هجوم «أرنديغا» يثير تساؤلات حول قدرات متمردي الجنوب الليبي

صدام حفتر تعهد بملاحقة المنفذين وتطهير فزان

صدام حفتر خلال لقاء مع قادة عسكريين وأمنيين ليبيين في الجنوب الليبي الاثنين (الجيش الوطني الليبي)
صدام حفتر خلال لقاء مع قادة عسكريين وأمنيين ليبيين في الجنوب الليبي الاثنين (الجيش الوطني الليبي)
TT

هجوم «أرنديغا» يثير تساؤلات حول قدرات متمردي الجنوب الليبي

صدام حفتر خلال لقاء مع قادة عسكريين وأمنيين ليبيين في الجنوب الليبي الاثنين (الجيش الوطني الليبي)
صدام حفتر خلال لقاء مع قادة عسكريين وأمنيين ليبيين في الجنوب الليبي الاثنين (الجيش الوطني الليبي)

أعاد الهجوم الذي شنه متمردون على موقع تابع لـ«الجيش الوطني» في بوابة «أرنديغا» تساؤلات إلى واجهة المشهد الأمني في الجنوب الليبي حول الحجم الحقيقي لهذه المجموعة المسلحة، وحدود قدرتها على تهديد انتشار قوات الجيش في إقليم فزان، رغم تكرار عملياتها منذ مطلع العام الحالي.

وتغذي أحدث المواجهات هذه التساؤلات، بعدما أعلنت «غرفة عمليات تحرير الجنوب» هجوماً على بوابة «أرنديغا» يوم الأحد، وأسر 15 عنصراً من قوات «الجيش الوطني»، والاستيلاء على آليات عسكرية، قبل أن تزعم التقدم نحو قاعدة «اللويغ». وفي المقابل نعى الجيش عدداً من قتلاه، بينهم النقيب موسى السليماني، دون إعلان حصيلة خسائره.

قوات ليبية تابعة للجيش الوطني عند أحد المنافذ الحدودية الجنوبية (الجيش الوطني)

وبحسب وزير الدفاع الليبي الأسبق محمد البرغثي، فإن ما تنفذه هذه المجموعة يندرج ضمن «حروب العصابات»، القائمة على الضربات السريعة والانسحاب، مستفيدة من الطبيعة الصحراوية، أكثر من السعي إلى الاحتفاظ بالأرض، أو خوض مواجهة عسكرية تقليدية، وفق ما قال لـ«الشرق الأوسط».

ولم يكن هجوم «أرنديغا» الأول من نوعه؛ إذ برزت «غرفة عمليات تحرير الجنوب»، بقيادة محمد وردكو، منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، عبر سلسلة هجمات متفرقة ضد مواقع تابعة لـ«الجيش الوطني»، بدأتها بهجوم على منفذ التوم الحدودي مع النيجر، وصاحبتها حملة إعلامية هدفت إلى إبراز حضورها في الجنوب.

وفي يونيو (حزيران) الماضي، أعلنت المجموعة أسر عدد من عناصر «الجيش الوطني» عند «بوابة الزعيترية» في وادي الشاطئ، والاستيلاء على آليات عسكرية، من دون أن يتسنَّى التحقق بصورة مستقلة من تفاصيل العملية أو عدد المحتجزين.

وردَّ «الجيش الوطني» على العملية العسكرية الأخيرة للمتمردين بتعهد أعلنه نائب قائده الفريق صدام حفتر، عقب اجتماع مع قيادات عسكرية وأمنية في الجنوب، الاثنين، بملاحقة منفذي الهجوم والقضاء على «العصابات الإجرامية والخارجين عن القانون»، مؤكداً أن أمن فزان «حصن منيع»، ولن يسمح بتهديده.

