السعودية وكندا… شراكة تتجاوز التجارة إلى الاستثمار الاستراتيجي

توقيع 15 اتفاقية تتجاوز قيمتها مليار دولار لتوسيع حجم التبادل التجاري بين البلدين

على هامش توقيع الاتفاقيات بين السعودية وكندا (الشرق الأوسط)
على هامش توقيع الاتفاقيات بين السعودية وكندا (الشرق الأوسط)
TT

السعودية وكندا… شراكة تتجاوز التجارة إلى الاستثمار الاستراتيجي

على هامش توقيع الاتفاقيات بين السعودية وكندا (الشرق الأوسط)
على هامش توقيع الاتفاقيات بين السعودية وكندا (الشرق الأوسط)

تدخل العلاقات الاقتصادية بين السعودية وكندا مرحلة جديدة تتجاوز التبادل التجاري التقليدي نحو بناء شراكات استثمارية طويلة الأجل، مدفوعة بتقاطع المصالح الاقتصادية، ورؤية مشتركة تستند إلى الابتكار، والتنويع، والاستثمار في القطاعات المستقبلية.

وفي هذا الإطار أكدت المملكة أن التحول الاقتصادي الذي تقوده «رؤية 2030»، وما وفرته من بيئة أعمال أكثر تنافسية وانفتاحاً، يفتح آفاقاً واسعة أمام المستثمرين الكنديين، فيما تمثل كندا شريكاً استراتيجياً يمتلك خبرات وتقنيات متقدمة يمكن توظيفها في دعم مستهدفات التنمية، بما يؤسس لمرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي بين البلدين.

نمو الاقتصاد السعودي

وخلال منتدى الاستثمار السعودي-الكندي، الذي انطلقت أعماله الخميس، في جدة، قال رئيس وزراء كندا، مارك كارني، إن السعودية باتت تمثل اليوم أحد أهم أعمدة الاقتصاد في العالم، مشيداً بالتسارع الكبير واللافت الذي يشهده النمو الاقتصادي السعودي على كافة الأصعدة، والمؤشرات الفنية، بالتزامن مع التحولات الهائلة، والهيكلية التي تعيشها البلاد في ظل «رؤية 2030».

وشدد على حرص بلاده على تعزيز الشراكات الاقتصادية مع السعودية، مؤكداً أن الاتفاقيات التي وقعت بين الرياض وأوتاوا خلال منتدى الاستثمار السعودي الكندي تعكس الطموحات المشتركة بين البلدين في تعزيز التعاون في مختلف القطاعات.

وأكد كارني أن العالم أصبح أكثر ترابطاً، وأن أهمية الحوار تكمن في بناء جسور التواصل، وتعزيز الشراكات القائمة على المصالح المشتركة، مشيراً إلى أن اللقاءات التي تجمع الجانبين تمثل منصة مهمة لتوسيع مجالات التعاون خلال المرحلة المقبلة.

وأثنى على قيادة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، وعلى «رؤية 2030»، معتبراً أنها قدمت نموذجاً يركز على الإنجاز، والعمل، ويسهم في ترسيخ الاستقرار، وتعزيز التنمية داخل المملكة، وعلى مستوى المنطقة.

وأوضح أن العلاقات بين كندا والسعودية تشهد نمواً متسارعاً، وأنها تمثل ثاني أكبر شراكة لكندا مع دول مجلس التعاون الخليجي، مؤكداً أن القطاع الخاص يؤدي دوراً رئيساً في ترسيخ هذه العلاقة، وجعلها أكثر استدامة.

وأشار إلى أن عدداً من الوزراء الكنديين سيواصلون زياراتهم إلى المملكة لمتابعة ملفات التعاون، ومن بينها الذكاء الاصطناعي، والاستثمار، والقطاع المالي، بما يعكس التزام البلدين بتوسيع آفاق الشراكة، وجذب المزيد من الاستثمارات.

وبيّن أن قطاع التعدين يُعد من أبرز مجالات التعاون المستقبلية، لافتاً إلى التطور الكبير الذي حققته المملكة في هذا القطاع خلال السنوات الأخيرة، وما يوفره ذلك من فرص لدمج الخبرات الكندية مع الاستثمارات السعودية، وتطوير الكفاءات البشرية، وتعزيز البحث العلمي، وخلق فرص عمل جديدة.

