السعودية وكندا… شراكة تتجاوز التجارة إلى الاستثمار الاستراتيجي

توقيع 15 اتفاقية تتجاوز قيمتها مليار دولار لتوسيع حجم التبادل التجاري بين البلدين

على هامش توقيع الاتفاقيات بين السعودية وكندا (الشرق الأوسط)
على هامش توقيع الاتفاقيات بين السعودية وكندا (الشرق الأوسط)
TT

السعودية وكندا… شراكة تتجاوز التجارة إلى الاستثمار الاستراتيجي

على هامش توقيع الاتفاقيات بين السعودية وكندا (الشرق الأوسط)
على هامش توقيع الاتفاقيات بين السعودية وكندا (الشرق الأوسط)

تدخل العلاقات الاقتصادية بين السعودية وكندا مرحلة جديدة تتجاوز التبادل التجاري التقليدي نحو بناء شراكات استثمارية طويلة الأجل، مدفوعة بتقاطع المصالح الاقتصادية، ورؤية مشتركة تستند إلى الابتكار، والتنويع، والاستثمار في القطاعات المستقبلية.

وفي هذا الإطار أكدت المملكة أن التحول الاقتصادي الذي تقوده «رؤية 2030»، وما وفرته من بيئة أعمال أكثر تنافسية وانفتاحاً، يفتح آفاقاً واسعة أمام المستثمرين الكنديين، فيما تمثل كندا شريكاً استراتيجياً يمتلك خبرات وتقنيات متقدمة يمكن توظيفها في دعم مستهدفات التنمية، بما يؤسس لمرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي بين البلدين.

نمو الاقتصاد السعودي

وخلال منتدى الاستثمار السعودي-الكندي، الذي انطلقت أعماله الخميس، في جدة، قال رئيس وزراء كندا، مارك كارني، إن السعودية باتت تمثل اليوم أحد أهم أعمدة الاقتصاد في العالم، مشيداً بالتسارع الكبير واللافت الذي يشهده النمو الاقتصادي السعودي على كافة الأصعدة، والمؤشرات الفنية، بالتزامن مع التحولات الهائلة، والهيكلية التي تعيشها البلاد في ظل «رؤية 2030».

وشدد على حرص بلاده على تعزيز الشراكات الاقتصادية مع السعودية، مؤكداً أن الاتفاقيات التي وقعت بين الرياض وأوتاوا خلال منتدى الاستثمار السعودي الكندي تعكس الطموحات المشتركة بين البلدين في تعزيز التعاون في مختلف القطاعات.

وأكد كارني أن العالم أصبح أكثر ترابطاً، وأن أهمية الحوار تكمن في بناء جسور التواصل، وتعزيز الشراكات القائمة على المصالح المشتركة، مشيراً إلى أن اللقاءات التي تجمع الجانبين تمثل منصة مهمة لتوسيع مجالات التعاون خلال المرحلة المقبلة.

وأثنى على قيادة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، وعلى «رؤية 2030»، معتبراً أنها قدمت نموذجاً يركز على الإنجاز، والعمل، ويسهم في ترسيخ الاستقرار، وتعزيز التنمية داخل المملكة، وعلى مستوى المنطقة.

وأوضح أن العلاقات بين كندا والسعودية تشهد نمواً متسارعاً، وأنها تمثل ثاني أكبر شراكة لكندا مع دول مجلس التعاون الخليجي، مؤكداً أن القطاع الخاص يؤدي دوراً رئيساً في ترسيخ هذه العلاقة، وجعلها أكثر استدامة.

وأشار إلى أن عدداً من الوزراء الكنديين سيواصلون زياراتهم إلى المملكة لمتابعة ملفات التعاون، ومن بينها الذكاء الاصطناعي، والاستثمار، والقطاع المالي، بما يعكس التزام البلدين بتوسيع آفاق الشراكة، وجذب المزيد من الاستثمارات.

