كاترينا غروس صانعة الأحلام المستعادة بقوة الزمن

تتنقل بين سان فرانسسكو وفلورنسا وأوكلاند وبرلين... وعُرفت بإنجازها أعمالاً ضخمة

كاترينا غروس صانعة الأحلام المستعادة بقوة الزمن
TT

كاترينا غروس صانعة الأحلام المستعادة بقوة الزمن

كاترينا غروس صانعة الأحلام المستعادة بقوة الزمن

«جين إير» هي بطلة رواية تحمل اسمها من تأليف البريطانية شارلوت برونتي كانت قد نشرت عام 1847. لا تزال الرواية تُطبع في مختلف اللغات وتُباع لأنها لا تزال ممكنة القراءة بمتعة وشغف. أثناء قراءتها للرواية في مرسمها بنيوزلندا شعرت الفنانة الألمانية كاترينا غروس (1962) أن المرأة التي لا تكف عن الحركة شحنت خيالها بطاقة تدميرية تهبها إلهاما يُخرج الرسم من حدوده التقليدية، جغرافيته التي تختصره باعتباره لوحة تُعلق على جدار. في إمكان الرسم إذاً أن يكون شيئا آخر من خلال تغيير بيئته ومواده والمساحة التي يتحرك عليها ويتفاعل من خلالها مع الجمهور. «انطلقت ومشيت سريعا» هو عنوان المعرض الصادم الذي لا يعبر فعل النظر عن حقيقة تجربة زيارته بقدر ما يمكنني القول إنني عشته بكل حواسي. تضع غروس زائر معرضها على سفينة تتعرض لعاصفة تأخذها من جزيرة لتسلمها إلى آخرى من غير أن تصل بها إلى شاطئ آمن.

تبدأ المغامرة من عمل فني ضخم أقيم في إحدى قاعات «وايت كيوب ــ بيرمسي» في حزيران الماضي ليستمر عرضه ويكون جزءا من مثتنيات المؤسسة العريقة. يجمع ذلك العمل بين أكوام غير منتظمة من التراب ولوحة قماشية مغمورة جزئيًا ومنحوتة برونزية مصبوبة ليُشكّل كل ذلك عملا فنيا واحدا، تتصل أجزاؤه بقلق ينتقل إلى المتلقي من خلال الإيقاع به في وهم بصري لا يكف عن الحركة. ينساب اللون بسلاسة عبر هذه العناصر مُغطيًا ومُوصلًا الأسطح غير المستوية مع الحفاظ على وجودها. يعمل العمل الفني كأرضية متصلة، في الوقت الذي تغطي فيه لوحة كبيرة معلقة على الجدار كل ما هو موجود على الأرض لتشكل امتدادا له.

تتصل أرضية القاعة بذلك الركام الترابي الملون من خلال سطوح لامعة يتحرك عليها قوس قزح لا يكف عن المزاوجة بين ألوانه التي لا تكف عن اللعمان. ذلك ما دفعني إلى سؤال الحارس بحذر»هل يمكنني الدخول؟» حين أومأ برأسه موافقا لاحظت أن كل مَن حضر بعدي فعل ما فعلته. صنعت الرسامة التي سبق لها أن عرضت أعمالها في كبرى المتاحف العالمية مكيدتها بإتقان كما لو أنها خططت لكي تقوض السلوك التقليدي الذي يميز طريقة المرء في النظر إلى الأعمال الفنية. «إنك تدخل إلى عالم تسبقك إليه قناعة أن الدخول إليه محظور».

كل شيء يهذي من حولها

ليس الرسم بنية محددة بوصفات جاهزة سلفا بل هو نظام تفاعلي مفتوح على إيقاعات متباينة في مستويات صعودها وهبوطها. ذلك مفهوم أتاح للفنانة أن تبني عالما تتحرك الألوان فيه بحرية على الأسطح المختلفة، رابطةً بين القماش والعمارة والجدران والأعمدة والأرضية والسقف. لا تُمثّل حدود الأشياء فواصل بل هي روابط تعمل كجسرٍ بينها. استُلهمت اللوحات من التغيرات الدراماتيكية للعناصر الطبيعية من مطر وشمس حارقة وقوة الرياح التي عايشتها غروس أثناء وجودها في نيوزيلندا.

