ترمب يُهيمن على قمة «ناتو» في أنقرة... وأوروبا تبحث سبل «احتوائه»

تصاعد القلق من تقليص الانتشار العسكري الأميركي في القارة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدَّث مع الأمين العام لحلف «ناتو» مارك روته على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس يوم 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدَّث مع الأمين العام لحلف «ناتو» مارك روته على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس يوم 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

ترمب يُهيمن على قمة «ناتو» في أنقرة... وأوروبا تبحث سبل «احتوائه»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدَّث مع الأمين العام لحلف «ناتو» مارك روته على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس يوم 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدَّث مع الأمين العام لحلف «ناتو» مارك روته على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس يوم 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)

تلتئم قمة الحلف الأطلسي في أنقرة، يومَي الثلاثاء والأربعاء القادَمين، وسط مخاوف أوروبية من خطط الإدارة الأميركية بخفض الحضور العسكري الأميركي في أوروبا، بالتوازي مع تنامي القلق مما تخطِّط له موسكو.

وما يفاقم النظرة الأوروبية التشاؤمية توقع أن يضاعف الرئيس الأميركي دونالد ترمب انتقاداته لحلفائه الأطلسيِّين، الذين لم يستجيبوا لطلبه بالانخراط في الحرب التي أطلقها مع إسرائيل ضد إيران من غير استشارتهم، صبيحة 28 فبراير (شباط) الماضي، ورفض بعض الحلفاء (مثل فرنسا وإسبانيا وبريطانيا وإيطاليا) السماح لواشنطن باستخدام مطاراتها لهبوط طائراتها الحربية، في طريقها إلى مسرح الحرب في الشرق الأوسط.

إلى ذلك، يدفع اشتداد الهجمات الروسية على أوكرانيا، كما حصل ليل الأربعاء إلى الخميس؛ حيث تعرَّضت كييف لأسوأ الهجمات الجوية منذ اندلاع الحرب في فبراير 2022، الأوروبيِّين لاستشعار الحاجة للحضور العسكري الأميركي الرادع، بينما واشنطن بدأت منذ شهر مايو (أيار) في تقليص عديد القوات ومنظومات السلاح المخصَّصة للجناح الأوروبي لـ«ناتو».

وأخيراً، تجدر الإشارة إلى الجدل الذي دخلت فيه رئيسة الوزراء الإيطالية مع ترمب على خلفية ادّعاء الأخير أنَّها توسَّلت له لالتقاط صورة معه، وأنَّه تحاشاها، وما أعقب ذلك من تضامن أوروبي مع جورجيا ميلوني ما قد تكون له تبعاته على أجواء القمة الأطلسية.

استياء الرئيس

عدّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، أنَّه «من السخيف» استمرار الولايات المتحدة في علاقتها «الأحادية» مع حلف «ناتو». وكتب على منصته «تروث سوشال»: «لم نجدهم عندما احتجنا إليهم»، مشيراً إلى أنَّ «علاقة واشنطن بحلف (ناتو) ليست متبادلة».

إردوغان وترمب خلال قمة «ناتو» بلاهاي في يونيو 2025 (أ.ف.ب)

ويواصل ترمب انتقاد الحلفاء الأوروبيِّين؛ بسبب موقفهم من الحرب ضد إيران. كما شدَّد على أنَّه يريد من أوروبا أن تتولى المسؤولية عن دفاعها، وذلك بينما تعمل الولايات المتحدة على تقليص التزاماتها. وتضمَّن منشوره رسماً بيانياً يوضِّح حجم إنفاق حلف شمال الأطلسي، حيث تستثمر الولايات المتحدة مبالغ أكبر بكثير من عدد قليل من الدول الأعضاء الأخرى التي شملها الرسم. وبضغط من ترمب، اتّفق قادة «ناتو» في اجتماع العام الماضي على زيادة الإنفاق المتعلّق بالدفاع إلى 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035. وستُعقَد قمة الحلف المقبلة، التي ستجمع الدول الـ32 الأعضاء، في العاصمة التركية في السابع والثامن من يوليو (تموز).