وبيّن أن قطاع التعدين يُعد من أبرز مجالات التعاون المستقبلية، لافتاً إلى التطور الكبير الذي حققته المملكة في هذا القطاع خلال السنوات الأخيرة، وما يوفره ذلك من فرص لدمج الخبرات الكندية مع الاستثمارات السعودية، وتطوير الكفاءات البشرية، وتعزيز البحث العلمي، وخلق فرص عمل جديدة.

صورة جماعية للمشاركين في منتدى الاستثمار السعودي - الكندي (الشرق الأوسط)

ولفت إلى أن التعاون بين السعودية وكندا يمتد إلى قطاعات الطاقة، والبنية التحتية، بما في ذلك الطاقة النووية السلمية، مؤكداً أن البلدين يمتلكان فرصاً كبيرة للعمل المشترك في تطوير المعادن الاستراتيجية، والمعادن النادرة، بما يلبي الطلب العالمي، ويحقق التنمية المستدامة، مع مراعاة الاعتبارات البيئية.

وأكد أن كندا تنظر إلى المملكة باعتبارها واحدة من أسرع الاقتصادات نمواً ضمن دول مجموعة العشرين، وأنها شريك استثماري مهم خلال السنوات المقبلة، مشيراً إلى أن التعاون يشمل أيضاً مجالات الدفاع، والصناعات العسكرية، مع تحقيق نمو ملحوظ في الصادرات، وفرص العمل.

وعبّر عن تقديره وإعجابه البالغين بالمجتمع السعودي، وأنه شهد بنفسه حجم التحول الكبير الذي تحقق منذ ذلك الوقت، مشيراً إلى أن ما تحظى به المملكة من مكانة عالمية بارزة يرجع إلى كونها لاعباً مؤثراً في العديد من القطاعات، «وهو ما انعكس في استضافتها وتنظيمها لفعاليات ومناسبات دولية كبرى، من بينها بطولة كأس العالم للرياضات الإلكترونية، إلى جانب مهرجانات الأفلام، واستضافة سباقات الفورمولا-1». مؤكداً أن المملكة تعد من أسرع الدول نمواً في هذه المجالات.

الفرص الاستثمارية

من ناحيته، أكد وزير الاستثمار، فهد السيف، أن السعودية تدخل مرحلة جديدة من الشراكة الاقتصادية مع كندا، مستندة إلى اقتصاد يشهد تحولاً متسارعاً تقوده «رؤية 2030»، وفرص استثمارية نوعية تمتد من التعدين والذكاء الاصطناعي إلى الخدمات المالية، والبنية التحتية، والخدمات اللوجستية.

وقال السيف، خلال كلمته في منتدى الاستثمار السعودي–الكندي بحضور كارني، إن المملكة لم تعد مجرد سوق جاذبة للاستثمارات، بل أصبحت شريكاً اقتصادياً طويل الأجل يوفر بيئة استثمارية مستقرة، ومحفزات نمو مستدامة، مشيراً إلى أن الاستثمار أصبح المحرك الرئيس للنمو الاقتصادي، في وقت تمثل فيه الأنشطة غير النفطية أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي.

وأوضح أن الاقتصاد السعودي حقق تحولاً لافتاً خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفع الناتج المحلي الإجمالي بنحو 85 في المائة منذ عام 2017 ليتجاوز 1.3 تريليون دولار، فيما رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد السعودي إلى 5.5 في المائة خلال عام 2027، بما يعكس قوة الاقتصاد الوطني، وقدرته على مواصلة النمو رغم التحديات العالمية.

جانب من فعاليات ملتقى الاستثمار السعودي الكندي في جدة (الشرق الأوسط)

الشركات الكندية

وأشار وزير الاستثمار إلى أن العلاقات السعودية–الكندية تشهد زخماً متصاعداً، لافتاً إلى أن 625 شركة كندية تعمل حالياً في السوق السعودية، بينها 13 مقراً إقليمياً، فيما تضاعف عدد التراخيص الاستثمارية الممنوحة للشركات الكندية خلال العام الماضي ليقترب من 250 ترخيصاً، وهو ما يعكس تنامي ثقة المستثمرين الكنديين بالسوق السعودية.

