عادت أجواء التوتر الأمني إلى العاصمة الليبية طرابلس، مساء الثلاثاء حتى الساعات الأولى من فجر الأربعاء، مع تحركات وتحشيدات لفصائل مسلحة تتبع السلطات في غرب البلاد، في مشهد أعاد إلى أذهان السكان المواجهات المسلحة التي شهدتها المدينة خلال الأشهر الماضية.

جاء هذا التحشيد الميليشياوي في ظل غياب أي تعليق رسمي من جانب المجلس الرئاسي أو حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة يوضح طبيعة هذه التحركات أو أهدافها.
وحسب مصادر محلية وشهود عيان، وتسجيلات مصورة تداولها ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تركزت التحركات العسكرية في محيط منطقة المنصورة، بالقرب من مبنى الإذاعة، حيث انتشرت آليات وعناصر تابعة لـ«قوة مكافحة الإرهاب»، بقيادة اللواء مختار الجحاوي، وهي قوة تتبع رئاسة الأركان العامة التابعة لحكومة «الوحدة الوطنية»، إلى جانب دوريات من اللواء 222 بقيادة حسين الشواط.
وأظهرت المقاطع المتداولة انتشاراً مكثفاً للآليات العسكرية في عدد من الشوارع الرئيسية، وسط سماع إطلاق نار في بعض المناطق، الأمر الذي دفع السكان إلى التزام منازلهم خشية تطور الأوضاع إلى مواجهات مسلحة، خصوصاً في ظل عدم صدور أي توضيحات رسمية بشأن أسباب هذه التحركات.

ورصدت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا جانباً من هذه التطورات، معربةً عن قلقها إزاء ما وصفتها بـ«مظاهر التوتر الأمني والتحشيدات العسكرية»، وما رافقها من إطلاق للرصاص الحي والأعيرة النارية بصورة عشوائية، قالت إنه أدى إلى ترويع السكان المدنيين، وتحويل الأحياء السكنية إلى ما يشبه ساحات القتال.
وحذرت المنظمة الحقوقية من مخاطر انزلاق الأوضاع إلى أعمال عنف قد تعرِّض حياة المدنيين للخطر، معتبرة أن مثل هذه الممارسات تمثل إخلالاً بقواعد القانون الدولي الإنساني، وقد تترتب عليها مسؤوليات قانونية بحق الجهات المتورطة فيها. كما حمّلت أطراف التوتر المسؤولية الكاملة عن أي تصعيد محتمل، داعيةً جميع الأطراف إلى ضبط النفس، والامتناع عن استخدام القوة، وسرعة تدخل الجهات المختصة لاحتواء الموقف، ومنع أي صدام مسلح.
ويعكس هذا التحرك، حسب مراقبين، استمرار هشاشة الوضع الأمني في غرب ليبيا، حيث لا تزال العاصمة تضم عدداً من التشكيلات المسلحة ذات الولاءات المتباينة، رغم إعلان السلطات أكثر من مرة العمل على إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية والأمنية.

وفي موازاة ذلك، يلف الغموض ما تردد عن تعثر اجتماع كان يُحضَّر له في مدينة سرت، ويضم نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الفريق أول صدام حفتر، ووكيل وزارة الدفاع في حكومة «الوحدة الوطنية» الفريق عبد السلام الزوبي، ضمن مسار تقوده الولايات المتحدة لتقريب وجهات النظر بين المؤسستين العسكريتين في شرق البلاد وغربها.
ولم تعلن الجهات الليبية أو الأميركية موعداً جديداً لاستئناف هذه المشاورات، كما التزمت حكومة «الوحدة الوطنية» و«الجيش الوطني» الصمت حيال ما أثير بشأنها.
في المقابل، اكتفت رئاسة أركان «الجيش الوطني» بنشر نشاط لرئيس الأركان، الفريق أول ركن خالد حفتر، خلال جولة تفقدية شملت عدداً من المنشآت العسكرية التابعة لإدارة المشاة والمدرعات، أكد خلالها أهمية تطوير برامج التدريب ورفع كفاءة الضباط، بما يواكب المتطلبات التقنية والعسكرية الحديثة، في خطوة بدت بعيدة عن التعليق على الأنباء المتداولة بشأن الاجتماع المؤجل أو التطورات الأمنية في طرابلس.

وتعيد هذه المستجدات تسليط الضوء على استمرار هشاشة المشهد الأمني والسياسي في ليبيا، في وقت تتواصل فيه الجهود الدولية لدفع الأطراف الليبية نحو تسوية سياسية وعسكرية شاملة، وسط مخاوف من أن يؤدي أي تصعيد ميداني جديد إلى تقويض تلك المساعي، وإعادة البلاد إلى دوامة المواجهات المسلحة.
