على خُطى «فلوبير»... في أحضان منطقة الـ«نورماندي»

ارتبط الكاتب الفرنسي بالمكان ارتباط الابن البار بأمه

فلوبير
فلوبير
TT

على خُطى «فلوبير»... في أحضان منطقة الـ«نورماندي»

فلوبير
فلوبير

بمناسبة مرور 200 عام على ولادة فلوبير عام 1821، نظم معرضان فوتوغرافيان تحولا إلى معرضين دائمين في المتحف المخصص له في مدينة «روان» - مقاطعة روماندي - حيث ولد الكاتب في 1821 ورحل في 1880. وقد احتوى المتحف على جميع مقتنياته. كان المعرض الأول بعنوان «رحلة إلى بلاد إيما، عبر الدروب والأحلام» بعدسة «إيريك بينار»، في قلعة «مارتانفيل» (على بُعد 4 كم من «ري»). والثاني «هدوء، تصوير! في ديكورات مدام بوفاري»، وهو مسارٌ بصريّ يتتبّع مواقع تصوير أفلام «رينوار» و«شابرول» في «ليون - لا - فوريه».

ومن المعروف أن فلوبير قد استلهم معظم شخصيات رواياته من منطقة روماندي، الواقعة شمال غربي فرنسا، واستمد ديكوراتها من طبيعة أراضي المنطقة. وكانت عائلة «فلوبير» من جهة الأم قد ضربت بجذورها في أراضي «بونت - ليفيك»، منذ منتصف القرن الثامن عشر، وهي الأرض ذاتها التي شهدت ولادة أمه «كارولين» عام 1793.

وقد حفرت تلك المنطقة، وتحديداً إقليم «أوج»، في وجدان الكاتب أثمن ذكريات طفولته؛ حيث عاش أياماً تعبق بالبراءة والصفاء في مزرعة «جيفوس» الريفية التي اقتناها والده عام 1829.

وقبيل بضعة أشهر من وضع النقطة الأخيرة لقصته القصيرة «قلبٌ بسيط» في صيف 1876، اشتاقت روحه المتعبة لزيارة بلدة والدته الحبيبة التي رحلت عن عالمه قبل أربع سنوات. هناك، اعتصره حنينٌ طاغٍ، فانسابت مشاعره في نصه، وسمح لعاطفته - على غير عادته الصارمة - أن تتحدث وتفيض. فجاءت كلماته مشبّعةً بندى تلك الأيام الخوالي، تحمل في طيّاتها أثراً لا يُمحى من لوعة الفقد وصدق المحبة.

تمثال فلوبير

لقد ارتبط فلوبير بمنطقة نورماندي ارتباط الابن البار بأمه؛ فلم تكن مجرد مسقط رأسه، بل الملاذ الروحي الذي صاغ وجدانه. فضّل صاحب «مدام بوفاري» العزلة في صومعته النورماندية بعيداً عن صخب باريس، ليُبدع في سكونها أعظم أعماله. واتخذ من تضاريسها الجيولوجية مسرحاً لروايته «بوفار وبيكوشيه». وهكذا ظلت نورماندي الرحم الحقيقية لعبقريته، ولم يخرج عن جلبابها إلا نادراً حين ارتحل شرقاً لكتابة «سالامبو»، لتبقى البصمة النورماندية هي الأعمق في هويته الأدبية.

وكان فلوبير قد أجرى، في خريف عام 1877، رحلة استكشافية توثيقية في «نورماندي السفلى»، حيث أسرته التكوينات الجيولوجية الفريدة المنبثقة من العصر الجوراسي، بمنحدراتها الصخرية الشاهقة وغاباتها العتيقة. وقد اتخذ فلوبير من هذه التضاريس مسرحاً لمشروعه الروائي الساخر، جاعلاً منها ميداناً لبطليْه «بوفار» و«بيكوشيه»؛ وهما رفيقان مهووسان باكتساب المعارف. وهكذا، قادهما الكاتب عبر منحدرات وأودية المنطقة لتصوير هوسهما العبثي والمحموم بعلوم الجيولوجيا والأحافير في قالبٍ من السخرية السوداء.

