السودان على خطى الانقسام النقدي

أثار طرح عملات جديدة في مناطق «الدعم السريع» تحديات عن وحدة العملة

طبعة من الألف جنيه (إكس)
طبعة من الألف جنيه (إكس)
TT

السودان على خطى الانقسام النقدي

طبعة من الألف جنيه (إكس)
طبعة من الألف جنيه (إكس)

لم يعد الانقسام في السودان مقتصراً على الجغرافيا والإدارة والخدمات، بل بدأ يلامس واحدة من أكثر مؤسسات الدولة حساسية، فقد تم رصد تداول أوراق نقدية جديدة من فئتي 1000 و500 جنيه، وهي إصدارات صادرة عن بنك السودان المركزي في مايو (أيار) 2022، في مناطق سيطرة «قوات الدعم السريع»، الأمر الذي أثار تساؤلات حول مستقبل وحدة العملة الوطنية وقدرة البنك المركزي على بسط ولايته على الكتلة النقدية في البلاد.

وسمحت الحكومة «الموالية» لـ«الدعم السريع»، والتي تتخذ من نيالا عاصمة لها، بتداول فئات ورقية تحمل توقيع محافظ بنك السودان المركزي السابق «حسين يحيى جنقول»، بعد أن أعادت تعيينه في المنصب نفسه، باعتباره محافظاً لـ«البنك المركزي الموازي».

وحظرت حكومة نيالا «فئات أخرى موقعة من المحافظ الحالي، برعي الصديق، في وقت أعلن فيه رئيس وزراء الحكومة الموازية محمد حسن التعايشي، عن سياسات نقدية ومصرفية من قبل حكومته، تهدف لبناء نظام مالي متكامل».

ووفقاً لما حصلت عليه «الشرق الأوسط»، فإن تداول أوراق جديدة في مناطق سيطرة «الدعم السريع»، ومن مصدر غير محسوم «ليست المرة الأولى»، وما إذا كانت أوراقاً مخزنة سابقاً، أم ناتجة عن طباعة جديدة.

وبحسب مصرفيين وخبراء اقتصاديين، فإن الخطر لا يكمن في تداول الورقة النقدية نفسها، بل في الجهة التي تتحكم في إصدارها وتداولها، وما قد يترتب على ذلك من آثار على فاعلية السياسات الاقتصادية، والثقة بالعملة الوطنية، واستقرار النظام المالي.

ووفقاً لآراء الخبراء، فإن فاعلية السياسة النقدية تعتمد أساساً على قدرة بنك السودان المركزي على بسط ولايته على الكتلة النقدية، وإدارة السيولة، والحد من الضغوط على سوق النقد الأجنبي، والتحكم في التضخم ودعم استقرار سعر الصرف.

وفي حال تداول كتل نقدية خارج هذه الولاية، فإن قياس المعروض النقدي «عرض النقود» يصبح أكثر تعقيداً، ويضعف قدرة السلطات النقدية على مكافحة التضخم، وإدارة السيولة، واحتواء الضغوط على سعر الصرف، والحفاظ على استقرار الأسعار وسلامة النظام المالي.

وبحسب بيانات صادرة عن «بنك السودان المركزي» في أبريل (نيسان) الماضي، بلغ معدل المعروض النقدي «عرض النقود» 27.3 في المائة، ويعكس ذلك تحديات على إدارة السيولة، لا سيما في الظروف الاستثنائية التي تعيشها البلاد.

وطبقاً لخبراء، فتداول أوراق نقدية في مناطق سيطرة «الدعم السريع» يزيد من تعقيد قياس الكتلة النقدية، لا سيما في مكون العملة المتداولة خارج الجهاز المصرفي، ويحد من دقة المؤشرات النقدية، ويضعف فاعلية تصميم وتنفيذ السياسة النقدية، ينتج عنه تراجع في الثقة بالعملة الوطنية، وتراجع قدرة المؤسسات على إنفاذ السياسات الاقتصادية بصورة متجانسة على مستوى البلاد.