تقليص الوجود الأميركي

كثيرة هي التهديدات الترومبية للشركاء الأوروبيِّين منذ ولايته الأولى. وتتكاثر الشكاوى العابرة للمحيط الأطلسي التي مفادها بأنَّ الولايات المتحدة تتحمل العبء الأكبر من تكلفة الدفاع عن أوروبا. وخلال اجتماع وزراء الحلف في بروكسل، يوم الخميس الماضي، كشف وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيت، عمّا تخطِّط له واشنطن، إذ دعا الأوروبيِّين إلى إنشاء ما سماه «ناتو 3.0». وقال إنه «بعد انتهاء الحرب الباردة، يجب العودة إلى تحالف عسكري حقيقي يتمتَّع بقدرات عسكرية فعلية، قادر على تحقيق الردع هنا في القارة الأوروبية، وعلى تولي القيادة في الدفاع التقليدي عن أوروبا».

وبكلام أوضح، فإنَّ هيغسيت يُلقي عبء الدفاع التقليدي على عاتق الأوروبيَّين، بينما الردع النووي يبقى بيد الولايات المتحدة. وفي السياق نفسه، عدَّ القائد الأعلى لقوات «ناتو»، الجنرال الأميركي الطيار أليكسوس غرينكيفيتش، أنَّ الوضع الحالي لجهة التعويل على الشريك الأميركي «غير صحي»، خصوصاً أنَّ واشنطن قد تكون مضطرة للانخراط في أكثر من نزاع.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه مع نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على هامش قمة لحلف «ناتو» في لاهاي يونيو 2025 (د.ب.أ)

ولأن واشنطن عازمة على السير فعلياً بخططها، فقد أعلمت الأوروبيِّين منذ أسابيع عدة بعزمها على تقليص حجم قواتها، الذي كانت تلتزم به في حال حصول نزاع. ونقلت «رويترز» عن مصدر عسكري أميركي، هذا الأسبوع، أنَّ التقليص سيطال طائرات التزوُّد بالوقود جواً، والمقاتلات، والطائرات المسيّرة، والسفن والقاذفات الاستراتيجية وعديد الجنود، مع احتمال إقفال بعض القواعد الأميركية في أوروبا.

وفي إطار نقمته على المستشار الألماني فريدريش ميرتس؛ بسبب الحرب على إيران، أعلن ترمب سحب 5 آلاف جندي من ألمانيا التي تستضيف نحو ثلث القوات الأميركية المرابطة في أوروبا، إضافة إلى أهم قاعدة جوية «رامشتاين». وسبق لترمب أن أعلن سحب قوات من بولندا، إلا أنَّه تراجع لاحقاً عن هذا القرار، لا بل أفاد بأنَّه سينشر 5 آلاف جندي إضافي في هذا البلد.

وأفاد مصدر لـ«رويترز» بأنَّ واشنطن سوف تُخفِّض عدد مقاتلاتها المُخصَّصة لـ«ناتو» بمقدار الثلث، ليصل إلى 99 طائرة، كما سينخفض عدد الطائرات المسيّرة إلى النصف ليبلغ 12 طائرة. وسيتراجع عدد طائرات التَّزوُّد بالوقود إلى 63 طائرة، والقاذفات الاستراتيجية إلى النصف، والحال نفسه تنطبق على المدمرات التي ستتراجع إلى النصف (9 مدمرات). كما ستُخصِّص البحرية الأميركية حاملة طائرات واحدة، بينما ستسحب الغواصة الوحيدة القادرة على حمل صواريخ «كروز».