كاترينا غروس

ومثل رسامي الشوارع تلجأ غروس إلى استعمال بخاخ الطلاء الصناعي في التلوين بأصباغ اكريلك زاهية شديدة اللمعان، بحيث يشعر المرء أنه ينتقل إلى عالم، تقوى طاقته الحلمية على إلغاء الحواس المباشرة. يتحقق المرء وهو يعيش التجربة من قدرته على التعامل حسيا مع ما يرى ويفشل لأن كل شيء من حوله يهذي بقوة، كما لو أن الرسامة صنعت عالمها من مواد يفجر بعضها البعض الآخر ما أن تتصادم.

بعد دقائق من التجربة يشعر المرء أن عليه الاستسلام لتلك الحتمية الحلمية بما أنه قد فقد السيطرة على حواسه وهي أدواته التقليدية في اكتشاف الفن. ذلك ما يعني أن غروس نجحت في أن تخلق علاقة بين الزمن والمكان يكمن قوامها في تشتيت الحواس فلا يعرف المرء في أي زمن هو ولن يتمكن من التحقق من مكانه. وهو ما ينعكس على جغرافيا العمل الفني، بحيث لا يمكننا التمييز بين بدايته ونهايته . ذلك تأويل جانبي تسمح به طريقة الفنانة في التعامل مع موضوعها.

ما يهم أن المرء حين يدخل إلى العمل الفني الذي برعت غروس في مسرحته يعيش تجربة بصرية فريدة من نوعها. فهو إذ يراه من الداخل يشعر أنه جزء منه. لن يكون مجرد متلق سلبي بل هو مشارك إيجابي في خلق المشهد. ذلك ما يشعر به حين يرى الآخرين وهم يعيشون مثله فصول التجربة مأخوذين بقوة العصف.

كل شيء يجري بسرعة

«في الصحراء، كل يوم وكل ليلة، ترى مرور الوقت بالفعل لأنّ الضوء المتغير يُحوّل كل ما تنظر إليه. له تأثير مُزيل للمادة والتحوّل فوري تقريبًا. هذه اللوحات هي ردّي على تلك الظاهرة التي هي عابرة تماماً ومع ذلك تتكرر كل يوم» تقول كاترينا غروس وهي تقصد البيئة النيوزلندية التي تستلهم منها رؤيتها الفنية. الفنانة التي درست الفن في دوسلدورف بألمانيا وتنقلت في سياق برنامج مُنح فنية بين فلورنسا وسان فرانسسكو واختارت أن توزع وقتها بين مرسميها في أوكلاند وبرلين عُرفت بشغفها بإنجاز أعمال فنية ضخمة. في عام 2015 قامت بتركيب ثلاث أشجار عملاقة في القاعة الكلاسيكية الجديدة بمتحف فيسبادن، غطت جذورها بطلاء لامع يخطف الأبصار. وفي مشروع «روكاواي» الذي أنجزته عام 2016 بالتعاون مع متحف MoMA PS1 ببروكلين قامت غروس برش حمام عسكري أميركي مهجور وجزء من الشاطئ المحيط به في شبه جزيرة روكاواي بنيويورك بكثافة بالطلاء.

سواء في عملها البيئوي الكبير الذي احتل قاعة كاملة أم في لوحاتها التي يتجاوز عرض عدد منها الستة أمتار والتي تم عرضها في قاعتين كبيرتين لم تضع غروس مسافة ذات شروط وقيود محكمة بين مادتي الأكريلك والرذاذ الصناعي الملون. مزجت المادتين كما لو أنهما الشيء نفسه إضافة إلى أن كل شيء يوحي بأنها لا تملك الوقت للإسترخاء من أجل التمعن في القواعد والاستجابة لها. كل شيء جرى بسرعة وإمعان في الحركة. ذلك ما ينعكس على المشاهد وهو يتلقى البريق الذي يلقي بحمولته الكثيفة برشاقة مترفة لا يمكن الإفلات من تأثيرها المهيج للمشاعر المضطربة. إذا كانت أعمال كاترينا غروس تنتمي إلى التجارب الفنية الكبرى فإن عملية تلقي تلك الأعمال تمثل هي الأخرى تجربة كبرى في التفاعل الذي يهب المتلقي حرية في اختيار الموقع الذي يقف فيه ويتمكن من خلاله أن يمارس خبرته في استعمال حواسه.

