النشاط العلمي والثقافي في الكويت منذ نهاية القرن الـ19

باحثة سعودية تتناول التحولات السياسية والاقتصادية وتأثيراتها

بواكير التعليم في البلاد: طلاب في المدرسة المباركية في الكويت
بواكير التعليم في البلاد: طلاب في المدرسة المباركية في الكويت
TT

النشاط العلمي والثقافي في الكويت منذ نهاية القرن الـ19

بواكير التعليم في البلاد: طلاب في المدرسة المباركية في الكويت
بواكير التعليم في البلاد: طلاب في المدرسة المباركية في الكويت

في دراستها التي حملت عنوان: كتاب: «الحياة العلمية والثقافية في الكويت (1899 - 1961)»، تناولت الباحثة السعودية في التاريخ الحديث مشاعل بنت سعد الرويس، الحياة العلمية والثقافية في الكويت منذ عام 1899، وهو العام الذي شهد توقيع اتفاقية الحماية بين الكويت وبريطانيا.

يبحث الكتاب الذي يقع في 446 صفحة، نشأة الحياة العلمية والثقافية في الكويت وتطورها كما يكشف عن طبيعة العلاقة بين التحولات السياسية والاقتصادية من جهة، ونمو النشاط العلمي والثقافي من جهة أخرى. وقد كان الكتاب في الأصل رسالة دكتوراه نوقشت في قسم التاريخ بجامعة الملك سعود.

ركود ثقافي

تقول الباحثة إن الكويت كانت شبه خالية من أوجه النشاط العلمي والثقافي حتى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي؛ فقد مرّت الحياة الثقافية في الكويت منذ نشأتها وحتى عام 1316هـ / 1899م بمرحلة من الركود الثقافي، سواء أكان ذلك في الأنشطة التعليمية أم المكتبات أم الأندية والصحافة المحلية.

واتسمت هذه المرحلة بشبه عزلة للمجتمع الكويتي عن الحياة الثقافية في العالم؛ وقد ترجع هذه العزلة الثقافية إلى طبيعة الحياة الصعبة في الكويت في تلك الحقبة؛ حيث كان الكويتيون يسعون أولاً في مجتمع بدائي من أجل الحصول على لقمة العيش، إضافة إلى أن التعليم في الكويت كان تعليماً تقليدياً مشابهاً لما كان سائدة آنذاك في بقية إمارات الخليج العربي، ومن ثَمّ لم يكونوا في وضع يساعدهم على الدخول أو المشاركة في أي اتجاه ثقافي حينها.

النهضة الثقافية

ثم بدأت بوادر النهوض بالوعي الثقافي منذ نهاية القرن التاسع عشر الميلادي؛ فالنشاط الثقافي في الكويت في الفترات السابقة لتأسيس الدولة ونظام الحكم واكتشاف النفط كان على المستوى الأهلي أو الشعبي بجهد تطوعي قام به أصحاب المال من الموسرين مثل الأمراء وكبار التجار.

وأسهمت نشأة المدارس في تطور الحياة التعليمية والثقافية في المجتمع الكويتي في هذه الفترة، ومنها:

المدرسة المباركية: التي فتحت أبوابها في أول محرم عام 1330هـ / 22 ديسمبر (كانون الأول) 1911م بتبرع عدد من رجال الدولة والوجهاء، عندما طرح بعض رجال العلم والرأي فكرة إنشاء مدرسة نظامية في الكويت وعلى رأسهم (يوسف بن عيسى القناعي). وقد أُطلق عليها اسم «المباركية» تقديراً من هؤلاء المؤسسين للشيخ مبارك الصباح.

تلاها افتتاح المدرسة الإرسالية التبشيرية الأميركية، تم افتتاحها عام 1911م على يد الطبيب الأميركي (إدوين كالفرلي - Edwin Calverley) واهتمت بالتعليم.

ثم مدرسة الجمعية الخيرية، وكان افتتاحها في مارس (آذار) 1913م من مؤسسها (فرحان فهد آل خالد)، وهو من أسرة كويتية مشهورة كثيرة السفر للتجارة.

أما المدرسة الأحمدية، فقد اُفتتحت في مطلع عام 1921م، وكان الشيخ أحمد الجابر أول المتبرعين والمساهمين في إنشائها من خلال تبرعه بأرض، إضافة إلى تبرع سنوي بمبلغ ألفي روبية من دخله الخاص، كما أسهم عدد من رجال الكويت وأعيانها وتجارها إسهاماً كبيراً في إقامتها.

إضافة إلى ذلك، ساهمت مدارس الكتاتيب هي الأخرى في نشاط الحركة التعليمية في الكويت إبان تلك الفترة، ومن أبرزها: مدرسة العامرية، والسعادة، والملا مرشد، والإرشاد الأهلية.