وفي قراءة لطبيعة قوة المتمردين، يرى مدير المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية، أشرف بوفردة، أنها تقدم نفسها باعتبارها قوة حكومية تابعة لحكومة «الوحدة الوطنية»، بينما هي في الواقع تشكيل من «المرتزقة الهجين» يضم عناصر محلية وأجنبية، تغير ولاءاتها تبعاً للمصالح.

مروحية تابعة للجيش الوطني في الجنوب الليبي (الجيش الوطني)

ويشير بوفردة لـ«الشرق الأوسط» إلى أن بعض عناصرها ينتمون إلى «قبائل التبو»، والبعض الآخر قاتلوا سابقاً إلى جانب «الجيش الوطني» خلال حرب طرابلس (2019 - 2020)، قبل أن ينشقوا عنه، وهو ما يعكس، بحسب تقديره، نمطاً متكرراً من تبدل ولاءات وتحالفات داخل التشكيلات المسلحة الناشطة في الجنوب.

ويضم التشكيل أيضاً، وفق بوفردة، بقايا عناصر من «جبهة التغيير والوفاق في تشاد (فاكت)»، التي كانت تتخذ من الجنوب الليبي مقراً لها. وبعد «اتفاق الدوحة» عاد قسم منهم إلى تشاد، بينما بقي آخرون داخل ليبيا يعملون كمرتزقة.

ولا يرى بوفردة أن نشاط المجموعة يتجاوز «مناكفة» قوات «الجيش الوطني» وإثبات الوجود، معتمدة على عمليات الكر والفر، ومعرفتها بمسالك الصحراء، واستخدام عربات خفيفة في مواجهة قوات نظامية تتمركز في مواقع ثابتة.

كما يربط حراك هذه التشكيلات بشبكات التهريب المنتشرة في الجنوب، معتبراً أن «منطق الغنيمة والمكاسب يظل المحرك الرئيسي لها، حتى عندما ترفع شعارات وطنية في محاولة لكسب التأييد أو توفير غطاء لتحركاتها».

وتطرح «غرفة عمليات تحرير الجنوب» نفسها، في بيانات متكررة، باعتبارها قوة مستقلة خارج الأطر القبلية، وتؤكد أن هدفها حماية سكان فزان وتأمين حركة التجارة، في مقابل رفضها استمرار انتشار «الجيش الوطني» في الجنوب.

غير أن الناشط السياسي محمد قشوط عد ما يجري شكلاً من الابتزاز السياسي، متهماً أطرافاً داخلية بتوظيف جماعات مسلحة تتحرك في مناطق صحراوية رخوة داخل تشاد والنيجر، مستفيدةً من ضعف سيطرة جيوش تلك الدول، أو ما وصفه بـ«تواطؤها» مع هذه التحركات.

قوات من الجيش الوطني خلال استعراض عسكري سابق (الشرق الأوسط)

ومن زاوية أخرى للمشهد، يبدو أن تأثير المتمردين لا يعتمد على العمل العسكري وحده، بحسب محللين؛ إذ يرى المحلل العسكري محمد الترهوني أنها تعتمد على تكتيكات الحرب النفسية، من خلال بث تسجيلات وبيانات تسعى إلى تضخيم إنجازاتها، والتأثير في الرأي العام وإرباك خصومها، لكنه أشار لـ«الشرق الأوسط» إلى «فشل هذه المساعي على الأرض».

وفي هذا السياق، نشر متمرد «غرفة عمليات الجنوب» تسجيلاً مصوراً نشرته المجموعة، قالت إنه يظهر أسرى من قوات «الجيش الوطني»، إلى جانب دعوتها أهالي الجنوب لسحب أبنائهم من صفوف الجيش، وهي مواد لم يتسنَّ التحقق من صحتها بصورة مستقلة.

وفي مقابل هذه الرسائل، سارعت بلديات في إقليم فزان إلى إعلان دعمها لـ«الجيش الوطني»، مستنكرة الهجوم على بوابة «أرنديغا»، ومؤكدة مساندتها للجهود الرامية إلى مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وترسيخ الأمن والاستقرار.