وفي هذه المنطقة، وفي عطلة صيفية بقرية «تروفيل» خلال ثلاثينات القرن التاسع عشر، اختبر الفتى «غوستاف فلوبير» الحب من النظرة الأولى؛ حين أسرت قلبه السيدة الناضجة «إليزا شليزنغر»، لتصبح منذ تلك اللحظة أيقونته الأنثوية ومثله الأعلى للجمال. وقد انعكس هذا العشق العميق لاحقاً في روايته «التربية العاطفية»؛ حيث استلهم شخصية «السيدة أرنو» من طيف حبيبته، بينما جعل بطل الرواية «فريديريك» مرآةً لروحه، ليُخلّد من خلاله لوعة حبه الصبوي وحنينه الدفين.

فاجعة تلهم مدام بوفاري

في عام 1848، شهدت قرية «ري» الفرنسية فاجعةً واقعية حين أنهت سيدة تُدعى «دلفين ديلامار» حياتها بتجرع الزرنيخ، هرباً من وطأة الديون الخانقة وصدمة تخلي عشيقها عنها، لتنطوي مأساتها في صمتٍ موحش. إلا أن هذه الحادثة المحلية العابرة أصبحت الشرارة التي ألهمت غوستاف فلوبير لإبداع تحفته الخالدة. فقد استلهم من تلك الواقعة شخصية «إيما بوفاري» المتمردة، وحوّل قرية «ري» إلى بلدة «يونفيل - لاباي» الخيالية، مُخلّداً بذلك فاجعةً منسية لتغدو أيقونةً أبدية في تاريخ الأدب.

كتب «فيليب دوفور»، أستاذ أدب القرن التاسع عشر بجامعة «تور»، عن فلوبير بعد قراءته «مدام بوفاري»:

«لقد صاغ غوستاف فلوبير جوهر أسلوبه في (مدام بوفاري)، ليثبت عليه كقانونٍ لا يتبدّل. لقد تخلّى عن التحليقات العاطفية المفرطة للرومانسية، ليغوص في تيار الواقعية الجارف. ولِكي يعكس وجه الواقع العاري، كان يصفّي كتاباته بلا هوادة، ويُقصيها عن ذاته. الكاتبُ في نظره ليس مجرّد شاعر، بل هو حِرفيٌّ يتألّم في محراب الكلمة، لا يتردد لحظةً في التضحية بمشاهدَ قد تبدو خلّابة لكنها لا تخدم البناء المعماري للنص. وتكمن حداثته أيضاً في شحّ الأحداث داخل رواياتٍ يبدو فيها العالم الماديّ متسيّداً على خبايا النفس البشرية. ورغم اعتناقه لمبدأ «الفن للفن» كمثلٍ أعلى للجمال، فإن لفلوبير رؤيته الفلسفية العميقة للوجود: فهو يشهر سلاح سخريته اللاذعة في وجه «التقدم» المزعوم الذي كانت تعبده الطبقة البرجوازية، ويحتقر الرداءة، راسماً صورةً لعالمٍ قاسٍ، بل دنيء أحياناً، لا تخترقه سوى ومضاتٍ عابرة من الحنان تجاه البائسين، ولحظاتٍ نادرة من الإنسانية والجمال الخالص».