وأضاف أن المملكة نجحت منذ عام 2017 في مضاعفة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بنحو خمسة أضعاف، فيما ارتفع رصيد الاستثمار الأجنبي إلى نحو 293 مليار دولار، ووصل إجمالي تكوين رأس المال الثابت إلى أكثر من 370 مليار دولار، في وقت أصبح فيه الاستثمار غير النفطي وغير الحكومي يمثل نحو 77 في المائة من إجمالي الاستثمارات.

وأكد السيف أن المملكة تعمل على بناء منظومات اقتصادية متكاملة تشمل التعدين، والمعادن الحيوية، والذكاء الاصطناعي، والأسواق المالية، ورأس المال الجريء، وهي قطاعات تمتلك فيها الشركات الكندية خبرات متقدمة يمكن أن تتكامل مع الفرص الاستثمارية التي توفرها المملكة، بما يخلق شراكات استراتيجية طويلة الأمد.

جانب من فعاليات ملتقى الاستثمار السعودي - الكندي في جدة (الشرق الأوسط)

مجلس التنسيق السعودي – الكندي

وأشار إلى أن الفرص الاستثمارية تمتد أيضاً إلى قطاعات التعليم، والطيران، والبنية التحتية، والخدمات اللوجستية، إضافة إلى المشروعات المرتبطة باستضافة المملكة لـ«معرض إكسبو-2030» وكأس العالم 2034، والتي ستفتح مجالات واسعة أمام الشركات العالمية في التصميم، والهندسة، وإدارة المشروعات.

وأوضح أن إعلان تأسيس مجلس التنسيق السعودي–الكندي يمثل خطوة مؤسسية لتعزيز التعاون الاقتصادي، ودعم معالجة التحديات التي تواجه المستثمرين، إلى جانب بدء المناقشات بشأن اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمار، بما يعزز الثقة، ويوفر إطاراً أكثر استقراراً للاستثمارات المتبادلة.

واختتم وزير الاستثمار كلمته بالتأكيد على أن الشركات السعودية تنظر إلى كندا باعتبارها شريكاً يمتلك خبرات وتقنيات متقدمة، ورأسمال نوعياً، فيما يقدم المستثمر السعودي استثمارات طويلة الأجل، ورأسمال استراتيجياً مدعوماً باقتصاد تنافسي، ورؤية تنموية تستهدف تحقيق قيمة اقتصادية مستدامة في البلدين.

وشهد المنتدى توقيع 15 اتفاقية تتجاوز قيمتها الإجمالية مليار دولار، وسوف توسع حجم التبادل التجاري الجديد بين الجانبين، والذي تجاوز 66 ملياراً خلال الأعوام الخمسة الماضية.


مقالات ذات صلة

السعودية وكندا... التزام ببناء شراكة قوية ومستقبلية

الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بقصر السلام في جدة (واس)

السعودية وكندا... التزام ببناء شراكة قوية ومستقبلية

أكدت السعودية وكندا التزامهما ببناء شراكة قوية ومستقبلية بين البلدين، وثقتهما بمستقبل يتسم بتعاون أعمق وازدهار مشترك، مدعوم بالثقة المتبادلة، والصداقة الوثيقة.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الاقتصاد صورة جماعية للمشاركين في «ملتقى الاستثمار السعودي الكندي» (الشرق الأوسط)

رئيس وزراء كندا: السعودية أحد أهم أعمدة الاقتصاد العالمي

أكد رئيس وزراء كندا، مارك كارني، أن السعودية باتت تمثل اليوم أحد أهم أعمدة الاقتصاد في العالم، مشيداً بالتسارع الكبير الذي يشهده النمو الاقتصادي السعودي.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الاقتصاد اللقاء بين رئيس وزراء كندا ووزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي (إكس)