كما سبق لشيخ مشايخ التبو في ليبيا، الشيخ اللهوزا فوزي، أن أعلن تبرؤ القبيلة من محمد وردكو، متهماً إياه بالسعي إلى إثارة الفتنة بين مكونات الجنوب وعرقلة جهود التنمية، داعياً «الجيش الوطني» إلى التعامل معه بما يحفظ أمن المنطقة.


مقالات ذات صلة

أزمة تعيينات المخابرات الليبية تهدد اجتماعاً مرتقباً لـ«الرئاسي»

شمال افريقيا موسى الكوني في لقاء مع وفد حزب تجمع الوحدة الوطنية الاثنين (الصفحة الرسمية للكوني)

أزمة تعيينات المخابرات الليبية تهدد اجتماعاً مرتقباً لـ«الرئاسي»

صعّد عضو المجلس الرئاسي الليبي موسى الكوني خلافه مع رئيس المجلس محمد المنفي بشأن إدارة جهاز المخابرات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم العربي السيسي وإردوغان وقَّعا اتفاقية للتعاون العسكري في القاهرة 4 فبراير الماضي (الرئاسة التركية)

كيف تنعكس التفاهمات المصرية - التركية المتسارعة على ملفات الصراع في المنطقة؟

تعدَّدت الزيارات المتبادلة بين مصر وتركيا على مستويات رسمية مختلفة خلال الفترة الأخيرة، وصولاً لزيارة هي الأولى من نوعها لوزير دفاع مصري إلى أنقرة منذ 13 عاماً.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى في لقاء مع اللجنة المالية بالبرلمان الليبي (صفحة المصرف المركزي)

ليبيا لمواجهة تهديدات سيبرانية تستهدف القطاع المصرفي

تحتاط ليبيا من تهديدات سيبرانية قد تستهدف قطاعها المصرفي بعد نحو شهر ونصف الشهر من تعرض منظومة مصرف ليبيا المركزي لاختراق إلكتروني

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصطافون ليبيون بشاطئ «السبيدجا» بمدينة الخمس الليبية (قسم الإنقاذ البحري بالمنطقة الوسطى)

تَوسّع الاستثمار «يضيّق مساحة» استمتاع الليبيين بالبحر

بين عشرات الإعلانات التي تروج للقرى السياحية يتكرر سؤال ينغص حياة قطاعات من الليبيين في شرق البلاد وغربها: هل أصبح الوصول إلى الاستمتاع بالبحر لمن يدفع أكثر؟

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا مدرعات وعربات عسكرية على حدود ليبيا الجنوبية الغربية الشهر الماضي (إعلام القيادة العامة)

تصعيد مسلح بين «الوطني الليبي» و«متمردين» في الجنوب

دعت حكومة أسامة حماد بشرق ليبيا إلى «الضرب بيد من حديد» على يد مجموعات خارجة عن القانون و«المرتزقة»، وذلك على خلفية مواجهات وقعت جنوب البلاد.

خالد محمود (القاهرة)

موريتانيا: الأطراف السياسية تتفق على «خريطة طريق» الحوار الوطني

جانب من لقاء سابق للرئيس الموريتاني مع ائتلاف معارض في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)
جانب من لقاء سابق للرئيس الموريتاني مع ائتلاف معارض في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)
TT

موريتانيا: الأطراف السياسية تتفق على «خريطة طريق» الحوار الوطني

جانب من لقاء سابق للرئيس الموريتاني مع ائتلاف معارض في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)
جانب من لقاء سابق للرئيس الموريتاني مع ائتلاف معارض في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)

اتفقت الأطراف السياسية في موريتانيا على «وثيقة» ستكون «خريطة طريق» لـ«الحوار الوطني» المرتقب، في محطة وُصفت بأنها الأخيرة في مسار التحضير للحوار، وهو مسار مستمر منذ أكثر من عام، وواجه كثيراً من المطبّات التي كادت تعصف به.