فضاؤنا الذي يحلم مثلنا

لو أن كاترينا غروس اكتفت بنقل مشاهد البيئة التي تحيط بها لأعتبرت محاولتها جزء مما يسميه النقاد المنهجيون بـ»فن الأرض» مثلها في ذلك مثل البريطاني ريتشارد لونغ (1945) ولكن انفتاحها على المشهد الطبيعي ينطوي على الكثير من الحيل التي تزيح عن محاولاتها معنى الانتساب إلى ذلك المشهد كما هو الحال لدى لونغ. الإلهام لديها فني خالص وهي بذلك تتحقق من إخلاصها للتجريد كونه تعبيرا عن النجاة من خلال عناصر الرسم الخالصة بمعزل عما يمكن أن تنقله من مرئيات.

تقول غروس «أنا مهتمة بكيفية قدرة اللوحة على إيصال السرعة ومرور اللحظة وفي الوقت نفسه احتواء لحظات متعددة داخل صورة واحدة، بحيث يستحيل فصلها». ذلك ما يشير إلى الزمن الفالت من قياسه الواقعي ليقع في فلك إطاره الكوني غير المحدود. وهو زمن حلمي، لا تقع وحداته في السنوات أو الأيام أو الدقائق بل في ما يتركه إيقاعه الذهبي من لذة في مفارقة المكان الواقعي والانتساب إلى الحركة التي يؤلف الزمن خيوط تشابكها.

وهبتنا كاترينا غروس في معرضها « انطلقت ومشيت سريعا» فرصة مهمة للتعرف على التجريد لا باعتباره محاولة لخلق عالم فني يستمد وجوده الشكلي من العناصر الفنية من غير الحاجة إلى التشبه بالواقع بل وأيضا لكونه قادرا على إحياء الزمن بصيغته الحلمية وهي صيغة لا تخضع لسلطة المكان. «أنت ترى كما لو أنت تحلم» تلك معادلة نجحت غروس في تثبيتها بحيث يخرج المرء من معرضها كما لو أنه أنهى حلما سبفكر كثيرا في إستعادته.


مقالات ذات صلة

فن «الكتابة عن الكتابة»

كتب فن «الكتابة عن الكتابة»

فن «الكتابة عن الكتابة»

بين الأكاديمية والانطباعية والمزاجية، بقيت مراجعات الكتب على أنواعها ممارسة ثقافية، متحررة من أي قيد يحددها في إطار أو يكبح جماح كاتبها.

سوسن الأبطح
كتب تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

صدر أخيراً، عن «دار الشروق» في القاهرة، المجموعة القصصية «تخفيف أحمال»، للروائية والقاصة المصرية شيرين سامي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون  رضا البهات

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون 
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء

قصر الحلابات

يحتل قصر الحلابات موقعاً خاصاً في خريطة العمائر التي شيدها الأمويون وسط البادية الأردنية، وتكمن هذه الخصوصية في السجال المتجدّد حول تاريخ بنائه ومراحل تكوينه.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي

في روايتها «غداً غداً» الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، وترجمة علا محمود، ترسم الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا جانونيه صورة مؤثرة لصراعات اجتماعية وإنسانية

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات
TT

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية واحداً من أكثر مبدعيها خصوصية وأصالة وزهداً في الأضواء، حيث عاش في مدينته المنصورة بعيداً عن صخب العاصمة ولم ينشغل بصراعات أدبائها، أو ينخرط في خلافاتهم ومعاركهم الجانبية؛ بحثاً عن مجد شخصي.

ولم تكن مبالغة أن يرثيه الشاعر دكتور عيد صالح عبر صفحته بموقع «فيسبوك» بقوله: «مرّ بحياتنا كالملائكة وأصحاب الرؤى النورانيين الملهمين»، في حين وصفه الناقد شعبان يوسف بأنه «واحد من أنبل وأجمل كُتابنا، فلم يزاحم أحداً وكان وجوده مفرطاً في الرقة والعذوبة».