الخريّف يتباحث مع رئيس وزراء كندا في جدة لتعميق التعاون الصناعي والتعديني

التقى وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي، بندر الخريّف، برئيس وزراء كندا، مارك كارني، وجرى بحث فرص تعميق التعاون الصناعي والتعديني بين المملكة وكندا.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الاقتصاد جانب من فعاليات ملتقى الاستثمار السعودي الكندي في جدة (الشرق الأوسط)

الرياض وأوتاوا تطلقان حقبة استثمارية جديدة في الذكاء الاصطناعي والتعدين والمراكز الرقمية

دشّنت السعودية وكندا حقبة جديدة من الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية المرتكزة على القطاعات النوعية والمستقبلية، مع انعقاد «ملتقى للاستثمار» في جدة.

سعيد الأبيض (جدة)
الاقتصاد شعار شركة «هيوماين» السعودية (الشرق الأوسط)

«هيوماين» و«كوهير» تطلقان شراكة استراتيجية لتعزيز البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في السعودية

أعلنت شركتا «هيوماين» السعودية، و«كوهير» الكندية، شراكة استراتيجية لتطوير البنية التحتية للحوسبة الخاصة بالذكاء الاصطناعي في السعودية.

«الشرق الأوسط» (جدة)

إيرادات الأنشطة التشغيلية السعودية ترتفع 4.9 % في يوليو

صورة جوية للعاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
صورة جوية للعاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
TT

إيرادات الأنشطة التشغيلية السعودية ترتفع 4.9 % في يوليو

صورة جوية للعاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
صورة جوية للعاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)

ارتفع الرقم القياسي للإيرادات التشغيلية في السعودية بنسبة 4.9 في المائة خلال يوليو (تموز) 2026، مقارنة بالشهر المماثل من العام السابق، مدفوعاً بشكل رئيسي بنمو إيرادات الصناعة التحويلية والأنشطة المالية والتأمين والمعلومات والاتصالات، وفق بيانات الهيئة العامة للإحصاء.

وأظهرت نتائج «إحصاءات مؤشرات الأعمال قصيرة المدى» الصادرة عن الهيئة، الأحد، ارتفاع الرقم القياسي للإيرادات التشغيلية بنسبة 1.2 في المائة على أساس شهري مقارنة بيونيو (حزيران) 2026.

وسجّلت أنشطة الصناعة التحويلية ارتفاعاً بنسبة 13.5 في المائة على أساس سنوي في يوليو، في حين زادت الأنشطة المالية وأنشطة التأمين بنسبة 9 في المائة، والمعلومات والاتصالات بنسبة 6.5 في المائة، وأنشطة التشييد بنسبة 1.6 في المائة، فيما ارتفعت أنشطة تجارة الجملة والتجزئة وإصلاح المركبات بنسبة 0.8 في المائة.

ارتفاع شهري

وعلى أساس شهري، ارتفع الرقم القياسي للإيرادات التشغيلية بنسبة 1.2 في المائة في يوليو، بدعم من نمو أنشطة التعدين واستغلال المحاجر بنسبة 6.4 في المائة، والصناعة التحويلية بنسبة 0.8 في المائة.

كما ارتفعت أنشطة المعلومات والاتصالات بنسبة 3.7 في المائة، وخدمات الإقامة والطعام بنسبة 0.6 في المائة، والتشييد بنسبة 0.1 في المائة.

تعويضات المشتغلين

وفي مؤشر آخر، ارتفع الرقم القياسي لتعويضات المشتغلين بنسبة 7.4 في المائة على أساس سنوي خلال يوليو 2026.