وعقدت الأطراف السياسية المشاركة في الحوار، الاثنين، اجتماعاً مطولاً لمناقشة «الوثيقة» التي خضعت لكثير من التعديلات خلال الأسابيع الأخيرة، وتوصلت في نهاية الاجتماع إلى صياغة توافقية، على أن تُوقَّع الوثيقة مساء الثلاثاء.

وقال مصدر في المعارضة إن «خريطة الطريق» ستوقَّع من طرف أقطاب الحوار الستة؛ 3 أقطاب من المعارضة، و3 من الموالاة، على أن تسلم نسخة من الوثيقة إلى الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الذي سيحدد موعد انطلاق جلسات الحوار المباشرة.

الوثيقة الجديدة

تشير المصادر إلى أن الوثيقة الجديدة حددت 4 محاور هي التي تشكل «خريطة الحوار الوطني» المرتقب، بدلاً من 8 محاور كانت في الوثيقة التي ناقشتها الأطراف الشهر الماضي، وأثارت كثيراً من الجدل، وكادت تعصف بالحوار؛ بسبب اقتراح مناقشة تعديلات دستورية جرى تحصينها وحددت عدد الولايات الرئاسية باثنتين.

من تجمع سابق لقادة المعارضة (الشرق الأوسط)

ووفق ما أكدته مصادر سياسية، فإن الوثيقة الجديدة لخصت الحوار الوطني في 4 محاور فقط: الوحدة الوطنية والانسجام الاجتماعي، والنموذج الديمقراطي للبلاد، ونموذج الحوكمة، وإدماج الفئات الهشة والوقاية من المخاطر والتهديدات.

وفي هذا السياق، قال منسق «الحوار الوطني»، موسى أفال، إن تحديد هذه المحاور «جاء بعد مشاورات تمهيدية مع مختلف الأطراف المعنية»، وأكد أنها «تعكس أبرز الانشغالات التي عبّر عنها الفاعلون السياسيون، ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات الوطنية المستقلة، ومختلف مكونات المجتمع الموريتاني».

لكن رغم اتفاق الأطراف السياسية على «خريطة طريق الحوار»، فإن السؤال الأهم الذي يطرحه الموريتانيون هو عمّا إذا كانت الأطراف قد طوت الخلاف بشأن نقطة «المأموريات الرئاسية»، وتجاوزته بشكل نهائي، أم إنها فقط أجّلت هذا الخلاف، الذي قد يعود إلى الواجهة خلال الحوار، ويسبب مشكلات قد تعصف بالحوار نفسه.

في هذا السياق، قال نور الدين محمدو، رئيس حزب «موريتانيا إلى الأمام» نائب رئيس قطب ائتلاف المعارضة الديمقراطية المشارك في الحوار، إن المعارضة لا تزال متمسكة بموقفها الرافض أي حوار يتطرق إلى تعديل المواد المحصنة من الدستور، خصوصاً «المأموريات الرئاسية».

وأضاف ولد محمدو، في بث مباشر بصفحته على «فيسبوك»، عقب اجتماع للمعارضة ليل الاثنين - الثلاثاء، أن «الحكمة انتصرت في النهاية، ونحن في المعارضة موقفنا واضح: لن نشارك في أي انتكاسة دستورية، أو أي رجوع للوراء نحو (المأمورية الثالثة)».

كما أشار ولد محمدو إلى النقاشات التي جرت، الاثنين، بين المعارضة والموالاة، والتي أفضت إلى سحب عبارة كانت مدرجة في الوثيقة تشير إلى أنه بإمكان أي طرف مشارك في الحوار إضافة أي موضوع للحوار، وهي العبارة التي اعترضت عليها المعارضة؛ «لأنها تتعارض مع خريطة الطريق نفسها، وتفتح الباب أمام إدراج موضوعات ليست محل اتفاق».

