتواء خفض قيمة الدينار، من خلال تأجيل استيفاء رسوم وضرائب على سلع أساسية، بينما تتواصل ردود الفعل السياسية الغاضبة من القرار.

حمزة مصطفى (بغداد)
الاقتصاد سفينة شحن راسية في ميناء الفجيرة (رويترز)

النفط يقفز 4 % إلى 104 دولارات مع تصاعد توترات الشرق الأوسط

قفزت أسعار النفط الخميس مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، ما جدد المخاوف بشأن إمدادات الخام العالمية.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ)
الاقتصاد ناقلة نفط تبحر عبر مضيق البوسفور من البحر الأسود باتجاه بحر مرمرة في إسطنبول (أ.ب)

النفط يرتفع مع تصاعد مخاطر الإمدادات وهجمات الشحن في الخليج

ارتفعت أسعار النفط في التعاملات المبكرة الخميس، مع استمرار المخاوف بشأن إمدادات الخام من منطقة الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد خزانات التخزين في مصفاة لافيرا النفطية بمارتيغ - جنوب فرنسا (أ.ف.ب)

«الطاقة الدولية» تدفع لتسريع الإفراج عن 100 مليون برميل نفط وسط أزمة الوقود

اتفقت وكالة الطاقة الدولية، الأربعاء، على تسريع الإفراج عن مخزونات النفط المعلنة في مارس (آذار)، مع إعطاء الأولوية لمخزونات الديزل.

«الشرق الأوسط» (باريس)

«الكردستاني» يسحب مسلحيه من تركيا

الرئيسة المشاركة لـ«اتحاد مجتمعات كردستان» ويسي هوزات تقدمت 30 مسلحاً من «العمال الكردستاني» في مراسم رمزية لإحراق الأسلحة شمال العراق يوم 11 يوليو 2025 (رويترز)
الرئيسة المشاركة لـ«اتحاد مجتمعات كردستان» ويسي هوزات تقدمت 30 مسلحاً من «العمال الكردستاني» في مراسم رمزية لإحراق الأسلحة شمال العراق يوم 11 يوليو 2025 (رويترز)
TT

«الكردستاني» يسحب مسلحيه من تركيا

الرئيسة المشاركة لـ«اتحاد مجتمعات كردستان» ويسي هوزات تقدمت 30 مسلحاً من «العمال الكردستاني» في مراسم رمزية لإحراق الأسلحة شمال العراق يوم 11 يوليو 2025 (رويترز)
الرئيسة المشاركة لـ«اتحاد مجتمعات كردستان» ويسي هوزات تقدمت 30 مسلحاً من «العمال الكردستاني» في مراسم رمزية لإحراق الأسلحة شمال العراق يوم 11 يوليو 2025 (رويترز)

أعلن «حزب العمال الكردستاني» أنه سحب، مسلحيه من داخل الأراضي التركية والمناطق القريبة، في إطار مساعيه لتسريع عملية السلام.

وقال «الحزب» إنه سحب، قبل أيام قليلة، جميع مسلحيه «الموجودين داخل الأراضي التركية والمناطق القريبة من الحدود، التي لم تكن تشكّل أي خطر لاندلاع نزاع»، عادّاً أنه يكون «بذلك قد نفذ جميع الخطوات المتعلقة بإنهاء الكفاح المسلح، والانتقال إلى العمل السياسي الديمقراطي» في إطار «عملية السلام». وذكر الحزب أنه أخلى أيضاً 4 أنفاق ومواقع عسكرية في متينا غرب زاب (شمال العراق) في الفترة ذاتها، على الرغم من بُعدها عن الحدود، حتى لا تعدّها الدولة التركية تهديداً.

وتوقع الرئيس المشارك لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» التركي المؤيد للأكراد، تونجر باكيرهان، أن يعلَن عن انتهاء نزع الأسلحة تماماً في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، استناداً إلى القراءات الميدانية والمعلومات التي تلقاها حزبه من شمال العراق. وقال باكيرهان، في مقابلة تلفزيونية، إن «عملية السلام» تقترب تدريجاً من إتمامها، مؤكداً أن هناك ثقة حقيقية بها مقارنة بالعملية التي أُجريت بين عامي 2013 و2015.