وطبقاً لتقرير العرض الاقتصادي والمالي الصادر عن بنك السودان المركزي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، استحوذت العملة المتداولة لدى الجمهور (الكاش) على نحو 97.4 في المائة من إجمالي العملة المتداولة، مقابل 2.6 في المائة فقط لدى البنوك التجارية.

ويشير هذا المستوى المرتفع من التداول النقدي خارج الجهاز المصرفي إلى اتساع ظاهرة التعاملات النقدية المباشرة، الذي يحد من قدرة الجهاز المصرفي على تعبئة المدخرات، ويزيد من تعقيد إدارة السيولة، وقال خبراء في هذا الصدد، إن أي تداول إضافي لكتل نقدية خارج ولاية البنك المركزي، سيفاقم اختلالات الاقتصاد، ويعرقل إدارة المعروض النقدي، واستقرار النظامين النقدي والمالي.

الاقتصاد غير الرسمي

تذكر دراسات حديثة أن الاقتصاد غير الرسمي في السودان يمثل نحو 60 في المائة من النشاط الاقتصادي، وهي نسبة مرتفعة تحد من فاعلية السياسات، وتضعف قدرة الدولة على قياس وإدارة النشاط الاقتصادي.

ولا يزال الاقتصاد السوداني يعتمد بصورة كبيرة على التعاملات النقدية مقارنة بوسائل الدفع الإلكتروني، ورغم التطورات التي شهدتها التطبيقات المصرفية في الآونة الأخيرة، فإن مستويات الشمول المالي والانتشار المصرفي لا تزال دون المستوى المطلوب، ما يعزز الاقتصاد الموازي، ويحد من كفاءة السياسات الاقتصادية، وتطويرها إلى اقتصاد «حقيقي».

ومن وجهة نظر الخبراء والمصرفيين، يبدو سيناريو مضي البلاد في اتجاه نظامين مصرفيين من الناحية الفنية والمؤسسية غير مرجح في المدى المنظور. فقيام نظام مصرفي مستقل لا يقتصر على إصدار أوراق نقدية، وإنما يتطلب وجود بنك مركزي يمارس وظائفه الأساسية كاملة، بما في ذلك إدارة السياسة النقدية، وتشغيل أنظمة المدفوعات والتسويات، والإشراف والرقابة المصرفية، وإدارة الاحتياطيات، وإقامة علاقات مصرفية مع البنوك المراسلة في الخارج. وهي متطلبات يصعب توافرها في ظل الظروف الراهنة.

وحذرت جهات مالية من أن يؤدي استمرار الصراع إلى نشوء منظومة مالية «موازية» تؤدي الوظائف المصرفية بصورة غير رسمية، لا سيما التحويلات المالية، ونقل الأموال، وتمويل التجارة المحلية.

بنكان مركزيان

شهدت بعض الدول التي عانت من نزاعات ممتدة، مثل الصومال، تطوراً كبيراً في شبكات تحويل خاصة، اضطلعت عملياً بجزء من وظائف الجهاز المصرفي، وإن ظلت تعمل خارج الإطار الرقابي الرسمي، وفي الحالة السودانية يمكن أن يؤدي اتساع هذه القنوات لتقليص دور القطاع المصرفي الرسمي.

لكن حتى لا يوجد في السودان بنك مركزي موازٍ يمارس وظائفه المؤسسية الكاملة، كما في شرق ليبيا، فهذا يعتمد على أمد الصراع، فقد يقترب السودان تدريجياً من النموذج الليبي، بحيث يستمر الجنيه السوداني عملةً وطنية واحدة من الناحية القانونية، مع تعدد الإصدارات النقدية، وتفاوت مستويات قبولها بين المناطق، وظهور أسواق نقدية جزئية.

وكانت السلطات السودانية قد استبعدت في أوقات سابقة لجوء «الدعم السريع» لطباعة عملة جديدة عبر شركات، أو في دول تخضع للنظام المصرفي العالمي.

ويرى وزير المالية السابق إبراهيم البدوي لـ«الشرق الأوسط»، أن ما حدث أمر طبيعي ومتوقع في ظل استمرار الحرب بضراوة لأكثر من ثلاثة أعوام.