عشق «فلوبير» الغوص في بحار المفردات التقنية الدقيقة، صاقلاً قلمه الذي شبّهه أحد النقّاد بـ«مبضع الجرّاح»، لِما يتمتع به من دقةٍ تشريحيةٍ لا تُخطئ الهدف. يُقاطع التدفق السردي في نصوصه بوصفٍ خالص، وبإحساساتٍ تُنقل بلمساتٍ انطباعيةٍ سريعة للألوان، والضوء، وكثيراً ما تكون للأصوات. ولا ريب أن هذا الجوّ المشحون يسهم - بشكل خفيّ - في رسم ملامح البناء النفسي للشخصيات وصياغة الحبكة؛ فتأثير تلك الانعكاسات الضوئية على وجه «إيما» لا يملك إلا أن يسحر القارئ، كما سحر «شارل» الذي كان يتأمّلها. يفيض أسلوب «فلوبير» باستخدام الفعل الماضي الناقص المستمر (L›imparfait)، ليؤكد رتابة الزمن، وملل العيش، وثقل الديمومة الخاضعة لأعراف وتقاليد الأرياف الصارمة. من أهم ابتكارات «فلوبير» التي تجاوز بها أقرانه، هو تبنّيه لموقف الراوي المُتجرّد من ذاته، الذي يقف على مسافةٍ حيادية من الحدث. إنه لا يقحم نفسه في استطراداتٍ شخصية، بل يكتفي بالمراقبة «السريرية» المحايدة لما يدور أمام عينيه. وعلى النقيض من «هوجو» أو «بلزاك»، فهو لا يعظ، ولا يُنصّب نفسه قاضياً أخلاقياً على شخصياته. حقاً، في عالم «فلوبير»، لا أحد يدرك يقيناً ما الكلمة الأخيرة للكاتب!

يتسم أسلوب الكاتب بالدقة والإيقاع المضبوط عبر توظيف تقنية التجاور والاستخدام الذكي لعلامات الترقيم لخلق مساحات للتأمل. وتبرز في نصوصه روح الشاعر المهووس بالكمال الموسيقي، والذي يبحث بضراوة عن «الكلمة الأصدق»، متجنباً بشدة أي تكرار يُفقد اللغة بريقها وجمالها. إلى جانب لغته المتفردة، يمتلك الكاتب رؤية سينمائية سابقة لأوانها؛ حيث يعتمد على «لقطات مقربة» ترصد أدق التفاصيل لتعرية الخبايا النفسية لشخصياته. وتتجلى عبقريته هنا في قدرته على رسم المفارقات الإنسانية الصارخة بصرياً ونفسياً؛ كالتناقض بين براءة ونعومة فتاة برجوازية، والأيادي الخشنة لخادمة أفنت عمرها في الشقاء.

من رماد المحاكمة إلى خلود قرطاج

في خريف عام 1857، وعقب خروجه منهكاً من محاكمة روايته «مدام بوفاري»، قرر غوستاف فلوبير هجر الواقعية الحديثة واللجوء إلى سحر الشرق والعصور القديمة. وقع اختياره على مدينة قرطاج لتخليد «حرب المرتزقة» التي دارت في القرن الثالث قبل الميلاد. ولأجل ذلك، سافر إلى تونس عام 1858 ليتشرب روح المكان وعبق ثقافته، مبدياً اهتماماً بالغاً بتفاصيل المشهد رغم أنه لم يجد حينها سوى أرضٍ جرداء وقناة مياه رومانية.

استغرق فلوبير خمس سنوات من البحث المضني في الآثار والمخطوطات ليبدع رائعته «سالامبو». لقد نسج ميثولوجيا كاملة حول كاهنة القمر «سالامبو» وزعيم المرتزقة «ماثو»، مستخدماً لغةً بصرية مرهفة وأسلوباً سينمائياً يضج بالعنف المكثف. والمثير للدهشة أن الحفريات الأثرية الدولية التي أُجريت في أواخر القرن العشرين أثبتت دقة تفاصيله التاريخية المذهلة، والتي بدت للوهلة الأولى وكأنها محض خيال جامح.

ورغم الاستقبال المتناقض الذي حظيت به الرواية عند صدورها عام 1862، حيث هاجمها البعض ودافع عنها بشراسة عمالقة الأدب كـ«فيكتور هوجو»، فإنها تحولت سريعاً إلى أيقونة فنية ألهمت الأجيال. واليوم، يسعى المعرض المتنقل «سالامبو: غضب! شغف! أفيال!» لرد الاعتبار لهذه التحفة وإعادتها للواجهة، عبر عرض 350 قطعة فنية وأثرية تمزج بين أسرار كتابتها، والإبداعات البصرية المستلهمة منها، واللقى الأثرية الحقيقية لقرطاج، في رحلة بصرية تدعو للتأمل العميق.