بوتين يلتقي بزشكيان في تركمانستان

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان خلال لقاء في موسكو يوم 17 يناير 2025 (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان خلال لقاء في موسكو يوم 17 يناير 2025 (رويترز)
TT

بوتين يلتقي بزشكيان في تركمانستان

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان خلال لقاء في موسكو يوم 17 يناير 2025 (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان خلال لقاء في موسكو يوم 17 يناير 2025 (رويترز)

أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين محادثات، الخميس، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان قبيل قمة إقليمية في تركمانستان، وجدد له استعداد موسكو للمساعدة في تسوية الحرب في الشرق الأوسط، وفق ما أفادت وكالات الأنباء الروسية.

وقال بوتين: «نحن مستعدون لبذل كل ما في وسعنا للمساهمة في تسوية هذا الوضع»، عادّاً أن إيران تبذل «جهوداً حقيقية لإنهاء النزاع» الذي اندلع بضربات أميركية-إسرائيلية عليها في 28 فبراير (شباط)، حسب «وكالة الصحافة الفرنسية».

يأتي ذلك وسط تواصل المساعي الإقليمية لدفع الحوار بين واشنطن وطهران وخفض التصعيد، في وقت شدّدت إيران لهجتها تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل، ملوّحة بالرد على أي هجوم جديد، بينما أبقت في الوقت نفسه على استعدادها للتفاوض بشأن برنامجها النووي مع تأكيدها أنها لن تتنازل عن حقوقها «تحت أي ظرف»..


تحذيرات أميركية من هجمات جديدة في أديس أبابا تثير قلقاً

عناصر من «قوة سلام تيغراي» الموالية للحكومة الإثيوبية خلال دورية في شوارع ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)
عناصر من «قوة سلام تيغراي» الموالية للحكومة الإثيوبية خلال دورية في شوارع ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)
TT

تحذيرات أميركية من هجمات جديدة في أديس أبابا تثير قلقاً

عناصر من «قوة سلام تيغراي» الموالية للحكومة الإثيوبية خلال دورية في شوارع ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)
عناصر من «قوة سلام تيغراي» الموالية للحكومة الإثيوبية خلال دورية في شوارع ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)

وجّهت الولايات المتحدة تحذيراً لرعاياها في إثيوبيا من هجمات محتملة، وسط نزاع مسلح بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي»، التي تزعم أديس أبابا أنها تتلقى دعماً من الجارة إريتريا، رغم نفي أسمرة.

ويعني ذلك التحذير أن مستوى المخاطر وتوسعها لا يزالان قائمين ويثيران قلقاً، ويفتحان سيناريوهات عدة، أبرزها حرب استنزاف إثيوبية داخلية، أو صدام إثيوبي-إريتري، أو احتواء للتصعيد بوساطة دولية، بحسب تقديرات خبير إثيوبي في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط».

واندلعت المعارك بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية في 23 سبتمبر (أيلول) الماضي، ما أثار مخاوف من عودة الحرب الأهلية المدمرة التي شهدتها البلاد بين عامَي 2020 و2022، ومن اتساع نطاق النزاع إقليمياً.

وتثير المعارك مخاوف من اندلاع حرب أوسع نطاقاً، خصوصاً في حال انسحاب مقاتلي «جبهة تحرير تيغراي» عبر الحدود إلى إريتريا، المتهمة بدعمهم في هذه الجولة من النزاع.

ووسط تلك المعطيات، أصدرت السفارة الأميركية في إثيوبيا تحذيراً أمنياً، الأربعاء، لرعايا بلادها من «احتمال وقوع هجمات بعيدة المدى تستهدف منشآت عسكرية إثيوبية في عدة مناسبات خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول)»، داعية إياهم لعدم السفر إلى أقاليم تيغراي وأمهرة وعفر.

ويرى الباحث الإثيوبي في الشؤون الأفريقية موسى شيخو، أنه «لا يمكن قراءة التحذيرات الأميركية من هجمات محتملة داخل إثيوبيا بمعزل عن التصعيد العسكري في تيغراي والتدهور المتسارع للعلاقات بين أديس أبابا وأسمرة».