وجاء الارتفاع مدفوعاً بزيادة تعويضات المشتغلين في الصناعة التحويلية بنسبة 10.3 في المائة، وأنشطة خدمات الإقامة والطعام بنسبة 12.8 في المائة، والأنشطة العقارية بنسبة 11 في المائة، والخدمات الإدارية وخدمات الدعم بنسبة 11.6 في المائة، والنقل والتخزين بنسبة 9.9 في المائة.

كما ارتفعت تعويضات المشتغلين في تجارة الجملة والتجزئة وإصلاح المركبات بنسبة 6.2 في المائة، والأنشطة المالية وأنشطة التأمين بنسبة 6.4 في المائة، والتشييد بنسبة 4.6 في المائة، والمعلومات والاتصالات بنسبة 6.5 في المائة.

وعلى أساس شهري، ارتفع الرقم القياسي لتعويضات المشتغلين بنسبة 0.3 في المائة، مدفوعاً بارتفاع أنشطة النقل والتخزين بنسبة 0.8 في المائة، والمعلومات والاتصالات بنسبة 1.8 في المائة، وصحة الإنسان والعمل الاجتماعي بنسبة 2.6 في المائة.

رخص البناء

وأظهرت البيانات ارتفاع عدد رخص البناء الصادرة في يوليو بنسبة 4.4 في المائة على أساس سنوي، ليصل إلى 5828 رخصة، مقابل 5582 في الشهر المماثل من 2025.

وعلى أساس شهري، ارتفع عدد رخص البناء الصادرة بنسبة 15.5 في المائة، بعد أن بلغ 5045 رخصة في يونيو 2026.


صندوق الاستثمارات العامة يطلق «توريد» لتمويل سلاسل الإمداد

برج صندوق الاستثمارات العامة في مركز الملك عبد الله المالي بالعاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
برج صندوق الاستثمارات العامة في مركز الملك عبد الله المالي بالعاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
TT

صندوق الاستثمارات العامة يطلق «توريد» لتمويل سلاسل الإمداد

برج صندوق الاستثمارات العامة في مركز الملك عبد الله المالي بالعاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
برج صندوق الاستثمارات العامة في مركز الملك عبد الله المالي بالعاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)

أطلق صندوق الاستثمارات العامة شركة «توريد للحلول التمويلية»، لتقديم منتجات متخصصة في تمويل سلاسل الإمداد للشركات في السوق السعودية عبر منصة رقمية مبتكرة، وذلك عقب حصولها على تصريح من البنك المركزي السعودي (ساما) لبدء عملياتها تحت مظلة البيئة التجريبية التشريعية.

وتستهدف «توريد» تعزيز كفاءة سلاسل الإمداد المحلية ودعم تنويع الاقتصاد الوطني، متكاملةً مع رؤية الصندوق التي تعتمد الخدمات المالية كممكّن استراتيجي للمنظومات الاقتصادية الست المعلن عنها مؤخراً ضمن استراتيجيته للفترة (2026 - 2030)، وفق بيان صادر عن الصندوق.

وستعمل المنصة الرقمية للشركة على الربط بين المشترين والموردين والجهات التمويلية، مع توفير خيارات تمويلية متنوعة تشمل السداد المبكر للمستحقات بموجب الفواتير المعتمدة، بما يُمكن الشركات، لا سيما الصغيرة والمتوسطة، من توسيع أنشطتها وتحسين إدارة السيولة ورأس المال العامل. كما تتيح المنصة للبنوك المحلية المسجلة الوصول المباشر للموردين، ما يدعم رقمنة التجارة ويعزِّز مرونة السوق.

وفي هذا السياق، أوضح مدير قطاع المؤسسات المالية في الإدارة العامة للاستثمارات بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى صندوق الاستثمارات العامة، سلطان آل الشيخ، أن «توريد» ستسهم في رفع مرونة سلاسل الإمداد المحلية من خلال تحسين فرص الحصول على التمويل وإدارة السيولة النقدية، مما يمنح القطاع الخاص المحلي قدرة أكبر على النمو والعمل بكفاءة.