روته: إطفائي «الأطلسي»

بالنظر لهذا الوضع «غير المريح» بالنسبة للأوروبيِّين، فإنَّ همهم الأول كما يقول مصدران أوروبيَّان في باريس، هو العمل على «إرضاء» ترمب خلال قمة أنقرة لتحقيق عدد من الأهداف الرئيسية: إبقاء الولايات المتحدة منخرطةً في الدفاع عن الجناح الأوروبي للحلف، واجتذاب ترمب مجدداً لتوفير الدعمَين العسكري والمالي لأوكرانيا، والبناء على ما تحقَّق في قمة «مجموعة السبع» الأخيرة في مدينة إيفيان الفرنسية، حيث بدّل ترمب لهجته ومقاربته للحرب في أوكرانيا وقبِل الاجتماع مرتين بالرئيس فولوديمير زيلينسكي.

في حمأة هذه التطورات، يلعب أمين عام الحلف الأطلسي، مارك روته، دور الإطفائي الساعي دوماً لاحتواء غيظ ونقمة ترمب على الأوروبيِّين. والعام الماضي، بمناسبة انعقاد القمة الأطلسية في لاهاي، في شهر يوليو، لم يتردَّد روته في تشبيه ترمب بـ«والدي». ولا يبدو أن روته وضع حدوداً لمحاولة إرضاء ترمب. فخلال زيارته الأخيرة للبيت الأبيض، منتصف الشهر الماضي، للتحضير لقمة أنقرة، حضر روته رسماً بيانياً بأحرف ذهبية حمل عبارة «تريليون ترمب» الذي يجمل زيادات الإنفاق العسكري الأوروبي منذ عام 2017، أي منذ وصول الرئيس الأميركي إلى البيت الأبيض المرة الأولى.

كذلك، ذكّره بأن الأوروبيين قبلوا برفع نسبة إنفاقهم الدفاعي إلى 5 في المائة (باستثناء إسبانيا)، بحلول عام 2035، بينما لا يزال إنفاق عضوَين أطلسيَّين (تشيكيا وسلوفاكيا) دون الحد الأدنى، أي 2 في المائة من الناتج المحلي الخام، بينما الدول الأخرى تجاوزت عتبة 3 في المائة.

وما يسعى إليه أمين عام الحلف الأطلسي هو نزع حجة ترمب الخاصة بتقاعس الأوروبيين عن الوفاء بالتزاماتهم إزاء النادي الأطلسي. ووفق قول مصدر أطلسي لـ«رويترز» الأربعاء، فإنَّ الأوروبيين نجحوا «إلى حد كبير» في سدّ الفراغ الناتج عن تقليص الحضور العسكري الأميركي، وإن ما تنقصهم هي القاذفات الاستراتيجية. وسبق لروته أن أكّد منتصف يونيو (حزيران) أن دولاً أوروبية أطلسية عزَّزت مساهماتها العسكرية، وتعمل على تغطية «الكثير» من الثغرات دون الكشف عن مزيد من تفاصيل.

مضيق «هرمز» مجدداً

ليس ما سبق سوى جانب مما يعتزم الأوروبيون القيام به من أجل «احتواء» الرئيس الأميركي. ذلك أنَّ في جعبتهم أوراقاً أخرى كإعلان الاستعداد لمساعدة واشنطن في ضمان حرية الإبحار في مضيق «هرمز»، من خلال مبادرة فرنسية - بريطانية لتشكيل تحالف بحري دولي يقوم بنزع الألغام من مياه المضيق، ومواكبة الناقلات والبواخر الراغبة بالخروج منه أو الدخول إليه.

وتؤكد باريس ولندن أن 12 دولة مستعدة للمساهمة في المهمتين، وأبرزها إيطاليا وألمانيا وهولندا. لكن العاصمتين متمسكتان بأن «المهمة» سلمية الطابع، ويجب أن تحظى بقبول الولايات المتحدة وإيران وعمان، وأن تكون «مستقلة» عمّا تقوم به القوات الأميركية في المنطقة.