هكذا يتم الربط بين أعمال الكاتب الروائية والمعارض التي تُقام لغرض فهم أوسع لإبداع الكاتب. فيما عدا رواية «سالامبو» التي استوحاها من قرطاج تونس، فإن أغلب رواياته استقاها، كما ذكرنا، من موطنه الأصلي منطقة النورماندي، بتراثها التاريخي العريق؛ حيث تضم دير مون سان ميشيل الأثري والمذهل المبني على جزيرة صخرية. كما تحمل شواطئها، مثل شاطئ أوماها، ذكرى عسكرية خالدة لكونها مسرحاً لعملية إنزال النورماندي التاريخية لتحرير أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية.

إلى جانب ثقلها التاريخي، تُعد المنطقة مهداً للفن الانطباعي، وتبرز فيها قرية جيفرني التي تحتضن منزل وحدائق الفنان «كلود مونيه»، والتي ألهمته لرسم أشهر لوحاته. وتتكامل هذه الروح الفنية مع طبيعة نورماندي الريفية الخلابة ومنحدراتها الطباشيرية البيضاء الساحرة، مثل منحدرات «إيتريتا» المطلة على المحيط الأطلسي. أما على صعيد فن الطهي، فتقدم نورماندي تجربة زراعية فريدة؛ فهي تشتهر بمنتجات التفاح كعصير السيدر ومشروب الكالفادوس، وأفخر أنواع الأجبان الفرنسية كجبنة كامامبير - ذات الرائحة القوية - فضلاً عن لحوم الضأن المتميزة، لتشكل بذلك وجهة استثنائية تجمع بين عبق التاريخ، وروعة الفن والطبيعة، وأصالة المذاق الفرنسي. ثم تتجلى روائع ابنها غوستاف فلوبير لتضفي على المشهد رونقاً آخر من الأدب الرفيع، عبر أسلوبٍ متفردٍ شكّل ثورةً حقيقيةً في أروقة الأدب الفرنسي.


مقالات ذات صلة

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

كتب كاثرين جيزير-مورتون

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

لا تكاد تخلو جريدة أو مجلّة في أيّامنا من مقالة أو أكثر تحذر من إدمان الشاشات وتآكل قدرات التركيز التي انتهى إليها الإنسان المعاصر

ندى حطيط
كتب «حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

تؤسس الكاتبة المصرية هبة الله أحمد عالم مجموعتها «حكايات الغماز» على مفارقة مكانية وحركية

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

تفتتح الكاتبة أحلام نواف بارود كتابها «لم نُخلَق للقاع» بإهداء يشرع أمام القارئ أبواب الأمل: «إلى آخر يوم في حياتك، مُصرّح لك بالتجربة والخطأ والتعلّم»

«الشرق الأوسط» (عمّان)
يوميات الشرق الأدب الكلاسيكي عائد بقوَّة من خلال الأفلام والمسلسلات (إنستغرام) p-circle 01:30

من «الأوديسة» إلى «شرق عدن»... كيف فتحت شهيَّة هوليوود و«نتفليكس» على الأدب الكلاسيكي؟

أكثر من أي وقت تلجأ كبرى استوديوهات الإنتاج إلى الروايات الكلاسيكية القديمة، لصناعة أفلام ومسلسلات منها. فما مردُّ هذه الظاهرة؟

كريستين حبيب (بيروت)
ثقافة وفنون التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟

شوقي بزيع

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»
TT

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

بعد حيازته عام 2015 جائزة «أفضل عمل روائي لبناني» عن كتابه «غريقة بحيرة موريه»، التي منحته إياها وزارة الثقافة اللبنانية، أعلنت هيئة الشارقة للكتاب منحها جائزة «أفضل رواية عربية» للزميل الشاعر والروائي والباحث

أنطوان الدويهي

عن رائعته الأخيرة «الشتاء الكبير»، التي كانت «الشرق الأوسط» نشرت مؤخراً حواراً معه حولها.