ونظراً لازدياد عدد المدارس والحاجة الماسة لتنظيم عملها، تم إنشاء مجلس المعارف عام 1936م. وعلى أثره أصدر المجلس نظاماً للتعليم سُمي «قانون المعارف الكويتي» عام 1937م لتنظيم العملية التعليمية من خلال رسم خطة لها، ووضع مناهج الدراسة، وتعيين الأعضاء، وانتخاب المرشحين، ووضع اللوائح القانونية للأنظمة الخاصة به، والذي بات نواة لوزارة التربية الكويتية فيما بعد. وأصبح المجلس هو المسؤول عن الإنفاق على التعليم وتمويله بعد أن كان يعتمد كلياً على التبرعات.

النفط والتعليم

وبموجب الحماية البريطانية على الكويت، كان لبريطانيا سلطة في رسم السياسات التعليمية باستغلال نفوذها الواسع في المنطقة العربية، مثل: التدخل في اختيار المدرسين من الدول العربية، وإيقاف دخول بعض المدرسين إلى الكويت بسبب اتجاهاتهم السياسية، والتحكم في البيئة المدرسية من خلال مستشارين بريطانيين.

ثم تولت السلطة الحكومية الكويتية المسؤولية كاملة في الإنفاق على المجال التعليمي بعد اكتشاف النفط وتصدير أول شحنة من النفط الخام من حقولها بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في عهد الشيخ أحمد الجابر.

وقد شكلت عائدات النفط مورداً مهماً، وبناءً عليه بدأت المؤسسات التعليمية بالانتشار، ورُصدت ميزانيات الصرف على النشاط الثقافي بعد ازدياد عدد المثقفين، واضطلع المستثمرون والمؤسسات الثقافية بدورهم في التطور الفكري. وبعد وفاة الشيخ أحمد، تولى الشيخ عبد الله السالم الحكم عام 1950م، فشهدت الكويت في عهده تطوراً كبيراً في الخدمات التعليمية كما تقدمت وتوسعت كثيراً بعد أن رُصدت ميزانية ضخمة خُصصت لها.

كما يتضح أن صادرات النفط الكويتي شكلت عوائد مالية أحدثت تغيراً ملحوظاً في جميع نواحي الحياة في المجتمع الكويتي، ومنها - بلا شك - إحداث نقلة حضارية ونهضة تعليمية شاملة في العمارة الحديثة لبناء المدارس؛ فتحولت من المدارس الطينية الضيقة إلى مدارس ضخمة مبنية من الطوب الإسمنتي والخرسانات المسلحة، وأُنشئت على طراز معماري حديث، فعُدَّت من أجمل المدارس الحديثة في العالم العربي؛ إذ احتوت على ملاعب وصالات ومسارح كبيرة وقاعات واسعة تتوفر فيها جميع الوسائل التعليمية والمكتبات المليئة بالكتب الحديثة والمراجع.

وكان التعليم في مدارس الكويت مجانياً بجميع مراحله الدراسية؛ حيث كانت تُوزع على جميع الطلاب الكتب والقرطاسية والملابس ووسائل النقل المجانية، فضلاً عن توفر الرعاية الطبية للجميع. وكان التركيز على التغذية جزءاً مكملاً للنشاط التربوي والصحي؛ إذ احتوت بعض المدارس على مطاعم خاصة بها، أما المدارس التي لا يوجد بها مطاعم فكان يتم تزويدها من المطبخ المركزي لدائرة المعارف.

ومما ينبغي ذكره مشاركة الكويت في المؤتمر العربي الثاني لوزراء المعارف العرب الذي عُقد في الإسكندرية عام 1950م لتطوير التعليم. وبعد حضور المؤتمر، طلب المسؤولون في مجلس المعارف زيارة مستشارين عرب لدراسة نظام التعليم في مدارس الكويت ووضع تقرير مفصل يشمل جميع الملاحظات والمقترحات المهمة.

كما شملت مظاهر التطوير والتغيير شتى النواحي الثقافية، وقد أدت النهضة التعليمية في الكويت مجتمعةً إلى نهضة فكرية وثقافية في الإمارة عموماً، من خلال الدور الفعَّال للأندية الثقافية والفكرية في نمو الوعي السياسي داخل المجتمع الكويتي على الصعيدين المحلي والقومي؛ حيث: انتُخب أول مجلس شورى عام 1921م، وضمَّ اثني عشر عضواً من وجهاء الكويت. تلاه المجلس التشريعي الأول عام 1938م بعد موافقة الشيخ أحمد الجابر على تأسيسه في 2 يوليو (تموز) 1938م واختيار الشيخ عبد الله السالم رئيساً له. ثم تشكيل مجلس استشاري لإدارة شؤون البلاد عام 1939م أُطلق عليه المجلس التشريعي الثاني برئاسة الشيخ عبد الله السالم.

وأبرزت الكاتبة إسهامات العلماء والمثقفين في إثراء الحياة العلمية في الكويت من خلال دروسهم وما يقدمه القضاة والوعاظ والفقهاء في مجالسهم؛ ومن أشهرهم: (محمد بن عبد الله محمد العدساني)، (عبد الله بن خالد العدساني)، و(عبد الله بن خلف الدحيان) وغيرهم. وقد وضع هؤلاء اللبنات الأولى للنهضة التعليمية الحديثة في الكويت من حيث المناهج والاستعانة بالخبرات التعليمية وغير ذلك من الآليات الحديثة التي ساعدت على تطور التعليم.