ومع انطلاق أنشطتها، أبرمت «توريد» اتفاقات ملزمة مع مجموعة من البنوك والشركات الرائدة في المملكة، شملت البنك الأهلي السعودي، والبنك السعودي الفرنسي، وبنك الخليج الدولي - السعودية، إضافة إلى مجموعة روشن، وشركة «نسما وشركاهم».

ويعكس إطلاق الشركة استمرار جهود صندوق الاستثمارات العامة في تمكين القطاع الخاص السعودي، وزيادة مساهمته في مشروعات الصندوق وشركات محفظته، ترسيخاً لدوره بوصفه أحد أبرز المحركات الاستثمارية المؤثرة عالمياً ومحوراً أساسياً في دفع التحول الاقتصادي للمملكة.


رئيس «إيفاد» لـ«الشرق الأوسط»: العقوبات أكبر تحدٍ لقنوات التحويلات

رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية ألفارو لاريو (الشرق الأوسط)
رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية ألفارو لاريو (الشرق الأوسط)
TT

رئيس «إيفاد» لـ«الشرق الأوسط»: العقوبات أكبر تحدٍ لقنوات التحويلات

رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية ألفارو لاريو (الشرق الأوسط)
رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية ألفارو لاريو (الشرق الأوسط)

لم تعد الأموال التي يرسلها المهاجرون إلى أسرهم مجرد تحويلات لتغطية نفقات المعيشة. ففي كثير من الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، تحوّلت هذه التدفقات إلى شبكة أمان مالية للأسر في مواجهة الأزمات، ومصدراً للادخار والاستثمار، وقناة تمتد آثارها إلى الاقتصادات الريفية والأسواق المحلية.

وبلغت التحويلات المالية إلى البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل 728.6 مليار دولار في عام 2025، بزيادة 94 في المائة منذ 2016، لتصبح أكبر من الاستثمار الأجنبي المباشر في هذه البلدان، وأكثر من أربعة أضعاف المساعدة الإنمائية الرسمية العالمية خلال العام نفسه، وفق أحدث تقرير للصندوق الدولي للتنمية الزراعية «إيفاد».

لكن ضخامة هذه التدفقات لا تعني أن وصولها إلى الأسر أصبح أكثر سهولة بالضرورة. فمع تشدد العقوبات ومتطلبات الامتثال المالي في بعض الأسواق، تواجه قنوات التحويلات تحدياً مزدوجاً: الحفاظ على سلامة النظام المالي من جهة، وضمان استمرار تدفق الأموال المشروعة إلى الأسر بأقل تكلفة ممكنة من جهة أخرى.

وقال رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية، ألفارو لاريو، لـ«الشرق الأوسط» إن التحدي الأبرز للعقوبات الاقتصادية الأميركية، من منظور التحويلات والشمول المالي، يتمثل في «الحفاظ على قنوات آمنة ومنخفضة التكلفة وتتسم بالشفافية للتحويلات الأسرية المشروعة»، مع الالتزام بالعقوبات ومتطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وأضاف أن أهمية الوصول إلى القنوات المالية الخاضعة للرقابة تزداد في الدول الهشة والمتأثرة بالنزاعات، حيث تعتمد أسر كثيرة على الأموال التي يرسلها أقاربها المقيمون في الخارج.

العقوبات و«تخفيف المخاطر»

وأوضح لاريو أن تأثير العقوبات في تدفقات التحويلات يختلف باختلاف الدولة وطبيعة العقوبات والقنوات المالية المستخدمة، مشيراً إلى أن القلق لا يتعلق بالعقوبات وحدها، بل أيضاً برد فعل المؤسسات المالية تجاه المخاطر التنظيمية والامتثالية والسمعة.