وأعرب خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» عن اعتقاده بأن «هذه التحذيرات لا تعني بالضرورة قرب وقوع هجوم، لكنها تعكس ارتفاع مستوى المخاطر واتساع نطاق التهديدات المحتملة، وتزيد القلق الواسع بشأن الفترة المقبلة».

اتهامات لإريتريا

وشنت طائرات مسيّرة إثيوبية عدة غارات استهدفت قوات إريترية كانت قد وصلت إلى مدينة في شمال إقليم تيغراي، حسبما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس، نقلاً عن منظمة «أكليد» المعنية برصد النزاعات وعن شهود عيان.

وتدهورت العلاقات بقوة في الآونة الأخيرة بين البلدين الجارين اللذين خاضا حرباً حدودية بين عامَي 1998 و2000. ومع الاتهامات الإثيوبية لإريتريا بدعم المتمردين في إقليم تيغراي بشمال البلاد، قطعت الجارتان علاقاتهما الدبلوماسية الأسبوع الماضي.

وقالت وزيرة الاتصال الحكومي الإثيوبية إيناتاليم ميليسي لوكالة «بلومبرغ»، الأربعاء: «يجب على جميع القوات العسكرية الأجنبية العاملة داخل أراضينا السيادية الانسحاب فوراً. وعلى وجه الخصوص، يتعين على القوات الإريترية العاملة في تيغراي مغادرة الأراضي الإثيوبية دون تأخير».

وقاتلت إريتريا إلى جانب إثيوبيا ضد الجبهة «الشعبية لتحرير تيغراي» خلال الحرب الأهلية التي استمرت من 2020 إلى 2022، غير أن العلاقات سرعان ما تدهورت وسط اتهام أديس أبابا لأسمرة بدعم الجبهة، على خلفية مخاوف لدى إريتريا من أن تكون إثيوبيا تخطط لغزو أراضيها للحصول على منفذ مباشر إلى البحر الأحمر.

أفراد من «قوة سلام تيغراي» الموالية للحكومة الإثيوبية يتفقدون مركزاً للشرطة في تيغراي (أ.ف.ب)

ويقول الباحث شيخو: «التطورات الميدانية المرتبطة بوجود قوات إريترية داخل شمال إثيوبيا تشير إلى أن الأزمة قد تتجاوز حدود الصراع الداخلي، لتكتسب بُعداً عسكرياً مباشراً بين دولتين، رغم النفي الإريتري لهذه التقارير».

وكان مصدر إريتري مسؤول قد نفى، الأربعاء، وجود قوات لبلاده في إقليم تيغراي، لكنه لم يستبعد في حديثه مع «الشرق الأوسط» الصدام مع إثيوبيا لو مسَّت حدود بلاده. وقال المصدر، الذي فضَّل عدم ذكر اسمه: «لا قوات إريترية في تيغراي، ولكن الاحتكاك والصدام واردان، إذا تم المساس بالحدود الإريترية، فهذا طبيعي».

3 سيناريوهات

ورغم هذا النفي، يعتقد شيخو أن أمام المنطقة ثلاثة سيناريوهات، تتمثل في «احتواء التصعيد عبر الضغوط الدبلوماسية، أو استمرار حرب استنزاف في تيغراي، أو الانزلاق إلى مواجهة إثيوبية–إريترية مفتوحة».

أما إقليمياً، فقد تمتد التداعيات إلى السودان وعفر وأمهرة، وتزيد التوترات المرتبطة بأمن البحر الأحمر والتنافس على النفوذ.

وإلى جانب إريتريا، تشهد العلاقات بين إثيوبيا والسودان توتراً على خلفية اتهام الخرطوم لأديس أبابا بدعم ميليشيات مسلحة ضد الجيش، واتهام إثيوبي بدعم سوداني لـ«جبهة تحرير تيغراي» وتحالف مسلح دُشن الشهر الماضي لإسقاط حكومة آبي أحمد.

وإزاء تلك التعقيدات، يعتقد شيخو أن «الخطر الأكبر ليس في تعدد الأزمات وحده، بل في احتمال تداخلها وتحولها إلى صراع إقليمي يصعب احتواؤه».