كما ذكرت الدراسة عدداً من العلماء في الكويت ومؤلفاتهم العلمية وإجازاتهم، وأبرزت دورهم السياسي في بعض المواقف التي عاصروها إقراراً أو رفضاً؛ فلم يقتصر دور العلماء على الجانب التعليمي أو التربوي أو الدعوي فحسب، وإنما أسهموا في توجيه الأحداث السياسية، ومنها قيادة النضال الشعبي ضد البريطانيين.

كما شكلت آراء المثقفين ومؤلفاتهم ومواقفهم مناخاً لا يقل أهمية عن دور العلماء؛ ومنهم: (يوسف بن عيسى القناعي)، (عبد العزيز بن أحمد الرشيد)، (أحمد مشاري العدواني)، و(أحمد محمد الخطيب) وغيرهم؛ إذ أسهموا إبان فترة الدراسة في الإصلاح الاجتماعي والسياسي بدولة الكويت، وبرز تأثيرهم السياسي منذ العقد الثالث حتى السادس من القرن العشرين.

ولم يقف الأثر الناجم عن تطور الحياة العلمية والثقافية في الكويت خلال فترة الدراسة على المستوى المحلي الداخلي فحسب، وإنما امتدت آثاره للبلدان المجاورة من خلال إقامة المدارس وإرسال البعثات التعليمية والتكفل بدفع مرتباتهم، علاوة على تطوير المناهج الدراسية في بعض إمارات الساحل المتصالح (العُماني) - مثل إمارة الشارقة - لدعم التعليم الحديث في مدارسها؛ فعندما بعث حاكم إمارة الشارقة صقر بن سلطان القاسمي عام 1952م مستشاره إلى الكويت لإيفاد عدد من المعلمين، أرسلت دائرة المعارف الكويتية بناءً على ذلك وفداً إلى الشارقة برئاسة مدير المعارف عبد العزيز حسين عام 1953م. وعلى أثر ذلك، دعمت الكويت التعليم أيضاً في كل من إمارة دبي، وإمارة عجمان، وأم القيوين وغيرها.

ولم يقتصر الدور الكويتي في مجال التعليم والثقافة على حدود البلدان العربية المجاورة، بل أخذ منحى الدور الإسلامي ككل؛ فقد أوضحت الدراسة الدور الذي لعبته الكويت في هذا المضمار في الهند، وذاك نتيجة الإقامة الطويلة لبعض التجار الكويتيين والعرب وعائلاتهم في الهند وباكستان، تحقيقاً لرغبة المسلمين في تعليم أبنائهم اللغة العربية ومبادئ الدين الإسلامي.

وقد تم افتتاح مدرسة في مدينة بومباي الهندية في منتصف القرن العشرين (وتحديداً عام 1952م) وقامت بابتعاث المدرسين إليها؛ ومنهم عدد من المدرسين المصريين الذين أرسلتهم الحكومة الكويتية بعائلاتهم للاستقرار هناك والعمل في تلك المدرسة التي أصبحت مركزاً ومنارة للعلم يفد إليها الراغبون في التعلم من أبناء الجاليات العربية والإسلامية في الهند.

كما نالت باكستان جانباً مهمّاً من الاهتمام والرعاية الكويتية في مضمار التعليم والثقافة؛ حيث أنشأت الحكومة الكويتية مدرسة في كراتشي الباكستانية في العام التالي مباشرة لتأسيس مدرسة بومباي. وقد أسهمت كلتا المدرستين بلا شك في تعليم اللغة العربية والقرآن الكريم وعلومه، وبذلك يتجلى الدور الكويتي البارز في خدمة اللغة العربية والدعوة الإسلامية في تلك البلاد غير العربية، ونشاطها في الحفاظ على الهوية العربية والمد الإسلامي منذ عقود طويلة.


مقالات ذات صلة

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

ثقافة وفنون الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

في أقصوصة فرانز كافكا «المسخ» يستيقظ شاب يدعى جريجور سامسا من نومه ذات صباح ليجد نفسه وقد تحول في فراشه إلى حشرة مقلوبة على ظهرها لا تملك أن تعتدل فتروح تتخبط..

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون «ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

بعين حساسة تجاه ثراء المشاهد البصرية ووجدان مرهف الحس، يحول الفنان التشكيلي المصري سمير فؤاد مذكراته إلى لوحة بانورامية دافئة يمتزج فيها الحنين بالأسى

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين

صدرا أخيراً عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة؛ للأديبة العراقية «عالية طالب» كتابها الجديد «القاهرة - بغداد: حكايات على ضفاف النهرين».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون النقد البيئي في الأدب العربي

النقد البيئي في الأدب العربي

صدر أخيراً عن دار النابغة في القاهرة كتاب «إيكولوجيا النص الأدبي: دراسات نظرية وتطبيقية مترجمة في النقد البيئي المعاصر»، ترجمة وتحرير معتز سلامة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون إلياس خوري

من يتذكر كلية التربية اللبنانية؟

إذا كان مقدّراً لكل جيل من الأجيال أن يواجه نصيبه من التحديات، وأن يحمل من السمات الثقافية والفكرية والاجتماعية، ما يمكن أن يصبح إنجازه الخاص وعلامته الفارقة...

