قال المخرج التشيكي ياكوب كوتشيرا إن فيلمه الوثائقي «لأنني مضطر (Because I Have To)» جاء من محاولة للبحث عن لغة سينمائية مختلفة تستطيع الاقتراب من جوهر العملية الإبداعية نفسها. وأوضح أنَّ اهتمامه بالفنون البصرية رافقه منذ سنوات، إذ سبق أن أنجز عدداً من الأفلام القصيرة التي تناولت تجارب فنانين تشكيليين، لكنه كان يشعر دائماً بأن الأفلام الوثائقية التقليدية تكتفي بتقديم معلومات عن أصحابها أكثر مما تقترب من عالمهم الداخلي.
وأضاف ياكوب كوتشيرا في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم»، أنَّ هذا الشعور دفعه إلى البحث عن أسلوب يعتمد على الصورة والإيقاع والصوت بوصفها أدوات قادرة على التعبير عن الفن، وليس مجرد الحديث عنه. وأشار إلى أنَّ مشروع الفيلم بدأ عندما قرَّر البحث عن شخصية تمتلك عالماً بصرياً وفلسفياً قادراً على حمل هذه الفكرة.
وأوضح كوتشيرا أنَّ اختياره استقرَّ على الفنان التشيكي ميلوش شين، الذي وصفه بأنه «أحد أكثر الفنانين تميزاً في بلاده، ليس فقط بسبب مكانته في المشهد التشكيلي، وإنما أيضاً لأنَّ تجربته تتجاوز الرسم إلى فنون الأداء والفيديو والوسائط المتعددة، فضلاً عن علاقته الخاصة بالطبيعة، التي تحوَّلت إلى جزء أصيل من مشروعه الفني».

ويرصد فيلم «لأنني مضطر (Because I Have To)» تجربة الفنان التشيكي ميلوش شين، الذي يؤدي دور البطولة بشخصيته الحقيقية، في رحلة سينمائية تأملية تستكشف العلاقة بين الإنسان والطبيعة والزمن والوجود من خلال بورتريه بصري يعتمد على متابعة الفنان خلال طقوسه الإبداعية في الطبيعة، مع دمج مواد أرشيفية من أعماله المُصوَّرة، في محاولة للكشف عن فلسفته الفنية ورؤيته للعالم، وكان عرضه العالمي الأول خلال الدورة الـ60 من مهرجان «كارلوفي فاري السينمائي الدولي» بالتشيك.
وأوضح المخرج التشيكي أن «الاتفاق مع ميلوش شين جاء بسهولة، إذ رحَّب الفنان بالفكرة منذ البداية، لتبدأ رحلة تصوير استمرَّت قرابة 3 سنوات، وخلال هذه الفترة لم يكن الهدف إجراء مقابلات أو مطالبة البطل بشرح أفكاره، وإنما مرافقته خلال ممارسته أعماله الفنية في الطبيعة، وترك الكاميرا تراقب تفاصيل التجربة كما تحدث في الواقع».
وأضاف كوتشيرا أن «فريق العمل اختار أكثر من 10 مواقع مختلفة للتصوير، تنوَّعت بين الغابات والجبال والكهوف والأنهار؛ لأنَّ المكان لم يكن مجرد خلفية للأحداث، بل كان عنصراً أساسياً في بناء الفيلم وفي فهم العلاقة التي تربط الفنان بالعالم من حوله».
وأكد كوتشيرا أنَّ أحد أهم أهدافه كان الابتعاد عن الصورة النمطية للفيلم الوثائقي، التي تعتمد على الجلوس أمام الكاميرا والإجابة عن الأسئلة، موضحاً أنَّه كان يسعى إلى ابتكار تجربة حسية يشعر خلالها المشاهد بأنَّه يعيش اللحظة نفسها التي يعيشها الفنان، لأنَّ السينما، في رأيه، ليست وسيلةً لنقل المعلومات فقط، وإنما أداة لخلق تجربة شعورية، لذلك جاء الاعتماد الأكبر على بناء الصورة والإيقاع والتصميم الصوتي، أكثر من الاعتماد على الحوار أو الشرح المباشر.

وأشار إلى أنَّ تجربة ميلوش شين نفسها ساعدت على الوصول إلى هذا الشكل، لأنَّ الفنان ينتمي إلى مدرسة ترى أنَّ الجسد جزء من الطبيعة، وأنَّ الفعل الفني لا ينفصل عن اللحظة الراهنة، لافتاً إلى أنَّ كثيراً من أعمال شين استلهمت أفكاراً قريبة من بعض التجارب الفنية اليابانية، التي تنظر إلى الجسد بوصفه امتداداً للعناصر الطبيعية، وهو ما حاول الفيلم ترجمته بصرياً دون اللجوء إلى التفسير أو الخطابة.
وعن العلاقة التي جمعته ببطل الفيلم، أوضح كوتشيرا أنَّها تطوَّرت تدريجياً على مدار سنوات التصوير، والعمل المشترك جعله يكتشف جانباً إنسانياً لا يقل أهمية عن مكانته الفنية مؤكداً أنَّ الثقة التي نشأت بينهما منحت الكاميرا حرية الاقتراب من تفاصيل دقيقة لم يكن من الممكن الوصول إليها.

واعترف المخرج الشاب بأن «التمويل كان التحدي الأكبر أمام المشروع، لأنَّ إنتاج فيلم يتناول الفنون البصرية ليس مهمةً سهلةً، لكون هذا النوع من الأعمال لا يستهدف جمهوراً واسعاً، وهو ما يجعل الحصول على الدعم المالي أكثر تعقيداً»، لافتاً إلى أنَّ المشروع واجه صعوبات في بدايته، قبل أن يحصل على دعم من «صندوق السينما التشيكي»، وهو ما وفَّر الإمكانات اللازمة لاستكمال التصوير، حتى وإن ظلت الميزانية محدودة مقارنة بطموحات فريق العمل.
ورأى كوتشيرا أنَّ القيود الإنتاجية لم تمنع الفريق من تنفيذ رؤيته الفنية، بل دفعت الجميع إلى البحث عن حلول إبداعية.
وحول مشاركة الفيلم في «مهرجان كارلوفي فاري»، قال كوتشيرا إن اختيار «لأنني مضطر (Because I Have To)» للعرض العالمي الأول في أهم مهرجان سينمائي تشهده بلاده كان لحظة مؤثرة بالنسبة له، لا سيما أنَّه اعتاد حضور المهرجان لسنوات طويلة بصفته مشاهداً، قبل أن يعود إليه هذا العام مخرجاً يحمل أول أفلامه الطويلة، عادّاً أن هذه المشاركة تمثِّل نقطة انطلاق حقيقية لمسيرته.