وتشكّل هذه الجائزة للدويهي مفاجأة نظراً لبعد الكاتب عن الأضواء وتنسّكه في نشاطه الأدبي، فهو دائم الإقامة في الذات، ومنعزل منذ زمن طويل في خلوته على كتف وادي قزحيّا في أعالي جبل لبنان.

وترتكز أعمال الدويهي الأدبية والشعرية والسردية على عوالم الذات، وهي مستمدة بكاملها من «يوميات الحياة الداخلية»، المستمر في صوغها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم، ولا مصدر آخر لكتاباته، بحثياً كان أم توثيقياً. ومن هنا وحدة عالمه الأدبي العميقة، وتكامله، ووحدة لغته وهواجسه ومشاعره، ورؤاه الجمالية في كل أعماله المتوالية على مدى ثلث قرن، من «كتاب الحالة» عام 1993 إلى «الشتاء الكبير» الصادر حديثاً.

ومن أهم مفاعيل هذه الجائزة أنها تلفت القراء العرب إلى أديب مختلف، بالغ الخصوصية في الآداب العربية، في غوصه في أعماق النفس البشرية وتماهيه مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي ذات الفرد بذات الأرض وذات الجماعة. وبهذا المعنى ذكر عنه الشاعر أنسي الحاج: «ماذا كتب؟ كتب ذات فرد وذات أرض وذات شعب». وذكر أيضاً: «يُقرأ أنطوان الدويهي كما تُفرد حبات اللؤلؤ». وبهذا المعني أيضاً كتب الأديب والصحافي سمير عطاالله: «منذ أن بدأت في قراءة الدويهي، اعتدت الانجذاب في غبطة إلى هذا الخدر الآسر الأثير. فليس أهنأ إلى نفسي من قلم له هذه التجربة في عمق الذات، وله مثل هذا الصمود في عمق النقاء».

وتأتي هذه الجائزة لتتجاوز الاتجاه الذي بات سائداً لدى عديد من الروائيين العرب، وفي الغرب أيضاً، الذي يمكن اختصاره بعبارة «أدب الموضوعات»، حيث ينتقل الروائي في كل عمل جديد من موضوع إلى آخر، يحشد له في كل مرة المعلومات البحثية والتوثيقية، وبات يشارك في صنعه في أحيان كثيرة الذكاء الاصطناعي. ويشكل هذا المنحى ابتعاداً عن عوالم الأدباء الذاتية، ونزوحاً من «أدب الكتّاب» إلى «أدب القراء» وفقاً لمنطق السوق وحركة العرض والطلب التجارية. أما أدب الدويهي، المستند إلى وحدة الحياة الداخلية في الزمان وفرادتها وذاتيتها وخصوصيتها وعمقها، فهو إعادة اعتبار للأدب الكبير، وهو النقيض الأمثل لعالم كتابي يغرق أكثر فأكثر في متاهات وسائل التواصل الاجتماعي ومؤثرات الذكاء الاصطناعي التي تقود إلى نهاية الأدب.

في «الشتاء الكبير»، يروي الدويهي عذابات سن السابعة عشرة، ويستحضر الذاكرة والمكان، بلغة عميقة وفلسفية ومتينة، تمزج بين التأمل ووصف الطبيعة واستكشاف أثر العنف والذاكرة على الإنسان. نحن أمام رواية رمزية وفلسفية تبحث في سلوك الإنسان وعلاقته بذاته، وتقوم على التأمل الذاتي الذي يعيشه الراوي، وعلى علاقته بالحياة والموت والعنف والحرب. أما الشخصيات الأخرى، فهي أقرب إلى ظلال تحيط به، ووجودها وظيفي لتحريك السرد أكثر مما هو محوري في بنية النص. وفي تأملاته العميقة، يناقش الدويهي ظواهر العنف والثأر والدم المستباح، ويربطها بالسلوك الفردي والجماعي، متسائلاً عن فكرة المسؤولية الجماعية وتأثيرها على النمط المتوارث في الثأر العائلي.


التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.