شوقي بزيع

عالية ممدوح تكتب عن «النقص الذي يصنع معنى حياتنا»

عالية ممدوح
عالية ممدوح
TT

عالية ممدوح تكتب عن «النقص الذي يصنع معنى حياتنا»

عالية ممدوح
عالية ممدوح

يُلزمنا غلاف «خلوة النقص: الآداب - 2026» على اعتماد هوية الكتاب الجديد للكاتبة العراقية عالية ممدوح، وهي المثبتة على غلاف الأمامي للكتاب، فهي «رواية»؛ وهذه عتبة أولى أساسية للكتاب، وليس بوسع القارئ، أبداً، القفز على هذا التحديد الأجناسي الرئيس. لكن القراءة الأولى للكتاب، ربما حتى العاشرة بعد الألف، تقول لنا إن الكتاب هو سيرة ذاتية لكاتبة «الغلامة»، وهو، بدقة أكثر، سيرة مريضة في نزاعها مع الألم. ثمة أدلَّة نصية لسانية تؤيد هذا الفرض، بل وتؤكده، ليس آخرها التزام سيرة الكاتبة المعروفة لدينا، نحن قراءها. نتحدَّث هنا عن سيرة الكاتبة عالية ممدوح بمحطات حياتها المعروفة لدينا. ولا ينتهي ميثاق السيرة بصيغة الراوي المتكلم، فهذا من نافلة القول، برغم أن عدم وجود «المتكلِّم» لا ينفي جنس السيرة الذاتية، ولا يلغي أن خطاب السيرة الذاتية تشكِّله صيغ لسانية وثقافية ورؤية تُغالب هوية الجنس الأدبي ذاته وتخترقه، بل وتعيد توجهه. فهل يكفي هذا لمغالبة «رغبة» الكاتبة المكرَّسة في توصيف وتسمية نصها؟ لا أظن؛ فهوية الجنس الأدبي وصفته النوعية اللسانية تقرِّرها إرادة «الكاتب»ـة ورغبته، مثلما هو ذاكرة نصية وصفة تاريخية مختلفة من عصر لآخر. ولا بأس؛ فالسيرة الذاتية، أو حتى الغيرية عامة، مثل الرواية تعيدان تحديد خصائهما النوعية حسب موضوعهما، وهو هنا سردية المرض الكبرى. ولا مغالطة أبداً؛ فثمة سردية تكبر وتتضخم موضوعها المرض.

غلاف خلوة النقص

ونظل عند حدود التصنيف الأجناسي لـ«خلوة النقص»؛ أهي سيرة ذاتية للكاتبة العراقية المعروفة عالية ممدوح، أم هي رواية؟ هل الإجابة مهمة؟ نزعم أنها الأصل في أي قراءة ممكنة لـ«خلوة النقص»، فالنزوع السيري، الذاتي، غالباً، للمؤلف الكاتب، هو الجوهر الأساسي لنصوص ما بعد الحداثة عامة، فهي نصوص تؤسس لمجالها الصنفي بنفسها، وتسعى لمغالبة الذاكرة الأجناسية المسبقة. وأول ما يخطر ببال القارئ في هذا السياق المتمرد هو رفض الإيهام بالواقع المتبنى منذ القدم، فيجري تبريز الواقع ليس كما هو، إنما يجري إعادة اختراعه بالاستعانة بمسمياته. هكذا سنجد «خلوة النقص» تعيد تأسيس الحكاية على أساس من سيرة الكاتبة ذاتها. نحن هنا إزاء كتابة جديدة لسيرة الكاتبة تحت ضغط موضوع أساسي جديد هو المرض المهدِّد للحياة. ألم نقل إننا في سياق سردية كبرى اسمها المرض!

لكن المرض، أو سرديته الضاغطة، لا تأتي بصفتها المجردة، كما يمكن أن نجدها في نصوص مماثلة؛ فهو «خلوة» خاصة ومخصوصة للنقص. فما النقص هنا؟ إنه المكان الذي نهبط إليه في «المصاعد» الكهربائية، تحت الأرض، في البنايات الكبرى، مثلما هو في البنايات السكنية والمولات وما يتصل بها من بناء كبير يحتوي على طوابق فوقية، وأخرى أرضية سالبة، كما ترسم علامات السالب في لوحات السيطرة الخاصة بالمصاعد. نحن نهبط، هنا، مع الكاتبة إلى «النقص» ونحقق «خلوة» مع «النفس» وأوهامها، فيكون المرض مجازاً كليّاً عن حياتنا. والنقص حكاية الجميع، مثلما أن الخلوة تسع الجميع.