ونعتته الكاتبة غادة كمال، ابنة شقيقته، بأنه «معلمها الأول الذي كان وسيظل حاضراً في كل حرف كتبته»، ومن جهته عدّ الكاتب إبراهيم عبد المجيد أننا «إزاء خبر مفجع للغاية؛ فالبهات لم يغب أبداً عن باله وكان يخطط منذ فترة طويلة لرؤيته، لكن دون جدوى».

وُلِد رضا البهات في محافظة الدقهلية عام 1955، وتخرج في كلية الطب بجامعة المنصورة، ثم عمل طبيباً، في حين واصل الكتابة والنشر في الصحف والمجلات المصرية والعربية، وقد انعكست خبرته المهنية في مشروعه الأدبي صانعة علاقة شفيفة على المستويين الفني والجمالي؛ إذ كان يرى أن الطب منجم من الخبرات الإنسانية التي يمكن للكاتب أن يستفيد منها في فهم البشر ومراقبة تفاصيل حياتهم.

ولم يكن يرى إقامته في المنصورة ابتعاداً عن الحياة الثقافية، إنما اختار أن يظل قريباً من المكان الذي شكَّل مسرح طفولته وحياته، عاش فيه وعمل، وأن يستمد مادته من الواقع المحيط به. وتُعدّ البداية الحقيقية لمشروعه الأدبي عبر رواية «بشاير اليوسفي» الصادرة عام 1992، والتي تناولت تحولات المجتمع المصري، ولا سيما تأثيرات الهجرة للخارج بحثاً عن فرص عمل وما صاحبها من تغيرات منظومة القيم والسلوك وشكل القرية المصرية.

كانت «بشاير اليوسفي» أكثر من مجرد بداية روائية؛ فقد وضعت منذ البداية عدداً من القضايا التي ستظل حاضرة في عالم البهات، وعلى رأسها التحولات الاجتماعية والسياسية التي أصابت الإنسان المصري، كما رأى النقاد فيها إشارة مبكرة إلى التغيرات التي طرأت على المجتمع.

بعدها أصدر مجموعته القصصية «طقوس بشرية» عام 1995، ثم رواية «شمعة البحر» عام 2004، قبل أن يصدر روايته «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» عام 2014. وتشكل هذه الأعمال معاً جانباً أساسياً من مشروعه الأدبي الذي ظل يتابع من خلاله تحولات المجتمع المصري والريف والمدينة والصحافة والسياسة والعلاقات الإنسانية.

في «شمعة البحر» انتقل البهات إلى الريف المصري، مستفيداً من خبرته المباشرة به، حيث خدم بالفعل في القرى، واستلهم شخصية «الشيخ جلال» التي لها أصل واقعي؛ إذ عرف رجلاً عاش أكثر من تسعين عاماً وحضر عزاءه.

أما «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» فمثلت محطة بارزة في تجربته، وحصلت على جائزة ساويرس الثقافية في فرع الرواية، وتدور الأحداث في عوالم متعددة تشمل الصحافة والسياسة والسجن والعلاقات الاجتماعية، وتقدم شخصية مثقف يعيش وسط تناقضات المجتمع وأسئلته المتعلقة بالدين والسياسة والجنس والطبقات الاجتماعية.

وفي حديثه عن هذا العمل تحديداً، كشف البهات عن أن عمله في القسم الثقافي بإحدى الصحف أمدّه بخبرة مباشرة بعالم الصحافة، كما أكد أن الكاتب لا يستطيع دائماً التحكم في المسارات التي تأخذها أعماله، وأن التجربة الواقعية والخيال يتداخلان في أثناء الكتابة.

من هنا، كانت علاقة البهات بالواقع إحدى السمات الأساسية في كتابته، فهو يكتب عما يعيشه ويعرفه، ويحسه، كما أن خبرته في الطب قدمت له مادة إنسانية واسعة، في حين أتاحت له الكتابة تحويل هذه الخبرات عالماً روائياً وقصصياً. كما اتخذ من عالم الطب نافذة يرى من خلالها الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه ومرضه؛ ولهذا ظهرت أجواء المستشفيات والعيادات والمرضى بصورة واضحة في مجموعته «حكايات شتوية»، التي استثمر فيها خبرته المهنية في بناء عالم فني له طابع إنساني.