من جهة أخرى، قال مصدر في الغالبية الرئاسية إن جميع الموضوعات ستطرح على طاولة الحوار، دون استثناء، رافضاً ما تروج له المعارضة من استبعاد بعض النقاط بطلب منها، وقال إن تلك إشاعات لا صحة لها.

وأكد المصدر في حديث مع «الشرق الأوسط» أن المحاور الـ4 التي جاءت في «خريطة الطريق» تبقى مجرد «إطار عام» للحوار، وهي تمنح لكل طرف الحق في طرح النقاط التي يعتقد أنها تحتاج نقاشاً وحواراً.

وقال المصدر إن الحوار الذي دعا إليه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني كان يقوم على مبدأين أساسيين: «أولهما أنه لا يستثني أحداً، وثانيهما أنه لا يستثني أي موضوع»، على حد تعبير المصدر.

رئيس حزب «الإنصاف» الحاكم في آخر اجتماع له (الحزب)

وتثير مسألة «المأموريات الرئاسية» جدلاً واسعاً في موريتانيا، حيث ينص الدستور الحالي للبلاد على أن رئيس الجمهورية يحق له الترشح لولايتين رئاسيتين فقط، وهي مادة دستورية محصنة، أي إنه لا يمكن تعديلها لا عبر البرلمان ولا حتى باستفتاء شعبي.

ويحكم ولد الغزواني موريتانيا منذ 2019، وأعيد انتخابه لولاية رئاسية ثانية عام 2024، ووفق الدستور الحالي، فإنه يجب أن يغادر السلطة عام 2029، فيما بدأت ترتفع أصوات تدعو إلى تعديل الدستور من أجل فتح الباب أمام ترشحه لولاية رئاسية ثالثة، وهو ما ترفضه المعارضة بشدة، وتعدّه انتكاسة ديمقراطية.


أزمة تعيينات المخابرات الليبية تهدد اجتماعاً مرتقباً لـ«الرئاسي»

موسى الكوني في لقاء مع وفد حزب تجمع الوحدة الوطنية الاثنين (الصفحة الرسمية للكوني)
موسى الكوني في لقاء مع وفد حزب تجمع الوحدة الوطنية الاثنين (الصفحة الرسمية للكوني)
TT

أزمة تعيينات المخابرات الليبية تهدد اجتماعاً مرتقباً لـ«الرئاسي»

موسى الكوني في لقاء مع وفد حزب تجمع الوحدة الوطنية الاثنين (الصفحة الرسمية للكوني)
موسى الكوني في لقاء مع وفد حزب تجمع الوحدة الوطنية الاثنين (الصفحة الرسمية للكوني)

صعّد عضو المجلس الرئاسي الليبي موسى الكوني خلافه مع رئيس المجلس محمد المنفي بشأن إدارة جهاز المخابرات، بعدما ربط مشاركته في الاجتماع المرتقب للمجلس، الثلاثاء، بإدراج بند صريح على جدول الأعمال، يقضي بإلغاء جميع القرارات المتعلقة بالتعيينات الأخيرة لقيادة الجهاز، معتبراً أن ذلك يمثل مدخلاً لمعالجة الأزمة المؤسسية داخل المجلس.

ويأتي موقف الكوني في ظل استمرار الخلاف، الذي تفجر أواخر يونيو (حزيران) الماضي، عقب إصدار المنفي قراراً بإعفاء رئيس جهاز المخابرات حسين العائب، وتكليف عبد المجيد مليقطة برئاسة الجهاز، وعبد الشفيع الجويفي نائباً له، وهو القرار الذي قوبل باعتراض معلن من الكوني، كما رفضه رئيس مجلس النواب عقيلة صالح.