المرض... تاريخ آخر للعائلة

ليس المرض قدراً فردياً يتعثر به المرء فينجو أو يموت بسببه، إنما هو قدر العائلة المنحوسة، عائلة الكاتبة التي «تركت» بلادها المضطربة واستقرت، بعد تشرد طويل، في باريس. هذا استهلال غير كافٍ لرواية تريد أن تجعل من المرض سردية كبرى، سوى أنه يُفيدنا في ضبط سردية المرض؛ فلا أمراض موسمية، إنما هي أمراض ذات سمات رتيبة ومتكرَّرة، كما أن الإحساس بالمرض يشبه الانتظام في «مدرسة داخلية». هل يعني هذا أن النقص سمة خاصة بعائلة الكاتبة؟ هو، كذلك، ولا شكَّ؛ بل إنه الدلالة الأساسية الأولى لسردية النقص. فالنسيان نقص، واللغة يصيبها النقص، والبلد نقص أكيد، والحياة كلها نقص، حتى الذاكرة نقص، وكذلك النسيان إنه نقص فادح. وفي المستهل تشدد الكاتبة، في خلوتها بالمستشفى العسكري، على أن «النقص» يتعلَّق، ابتداءً، بالتصرفات الشخصية كلها؛ ويتَّسع ليفرض سلطانه علينا فيصنع، ببراعة، مصائرنا وطرائق، وربما حتى مواقيت رحيلنا.

لكن النقص يتضخم بقصدية واضحة حتى كأنه صار الرواية كلها؛ فهو ذو صيغة سردية كلية تريد منها الكاتبة مراجعة مقولة الرواية وما تعتمده من وسائل خادعة، وربما مخادعة. أول ما ينقص هو المعنى ذاته. نتحدث عن الدلالة المضمرة للنقص، وهو القول بتهافت المعنى وضموره. فماذا يعني ضمور المعنى، وربما، حتى تلاشيه؟ إنه يُفيد أن النقص يرمي شباكه بعيداً فيصيب قدرة العالم السردي على إنتاج معنى يُعتدُّ به؛ فليس النقص هنا ما يختصُّ قدرة الجسد على المقاومة والحركة، إنما هو نقص المعنى. لنأخذ هنا نقص المعرفة، لماذا لا أقول الإدراك، فيما يخص إشكالية كنايات الراوي، من يتولى سرد وقائع النقص: هل هو كاف المخاطب أو ياء المتكلم، أم تاء التأنيث الساكنة التي لا محل لها من الإعراب. يدعم نقص المعرفة نقصان التجربة، ونقصان العمر كله، ونقصان الإدراك، ونقصان اللغة الغريبة في الجغرافيات البعيدة عن موطنها؛ فالنقص هو المعنى الأول والأخير لحياتنا الطارئة.

النقص: خلوة الذات الأخيرة

سوى أن النقص لا يكون نقصاً قبل أن تكون هناك «خلوة»، وليس مهماً مداها أو صورها؛ يكفي إنها خلوة إجبارية. وقد يكون الأمر مضحكاً أن نفترض أو نتساءل عما يمكن أن نفعله في خلوتنا؛ فيما الأصل هو ماذا ستفعل بنا تلك الخلوة الرهيبة! فعلها الأول هو أنها تجبرنا على إعادة تصورنا عن ذاتنا؛ إذ لا نعود، بعدها، أصحاء، نحن مرضى. ولا تبدأ الخلوة، خلوتنا، من دون الإقرار الشخصي بالتحوُّل من إنسان أو شخص سوي متعافٍ إلى مريض يفقد تدريجياً قدرته على التحكم بحياته. والخلوة هنا هي المدخل الأساسي للمرض ولتأمل الذات بعد تبدُّل أحولها. لكن الرواية تجادل في كيفية تحقُّق الخلوة، لا سيَّما ما يتصل منها بالشرط الوجودي، بعض هذا الجدل يقودنا لعوالم «خلوة النقص»؛ فلكي تحقَّق خلوة الذات بصفتها الرئيسة، وهي الإجبار، يلزمها سبب، لنقل فاعل قاهر، مثل المرض. هل ثمة سبب آخر، قاهر وإرغامي، غير المرض يعيد الذات لعالمها الأول، قصتها المتروكة في الزاوية البعيدة والمعتمة من الذاكرة؟

أغلب الظن أن «المرض» مقولة عامة، لا تملك توصيفاً كافياً لغرائبية الذات وتهافتها. لا سبيل للخلاص سوى إعادة تعريف المرض وضبط ماهيته؛ وليس لدى الرواية من سبيل، أو وسيلة، سوى سردية «الألم» المتدفقة بلا هوادة. وهل «الألم» هو منطق الرواية ومكان تدفقها السردي، ولا نقول الحكائي، للرواية؛ إذ يكاد التسلسل الحكائي أن ينعدم في أغلب الفصول؟ النص يجيبنا ويسميه باسمه، ابتداءً، بلا كنايات، أو مجازات كبرى؛ فـ«الألم حالة إنسانية حميمية عكس نتائجها الكونية، حتى أن تبذير الألم عند البعض هو سلوك سفيه جداً (..). أن تكون متألماً وحدك، وأنت تنكب عليه وهو يهيل عليك هذا الاستغناء البهيج عن الجميع. ص 30»، هذا أول العزلة وربما آخرها، وستنتظم الرواية، بعدها، في سرد وقائع الألم، وهي ذاتها وقائع الذات في عزلتها المديدة.