ومن أبرز أعماله الأخرى «ليلة للغنا»، و«اختار ألا يموت»، إضافة إلى مجموعة من كتب الأطفال مثل: «جوز ولوز وبوز» و«حكاية السمكة وقطعة الخبز» و«الجميلة تتزوج الديك الشركسي».

وعلى رغم ذلك، يظل من السمات اللافتة في تجربته الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج أو يتلهف على النشر، حيث سبق أن برر تلك السمة بطبيعة ظروف حياته ومهنته؛ فهو لا يتعيش من الثقافة، ويكتب ببطء، ورغم أن روايته الأولى حظيت باهتمام نقدي وجماهيري واسع، لكنه لم يتعامل مع الكتابة بوصفها وظيفة تفرض عليه الإنتاج المتواصل.

من السمات اللافتة في تجربة البهات الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج كما كان مقلاً في النشر


قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
TT

قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء

يحتل قصر الحلابات موقعاً خاصاً في خريطة العمائر التي شيدها الأمويون وسط البادية الأردنية، وتكمن هذه الخصوصية في السجال المتجدّد حول تاريخ بنائه ومراحل تكوينه. خرج هذا الموقع الأثري من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، في عهد استكشاف علماء الآثار للعمائر الأموية المدنية التي عُرفت بقصور البادية، وأعيد استكشافه بعد عقود من الزمن تعرض خلالها لإهمال كبير، وانكبّ عدد من كبار العلماء إلى دراسته من جديد، وخرجوا بأبحاث أعادت قراءة تاريخه بشكل جذري.

يقع قصر الحلابات في منتصف الطريق بين عمّان والزرقاء، على بعد 12 كيلومتراً، شرق «طريق ترايانا نوفا» الذي شيّده الرومان قديماً فيما عُرف بمقاطعة «العربية البتارائية». تحيط بهذا القصر مجموعة من الأبنية والمنشآت تتوزع على مساحة واسعة، تضمّ مسجداً صغيراً، وخزاناً كبيراً، إضافة إلى ثمانية خزانات محفورة في الصخر. يحمل هذا المجمع الاسم الذي عُرف به محلياً، وهو الاسم الذي أثار حيرة علماء الآثار الذين سلّطوا الضوء عليه في العقود الأولى من القرن العشرين؛ إذ رأى البعض أن هذا الاسم يشير إلى حلبة الخيل، فيما رأى البعض الآخر أن هذه التسمية تشير إلى خربة مهجورة كانت النساء تقصدها لحلب الماعز والأبقار.

كانت هذه الخربة ماثلة للعين، غير أن أهميّتها التاريخية لم تتضح إلا في مطلع القرن العشرين، حين قصدها العالم الأميركي هوارد كروسبي بتلر للمرة الأولى في فبراير (شباط) 1904 على رأس بعثة من جامعة برنستون الأميركية، وقصدها ثانية في مارس (آذار) 1909، وأنجز مخطّطاً توثيقياً للموقع، كما نشر نقوشاً كتابية محفورة على صخوره، واستند العلماء على هذه الوثائق في تحديد مراحل بنائه المتعدّدة. تتمثّل هذه النقوش في ثلاث كتابات اعتُمدت لتأريخ هذا البناء، الأولى لاتينية، وتذكر «قصراً جديداً» شُيّد في عام 213. النقش الثاني يوناني بيزنطي، ويعود إلى عهد الإمبراطور يوستينيانوس، وإلى عام 529 بالتحديد، ويشير إلى بناء حصن في الموقع. أما النقش الثالث، فيوناني كذلك، وهو مبعثر على عشرات الأحجار التي استخدمت في بناء القصر، وتظهر دراساتها أنها تنقل مرسوماً وُضع في عهد الإمبراطور أنسطاس الذي حكم من عام 491 إلى عام 518، وقد أثارت هذه الكتابة نقاشاً واسعاً، ورأى البعض أنها دخيلة على القصر، ولا تمت إليه بأي شكل في الأصل، فيما ربط البعض الآخر بينها وبين البناء، واعتبر أنها تشكّل مصدراً من المصادر التي يجب الأخذ بها لتحديد مراحل تكوينه.