واعتبر البدوي المعضلة الأكبر تتمثل في «الإصرار على الحرب»، مع صعوبة تحقيق أي طرف لـ«انتصار حاسم»، وأضاف: «معظم النزاعات الأهلية تنتهي بتسويات سياسية، وعلى وجه الخصوص حالة الحرب السودانية».

وكان رئيس وزراء حكومة «تأسيس»، محمد حسن التعايشي، قد ذكر في تصريحات صحافية، أن حكومته تمضي في إنفاذ سياسات نقدية ومصرفية بهدف بناء نظام مالي متكامل، دون أن يعلق مباشرة على ما يتم تداوله بشأن طرح أوراق نقدية جديدة في نيالا.

وقال التعايشي إن المواطنين في المناطق التي تديرها حكومته، واجهوا خلال الفترة الماضية صعوبات في الحصول على الخدمات المصرفية، وإجراء التحويلات المالية، نتيجة الظروف التي فرضتها الحرب والانقسام المؤسسي.

وجدد الرجل الذي يقود الحكومة الموالية لـ«الدعم السريع» وتحالف «تأسيس»، اتهاماته للحكومة التي يقودها الجيش، باستهداف المواطنين في مناطق سيطرته، عن طريق «تغيير العملة»، وتجفيف الأسواق من السيولة النقدية، واستخدامها كورقة ضغط، وأداة من أدوات الحرب.

وأوضح أن جميع المسائل المتعلقة بطباعة العملة، تدخل ضمن اختصاص سلطة النقد والجهات الفنية المختصة، مشيراً إلى أن أي ترتيبات تتعلق بإدارة النقد أو توفير السيولة تتم وفق خطط فنية مدروسة، تستهدف الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وتلبية احتياجات المواطنين والأسواق.

وكان التعايشي قد أعلن في مايو (أيار) الماضي إنشاء «مجلس العملة الانتقالي»، وحدد دوره في تنظيم الشؤون النقدية والمصرفية وإدارة تداول العملة، والإشراف على برامج لاستبدال العملة، ومنح تراخيص مزاولة الأعمال المصرفية بالتنسيق مع محافظ «بنك السودان المركزي في نيالا».

وأسست حكومة «تأسيس» في الأشهر الماضية «بنك المستقبل»، وهو أول مصرف تجاري بدأ فعلياً في تقديم عدد من الخدمات المصرفية، من بينها التحويلات المالية الخارجية.

وعقب اندلاع الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في أبريل 2023، خرجت المصارف والبنوك، عن الخدمة تماماً في إقليم دارفور غرب البلاد، ما أدى إلى شح كبير في السيولة بالأسواق واهتراء العملات الورقية المتداولة، بينما واصلت الحكومة السودانية تشديد الرقابة على المعابر بمنع دخول أي عملات جديدة إلى تلك المناطق.


مقالات ذات صلة

السودان يطالب الجامعة العربية بالتحقيق في «هجمات الجوار»

شمال افريقيا الأمين العام للجامعة العربية مستقبلاً وزير خارجية السودان الثلاثاء (الجامعة)

السودان يطالب الجامعة العربية بالتحقيق في «هجمات الجوار»

طالب السودان جامعة الدول العربية، الثلاثاء، بالمشارَكة في الإشراف على تحقيق دولي في هجمات تنطلق من دول بالجوار.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
شمال افريقيا مبنى متضرر جراء المعارك بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في الخرطوم (أ.ف.ب)

تجدد المعارك البرية في النيل الأزرق وكردفان

تجددت المعارك البرية بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في النيل الأزرق وكردفان، وأعلن تحالف «تأسيس» سيطرته على قاعدة «سالي» الاستراتيجية.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا مراسم توقيع مذكرة تفاهم لتنفيذ مشروعات تنموية مصرية في مجال الموارد المائية بالسودان يوم الاثنين (الخارجية المصرية)

مصر لتأهيل المنشآت المائية المتضررة من الحرب في السودان

وقَّعت مصر والسودان مذكرة تفاهم لتنفيذ مشروعات تنموية مصرية في مجال الموارد المائية بالسودان، وذلك على هامش الجولة الثالثة لمشاورات آلية (2+2).