ليس سراً أنَّ ترمب يهوى العقود الكبرى. لذا من المرتقب أن تعلن دول أوروبية عدة إبرام اتفاقات مع شركات السلاح الأميركية الرئيسية، الأمر الذي من شأنه أن يعكس الفائدة التي تجنيها واشنطن من حلفائها الأوروبيين من عقود التسلح، فضلاً عن تمتّعها بـ«حاملة طائرات أرضية من 30 دولة أوروبية». وثمّة مَن يهمس في باريس أنَّ الأوروبيين توافقوا على عدم إثارة أي ملف يمكن أن يُشعر ترمب بأنَّه يستهدفه، مُنوّهين ببراعة الرئيس الفرنسي الذي نجح من خلال دعوة ترمب إلى العشاء خلال «قمة إيفيان»، في إبقائه حتى نهاية أعمال القمة التي استمرت 3 أيام. لكن يبدو أن قمة أنقرة ستكون قصيرة نسبياً، باعتبار أن الرئيس الأميركي كان قد يمتنع عن المشاركة لو لم يكن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان هو الجهة المستضيفة.


مقالات ذات صلة

«الناتو» يتأهب لردع تهديدات إيرانية

شؤون إقليمية ترمب يُوقّع على قطعة من الحجر في موقع بناء مهبط طائرات الهليكوبتر في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض أمس (أ.ف.ب)

«الناتو» يتأهب لردع تهديدات إيرانية

أعلن حلف شمال الأطلسي «الناتو»، أمس (الأربعاء)، أنه يستعد للتعامل مع أي تهديد إيراني محتمل والدفاع عن جميع دوله الأعضاء، بعدما ظهرت مؤشرات على أن طهران درست.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية طائرة أميركية من طراز «إي إيه-18 غراولر» تتزود بالوقود من طائرة «كيه سي-135 ستراتوتانكر» تابعة للقوات الجوية الأميركية خلال دورية فوق الشرق الأوسط (الجيش الأميركي)
p-circle

«الناتو» يتأهب لتهديدات إيرانية تمتد إلى أوروبا

أفادت مصادر مقرَّبة من دوائر صنع القرار في طهران بأن إيران تدرس مهاجمة أهداف عسكرية أميركية بأوروبا في حال قرر الرئيس الأميركي دونالد ترمب تصعيد الحرب ضدها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا عناصر من الحرس الوطني اللاتفي قبيل عملية بحث عن حطام طائرة مسيّرة جرى اعتراضها فوق لاتفيا (رويترز)

لاتفيا: المسيّرة التي أسقطتها مقاتلات «الناتو» جاءت من بيلاروسيا

قال وزير الدفاع اللاتفي رايفيس ميلنيس إن طائرة مسيرة أسقطتها مقاتلات تابعة لـ«الناتو» فوق لاتفيا، الأسبوع الماضي، دخلت المجال الجوي اللاتفي قادمة من بيلاروسيا.

«الشرق الأوسط» (ريغا )
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في منشأة لإنتاج الطائرات المسيّرة بسانت بطرسبرغ (رويترز)

تقرير: روسيا تنشئ قواعد سرية للمسيّرات على مقربة من أراضي «الناتو»

كشف تقرير صحافي أن روسيا أنشأت قواعد سرية قادرة على إطلاق طائرات مسيّرة متطورة في عمق أراضي حلف شمال الأطلسي «الناتو».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا إردوغان خلال استقباله رئيس «مجلس أوروبا» أنطونيو كوستا ورئيسة «المفوضية الأوروبية» فون دير لاين بالقصر الرئاسي في أنقرة 8 يوليو الماضي (الرئاسة التركية)

إردوغان: عضوية الاتحاد الأوروبي لم تعد أولوية لتركيا

كشفت تركيا عن أن عضويتها بالاتحاد الأوروبي لم تعد ضمن أولوياتها وذلك بعدما فشلت مساع مكثفة على مدى العامين الماضيين لفتح فصول جديدة للمفاوضات