وقال إن حتى الحالات التي يُسمح فيها بالتحويلات الشخصية قد تشهد تشدداً من المؤسسات المالية في معالجة المعاملات المرتبطة بدول معينة، فيما قد تؤدي القيود على علاقات المراسلة المصرفية إلى صعوبات أمام شركات تحويل الأموال في الحفاظ على الخدمات المصرفية.

وتعرف هذه الظاهرة الأوسع باسم «تخفيف المخاطر» (de-risking)، ويمكن أن تؤدي إلى تقليص عدد القنوات الرسمية المتاحة، وزيادة تكلفة التحويلات وفترات الانتظار، بما يصعّب وصول الأسر إلى الأموال.

ويحذر لاريو من نتيجة أخرى محتملة؛ إذ إن جعل القنوات الرسمية شديدة الصعوبة أو مرتفعة التكلفة أو غير متاحة قد يدفع بعض المعاملات إلى قنوات غير رسمية، بما يقلل مستوى الشفافية وحماية المستهلك بدلاً من تعزيزهما.

باتت التحويلات في العديد من الدول المتأثرة بالنزاعات والأزمات الاقتصادية مصدراً جوهرياً لصمود الأسر (إيفاد)

شبكة أمان في أوقات النزاعات

وتبرز أهمية هذه القنوات بصورة أكبر في الشرق الأوسط، حيث تعاني بعض الدول من نزاعات ممتدة وأزمات اقتصادية.

وقال لاريو إن التحويلات أصبحت في العديد من الدول المتأثرة بالنزاعات والأزمات الاقتصادية «مصدراً جوهرياً لصمود الأسر»، إذ غالباً ما يكون أفراد الأسرة المقيمون في الخارج من أوائل من يقدمون الدعم عندما تتعطل فرص العمل والخدمات العامة وشبكات الحماية الاجتماعية والاقتصادات المحلية.

ولا تقتصر أهمية التحويلات على انتظام تدفقها، بل تكمن أيضاً في قدرتها على الاستجابة السريعة للظروف. فالمهاجرون قد يزيدون وتيرة التحويلات أو يغيرون قيمتها وفق احتياجات أسرهم، مما يجعل هذه الأموال، بحسب لاريو، بمثابة خط دفاع أول في مواجهة الصدمات.

وتُستخدم الأموال في المقام الأول لتغطية الاحتياجات الأساسية، مثل الغذاء والسكن والرعاية الصحية والتعليم، لكنها قد توفر أيضاً للأسر فرصة لبناء مدخرات والحصول على التأمين والائتمان والاستثمار.

وفي سوريا، أظهر تحليل للبنك الدولي أن تلقي التحويلات الدولية ارتبط بانخفاض معدل الفقر المدقع بمقدار 12 نقطة مئوية، وانخفاض معدل الفقر العام بمقدار 8 نقاط مئوية، بحسب ما أورده لاريو. وفي لبنان، أصبحت التحويلات بدورها صمام أمان اقتصادياً متزايد الأهمية للأسر في ظل الأزمة الممتدة.

غير أن القدرة على إرسال الأموال لا تكفي. فالأسر تحتاج إلى بنية مالية قادرة على استقبالها واستخدامها، وهي نقطة تصبح أكثر تعقيداً أثناء النزاعات، عندما تتضرر البنية التحتية المالية، وتقل السيولة والنقد، ويتسع النزوح، وتتراجع قدرة السكان على التنقل، أو تتعطل أنظمة الدفع وينسحب مقدمو الخدمات المالية.

1.1 مليار شخص مرتبطون بالتحويلات

وتكشف أرقام «إيفاد» حجم الاقتصاد الاجتماعي الذي تقف خلفه هذه التدفقات. فالتقرير يقدّر أن 220 مليون مهاجر وأفراد من الشتات يدعمون نحو 1.1 مليار من أقاربهم، بما يعني أن نحو شخص واحد من كل ستة أشخاص في العالم مرتبط بالتحويلات المالية.