عقيلة صالح رئيس مجلس النواب الليبي (رويترز)

وفي رسالة وجهها إلى المنفي، ربط الكوني نجاح أي اجتماع للمجلس الرئاسي بمعالجة أسباب الخلاف المؤسسي، وطالب بإلغاء جميع القرارات الخاصة بجهاز المخابرات وما ترتب عليها من آثار، معتبراً أنها صدرت من دون موافقته أو توقيعه على محضر الاجتماع الذي أُقرت فيه.

وعدّ الكوني تلك القرارات مخالفة للمرجعيات السياسية والقانونية المنظمة للمرحلة الانتقالية، ولآليات عمل المجلس الرئاسي، مؤكداً أن إلغاءها يمثل الأساس لمعالجة الخلاف القائم، ومعلناً استعداده للمشاركة في الاجتماع فور إدراج هذا البند صراحة على جدول الأعمال.

ولم يصدر تعليق فوري من المنفي على رسالة الكوني، بينما واصل الثلاثاء نشاطه الخارجي في العاصمة القطرية الدوحة، حيث قدم واجب العزاء إلى أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في وفاة الأمير الوالد. كما كان قد استقبل في وقت سابق وفداً من «التجمع السياسي الوطني فزان»، الذي عرض عليه رؤية تتعلق بتعزيز مشاركة الإقليم في القرارين السياسي والتنموي.

المنفي يؤدي واجب العزاء لأمير قطر في وفاة الأمير الأب في الدوحة الثلاثاء (المجلس الرئاسي)

في المقابل، كثف الكوني خلال الأيام الماضية تحركاته السياسية لحشد الدعم لموقفه في أزمة جهاز المخابرات، مؤكداً في سلسلة لقاءات مع شخصيات سياسية واجتماعية ودبلوماسية، ضرورة تغليب المصلحة الوطنية، والحفاظ على وحدة المؤسسات السيادية، بما يضمن تجنيب البلاد مزيداً من الانقسام.

وشملت لقاءاته على مدار هذا الأسبوع وفداً من حزب تجمع الوحدة الوطنية، وأعيان ومشايخ الزاوية الكبرى، والمجلس الاجتماعي لسوق الجمعة والنواحي الأربع، إلى جانب تجمع أبناء فزان المقيمين في طرابلس. كما بحث تطورات الأزمة مع سفير الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا، نيكولا أورلاندو، ونائبة الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية، ستيفاني خوري.

ستيفاني خوري (البعثة)

وينسجم موقف الكوني مع رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، الذي سبق أن عبر عن موقفه الرافض لقرارات المنفي، إذ وجه الأسبوع الماضي رسالة رسمية إلى حسين العائب، دعاه فيها إلى الاستمرار في مباشرة مهامه رئيساً لجهاز المخابرات، مستنداً إلى أحكام الإعلان الدستوري، والاتفاق السياسي الليبي، والقانون رقم (8) لسنة 2023 الخاص بإعادة تنظيم الجهاز.

وأعاد هذا الموقف تأكيد اعتراض صالح على قرار إعفاء العائب، إذ سبق أن اعتبر أن تغيير رؤساء المؤسسات السيادية يجب أن يتم وفق الأطر القانونية والتوافقات السياسية، وليس عبر قرارات أحادية، وهو ما عمق الخلاف حول آلية إدارة إحدى أبرز المؤسسات الأمنية في البلاد.

وما يزيد من تعقيد المشهد أن الغموض لا يزال يحيط بمصير رئاسة جهاز المخابرات، في ظل استمرار كل من حسين العائب وعبد المجيد مليقطة في ممارسة مهام ولقاءات رسمية من مقرين مختلفين في طرابلس، في مشهد يعكس ازدواجية الأمر الواقع، ويطرح تساؤلات حول الجهة التي تحظى بالشرعية الفعلية لإدارة الجهاز.

ويخشى مراقبون أن ينعكس استمرار هذا الخلاف على أداء المجلس الرئاسي، خصوصاً إذا تعذر التوصل إلى تسوية قبل الاجتماع المرتقب، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى احتواء الأزمة، عبر توافق سياسي يحافظ على تماسك المؤسسات السيادية، ويجنبها مزيداً من الانقسام في مرحلة لا تزال تشهد تعقيدات سياسية وأمنية متشابكة.