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

مقتل شخصين في هجوم أوكراني على شبه جزيرة القرم

قوات الطوارئ تقوم بعملية إخماد الحرائق في القرم بعد مهاجمة شبه الجزيرة بمسيّرات أوكرانية (أرشيفية - أ.ب)
قوات الطوارئ تقوم بعملية إخماد الحرائق في القرم بعد مهاجمة شبه الجزيرة بمسيّرات أوكرانية (أرشيفية - أ.ب)
TT

مقتل شخصين في هجوم أوكراني على شبه جزيرة القرم

قوات الطوارئ تقوم بعملية إخماد الحرائق في القرم بعد مهاجمة شبه الجزيرة بمسيّرات أوكرانية (أرشيفية - أ.ب)
قوات الطوارئ تقوم بعملية إخماد الحرائق في القرم بعد مهاجمة شبه الجزيرة بمسيّرات أوكرانية (أرشيفية - أ.ب)

قتل شخصان وأصيب ثلاثة آخرون في هجوم أوكراني بالقرب من مدينة سيمفيروبول في شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا، حسبما أعلنت السلطات الروسية يوم الخميس.

وقال سيرجي أكسيونوف، الحاكم المعين من قبل موسكو، عبر تطبيق تليغرام، إن شخصاً آخر أُصيب في مكان آخر بشبه الجزيرة. ولم يكشف عن المزيد من التفاصيل.

وكانت روسيا قد ضمت شبه جزيرة القرم في عام 2014 وتستخدمها كقاعدة انطلاق ومركز للإمداد. ونتيجة لذلك، تشن كييف ضربات بانتظام على أهداف في شبه الجزيرة.

وتواصل أوكرانيا التصدي للغزو الروسي الشامل بدعم غربي منذ ما يقرب من أربعة أعوام ونصف العام.


قطارات الموت الفرنسية: كيف بدأت مأساة معسكر «درانسي» في أغسطس 1941؟

سجناء يهود في معسكر بوخينفالد - ألمانيا (موسوعة الهولوكوست)
سجناء يهود في معسكر بوخينفالد - ألمانيا (موسوعة الهولوكوست)
TT

قطارات الموت الفرنسية: كيف بدأت مأساة معسكر «درانسي» في أغسطس 1941؟

سجناء يهود في معسكر بوخينفالد - ألمانيا (موسوعة الهولوكوست)
سجناء يهود في معسكر بوخينفالد - ألمانيا (موسوعة الهولوكوست)

لم يكن فجر العشرين من أغسطس (آب) من عام 1941 يوماً عادياً في تاريخ العاصمة الفرنسية باريس، بل كان التاريخ الفعلي لتدشين صفحة هي الأكثر قتامة في سجلات الحرب العالمية الثانية على الأراضي الفرنسية.

ففي تلك الساعات الأولى من الصباح، استيقظت عاصمة الأنوار وهي ترزح تحت طوق أمني ضربته قوات الاحتلال النازي بالتعاون الوثيق مع أجهزة الأمن التابعة لحكومة «فيشي» الفرنسية المتعاونة.

إيصال مصادرة أموال أحد الضحايا في معسكر «درانسي» بباريس قبل ترحيله إلى معسكرات الموت (ويكيبيديا)

كانت المؤامرة قد حِيكت خيوطها بدقة في المكاتب المغلقة بين ضباط «الغشتابو» والمسؤولين الفرنسيين، ولم تكن العملية مجرد إجراء أمني عابر، بل كانت الـ«بروفة» الجنرال والاختبار العملي الأول لآلة الترحيل الجماعي واسع النطاق التي استهدفت الجالية اليهودية، ممهدة الطريق لما عُرف لاحقاً بـ«الحل الأخير».

في ذلك الصباح الحزين، لم تشفع للمستهدفين أوراق مواطنتهم الفرنسية، ولا لجوؤهم السياسي الذي قادهم يوماً إلى بلد صاغ إعلان حقوق الإنسان والمواطن، ليجد آلاف الرجال أنفسهم مقتادين من بيوتهم ومقار عملهم ومقاهيهم نحو مصير مجهول خلف الأسلاك الشائكة.