ومنذ 2016، ارتفعت التدفقات بنسبة 94 في المائة، متجاوزة نمو السكان والهجرة من البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل.

ولا تذهب هذه الأموال إلى المدن وحدها. فنحو دولار من كل ثلاثة دولارات يرسلها المهاجرون إلى أوطانهم، أي نحو 233 مليار دولار، يصل إلى مناطق ريفية غالباً ما تعاني ضعف فرص العمل الرسمية والخدمات المالية والبنية التحتية.

ويقدر «إيفاد» أن الأسر المستفيدة من التحويلات تستثمر نحو 22 مليار دولار سنوياً في نظم الأغذية الزراعية الريفية، بما يدعم الإنتاج الزراعي والمؤسسات الريفية وفرص العمل.

وقال لاريو إن أثر هذه الأموال «يتجاوز الأسر المستفيدة» إلى الأعمال المحلية والوظائف والنظم الغذائية، مضيفاً أن التحويلات يمكن أن تمثل بالنسبة لملايين الأسر الريفية نقطة البداية نحو الادخار والتأمين والحصول على ائتمان مناسب.

أشخاص ينتظرون في دائرة الهجرة والجوازات عند معبر جديدة يابوس الحدودي بين سوريا ولبنان (رويترز)

التحويلات تدخل العصر الرقمي

ويتغير شكل سوق التحويلات بالتوازي مع نمو قيمتها. ويقدر «إيفاد» أن أكثر من نصف التحويلات تبدأ الآن عبر قناة رقمية، وهو تحول ساعد في خفض تكاليف الإرسال وجعل العملية أسرع وأكثر سهولة.

لكن التحول الرقمي لم يكتمل بعد؛ إذ لم تكن سوى 35 في المائة من الخدمات التي شملها القياس في 2025 رقمية بالكامل من جانبَي الإرسال والاستقبال، بينما لا يزال النقد وسيلة شائعة في العديد من ممرات التحويل.

ويرى التقرير أن الخطوة التالية لا تتعلق بالرقمنة وحدها، بل بقدرة الأسر على استخدام النظام المالي بصورة أوسع. ولذلك يدعو الحكومات والجهات التنظيمية والمؤسسات المالية وشركاء التنمية إلى خفض تكاليف التحويلات، وزيادة الشفافية، وتحسين الخدمات في المناطق الريفية، وتعزيز القدرات المالية والرقمية، وتوسيع الوصول إلى المدخرات والتأمين والائتمان والاستثمار.

آسيا تتصدر وأفريقيا تتسارع

وتظل آسيا والمحيط الهادئ مركز الاقتصاد العالمي للتحويلات، إذ تلقت 384.9 مليار دولار، أي 53 في المائة من إجمالي التدفقات التي يغطيها التقرير على مدى عشر سنوات.

وسجَّلت أميركا اللاتينية والكاريبي أسرع نمو خلال العقد، مع ارتفاع التحويلات إليها بنسبة 132 في المائة إلى 168.6 مليار دولار، بينما زادت التدفقات إلى أفريقيا 86 في المائة إلى 124.2 مليار دولار.

وتعكس هذه الأرقام تفاوتاً كبيراً في اعتماد الاقتصادات على أموال المغتربين؛ ففي 23 بلداً تمثل التحويلات أكثر من 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تتجاوز قيمتها في تسع دول إجمالي صادرات السلع والخدمات.

وبالنسبة لـ«إيفاد»، فإن تعظيم أثر هذه التدفقات لا يعني تحويلها إلى بديل عن الاستثمار العام أو الحماية الاجتماعية أو تمويل العمل المناخي، بل بناء بيئة مالية تسمح للأسر باستخدام الأموال التي تصلها بصورة أكثر أماناً وكفاءة، وتحويل جزء منها من أداة لتغطية الاحتياجات العاجلة إلى وسيلة للادخار والاستثمار وبناء القدرة على الصمود.