اتّفق البحاثة على تحديد ثلاث مراحل لبناء هذا القصر، واعتمد هذا التحديد على النقوش الكتابية من جهة، وعلى مخطط البناء وطرازه من جهة أخرى. في المرحلة الأولى، شُيّد البناء من الزاوية الشمالية الغربية خلال القرن الأول، وشكّل برجاً لمراقبة «طريق ترايانا نوفا». في المرحلة الثانية، أُحيط المبنى بسور خارجي تحده أبراج مربّعة في الزوايا الأربع خلال العقود الأولى من القرن الثالث. في تلك المرحلة، جمع البناء بين الحجارة الكلسية والحجارة البازلتية، وبقي عامراً في القرون التالية. تُنسب المرحلة الثالثة إلى عهد يوستينيانوس، وتمثّل الحقبة الأخيرة من تاريخ البناء القديم الذي تحوّل إلى حصن هُجر في نهاية العهد البيزنطي، وتساقطت أجزاء كبيرة منه. أعيد بناء هذا الموقع بشكل جديد في العهد الأموي، واستخدم بناؤه كتلاً حجرية كلسية وبازلتية كانت قد تساقطت منه، كما استخدموا قطعاً تعود إلى مرسوم أنسطاس، وحافظوا على الأبراج المربعة والتقسيمات الداخلية المتوازية، على خلاف ما نراه في القصور الأموية الكبرى، مثل قصر الطوبة وقصر المشتى، حيث يتكون المجمع السكني من قاعة مركزية، تحيط بها غرف جانبية، وتحدّها أبراج نصف دائرية. نسب هوارد كروسبي بتلر هذا البناء إلى هشام بن عبد الملك، الخليفة الذي شيّد ما يُعرف بـ«حمّام الصرح»، وهو حمّام يضم ملحقات عدة، أُقيم في منطقة سهلية تعود إلى مدينة الزرقاء، ويُعرف كذلك بقصر الحلابات الشرقي.

في عام 1978، زار عالم الآثار البريطاني ديفيد كندي الموقع لدراسته، وقدّم قراءة جديدة له اعتمدت بشكل كبير القراءة الأولى. في العام التالي، شرعت دائرة الآثار العامة في الأردن في سلسلة تنقيبات في الموقع، بالتعاون مع جامعة مدينة ليون الفرنسية، واستمرت هذه الحملات التي ترأسها عالم الآثار الأردني غازي بيشه حتى عام 1984. بدوره، قدّم غازي بيشه خلال حملات المسح التي قادها سلسلة من المقالات اعتمدت التأريخ المعهود، غير أنه عاد ونشر في عام 1993 مقالة علمية رأى فيها أن النقوش الكتابية التي شكّلت أساساً لتأريخ مراحل بناء الموقع لا يُمكن الأخذ بها.

في الواقع، خرج البحاثة في هذه الحقبة برأي يقول بأن هذه النقوش دخيلة على القصر، وقد جرى استخدامها بعد نقلها إليه. وأظهرت الدراسات أن البناء شُيّد كحصن في أيام البيزنطيين، وهو بناء محلّي يعود على الأرجح إلى قبائل الغساسنة التي استقرّت في بلاد الشام، وكانت لملوكها ديار «باليرموك والجولان وغيرهما، من غُوطَة دمشق وعمالها، ومنهم من نزل الأردن من أرض الشام»، كما ذكر المسعودي في «مروج الذهب». في الحقبة الأموية المبكرة، تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي، وتم تشييده من جديد مع تعديلات جذرية في تكوينه، غير أنه حافظ على أسسه الهندسية الأولى المتمثلة في مسقط مربع الشكل، تحدّ زواياه أربعة أبراج.

تحوّل قصر الحلابات إلى موقع أثري سياحي، وأنشئ متحف خاص به، افتتح في عام 2008، وحوى نحو 150 قطعة أثرية متنوعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، ومجموعة من ألواح الفسيفساء المجتزأة، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية. تجمع نقوش قصر الحلابات بين التكوينات الهندسية والعناصر التصويرية المحوّرة، وتماثل من حيث الأسلوب والتنفيذ النقوش التي خرجت من القصور الأموية الكبرى. في المقابل، تبرز الأرضيات الفسيفسائية وتتميّز بتنوّع تقاسيمها، وتشكّل هذه الألواح مادة أساسية لدراسة استمرارية هذا الفن وتطوّره خلال العهد الأموي.


صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي
TT

صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي

في روايتها «غداً غداً» الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، وترجمة علا محمود، ترسم الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا جانونيه صورة مؤثرة لصراعات اجتماعية وإنسانية تنطلق من قلب ريف «سالنتو» في أواخر خمسينات القرن العشرين بإيطاليا، حيث يعيش الشقيقان «لورينسو» و«أنييزيه» داخل عالمهما الصغير الذي تديره عائلتهم المعروفة بصناعة الصابون.

يتجلى المصنع الذي أسسه الجد والممتلئ برائحة الزيوت العطرية والزهور رمزاً للاستمرارية والأمان في بقعة تجمع بين الماضي والمستقبل وبين الحلم العائلي والحياة اليومية البسيطة، لكن حين يقرر والدهما بيع المصنع فجأة ينقلب التوازن العائلي رأساً على عقب.

يغادر «لورينسو» البيت مدفوعاً بالغضب والرغبة في استعادة إرثه الضائع في حين تبقى «أنييزيه» الهادئة لتواجه التغير وحدها وتنقذ ما يمكن إنقاذه، وهكذا على مر السنين يسير الشقيقان في طريقين متوازيين لا يلتقيان، أحدهما في مواجهة العالم والآخر في مواجهة الذات.

وفي خلفية الأحداث، تتحول إيطاليا من بلد ريفي تقليدي إلى وطن جديد تنبض شوارعه بالأمل والصراعات والطموح، في نص مدهش عن الأسرة والاختيارات والحنين، فضلاً عن الغضب الذي يورّث والإخلاص الذي يبقى رغم المسافات.

اللافت، أن المؤلفة فرانشيسكا جانونيه تعود أصولها إلى منطقة «سالنتو» في جنوب إيطاليا، كما درست علوم الاتصالات ودرست في المركز التجريبي للتصوير السينمائي.

من أجواء الرواية نقرأ:

«كانت غرفة لورينسو بسيطة وشبه خالية، الآثار الباقية من وجوده انحصرت في عدة ملصقات سينمائية معلقة على الجدران كلها لأفلام لم يشاهدها «ماركو» من قبل، مع حامل للرسم وأنابيب ألوان قديمة وفُرش جفت شعيراتها وتصلبت. ومن حافظة أوراق موضوعة على المكتب برزت بضع رسومات فاقترب الفتى وتصفح بعضها فانتبه إلى أن كل الرسومات تصور الفتاة ذاتها، فتاة رائعة الجمال ولها شعر أشقر طويل.

تفرَّس الشاب في ملامحها قليلاً وسأل نفسه: هذه الفتاة تشبه شخصاً أعرفه، أظن أنني رأيتها من قبل... لكن أين؟... وبينما راح يعصر ذهنه محاولاً التذكر، قال ماريو فجأة يا فتى عليّ أن أذهب الآن، حان موعد تناول أدويتي، لكن إن أردت البقاء فلا بأس سأترك لك المفاتيح على أن تعيدها لاحقاً.

حالما بقى ماركو وحيداً أعاد وضع السماعات على أذنيه وشرع يدندن وهو يسير عبر الطريق الترابية مع صوت «فابريتسيو ديه أندره» الذي راح يقول: «ما لا أملكه هو أن أنجو بلا ثمن... ما لا أملكه هو ذاك الشيء الذي لا أفتقده في الغياب...».

وفجأة لمح اللافتة التي كتب عليها: «كازا ريتسو»، مصنع الصابون العريق منذ عام 1920، واصل سيره وبعد فترة وجيزة بلغ الفضاء الفسيح الواقع أمام المصنع بينما كان فابرتسيو يتابع غناءه: «ما لا أملكه... هو قطار صدئ يعيدني من حيث بدأت طريقي».

توقف ماركو ورفع بصره نحو مبنى المصنع المهجور، تأمل الواجهة التي اسوّدت بفعل الزمن وشجر اللبلاب الذي تسلق جدرانها حتى أخفى جزءا منها وزجاج النوافذ المعتم وخشب الباب المتآكل. استعاد في ذهنه ما رآه في غرفة والدته القديمة وتلك التفاصيل الكثيرة التي تخص ذلك المكان وأدرك أن المصنع لابد أنه كان يعني لهما الكثير.