عصام فضل (القاهرة)
شمال افريقيا غوتيريش خلال لقائه وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم في نيويورك 24 سبتمبر (الأمم المتحدة)

السودان يتقدم بشكوى ضد إثيوبيا أمام مجلس الأمن على خلفية هجمات المسيَّرات

قالت الخرطوم إنها تقدمت بشكوى ضد إثيوبيا أمام مجلس الأمن الدولي ومجلس السلم والأمن الأفريقي، على خلفية ما وصفته بـ«الاعتداء» على مرافق مدنية بطائرات مسيَّرة.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
خاص المسيّرات تضرب 15 محطة كهرباء في السودان خلال أيام

خاص المسيّرات تضرب 15 محطة كهرباء في السودان خلال أيام

في تصعيد لافت لحرب المسيّرات، واصلت «قوات الدعم السريع» هجماتها على منشآت الكهرباء في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني، مستهدفة 15 محطة حتى الان الأحد.

محمد أمين ياسين (نيروبي) وجدان طلحة (الخرطوم)

«البتكوين» تهبط لأدنى مستوى في 7 أسابيع مع تقدم الديمقراطيين في انتخابات الكونغرس

صورة توضيحية لـ«البتكوين» (د.ب.أ)
صورة توضيحية لـ«البتكوين» (د.ب.أ)
TT

«البتكوين» تهبط لأدنى مستوى في 7 أسابيع مع تقدم الديمقراطيين في انتخابات الكونغرس

صورة توضيحية لـ«البتكوين» (د.ب.أ)
صورة توضيحية لـ«البتكوين» (د.ب.أ)

تراجعت عملة «البتكوين» المشفرة إلى أدنى مستوياتها في سبعة أسابيع، مع تزايد احتمالات سيطرة الديمقراطيين على مجلسي الكونغرس الأميركي، وفق النتائج الأولية لانتخابات التجديد النصفي، ما أضاف مزيداً من الضبابية السياسية إلى سوق تعاني بالفعل ضعف شهية المستثمرين.

وانخفضت أكبر العملات المشفرة من حيث القيمة السوقية بما يصل إلى 2.8 في المائة إلى 75 ألفاً و630.57 دولار خلال التداولات الآسيوية يوم الأربعاء، وهو أدنى مستوى لها منذ 17 سبتمبر (أيلول). وقلصت العملة بعض خسائرها لتتداول عند نحو 76 ألفاً و600 دولار بحلول الساعة 12:20 ظهراً في سنغافورة، وفق «بلومبرغ».

وجاء هذا التراجع بالتزامن مع انخفاض العقود الآجلة للأسهم الأميركية والدولار، في حين ارتفعت سندات الخزانة، وسط توقعات بأن تؤدي سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس إلى حالة من الجمود السياسي في واشنطن.

وقال دانيال ريس-فاريا، الرئيس التنفيذي لشركة «زيرو ستاك»، إن الأسواق تتفاعل مع التغيير، وإن التحول إلى سيطرة الديمقراطيين قد يضيف مزيداً من التشكيك في القطاع، بالنظر إلى موقف الحزب التاريخي الذي يميل إلى فرض قيود رقابية على العملات المشفرة، لكنه توقع أن تكون حالة عدم اليقين مؤقتة.

وبدأت العملات المشفرة الرئيسية التراجع مع ظهور النتائج الأولية للانتخابات. وكان متوقعاً أن ينتزع الديمقراطيون السيطرة على مجلس النواب، وهو ما تشير إليه التوقعات الأولية، كما باتوا مرشحين للفوز بأغلبية مجلس الشيوخ.

وضخت شركات الأصول الرقمية مبالغ كبيرة للتأثير في المشهد السياسي منذ ترشح الرئيس الأميركي دونالد ترمب لولاية رئاسية ثانية في عام 2024. ووفقاً لمنظمة «بابليك سيتيزن» المعنية بحقوق المستهلك، قدمت شركات العملات المشفرة 189 مليون دولار إلى لجان العمل السياسي خلال دورة انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 حتى نهاية الربع الأول، بما يزيد على ثلث إجمالي الإنفاق الانتخابي.