سجناء يهود في معسكر درانسي بباريس بين عام 1941 و1944 (موسوعة الهولوكوست)

المكيدة المبيتة وهندسة الطوق الأمني في الدائرة الحادية عشرة

انطلقت الشرطة الفرنسية، مدعومة بأوامر صارمة من القيادة العسكرية الألمانية، لتنفيذ الخطة التي ركزت جغرافيتها بشكل أساسي على الدائرة الحادية عشرة في باريس، وهي المنطقة التي كانت تنبض بحياة الجالية اليهودية وتضم عائلات من طبقات كادحة وأخرى من نخب فكرية وقانونية.

ضربت القوات طوقاً محكماً وشلّت الحركة في الشوارع الرئيسية، وبدأت عمليات المداهمة والتحقق من الهويات بناءً على قوائم أُعدت مسبقاً بعناية فائقة.

استهدفت الحملة في هذه المرحلة الرجال تحديداً، وتراوحت أعمارهم بين الشباب والكهولة، وضمت مزيجاً من اليهود الأجانب الذين فروا من جحيم الاضطهاد في أوروبا الشرقية والوسطى ظناً منهم أن فرنسا ستكون الملاذ الآمن، إلى جانب مئات المواطنين الفرنسيين الذين صدمتهم حقيقة أن هويتهم الوطنية لم تحمهم من مخالب التمييز العنصري والنازية.

معسكر درانسي بباريس (موسوعة الهولوكوست)

قطارات البؤس ورحلة التجريد من الإنسانية نحو الضاحية الشمالية

سِيق المعتقلون الذين بلغت أعدادهم في ذلك اليوم وحده أكثر من أربعة آلاف رجل في شوارع باريس، وسط ذهول وهلع العائلات التي راقبت المشهد من الشرفات والنوافذ دون القدرة على التدخل.

دُفع بهؤلاء الرجال إلى حافلات النقل العام التي صادرتها السلطات لهذا الغرض، لتتحرك القوافل ببطء نحو الضاحية الشمالية لباريس، وتحديداً إلى مجمع سكني حديث لم يكتمل بناؤه بعد في منطقة «درانسي».

نقل المعتقلين إلى معسكر درانسي بباريس (موسوعة الهولوكوست)

تحول هذا المجمع الأسمنتي العاري في غضون ساعات قليلة من مشروع سكني إلى معسكر اعتقال جماعي سيئ السمعة، ليكون المحطة الأولى والأساسية في نظام السخرة والإذلال الفرنسي تحت حكم الاحتلال.

هناك، وراء الأسلاك الشائكة، بدأت عملية منهجيّة لتجريد المعتقلين من كرامتهم الإنسانية، حيث تكدس الآلاف في غرف تفتقر لأدنى مقومات الحياة، غاب عنها الضياء وشح فيها الغذاء والرعاية الصحية، وتحولت الحياة اليومية إلى صراع مرير من أجل البقاء تحت حراسة مشددة تولاها في البداية عناصر الدرك الفرنسي قبل أن تتسلم الإدارة النازية زمام الأمور بالكامل.

معسكر «درانسي» كمختبر أول لقطارات الموت نحو الشرق

لم تكن حملة العشرين من أغسطس مجرد حدث معزول في سياق الحرب، بل كانت الحجر الأساس الذي بُني عليه نظام الإبادة والترحيل في فرنسا.

فقد أثبتت هذه العملية للمخطط النازي أن الأجهزة الإدارية والأمنية المحلية قادرة على تنفيذ المداهمات الجماعية بكفاءة وهدوء، وهو ما مهد الطريق لاحقاً لعمليات ترحيل أوسع وأكثر وحشية، مثل «مداهمة الشتوي الصيفي» (Vel d'Hiv) في العام التالي.