الدروس الخصوصية في مصر... أسعار تتصاعد وموسم ممتد للإجازة

قطاعات كبيرة من الطلاب يعتمدون على الدروس الخصوصية وشكاوى من ارتفاع أسعارها (وزارة التربية والتعليم المصرية)
قطاعات كبيرة من الطلاب يعتمدون على الدروس الخصوصية وشكاوى من ارتفاع أسعارها (وزارة التربية والتعليم المصرية)
TT

الدروس الخصوصية في مصر... أسعار تتصاعد وموسم ممتد للإجازة

قطاعات كبيرة من الطلاب يعتمدون على الدروس الخصوصية وشكاوى من ارتفاع أسعارها (وزارة التربية والتعليم المصرية)
قطاعات كبيرة من الطلاب يعتمدون على الدروس الخصوصية وشكاوى من ارتفاع أسعارها (وزارة التربية والتعليم المصرية)

تجددت المطالبات في مصر باتخاذ إجراءات أكثر حسماً لمواجهة ظاهرة الدروس الخصوصية، خاصة مع ارتفاع أسعارها، وتزايد نشاط «السناتر التعليمية» خلال إجازة الصيف، فيما دعا عضو بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان) إلى فرض ضوابط رقابية صارمة على هذه الكيانات.

وتقدم عضو مجلس النواب أشرف أمين، الثلاثاء، بطلب إحاطة وجهه إلى كل من، رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، ووزير التربية والتعليم والتعليم الفني محمد عبد اللطيف، بشأن ما وصفه بـ«الارتفاع الكبير في أسعار الدروس الخصوصية» وما تمثله من أعباء متزايدة على ملايين الأسر المصرية، خاصة مع «بدء (السناتر) في استقبال الطلاب خلال الإجازة الصيفية وقبل انطلاق العام الدراسي الجديد».

وطالب أمين، بـ«تدخل حكومي عاجل لمواجهة ظاهرة الدروس الخصوصية»، مؤكداً أن «استمرار ارتفاع تكلفة الدروس الخصوصية بات يمثل تحدياً حقيقياً للأسر، في ظل الاعتماد المتزايد عليها وتراجع دور المدرسة في كثير من الأحيان».

تضخم الأسعار

وحذر من أن «تضخم أسعار الدروس الخصوصية أصبح يمثل أزمة قومية تستوجب تحركاً سريعاً، إذ إن العديد من (السناتر) تحولت إلى كيانات تفرض رسوماً مرتفعة دون وجود رقابة فعالة أو ضوابط واضحة»، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية الثلاثاء.

ويعتمد قطاعات واسعة من الطلاب البالغ عددهم 25 مليون طالب في مراحل التعليم المختلفة على «الدروس الخصوصية» وترسخ ذلك مجتمعياً وثقافياً في وجدان كثير من الأسر منذ سنوات عديدة، ولم تُفلح الإجراءات الحكومية في مواجهتها، إلى أن أصبح هناك تعايش معها رغم اتخاذ إجراءات إدارية بغلق «سناتر»، وأخرى تتعلق بتوفير بديل للطلاب داخل المدرسة عبر «فصول التقوية» (حصص بمقابل مادي رمزي).

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي يتفقد إحدى المدارس بمحافظة الجيزة مايو الماضي (وزارة التربية والتعليم المصرية)

وفي رأي أستاذ المناهج بجامعة عين شمس، الخبير التربوي الدكتور حسن شحاتة، فإن مواجهة الدروس الخصوصية، يجب أن تبدأ بـ«تطوير العملية التعليمية» والبحث عن مصادر تمويل لتحسين جودة التعليم داخل المدرسة، وتوفير المعلمين، وخفض كثافة الفصول، وتوفير التقنيات التعليمية الحديثة، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «(السناتر) والدروس الخصوصية والكتاب الخارجي، كلها ظواهر ومفردات تهدم العملية التعليمية، وغايتها تكريس الحفظ وإعلاء ثقافة التخزين في مقابل ثقافة التفكير».