ويتمثل القلق المباشر للمستثمرين في احتمال أن تؤدي سيطرة الديمقراطيين إلى تعطيل التشريعات التي يدعمها القطاع، وفرض رقابة أكثر تشدداً على شركات الأصول الرقمية. أما التداعيات الاقتصادية الأوسع فلا تزال أقل وضوحاً؛ إذ قد يحد الجمود السياسي من أي تحفيز مالي إضافي، ويضغط على الأصول عالية المخاطر، في حين يمكن أن يوفر انخفاض عوائد سندات الخزانة دعماً لاحقاً للسوق من خلال تخفيف الأوضاع المالية.

ضغوط متراكمة

ولا تعكس تحركات «البتكوين» في الوقت الراهن بالضرورة اتجاهات معنويات الأسواق عموماً، إذ تواجه سوق العملات المشفرة تداعيات اختراق منصة «بينانس»، أكبر منصات تداول العملات المشفرة، والذي تسبب في خسائر بلغت 6.3 مليار دولار الأسبوع الماضي، إلى جانب تراجع حماس المستثمرين الأفراد مع تصاعد الاهتمام بالذكاء الاصطناعي.

وتجعل هذه الضغوط من الصعب فصل تأثير التطورات الاقتصادية والسياسية الأوسع عن المشكلات الخاصة بقطاع الأصول الرقمية، التي تلقي بثقلها على السوق.

وقال داميان لو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «إريكسنز كابيتال»، إن معنويات سوق العملات المشفرة تعكس حالياً مستوى متوسطاً من الخوف على المدى القريب، يقابله قدر كبير من عدم اليقين على المدى الطويل. وعزا الضغوط الحالية إلى ارتباط العملات المشفرة بالأصول عالية المخاطر عموماً، بالتزامن مع موجة بيع أسهم التكنولوجيا واحتمال استئناف الحرب في الشرق الأوسط.

ومن شأن سيطرة الديمقراطيين على مجلس الشيوخ، إلى جانب مجلس النواب، أن تضع الكونغرس في مواجهة مع البيت الأبيض الذي يسيطر عليه الجمهوريون بزعامة ترمب. وقد أصبحت المكاسب المالية التي حققتها عائلة ترمب من مشاريعها في قطاع العملات المشفرة موضع جدل خلال العام الحالي، وأسهمت في تعطيل مشروع قانون تنظيمي عُدّ مهماً لمستقبل القطاع.

وقالت راشيل لوكاس، المحللة في شركة «بي تي سي ماركتس»، إن مشروع قانون «كلاريتي» لتنظيم الأصول الرقمية، المتعثر بالفعل في مجلس الشيوخ، قد يحتاج إلى إعادة التفاوض إذا تغيرت السيطرة على اللجان، بدلاً من إحيائه سريعاً، مشيرة إلى أن الأسواق أخذت هذا الاحتمال في الحسبان إلى حد كبير.

وتراجعت «البتكوين» بنحو 6 في المائة مقارنة بأعلى مستوى سجلته يوم الخميس الماضي، قبل اختراق «بينانس». كما سُجلت تدفقات خارجة تجاوزت مليار دولار من صناديق بتكوين المتداولة في البورصة والمدرجة في الولايات المتحدة يومي الجمعة والاثنين.

وفي سوق الخيارات، استمر الطلب على أدوات التحوط من الهبوط عبر آجال استحقاق مختلفة، رغم أن المراكز المفتوحة لا تزال تميل إلى خيارات الشراء في عدد من أكبر العقود.

وقال شون مكنولتي، متداول المشتقات في شركة «إيه كيو سي تك»، إن العملاء تحولوا من شراء خيارات المراهنة على ارتفاع بتكوين إلى شراء خيارات الحماية من انخفاضها، مع تزايد احتمالات فوز الديمقراطيين بأغلبية الكونغرس. وأضاف أن اهتمام المستثمرين عاد إلى أسعار الفائدة والعملات، وهو ما يضغط أيضاً على «البتكوين».