صورة جماعية للمشاركين في منتدى الاستثمار السعودي - الكندي (الشرق الأوسط)

ولفت إلى أن التعاون بين السعودية وكندا يمتد إلى قطاعات الطاقة، والبنية التحتية، بما في ذلك الطاقة النووية السلمية، مؤكداً أن البلدين يمتلكان فرصاً كبيرة للعمل المشترك في تطوير المعادن الاستراتيجية، والمعادن النادرة، بما يلبي الطلب العالمي، ويحقق التنمية المستدامة، مع مراعاة الاعتبارات البيئية.

وأكد أن كندا تنظر إلى المملكة باعتبارها واحدة من أسرع الاقتصادات نمواً ضمن دول مجموعة العشرين، وأنها شريك استثماري مهم خلال السنوات المقبلة، مشيراً إلى أن التعاون يشمل أيضاً مجالات الدفاع، والصناعات العسكرية، مع تحقيق نمو ملحوظ في الصادرات، وفرص العمل.

وعبّر عن تقديره وإعجابه البالغين بالمجتمع السعودي، وأنه شهد بنفسه حجم التحول الكبير الذي تحقق منذ ذلك الوقت، مشيراً إلى أن ما تحظى به المملكة من مكانة عالمية بارزة يرجع إلى كونها لاعباً مؤثراً في العديد من القطاعات، «وهو ما انعكس في استضافتها وتنظيمها لفعاليات ومناسبات دولية كبرى، من بينها بطولة كأس العالم للرياضات الإلكترونية، إلى جانب مهرجانات الأفلام، واستضافة سباقات الفورمولا-1». مؤكداً أن المملكة تعد من أسرع الدول نمواً في هذه المجالات.

الفرص الاستثمارية

من ناحيته، أكد وزير الاستثمار، فهد السيف، أن السعودية تدخل مرحلة جديدة من الشراكة الاقتصادية مع كندا، مستندة إلى اقتصاد يشهد تحولاً متسارعاً تقوده «رؤية 2030»، وفرص استثمارية نوعية تمتد من التعدين والذكاء الاصطناعي إلى الخدمات المالية، والبنية التحتية، والخدمات اللوجستية.

وقال السيف، خلال كلمته في منتدى الاستثمار السعودي–الكندي بحضور كارني، إن المملكة لم تعد مجرد سوق جاذبة للاستثمارات، بل أصبحت شريكاً اقتصادياً طويل الأجل يوفر بيئة استثمارية مستقرة، ومحفزات نمو مستدامة، مشيراً إلى أن الاستثمار أصبح المحرك الرئيس للنمو الاقتصادي، في وقت تمثل فيه الأنشطة غير النفطية أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي.

وأوضح أن الاقتصاد السعودي حقق تحولاً لافتاً خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفع الناتج المحلي الإجمالي بنحو 85 في المائة منذ عام 2017 ليتجاوز 1.3 تريليون دولار، فيما رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد السعودي إلى 5.5 في المائة خلال عام 2027، بما يعكس قوة الاقتصاد الوطني، وقدرته على مواصلة النمو رغم التحديات العالمية.

جانب من فعاليات ملتقى الاستثمار السعودي الكندي في جدة (الشرق الأوسط)

الشركات الكندية

وأشار وزير الاستثمار إلى أن العلاقات السعودية–الكندية تشهد زخماً متصاعداً، لافتاً إلى أن 625 شركة كندية تعمل حالياً في السوق السعودية، بينها 13 مقراً إقليمياً، فيما تضاعف عدد التراخيص الاستثمارية الممنوحة للشركات الكندية خلال العام الماضي ليقترب من 250 ترخيصاً، وهو ما يعكس تنامي ثقة المستثمرين الكنديين بالسوق السعودية.

وأضاف أن المملكة نجحت منذ عام 2017 في مضاعفة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بنحو خمسة أضعاف، فيما ارتفع رصيد الاستثمار الأجنبي إلى نحو 293 مليار دولار، ووصل إجمالي تكوين رأس المال الثابت إلى أكثر من 370 مليار دولار، في وقت أصبح فيه الاستثمار غير النفطي وغير الحكومي يمثل نحو 77 في المائة من إجمالي الاستثمارات.