الواقعة الأساسية هي إشكالية التعبير عن الألم، لماذا لا أقول إن النص، هنا، يشكِّل كثيراً في طرائق استعادة الواقعة السردية المنتجة جراء خلوة الألم! في فقرة «ليالي الرحيل»، مثلاً، نظل عالقين في براثن المعنى، فالهاء مثلاً هل تعود لليالي، أم تعود للرحيل؟ الجواب حاضر، ومثله إشكالية التعبير عنه، ثم لا نعرف أن «الهاء» تعود لـ«المحبوب» الذي «سيحضر» ويقاسم الكاتبة شقتها في باريس. يقول لنا النص الكثير، وهو يبرع في إخفاء رغبته بالتملص من هوية أجناسية جاهزة، فنجد الرواية تتحدث ولا تقول عن المرض وآلامه عندما يصبح «بروفة» التأليف السردي الأخيرة. كيف هذا؛ والنص يجاهر بالانتساب للسيرة، ثم يتنكَّر لها!

فما مأثرة «خلوة النقص»، إن كان يجب أن يكون للرواية مأثرة تميزها عن روايات عراقية وعربية كثيرة؟ إنها سردية النقص الكبرى في اجتياحها الكاسح لحكاياتنا، بل لمعنى السرد كله في مسعاه لأن يكون لحياتنا معنى وقيمة؛ فالمرض، أقصد خلوته، أقصد النقص الذي يعجزنا عن التمييز بين السيرة والرواية، هو ما يتبقَّى للرواية أن تقوله بأي صيغة ممكنة؛ إن توفَّرت سبلها!


استحضار المنام وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة

استحضار المنام وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة
TT

استحضار المنام وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة

استحضار المنام وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة

يُعنى كتاب «المنام والسجن وحُجرة ابن الهيثم: قراءة جديدة للفضاء في الحضارة العربيّة» للباحثة الأكاديمية اللبنانية الدكتورة لينا الجمّال، بالمنامات وكتب تعبيرها في القرون الهجريّة الأولى، فيدرس المنامَ واستحضاره وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة، وعلاقة ذلك كلّه بالفضاء بوصفه كياناً أوّلاً، ومن ثمّ مفهوماً. وتشتمل هذه المقاربة على عدد من الموضوعات، منها ما يربط بين الحضارة العربيّة-الإسلاميّة وحضارات أخرى قديمة كممارسة الحالومة والاستخارة والمبيت بجانب القبور، ومنها ما يُسائل الحضارة المادّيّة لاستيعاب تأثيراتها في منامات السجناء وتأويلات العمارة والمنامات التي تترك أثراً ملموساً، ومنها ما يحاول تجذير التجربة المناميّة في نظريّات الفلسفة والإبصار التي قدّمها العلماء العرب القدامى. والكتاب بذلك يضع المنامات في الإطار الأوسع للتراث العربيّ الأدبيّ والفكريّ، ويحاول تقديم قراءة جديدة للفضاء في الحضارة الإسلاميّة.

ينقسم الكتاب إلى خمسة أقسام رئيسية تراعي أمرين: أولاً فهمَنا للفضاءات التي يُحتمل اتّصالها بالمنام؛ الفضاء الذي بات فيه الرائي، والفضاء الذي صُوِّر في المنام، والفضاء المؤوَّل في كتب التعبير. وثانياً، مراعاتَنا لورود المنامات في السياقين السرديّ والتأويليّ.

يُعَدّ القسم الأوّل «المنامات وتعبيرها في الثقافة الإسلاميّة المبكرة» تمهيداً ضروريّاً لأقسام الكتاب المختلفة، فهو يستعرض طبيعة المنامات في الإسلام ومدى تقاطعها مع الحضارات القديمة المجاورة. ويسرد بإيجاز نشأة علم التعبير في الإسلام وانتقاله تدريجيّاً من التراث الشفهيّ إلى المكتوب، ثمّ يُحصي مناهج التعبير الإسلاميّة باستنباطها من مقدّمات كتب التعبير الأولى، وقد بلغ عدد المناهج المعتمَدة أحد عشر منهجاً. وينتقل القسم بعدها إلى إحصاء العوامل المؤثّرة في التأويل، والتي تأخذ في الحسبان أحوال الرائي والمعبّر، وزمان الرؤيا ومكانه، وأسلوب القصّ. وفي هذا القسم أيضاً، إشارات مقتضبة إلى موضوعات إشكاليّة تخصّ المنامات، منها الإسناد الذي يسبق رواية المنام، وظاهرة المنامات المشتركة أو المتواطئة، وأخيراً الاحتجاج بالمنام في المسائل الشرعيّة. وجميعها مسائل تُثار في مواضع متفرّقة من الكتاب لاحقاً.