الدولار يتراجع بقوة مع مكاسب الديمقراطيين في انتخابات الكونغرس الأميركي

أوراق نقدية من فئة الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من فئة الدولار الأميركي (رويترز)
TT

الدولار يتراجع بقوة مع مكاسب الديمقراطيين في انتخابات الكونغرس الأميركي

أوراق نقدية من فئة الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من فئة الدولار الأميركي (رويترز)

تراجع الدولار الأميركي بشكل حاد أمام العملات الرئيسية، الأربعاء، مع ظهور النتائج الأولية لانتخابات التجديد النصفي الأميركية، التي أظهرت تقدماً قوياً للديمقراطيين في مساعيهم لانتزاع السيطرة على الكونغرس من الجمهوريين بقيادة الرئيس دونالد ترمب.

وجاء رد فعل المستثمرين سريعاً، إذ اتجهوا إلى بيع الأسهم والدولار، والبحث عن ملاذات آمنة في سندات الخزانة الأميركية، وسط مخاوف من التداعيات السياسية والاقتصادية المحتملة لتحول موازين السيطرة في الكونغرس.

وارتفع اليورو بنسبة 0.5 في المائة إلى 1.1249 دولار، كما صعد الين الياباني 0.7 في المائة إلى 157.63 ين للدولار. وفي المقابل، تراجع مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية أمام سلة من ست عملات رئيسية، بنسبة 0.3 في المائة إلى 101.4 نقطة.

وعكست بعض النتائج الانتخابية حجم التحول في المزاج السياسي، إذ فازت الديمقراطية آني أندروز بمقعد ولاية ساوث كارولاينا في مجلس الشيوخ، في مفاجأة انتخابية أمام الجمهورية دارلين غراهام، رغم أن ترمب كان قد فاز بالولاية بفارق يقارب 18 نقطة مئوية قبل عامين.

ومع فوز أندروز، إلى جانب فوز الديمقراطي روي كوبر في سباق مجلس الشيوخ بولاية نورث كارولاينا، أصبح الحزب يمتلك مقعدين من أصل أربعة مقاعد صافية يحتاج إليها لانتزاع الأغلبية في المجلس، فيما لا تزال السيطرة النهائية على الكونغرس غير محسومة.

وأظهرت أسواق التوقعات ارتفاع الرهانات على احتمال سيطرة الديمقراطيين على مجلسي الكونغرس.

وقالت كارول كونغ، استراتيجية العملات لدى «كومنولث بنك أوف أستراليا»، إن الدولار قد يتعرض لمزيد من الضغوط، لأن سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس قد تحد من الإنفاق الحكومي خلال الفترة المتبقية من ولاية ترمب.

وأضافت أن المستثمرين يراقبون أيضاً مخاطر التصعيد في الشرق الأوسط تبعاً لنتائج الانتخابات، مشيرة إلى أن فقدان الجمهوريين السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ قد يثير تساؤلات بشأن الخطوات التي قد يتخذها ترمب.

ولفتت إلى أن ترمب سبق أن أشار إلى احتمال استئناف حملة القصف على إيران بعد الانتخابات، محذرة من أن أي تصعيد عسكري قد يدفع أسعار النفط إلى الارتفاع الحاد، وهو ما من شأنه أن يدعم الدولار.

وكانت أسعار النفط قد تراجعت بشكل طفيف إلى 103.34 دولار للبرميل، الأربعاء، بعدما انخفضت بنحو 1 في المائة في الجلسة السابقة، مسجلة أدنى مستوياتها في نحو أربعة أسابيع.

مخاوف الذكاء الاصطناعي

وفي قراءة أخرى لتحركات الدولار، يرى محللون أن تداعيات الانتخابات على قطاع الذكاء الاصطناعي تمثل عاملاً مهماً في تفسير الضغوط على العملة الأميركية، مع تزايد المخاوف من تشديد الرقابة التنظيمية على شركات التكنولوجيا ومشروعات مراكز البيانات.