وأكد السيف أن المملكة تعمل على بناء منظومات اقتصادية متكاملة تشمل التعدين، والمعادن الحيوية، والذكاء الاصطناعي، والأسواق المالية، ورأس المال الجريء، وهي قطاعات تمتلك فيها الشركات الكندية خبرات متقدمة يمكن أن تتكامل مع الفرص الاستثمارية التي توفرها المملكة، بما يخلق شراكات استراتيجية طويلة الأمد.

جانب من فعاليات ملتقى الاستثمار السعودي - الكندي في جدة (الشرق الأوسط)

مجلس التنسيق السعودي – الكندي

وأشار إلى أن الفرص الاستثمارية تمتد أيضاً إلى قطاعات التعليم، والطيران، والبنية التحتية، والخدمات اللوجستية، إضافة إلى المشروعات المرتبطة باستضافة المملكة لـ«معرض إكسبو-2030» وكأس العالم 2034، والتي ستفتح مجالات واسعة أمام الشركات العالمية في التصميم، والهندسة، وإدارة المشروعات.

وأوضح أن إعلان تأسيس مجلس التنسيق السعودي–الكندي يمثل خطوة مؤسسية لتعزيز التعاون الاقتصادي، ودعم معالجة التحديات التي تواجه المستثمرين، إلى جانب بدء المناقشات بشأن اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمار، بما يعزز الثقة، ويوفر إطاراً أكثر استقراراً للاستثمارات المتبادلة.

واختتم وزير الاستثمار كلمته بالتأكيد على أن الشركات السعودية تنظر إلى كندا باعتبارها شريكاً يمتلك خبرات وتقنيات متقدمة، ورأسمال نوعياً، فيما يقدم المستثمر السعودي استثمارات طويلة الأجل، ورأسمال استراتيجياً مدعوماً باقتصاد تنافسي، ورؤية تنموية تستهدف تحقيق قيمة اقتصادية مستدامة في البلدين.

وشهد المنتدى توقيع 15 اتفاقية تتجاوز قيمتها الإجمالية مليار دولار، وسوف توسع حجم التبادل التجاري الجديد بين الجانبين، والذي تجاوز 66 ملياراً خلال الأعوام الخمسة الماضية.


مقالات ذات صلة

السعودية وكندا... التزام ببناء شراكة قوية ومستقبلية

الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بقصر السلام في جدة (واس)

السعودية وكندا... التزام ببناء شراكة قوية ومستقبلية

أكدت السعودية وكندا التزامهما ببناء شراكة قوية ومستقبلية بين البلدين، وثقتهما بمستقبل يتسم بتعاون أعمق وازدهار مشترك، مدعوم بالثقة المتبادلة، والصداقة الوثيقة.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الاقتصاد صورة جماعية للمشاركين في «ملتقى الاستثمار السعودي الكندي» (الشرق الأوسط)

رئيس وزراء كندا: السعودية أحد أهم أعمدة الاقتصاد العالمي

أكد رئيس وزراء كندا، مارك كارني، أن السعودية باتت تمثل اليوم أحد أهم أعمدة الاقتصاد في العالم، مشيداً بالتسارع الكبير الذي يشهده النمو الاقتصادي السعودي.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الاقتصاد اللقاء بين رئيس وزراء كندا ووزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي (إكس)

الخريّف يتباحث مع رئيس وزراء كندا في جدة لتعميق التعاون الصناعي والتعديني

التقى وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي، بندر الخريّف، برئيس وزراء كندا، مارك كارني، وجرى بحث فرص تعميق التعاون الصناعي والتعديني بين المملكة وكندا.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الاقتصاد جانب من فعاليات ملتقى الاستثمار السعودي الكندي في جدة (الشرق الأوسط)

الرياض وأوتاوا تطلقان حقبة استثمارية جديدة في الذكاء الاصطناعي والتعدين والمراكز الرقمية

دشّنت السعودية وكندا حقبة جديدة من الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية المرتكزة على القطاعات النوعية والمستقبلية، مع انعقاد «ملتقى للاستثمار» في جدة.