معسكر درانسي بباريس (ويكيبيديا)

ومن معسكر «درانسي»، الذي بدأ يغص بالمعتقلين منذ ذلك اليوم، بدأت القوافل الحديدية وقطارات البؤس تنطلق تتابعاً نحو معسكرات الموت في أوروبا الشرقية، وعلى رأسها معسكر «أوشفيتز بيركينو».

المدخل الرئيسي لمعسكر «أوشفيتز بيركينو» ببولندا (موسوعة الهولوكوست)

ومن بين عشرات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال الذين مروا عبر بوابات «درانسي» الحديدية في السنوات اللاحقة، لم ينجُ سوى قلة قليلة، مما يجعل من ذكرى العشرين من أغسطس الرمز الفعلي لتدشين آلة الموت والترحيل القسري التي تركت جرحاً غائراً لا يمحوه الزمن في ضمير الوجدان الفرنسي والإنساني.


الحرارة تجاوزت 40 درجة في مناطق أوروبية يقطنها 80 مليون نسمة هذا الصيف

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» بباريس حيث تُعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» بباريس حيث تُعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

الحرارة تجاوزت 40 درجة في مناطق أوروبية يقطنها 80 مليون نسمة هذا الصيف

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» بباريس حيث تُعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» بباريس حيث تُعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

شهدت مناطق في أوروبا يقطنها 80 مليون نسمة حرارة تجاوزت 40 درجة لمرة واحدة على الأقل في الفترة بين 15 يونيو (حزيران) و15 أغسطس (آب) 2026، وفق تحليل أجرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهذا الرقم ضعف ذلك المُسجل خلال صيف عام 2003 الذي شهد موجة حر قاتلة في أوروبا (باستثناء تركيا)، وفق حسابات الوكالة المستندة إلى بيانات درجات الحرارة القصوى اليومية الصادرة عن «المرصد الأوروبي للجفاف» وبيانات السكان من «مركز البحوث المشترك».

كما يتجاوز رقم عام 2026 الأعداد المسجلة في الفترة نفسها خلال صيفي عامي 2022 و2025، حين تأثر ما بين 55 و60 مليون شخص بمثل هذه الدرجات من الحرارة.

عامل يشرب ماء في موقع بناء بباريس وسط ارتفاع درجات الحرارة (أ.ب)

وشهدت أوروبا الغربية أكثر بدايات الصيف حرارة على الإطلاق عام 2026، إذ بلغت درجات الحرارة في الفترة الممتدة بين يونيو ويوليو (تموز) مستويات غير مسبوقة، في ظل موجات حر متكررة، وجفاف واسع النطاق، وحرائق غابات مدمرة أججتها ظاهرة الاحترار المناخي.

منذ منتصف يونيو، طالت حرارة تجاوزت 40 درجة 30 مليون نسمة في فرنسا، ولا سيما في الغرب، و23 مليون نسمة في إسبانيا، و8 ملايين نسمة في كل من ألمانيا وإيطاليا.

وعلى نطاق أوسع، تجاوزت الحرارة 35 درجة في مناطق يقطنها 80 في المائة من سكان أوروبا، أي ما يعادل نحو 490 مليون نسمة، في حين لم تطل الموجة المناطق الجبلية ودول البلطيق وشمال أوروبا.

وأعلن معهد «كارلوس الثالث» الصحي في إسبانيا أن الحرارة تسببت في نحو 4500 وفاة إضافية بين الأول من يونيو و19 أغسطس.

وفي ألمانيا، تُقدّر السلطات الصحية عدد الوفيات بنحو 14 ألفاً حتى التاسع من أغسطس. أما في فرنسا، فقد أعلنت السلطات الصحية عن حصيلة أوّلية تتجاوز 7000 وفاة إضافية في الفترة ما بين منتصف يونيو و22 يوليو، قبل موجة الحر الثالثة التي شهدها العام واستمرت 23 يوماً على الأقل.