وقال موه سيونغ سيم، استراتيجية العملات لدى بنك «أو سي بي سي»، إن تحركات الأسواق تتسق مع المخاوف من زيادة التدقيق التنظيمي على قطاع الذكاء الاصطناعي في حال سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس، وهو ما انعكس في الأداء الأضعف لمؤشر «ناسداك» والمخاوف من تأثير القيود المحتملة على نمو الاقتصاد الأميركي.

لكنه أشار إلى أن تمرير تشريعات على المستوى الاتحادي سيظل صعباً حتى في حال سيطرة الديمقراطيين على المجلسين، في ظل العوائق التشريعية وامتلاك ترمب حق النقض (الفيتو).

وفي أسواق العملات الأخرى، ارتفع الجنيه الإسترليني بنسبة 0.4 في المائة إلى 1.3460 دولار، مع ترقب المستثمرين قرار بنك إنجلترا بشأن السياسة النقدية الخميس، وسط توقعات برفع أسعار الفائدة للمرة الأولى منذ أغسطس (آب) 2023.

كما تراجع الدولار أمام الفرنك السويسري بنسبة 0.9 في المائة إلى 0.8133 فرنك.

وفي الصين، انخفض اليوان المتداول خارج البر الرئيسي بنسبة 0.1 في المائة إلى 6.6782 يوان للدولار، مواصلاً خسائره بعد تسجيله الثلاثاء أكبر تراجع يومي منذ 15 مايو (أيار)، وذلك عقب قرار بنك الشعب الصيني رفع نسبة الاحتياطيات المطلوبة من المؤسسات المالية بالعملات الأجنبية، في خطوة تستهدف إبطاء ارتفاع اليوان.


انتخابات أميركا تهوي بأسهم التكنولوجيا الآسيوية

شاشة بيانات مالية في غرفة التعامل ببنك هانا في سيول (إ.ب.أ)
شاشة بيانات مالية في غرفة التعامل ببنك هانا في سيول (إ.ب.أ)
TT

انتخابات أميركا تهوي بأسهم التكنولوجيا الآسيوية

شاشة بيانات مالية في غرفة التعامل ببنك هانا في سيول (إ.ب.أ)
شاشة بيانات مالية في غرفة التعامل ببنك هانا في سيول (إ.ب.أ)

تراجعت أسهم التكنولوجيا في الأسواق الآسيوية الناشئة بشكل حاد، الأربعاء، مع تنامي المخاوف من أن يؤدي التقدم المبكر للديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي الأميركية إلى تشديد الرقابة على مشروعات مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، بما قد يحد من الاستثمارات والتوسع في هذا القطاع.

وتصدرت كوريا الجنوبية وتايوان موجة الخسائر، إذ هبط مؤشر «كوسبي» الكوري الجنوبي بنحو 4 في المائة، فيما تراجع المؤشر الرئيسي للأسهم التايوانية 3.3 في المائة، مسجلاً أدنى مستوى له منذ أواخر يوليو (تموز).

وامتدت الضغوط إلى الأسواق الناشئة عموماً، حيث انخفض مؤشر «إم إس سي آي» للأسواق الناشئة بنسبة 1.8 في المائة، مقترباً من مستويات لم يسجلها منذ أوائل أبريل (نيسان).

وتأتي هذه التحركات في وقت تترقب فيه الأسواق تداعيات نتائج الانتخابات الأميركية على عدد من الملفات الاقتصادية والاستثمارية، من بينها وتيرة التوسع في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، والسياسة المالية والإنفاق الدفاعي، فضلاً عن الرقابة التنظيمية على قطاعات الرعاية الصحية والمصارف والعملات المشفرة.

وقال إنكي تشو، كبير استراتيجيي الأسواق المالية لدى منصة التداول «إكسنس»، إن تصاعد المعارضة الشعبية لمشروعات مراكز البيانات، إلى جانب مساعي بعض المرشحين الديمقراطيين للحد من توسعها بسبب مخاوف ارتفاع تكاليف الكهرباء والتأثيرات البيئية، يعزز المخاوف بشأن مستقبل الاستثمارات في هذا القطاع.

وفي هذا السياق، تراجعت أسهم شركات صناعة الرقائق الكورية، إذ هبط سهم «إس كي هاينكس» بنسبة 6.1 في المائة، و«سامسونغ للإلكترونيات» 4.1 في المائة، فيما انخفض سهم «تي إس إم سي» التايوانية 2.2 في المائة.