سعيد الأبيض (جدة)
الاقتصاد شعار شركة «هيوماين» السعودية (الشرق الأوسط)

«هيوماين» و«كوهير» تطلقان شراكة استراتيجية لتعزيز البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في السعودية

أعلنت شركتا «هيوماين» السعودية، و«كوهير» الكندية، شراكة استراتيجية لتطوير البنية التحتية للحوسبة الخاصة بالذكاء الاصطناعي في السعودية.

«الشرق الأوسط» (جدة)

مؤشر الفقر العالمي يرتفع للمرة الأولى منذ 2010 إلى 1.2 مليار شخص

شخص بلا مأوى ينام على الرصيف بينما يمرّ المارة في حي ريكوليتا بمدينة بوينس آيرس (رويترز)
شخص بلا مأوى ينام على الرصيف بينما يمرّ المارة في حي ريكوليتا بمدينة بوينس آيرس (رويترز)
TT

مؤشر الفقر العالمي يرتفع للمرة الأولى منذ 2010 إلى 1.2 مليار شخص

شخص بلا مأوى ينام على الرصيف بينما يمرّ المارة في حي ريكوليتا بمدينة بوينس آيرس (رويترز)
شخص بلا مأوى ينام على الرصيف بينما يمرّ المارة في حي ريكوليتا بمدينة بوينس آيرس (رويترز)

ارتفع مؤشر الفقر متعدد الأبعاد العالمي للمرة الأولى منذ إطلاقه عام 2010، ليصل عدد الأشخاص الذين يعانون الفقر الحاد إلى نحو 1.2 مليار شخص، وفقاً لتقرير سنوي صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية، الاثنين.

وأظهر إصدار عام 2026 من التقرير زيادة قدرها 51.5 مليون شخص يعيشون في فقر حاد مقارنة بالعام السابق، في تطور وصفه مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ألكسندر دي كرو، بأنه «جرس إنذار للعالم».

وقال دي كرو إن وراء هذه الأرقام 1.2 مليار شخص يواجهون صعوبات متداخلة تشمل الجوع، والحرمان من التعليم، ونقص المياه النظيفة والكهرباء، مضيفاً أن هذا الوضع غير مقبول.

ويشكل الأطفال أكثر من نصف الأشخاص الذين يعانون الفقر الحاد، ما يسلط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والإنسانية للأزمة، ولا سيما في المجتمعات الأكثر هشاشة.

النمو السكاني يفسر جانباً من الزيادة

وأوضح البرنامج أن النمو السكاني يمثل عاملاً رئيسياً في ارتفاع العدد الإجمالي للأشخاص الذين يعيشون في الفقر، مشيراً إلى أن البيانات الجديدة لم تتوافر إلا لـ13 دولة من أصل 108 دول نامية يشملها التقرير.

وعلى الرغم من ارتفاع العدد الإجمالي للفقراء، أظهرت النتائج تقدماً في عدد من الدول؛ إذ تمكنت 33 دولة من خفض نسبة سكانها الذين يعانون الفقر، وفقاً لمعايير المؤشر، إلى النصف خلال السنوات الـ15 الماضية.

وشملت هذه الدول ست دول في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، فيما سجلت دول آسيوية، من بينها الصين وفيتنام، تقدماً سريعاً في الحد من الفقر، بحسب التقرير.

أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا الأكثر تأثراً

وكما في التقرير السابق، تركزت غالبية الفئات الأشد فقراً في منطقتي أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب آسيا، ولا سيما شبه القارة الهندية، التي تُعد من أكثر مناطق العالم كثافة سكانية.

وأشار التقرير إلى انخفاض ملحوظ في معدلات الفقر وأعداد الأشخاص الذين يعانون الفقر متعدد الأبعاد في مصر ونيبال وطاجيكستان.

وفي المقابل، تراجعت معدلات الفقر في أنغولا وزامبيا، لكن النمو السكاني تجاوز أثر هذا التحسن، ما أدى إلى زيادة العدد الإجمالي للأشخاص الذين يعيشون في الفقر في البلدين.

الفقر يتجاوز الدخل إلى الخدمات الأساسية

ولا يقيس مؤشر الفقر متعدد الأبعاد الفقر من خلال الدخل وحده، بل يعتمد على مجموعة من المؤشرات التي ترصد الحرمان من الاحتياجات والخدمات الأساسية، بما في ذلك السكن الملائم، والصرف الصحي، والكهرباء، ووقود الطهي، والغذاء، والتعليم.