يخوض القسم الثاني «استحضار المنام، عادة أم عبادة؟» في ظاهرة الحالومة التي ارتبطت بالمنامات منذ العصور القديمة، وانتشرت في الحضارات اليونانيّة والهنديّة والمصريّة القديمة، وتجلّت في بعض ممارسات العرب في شبه الجزيرة العربيّة. ويبني هذا القسم على العناصر المشتركة بين الحالومة والاستخارة النبويّة، ليعلّل خروجَ الاستخارة النبويّة من إطار الصلاة والدعاء إلى إطار المبيت في أماكن مخصوصة لاستحضار منام. وبعد البحث في أدب التنوخيّ، يكتشف القسم أنّ رواسب الحالومة ظهرت في زيارة العرب لقبور المعروفين بسخائهم، قبل أن تظهر في زيارة قبور المعروفين بصلاحهم. هذا فضلاً عن حلول محراب الصلاة محلّ القبور في ممارسات بعض المستخيرين لاحقاً.

ينتقل القسم الثالث «في قميص يوسف» إلى دراسة منامات السجناء، وأثر السجن فيها، في كتاب «الفرج بعد الشدّة»، فيحلّل منامات ثلاثة عشر سجيناً. ينطلق القسم من منام ليعقوب بن داود -وزير المهديّ (حكم 158-169/775-785) 123- الذي حُبس في سجن المطبق، فيعرّج على سيرة الوزير وخصائص سجن المطبق، ثمّ عناصر المنام وضريبة عبوره من نوع أدبيّ إلى آخر. ويرصد القسم تشابهاً واضحاً بين قصّة الوزير يعقوب وقصّة النبيّ يوسف، ويمتدّ هذا التشابه ليطول منامات السجناء الآخرين، مؤكّداً تأثير السجن الرمزيّ في منامات قاطنيه. وأخيراً، يربط القسم المنام بالشعر.

يقارب القسم الرابع «بين الرؤية والرؤيا» بنظرة أكثر شموليّة علاقة المنام بالفضاء في الحضارة العربيّة-الإسلاميّة، فيحفر في الأبعاد اللغويّة بين الرؤية والرؤيا، ودور الفضاء المُعتِم في إدراك كلٍّ من المنام والصورة. ينطلق القسم من تجربة عالم المناظر ابن الهيثم في السجن، واستلهامه الاختبار التجريبيّ على الحُجرة المظلمة، ومفارقته الإرث اليونانيّ في نظريّات الإبصار. ثمّ يسترسل القسم في الكلام عن خصوصيّة تلقّي المنامات في الثقافة الإسلاميّة عن طريق ثلاثة طروحات: نظريّة عين القلب عند الغزاليّ، والعلاقة بين المنام والعمى واللغة، وتقاطع المنامات مع الصور. وتترسّخ خصوصيّة التلقّي هذه في كتب التعبير الإسلاميّة، إذ تفترق مناهج المعبّرين المسلمين عن مناهج أسلافهم اليونانيّين، وتنعكس هويّاتهم الدينيّة وأبعادهم الاجتماعيّة الخاصّة.

يحلّل القسم الخامس والأخير «الدنيا منام، والمنام رحلة» المناماتِ بصفتها تجسيداً رمزيّاً للرحلة، أو انتقالاً من فضاء إلى آخر. ويُثبت بالعودة إلى أدب التنوخيّ أنّ المنامات تحقّق بعض أغراض الارتحال، وهي زيارة الموتى، وطلب الحديث النبويّ، والتكسّب، والاستشفاء، وتشريع السلطة. ثمّ يعالج ثيمة المعراج وما يتّصل بها من فضاء صالح للحساب، وثيمة المنامات الملهِمة للشعر، وهاتان الثيمتان تُغنيان عن ارتحال سابق راسخ في العقل الجمعيّ. وتكمن أهمّيّة هذا القسم في أنّه يجعل تجربة المنام في مقام تجربة الحياة الدنيا، إذ يعوّل المؤمن العابر فيهما على ما حقّقه في عبوره.

تقارب أقسام الكتاب الخمسة علاقة المنام بالفضاء من جوانب مختلفة، وفي موادّ أدبيّة مضبوطة بإطار زمنيّ محدّد، لتفهم بأيّ العينين يُدرَك الفضاء في ثقافة المجتمع العبّاسيّ. تلك الثقافة المتمثّلة في نتاج أدبائه وفلاسفته وعلمائه، والمختزِلة لمحمولات دينيّة واجتماعيّة وتاريخيّة في العقل الجمعيّ.


كتاب سوري يدعو لإعادة هندسة أدوات الإعلام الرسمي

كتاب سوري يدعو لإعادة هندسة أدوات الإعلام الرسمي
TT

كتاب سوري يدعو لإعادة هندسة أدوات الإعلام الرسمي

كتاب سوري يدعو لإعادة هندسة أدوات الإعلام الرسمي

يسلط كتاب «خطاب المصالحة في سوريا: نحو استجابة إعلامية تستلهم نظريات التغيير» للصحافي والباحث الإعلامي السوري مرشد النايف؛ الضوء على أحد أكثر الأسئلة إلحاحاً في المجتمعات الخارجة من النزاعات: كيف يمكن للإعلام أن يتحول من أداة لتأجيج الصراع وإعادة إنتاج السلطة، إلى فاعل مؤسسي يشارك في ترسيخ المصالحة الوطنية؟

ويمثل الكتاب، الصادر حديثاً عن «مؤسسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر»، محاولة لبناء إطار نظري وتطبيقي لعمل الإعلام في مرحلة ما بعد النزاع، ينطلق من فرضية ترى أن إعادة الإعمار لا تكتمل من دون إعادة تأسيس المجال العام، بوصفه الحيز الذي يعاد فيه تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبداخله تتشكل الذاكرة الجمعية ويتعزز التماسك الاجتماعي.