تباين أداء العملات والقطاع المصرفي

وفي أسواق العملات، ارتفعت معظم العملات الآسيوية الناشئة أمام الدولار، مستفيدة من تراجع العملة الأميركية، وتصدر الوون الكوري الجنوبي المكاسب بارتفاعه 0.5 في المائة، فيما صعد كل من الرينغيت الماليزي والبيزو الفلبيني بنحو 0.1 في المائة.

وفي سنغافورة، ارتفع الدولار السنغافوري بنسبة 0.2 في المائة، بينما تراجعت الأسهم 1.4 في المائة، لتمدد خسائرها إلى الجلسة الخامسة على التوالي.

وجاء الضغط على الأسهم السنغافورية بعد إعلان بنك «يونايتد أوفرسيز» نتائج فصلية دون توقعات المحللين، ما دفع سهمه إلى الهبوط 6.5 في المائة. كما تراجع سهما «دي بي إس غروب» و«أوفرسيز-تشاينيز بانكينغ كورب» بنسبة 1.8 و2.5 في المائة على التوالي، وسط ترقب المستثمرين نتائج «دي بي إس» المقرر صدورها الخميس، و«أو سي بي سي» الجمعة.

وقال جيمس أوي، كبير استراتيجيي الأسواق لدى «تايغر بروكرز»، إن أسهم المصارف السنغافورية أصبحت أكثر عرضة لعمليات جني الأرباح، في ظل ارتفاع توقعات المستثمرين بشأن أدائها، مشيراً إلى تساؤلات حول قدرتها على الحفاظ على مستويات الربحية والعائد على حقوق الملكية مع تقلص هوامش الفائدة وتباطؤ إيرادات الرسوم.

وفي إندونيسيا، استقرت الروبية، بينما قلصت الأسهم بعض خسائرها المبكرة، لكنها ظلت منخفضة 0.6 في المائة، مع تقييم المستثمرين العقوبات التي أعلنتها الهيئة التنظيمية المالية على مخالفات في سوق الأسهم، والتي شملت إغلاق أكثر من 12 حساباً للأوراق المالية مرتبطة بممارسات مخالفة.

ولا تزال ثقة المستثمرين في السوق الإندونيسية هشة، بعدما حذرت «إم إس سي آي» من احتمال استبعاد البلاد من مجموعة من مؤشراتها الرئيسية التي تحظى بمتابعة واسعة، ما دفع السلطات إلى إعلان إجراءات لدعم السوق عقب تسجيل أكبر تراجع لها على مدى يومين في تاريخها.

وقال آري جاهجا، رئيس أبحاث إندونيسيا لدى «ماكواري كابيتال»، إن تركيز المستثمرين بدأ يتحول، رغم التقييمات المنخفضة للأسهم، نحو مدى تنفيذ السياسات والإصلاحات السوقية وتعزيز تطبيق القواعد التنظيمية.

وفي تايلاند، تراجع مؤشر الأسهم بأكثر من 1.1 في المائة، مسجلاً أدنى مستوى له منذ أواخر أبريل، بينما ارتفع البات بشكل طفيف أمام الدولار. وقال وزير المالية التايلاندي إن بلاده لا تعتزم رفع سقف الدين العام.

تحركات الأسواق الآسيوية

وفي أبرز التحركات الأخرى، انخفض اليوان الصيني إلى أدنى مستوى له في أسبوعين، مع تقييم المستثمرين قرار بنك الشعب الصيني زيادة احتياطيات النقد الأجنبي.

وبحسب بيانات التداول عند الساعة 03:54 بتوقيت غرينتش، تراجع مؤشر «نيكي» الياباني 4.41 في المائة، ومؤشر شنغهاي 0.1 في المائة، فيما انخفض مؤشر الأسهم الهندية «نيفتي 50» بنسبة 0.29 في المائة. كما تراجع مؤشر الأسهم الماليزية 0.2 في المائة، والفيليبينية 0.93 في المائة.