ويعكس المؤشر بذلك تداخل أوجه الحرمان التي قد تواجهها الأسر، حتى عندما لا تكفي مؤشرات الدخل وحدها لتصوير ظروفها المعيشية.


صندوق النقد الدولي: الذكاء الاصطناعي يدعم النمو العالمي عند 3 % رغم صدمة الطاقة

غورغييفا تتحدث خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (أ.ب)
غورغييفا تتحدث خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (أ.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: الذكاء الاصطناعي يدعم النمو العالمي عند 3 % رغم صدمة الطاقة

غورغييفا تتحدث خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (أ.ب)
غورغييفا تتحدث خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (أ.ب)

تضع الطفرة العالمية في استثمارات الذكاء الاصطناعي الاقتصاد العالمي أمام معادلة متناقضة؛ إذ تدعم النمو وتفتح آفاقاً استثمارية جديدة، لكنها تثير في الوقت نفسه مخاوف متزايدة بشأن مستقبل الوظائف، خصوصاً أمام الخريجين الجدد. وفيما يقدّر صندوق النقد الدولي أن هذه الاستثمارات تسهم في إبقاء النمو العالمي عند نحو 3 في المائة، تضغط صدمة إمدادات الطاقة وارتفاع أعباء الديون على الاقتصادات، ولا سيما الدول النامية، لتتصدر هذه التحديات مناقشات الاجتماعات السنوية للصندوق والبنك الدولي في بانكوك.

وحذّر رئيس سنغافورة، ثارمان شانموغاراتنام، خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك، الاثنين، من تراجع الطلب على الوظائف المخصصة للخريجين الجدد مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، داعياً الحكومات إلى التعامل سريعاً مع هذه القضية.

وقال شانموغاراتنام، إن المشكلة تبرز في أولى درجات السلم الوظيفي، حيث تتراجع الحاجة إلى الموظفين الذين يدخلون سوق العمل للمرة الأولى بعد التخرج.

وأضاف أن الأدلة على هذا التحول باتت واضحة، ولا سيما في القطاعات الأكثر تعرضاً لتأثير الذكاء الاصطناعي، محذراً كذلك من نشوء فجوة جديدة بين الاقتصادات المتقدمة والنامية نتيجة الاضطرابات التي قد تحدثها التقنية.

وتضع هذه المخاوف صانعي السياسات أمام تحدي الموازنة بين الاستفادة من مكاسب الإنتاجية التي يوفرها الذكاء الاصطناعي، والحفاظ على فرص العمل، خصوصاً أمام الشباب الذين يعتمد دخولهم إلى سوق العمل على الوظائف المبتدئة.

استثمارات الذكاء الاصطناعي تدعم النمو العالمي

في المقابل، قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، إن قوة الاستثمارات في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي تسهم في إبقاء النمو الاقتصادي العالمي عند نحو 3 في المائة، رغم الضغوط الناجمة عن صدمة إمدادات الطاقة.

وأوضحت أن طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي تمثل صدمة إيجابية للطلب والاستثمار، من شأنها تعزيز النمو في الاقتصادات الآسيوية المتقدمة بنحو 0.5 إلى نقطة مئوية كاملة، وفي الاقتصادات الآسيوية الناشئة بنحو 0.2 إلى 0.8 نقطة مئوية.

وتستفيد اقتصادات آسيوية عدة من الطلب المتزايد على المعدات والأجهزة اللازمة لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك سلاسل إمداد الرقائق الإلكترونية والبنية التحتية التقنية.

لكن هذه المكاسب لا تتوزع بالتساوي بين الدول، إذ قد تستفيد الاقتصادات المرتبطة بسلاسل إمداد التقنية العالمية أكثر من الدول التي تفتقر إلى البنية التحتية والاستثمارات اللازمة للمشاركة في هذا التوسع.

وقالت غورغييفا إن الذكاء الاصطناعي أصبح محركاً رئيسياً متزايد الأهمية في تحديد المواقع النسبية للدول ضمن الاقتصاد العالمي، في إشارة إلى الدور الذي قد تؤديه التقنية في إعادة تشكيل خريطة النمو والتنافسية الدولية.