ويطرح المؤلف مفهوم «الاستجابة الإعلامية» مدخلاً لتطوير سياسات إعلامية تنبع من خصوصية البيئة السورية الشائكة، في مقابل المقاربات القائمة على استنساخ التجارب الدولية. وفي هذا الإطار، يقترح إعادة هندسة أدوات الإعلام الرسمي عبر حزمة من التدخلات المستندة إلى نظريات التغيير، بما يجعل المؤسسات الإعلامية إحدى روافع التعافي الوطني، بعد أن انحصر دورها لأزيد من خمسة عقود في إنتاج الرواية الرسمية.

ومن أبرز الإضافات النظرية التي يقدمها الكتاب؛ إعادة تعريف مفهوم «صناعة المعنى»؛ بوصفها عملية لإنتاج أطر إدراكية مشتركة، تنبثق من خصوصية السياق السوري. وانطلاقاً من هذا التصور، يدعو المؤلف إلى سياسات تحريرية تجعل الحقيقة، وتمثيل الضحايا، وإتاحة المعرفة العامة، والهوية السورية الجامعة، وبناء السلام المستدام؛ ركائز للعمل الإعلامي، بما يعزز قدرة المجتمع على استيعاب الماضي وإدارة الخلافات وصياغة مستقبل مشترك.

ويوظف الكتاب نظريات التغيير أداةً لتصميم التدخلات الإعلامية، مقترحاً الانتقال من التعامل مع الخطاب بوصفه ظاهرة لغوية إلى اعتباره عملية اجتماعية قابلة للتخطيط والتقويم وقياس الأثر. ويعرض، ضمن هذا الإطار، مجموعة من التدخلات المصوغة خصيصاً للسياق السوري، مدعومةً بأهداف ومؤشرات لقياس أثر السياسات التحريرية في اتجاهات الجمهور وسلوكه.

يتجاوز الكتاب مراجعة الأدبيات الخاصة بالإعلام في المجتمعات الخارجة من النزاعات، ليعيد قراءتها من منظور خصوصية البيئة السورية. واستند في هذا السياق، إلى أطروحات الباحثة السنغافورية ركا شومي حول ضرورة «إضفاء الطابع الجيوسياسي على الدراسات الإعلامية»، بوصفه مدخلاً لفهم العلاقة بين النظم الإعلامية وبيئاتها السياسية والاجتماعية، وما يقتضيه ذلك من فحص النظريات الإعلامية قبل توطينها في سياقات مغايرة.

كما يستند المؤلف، في مقاربته لطبيعة التدخل الإعلامي، إلى المنظور السوسيولوجي لعالم الاجتماع Anthony Giddens، الذي ينظر إلى الفعل بوصفه تدخلاً مقصوداً في مسار الوقائع لتحقيق غايات محددة. وانطلاقاً من هذا الفهم، يعامل الكتاب التدخلات الإعلامية بوصفها أفعالاً اجتماعية قابلة للتصميم والتقويم وقياس الأثر، وليست مجرد استجابات مهنية للأحداث.

وحول الغاية من الكتاب، يقول النايف في المقدمة: «ينصبّ جوهر هذه الدراسة على هدفين متلازمين: أولهما استكشاف أطر نظرية متينة حول المدخلات الإعلامية، وإعادة توطينها بما يلائم خصوصية السياق السوري ودور الإعلام المركزي في تصميم مقاربات حساسة ومؤثرة. أما ثانيهما، فيتعلق بتقديم مقترحات عملية لتفعيل نظريات التغيير بوصفها أدوات تعبئة تنفيذية، تسمح بترجمة المعارف النظرية إلى مبادرات قابلة للتطبيق».

يقع الكتاب في 288 صفحة موزعة على خمسة فصول، تتدرج من تفكيك الخطاب الإعلامي للنظام البائد وتحليل بنيته الدعائية، إلى بناء نموذج لصناعة المعنى، ثم مقاربة الإعلام بوصفه جزءاً من البيئة السياسية والاجتماعية، وصولاً إلى توظيف نظريات التغيير في تصميم مبادرة إعلامية تستجيب لخصوصية السياق السوري.

ومرشد النايف صحافي وباحث إعلامي سوري شغل عدداً من المواقع التحريرية والمهنية، من بينها مدير تحرير صحيفة «جيرون»، والأمين العام لميثاق شرف للإعلاميين السوريين. تتركز اهتماماته البحثية على تحليل الخطاب، وإعلام ما بعد النزاع.