تطورات متسارعة في عام 2026: هل يعود المشي بمجرد التفكير؟

الذكاء الاصطناعي يعزّز عمل واجهات الدماغ والكمبيوتر لإعادة الحركة لمرضى الشلل

تطورات متسارعة في عام 2026: هل يعود المشي بمجرد التفكير؟
TT

تطورات متسارعة في عام 2026: هل يعود المشي بمجرد التفكير؟

تطورات متسارعة في عام 2026: هل يعود المشي بمجرد التفكير؟

لسنوات طويلة بدت استعادة الحركة لدى المصابين بالشلل الكامل هدفاً بعيد المنال، أقرب إلى الخيال العلمي منه إلى الممارسة الطبية. لكن التطورات المتسارعة في مجال واجهات الدماغ والكمبيوتر «Brain-Computer Interfaces»، بدأت تغيّر هذه الصورة تدريجياً، مع ظهور أنظمة قادرة على تحويل الإشارات العصبية الصادرة من الدماغ أوامر رقمية تتحكم بأجهزة خارجية دون الحاجة إلى حركة عضلية.

وتعتمد هذه التقنية على تحويل النشاط العصبي أوامر رقمية تسمح للمريض بالتواصل أو التحكم بالأجهزة بمجرد التفكير.

وخلال عام 2026 شهد هذا المجال تقدماً لافتاً دفع بعض الباحثين إلى عدّه من أكثر فروع الطب العصبي والذكاء الاصطناعي تطوراً، خصوصاً مع تزايد المؤشرات على إمكانية مساعدة المصابين بالشلل الشديد وإصابات الحبل الشوكي على استعادة جانب من الحركة أو القدرة على التواصل مع العالم المحيط بهم.

عندما يستجيب الروبوت لأفكار المريض

ماذا يحدث داخل الدماغ؟

تعتمد واجهات الدماغ والكمبيوتر على تسجيل الإشارات العصبية التي يولّدها الدماغ عند التفكير بالحركة أو التخطيط لها.

ورغم أن فكرة التواصل المباشر بين الدماغ والآلة طُرحت منذ عقود، فإن التحدي الأكبر ظل يتمثل في فهم «اللغة العصبية» المعقدة التي يستخدمها الدماغ لإرسال أوامره. إلا أن التطورات الأخيرة في نماذج الذكاء الاصطناعي وقدراتها على اكتشاف الأنماط الخفية داخل كميات هائلة من البيانات العصبية أسهمت في تحسين دقة تفسير هذه الإشارات بصورة لم تكن ممكنة في السابق.

مراجعة علمية ترصد التحول

في مراجعة علمية نُشرت في أبريل (نيسان) 2026 في مجلة «Medical Science Monitor»، استعرض الباحث الصيني جيانغتاو وو (Jiangtao Wu) وزملاؤه أحدث التطورات في مجال واجهات الدماغ والكمبيوتر، مشيرين إلى أن هذه التقنية بدأت تتجاوز حدود المختبرات البحثية لتقترب تدريجياً من التطبيقات السريرية العملية.

وأوضح الباحثون أن دمج الذكاء الاصطناعي مع علوم الأعصاب أسهم في تحقيق تقدم ملحوظ في تفسير الإشارات الدماغية؛ ما رفع دقة الأنظمة وقدرتها على التمييز بين الأنماط العصبية المرتبطة بالحركة والتواصل. ونتيجة لذلك؛ أصبح بالإمكان تنفيذ أوامر أكثر تعقيداً مقارنة بما كان متاحاً قبل سنوات قليلة.

وخلصت المراجعة إلى أن هذه التطورات قد تمهد لمرحلة جديدة في إعادة التأهيل العصبي، مع إمكانية مساعدة المرضى المصابين بالشلل وإصابات الحبل الشوكي على استعادة بعض الوظائف الحركية أو تحسين قدرتهم على التواصل والتفاعل مع البيئة المحيطة بهم.

كيف تترجم الذراع الآلية إشارات الدماغ؟

عام مفصلي لشركة «نيورالينك»

وفي أبريل 2026 تناول تحليل نُشر على منصة «Applying AI» أحدث تطورات شركة «نيورالينك» (Neuralink) التي أسسها إيلون ماسك (Elon Musk)، مشيراً إلى اتساع التجارب البشرية وتطوير شرائح دماغية أكثر تقدماً قادرة على تسجيل وتحليل الإشارات العصبية في الزمن الحقيقي.

* التكامل بين علوم الأعصاب والذكاء الاصطناعي يمثل المحرك الرئيسي للتطور السريع*

وأوضح التحليل أن التقدم الحالي لا يعتمد على تطور الشرائح المزروعة فحسب، بل أيضاً على القفزات الكبيرة التي حققتها نماذج الذكاء الاصطناعي في تفسير النشاط العصبي وفك شفرة الإشارات الصادرة من الدماغ. ويرى عدد من الخبراء أن هذا التكامل بين علوم الأعصاب والذكاء الاصطناعي يمثل المحرك الرئيسي للتطور السريع الذي يشهده القطاع حالياً.