صدمة الطاقة تضاعف الضغوط على الاقتصادات

وتنعقد الاجتماعات في ظل تداعيات الحرب الأميركية الإيرانية، التي أدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب إمدادات النفط والغاز العالمية، مع امتداد آثارها إلى تكاليف المعيشة والتضخم والنشاط الاقتصادي.

ويرى صندوق النقد الدولي أن الاقتصادات النامية المعتمدة على استيراد الطاقة تواجه العبء الأكبر من هذه الصدمة، في وقت لا تزال فيه آثار الأزمات السابقة، بما فيها جائحة كوفيد-19، تضغط على أوضاعها المالية.

ودعا الصندوق الحكومات إلى ضبط الإنفاق وإعادة بناء الاحتياطيات المالية اللازمة لمواجهة الصدمات المستقبلية، بما في ذلك الحد من الاعتماد على الدعم الحكومي واسع النطاق لأسعار الطاقة.

غير أن هذا التوجه يثير تساؤلات بشأن قدرة الدول منخفضة الدخل على تقليص الإنفاق في وقت تتزايد فيه احتياجات الأسر الأكثر هشاشة، وترتفع فيه تكاليف الغذاء والطاقة، وتتفاقم المخاطر المناخية.

وقال كيفن غالاغر، مدير مركز سياسات التنمية العالمية في جامعة بوسطن، إن الدول الأشد فقراً تواجه ضغوطاً متزامنة ناجمة عن تداعيات الحرب الإيرانية، وارتفاع أسعار الفائدة في الاقتصادات الغربية، وأزمة المناخ التي تتفاقم بفعل ظاهرة «إل نينيو».

ودعا المؤسسات المالية الدولية إلى تقديم استجابة أكثر طموحاً، تشمل توفير السيولة الطارئة على المدى القصير والتمويل طويل الأجل، بما يجعل مسارات النمو في الدول النامية أقل عرضة للصدمات.

من جانبه، حذّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن تزامن الأزمات قد يدفع ملايين إضافية إلى دائرة الفقر، في ظل صعوبة استمرار الحكومات في توفير الدعم للأسر مع ارتفاع أسعار النفط والغذاء.

وقال مدير البرنامج ألكسندر دي كرو إن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة والمواد الغذائية يحرم ملايين الأسر من أي هامش مالي لامتصاص الصدمات، محذراً من احتمال عودة عشرات الملايين، وربما مئات الملايين، إلى الفقر.

التضخم والديون في صدارة جدول الأعمال

ولا تقتصر الضغوط على الاقتصادات النامية، إذ تواجه الاقتصادات المتقدمة أيضاً ارتفاعاً في التضخم نتيجة زيادة تكاليف الطاقة وانتقال آثارها إلى أسعار السلع الأخرى.

وقد دفعت الضغوط التضخمية البنوك المركزية إلى تشديد السياسة النقدية أو إبقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة، ما يزيد تكلفة الاقتراض ويحد من النشاط الاقتصادي.

وفي الوقت نفسه، أسهمت طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي في دعم أسواق الأسهم والنمو في الاقتصادات المتقدمة، لكنها ترافقت مع زيادة كبيرة في احتياجات التمويل، وسط مخاوف بشأن ارتفاع تكاليف الاقتراض وإعادة تمويل الديون.

وتشمل الملفات المطروحة خلال الاجتماعات أيضاً ارتفاع عوائد السندات، فيما يُنتظر أن تنشر المديرة العامة لصندوق النقد الدولي التوقعات الاقتصادية العالمية، الثلاثاء، إلى جانب توقعات إقليمية تفصيلية خلال الأسبوع.

كما تتضمن الاجتماعات لقاءات لوزراء مالية مجموعة العشرين، يُتوقع أن يكون ارتفاع عوائد السندات من أبرز الملفات المطروحة خلالها.

وتعكس المناقشات تحدياً عالمياً مزدوجاً: الاستفادة من الفرص الاقتصادية التي تتيحها طفرة الذكاء الاصطناعي، مع احتواء تداعيات صدمة الطاقة وتزايد الديون، وضمان ألا تؤدي التحولات التقنية والاقتصادية إلى تعميق التفاوت بين الدول أو تقليص فرص الأجيال الجديدة في سوق العمل.