ويعتقد شحاتة أن «تكريس السناتر لثقافة الحفظ والتلقين دون فهم، يلقى للأسف قبولاً لدى بعض أولياء الأمور والطلاب، حيث يريدون النجاح دون تعلم، والحصول على الإجابات النموذجية دون جهد، وهو ما يعوق إمكانية إغلاقها ويحد من قدرة الحكومة على مواجهة ظاهرة الدروس الخصوصية».

لكن على الرغم من ذلك، فإن وزير التعليم محمد عبد اللطيف، قال في تصريحات له في نهاية العام الماضي، إن «لغة الأرقام والمؤشرات الميدانية تعكس تراجعاً ملحوظاً في (بيزنس) الدروس الخصوصية والكتب الخارجية نتيجة عودة الثقة في دور المدرسة». وأشار في حديث متلفز حينها إلى «انخفاض حجم العمل في مراكز الدروس الخصوصية (السناتر) بنسبة تتراوح بين 50 و60 في المائة، نتيجة انتظام الطلاب في المدارس خلال الفترة الصباحية».

أولياء الأمور

فيما رصدت داليا الحزاوي التي تشرف على تجمع لأولياء الأمور على مواقع التواصل الاجتماعي ومؤسسة مجموعة «ائتلاف أولياء أمور مصر» بدء فتح بعض «السناتر» أبوابها أمام الطلاب خلال العطلة الصيفية استعداداً للعام الدراسي المقبل، ورصدت كذلك ارتفاع أسعار الحصص، مشيرة في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «سبب بدء (السناتر) عملها خلال عطلة الصيف، أن السنة الدراسية غير كافية للطلاب بسبب زحمة المناهج وضيق الوقت، حيث يوجد فجوة كبيرة بين حجم المناهج وأيام العام الدراسي، مما يضطر أولياء الأمور للجوء إليها منذ بداية الصيف». مؤكدة أن «أسعار (السناتر) ارتفعت كثيراً عن العام الماضي، مما زاد الأعباء المالية على معظم الأسر».

وزير التعليم المصري محمد عبد اللطيف يتابع امتحانات الثانوية العامة (وزارة التربية والتعليم)

وترى الحزاوي أن «الدروس الخصوصية (عرض) وليست (مرضاً)، والقضاء على المرض يكون بعودة دور المدرسة، وتطوير العلمية التعليمية، فزمن الحصة لا يكفي للشرح، كما أن تغيير المناهج يربك المدرسين والطلاب، ويجب التوسع في (مجموعات التقوية المدرسية)، لأن إغلاق (السناتر) لن يقضي على الدروس الخصوصية، بل ستنتقل إلى المنازل».

ودعا عضو مجلس النواب أشرف أمين، في طلب الإحاطة، إلى «فرض رقابة صارمة على السناتر التعليمية، لضمان التزامها بالقوانين والضوابط المنظمة لعملها، ومنع أي ممارسات تؤدي إلى استغلال أولياء الأمور»، مؤكداً أن «تطوير التعليم لن يتحقق إلا من خلال استعادة المدرسة لدورها الأساسي في تقديم خدمة تعليمية متميزة، والارتقاء بمستوى الشرح داخل الفصول الدراسية، إلى جانب التوسع في مجموعات التقوية المدرسية بأسعار مناسبة».

وطالب بـ«إلزام الحكومة بوضع خطة تنفيذية محددة بجدول زمني واضح للقضاء على فوضى الدروس الخصوصية، وإعادة الاعتبار للمدرسة المصرية، وحماية أولياء الأمور من أعباء الاستغلال».