الأسهم الكورية الجنوبية تتراجع 1.7% وسط تصاعد التوترات في الشرق الأوسط

شاشة بيانات مالية في غرفة تداول بنك هانا تظهر انخفاض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب (إ.ب.أ)
شاشة بيانات مالية في غرفة تداول بنك هانا تظهر انخفاض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب (إ.ب.أ)
TT

الأسهم الكورية الجنوبية تتراجع 1.7% وسط تصاعد التوترات في الشرق الأوسط

شاشة بيانات مالية في غرفة تداول بنك هانا تظهر انخفاض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب (إ.ب.أ)
شاشة بيانات مالية في غرفة تداول بنك هانا تظهر انخفاض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب (إ.ب.أ)

تراجعت الأسهم الكورية الجنوبية، الاثنين، مع عودة المستثمرين إلى التداول بعد عطلة نهاية أسبوع طويلة، وسط تقييمهم لتجدد الهجمات في الشرق الأوسط، وما قد تسببه من اضطرابات إضافية في إمدادات الطاقة العالمية.

وتعرضت معنويات المستثمرين لضغوط عقب إعلان السعودية مقتل شخص وإصابة نحو 12 آخرين في هجوم جديد استهدف مطار الرياض الدولي، الأحد، بعد يوم من هجوم أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عنه وأسفر عن مقتل 13 شخصاً وإصابة أكثر من 300.

وفي المقابل، ارتفعت قيمة الوون الكوري إلى أقوى مستوى له أمام الدولار منذ 4 أكتوبر (تشرين الأول) 2024، فيما تراجعت عوائد السندات الحكومية القياسية.

وانخفض مؤشر «كوسبي» الرئيسي للأسهم الكورية الجنوبية بمقدار 114.80 نقطة، بما يعادل 1.73 في المائة، إلى 6511.13 نقطة بحلول الساعة 01:57 بتوقيت غرينتش.

وتراجعت أسهم شركة «سامسونغ إلكترونيكس» بنسبة 1.43 في المائة، فيما هبطت أسهم منافستها «إس كيه هاينكس» بنسبة 2.44 في المائة.

وخالفت أسهم شركة «إل جي إنرجي سوليوشن» المتخصصة في صناعة البطاريات الاتجاه العام، مرتفعة بنسبة 0.25 في المائة. واستقرت أسهم «هيونداي موتور» دون تغيير، بينما صعدت أسهم «كيا» بنسبة 1.69 في المائة.

كما انخفضت أسهم شركة «بوسكو هولدينغز» لصناعة الصلب بنسبة 1.31 في المائة، وتراجعت أسهم «سامسونغ بايولوجيكس» للأدوية بنسبة 1.97 في المائة.

وسجل المستثمرون الأجانب صافي مبيعات للأسهم بقيمة 604.8 مليار وون كوري.

الوون يعزز مكاسبه أمام الدولار

وفي سوق العملات، بلغ سعر الوون 1336.1 مقابل الدولار على منصة التسوية المحلية، مرتفعاً بنسبة 0.44 في المائة مقارنة بالإغلاق السابق عند 1342 ووناً للدولار.

وفي التداولات الخارجية، ارتفع الوون بنسبة 0.3 في المائة إلى 1335.6 مقابل الدولار، فيما سجل العقد الآجل غير القابل للتسليم لأجل شهر واحد 1334.6 وون للدولار.

وعلى أساس الأداء منذ بداية العام، ارتفع مؤشر «كوسبي» بنسبة 54.51 في المائة، فيما سجل الوون مكاسب بلغت 7.7 في المائة أمام الدولار.

تراجع عوائد السندات الحكومية

وفي أسواق الدين، ارتفعت العقود الآجلة لسندات الخزانة الكورية لأجل ثلاث سنوات، تسليم ديسمبر (كانون الأول)، بمقدار 0.18 نقطة إلى 102.68 نقطة.

في المقابل، انخفض عائد السندات الحكومية الكورية لأجل ثلاث سنوات، الأكثر نشاطاً في التداول، بمقدار 4.8 نقطة أساس إلى 3.946 في المائة، كما تراجع عائد السندات لأجل عشر سنوات بمقدار 6.6 نقطة أساس إلى 4.328 في المائة.