عندما يستعيد المريض صوته وحركته

تكمن الأهمية الحقيقية لهذه التطورات في تأثيرها المباشر على حياة المرضى. فقد تمكن عدد من المصابين بالشلل الرباعي في التجارب السريرية الحديثة من كتابة النصوص والتواصل مع الآخرين والتحكم ببعض الأجهزة اعتماداً على النشاط الدماغي فقط.

كما نجح بعض المرضى في التحكم بأذرع روبوتية أو أجهزة مساعدة دون استخدام العضلات التقليدية، في إنجاز كان يُعدّ قبل سنوات قليلة أقرب إلى الخيال العلمي.

وبالنسبة لهؤلاء المرضى، لا تمثل هذه التكنولوجيا مجرد تقدم تقني، بل فرصة لاستعادة جزء من الاستقلالية والقدرة على التواصل مع العالم المحيط بهم بعد سنوات من العجز.

الذكاء الاصطناعي يدخل دائرة الأعصاب

. أحد أكثر التطورات إثارة يتمثل في استخدام الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالنوايا الحركية وتحسين سرعة ودقة التواصل بين الدماغ والأجهزة المساعدة. ويأمل الباحثون أن يسهِم هذا التقدم في تطوير جيل جديد من واجهات الدماغ والكمبيوتر يتميز بسرعة أكبر واستجابة أكثر دقة؛ ما يسمح للمرضى بالتواصل بصورة أكثر طبيعية والتحكم بالأجهزة المساعدة بكفاءة أعلى.

وعلى المدى البعيد، يفتح هذا التوجه الباب أمام تطبيقات أكثر طموحاً، مثل ربط الدماغ مباشرة بأطراف صناعية ذكية أو هياكل روبوتية خارجية تساعد المصابين بالشلل على استعادة بعض الوظائف الحركية. ورغم أن هذه التطبيقات لا تزال في مراحل التطوير، فإن النتائج الأولية تعزز الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي قد يصبح خلال السنوات المقبلة عنصراً أساسياً في إعادة التأهيل العصبي واستعادة الوظائف المفقودة.

الصين تدخل سباق الدماغ والآلة

الصين تدخل المعادلة

ولم يعد السباق في مجال واجهات الدماغ والكمبيوتر مقتصراً على الولايات المتحدة وشركات التكنولوجيا الغربية. ففي مارس (آذار) 2026 أعلنت السلطات الصينية موافقتها على أول جهاز طبي تجاري يعتمد على واجهات الدماغ والكمبيوتر لمساعدة المصابين بالشلل، في خطوة عدَّها كثير من المراقبين علامة فارقة في مسار هذه التكنولوجيا.

ويشير هذا التطور إلى أن واجهات الدماغ والكمبيوتر بدأت تتجاوز مرحلة التجارب البحثية المحدودة لتقترب من التطبيقات السريرية الفعلية، حيث يصبح الهدف ليس إثبات إمكانية التقنية فحسب، بل توفير حلول يمكن استخدامها في رعاية المرضى وتحسين جودة حياتهم.

كما يعكس هذا الإنجاز احتدام المنافسة العالمية في مجال الربط المباشر بين الدماغ والآلة، مع دخول قوى علمية وصناعية كبرى إلى هذا الميدان. ويرى بعض الخبراء أن السنوات المقبلة قد تشهد تسارعاً في الابتكار والاستثمار، على غرار ما حدث سابقاً في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة؛ ما قد يسهِم في تسريع وصول هذه التقنيات إلى الممارسة الطبية اليومية.

تحديات لم تُحسم بعد

ورغم التقدم السريع، لا تزال هناك عقبات تحد من انتشار هذه التقنيات على نطاق واسع. فبعض الأنظمة يتطلب تدخلاً جراحياً لزرع الشرائح داخل الدماغ، كما أن سلامتها وفاعليتها على المدى البعيد ما زالت في حاجة إلى المزيد من الدراسات السريرية.

وتبقى التكاليف المرتفعة والتعقيد التقني من أبرز التحديات، في وقت يواصل فيه الباحثون العمل على تحسين دقة تفسير الإشارات العصبية وتقليل الأخطاء قبل اعتماد هذه الأنظمة بصورة روتينية في الممارسة الطبية.

هل تصبح الأفكار بيانات شخصية؟

*مفهوم الخصوصية العصبية قد يصبح أحد أهم ملفات أخلاقيات الذكاء الاصطناعي*

هل تصبح الأفكار بيانات شخصية؟

إلى جانب التحديات الطبية والتقنية، بدأت تبرز أسئلة أخلاقية جديدة مع تزايد قدرة الأنظمة على تفسير النشاط العصبي البشري. فإذا أصبحت الأجهزة قادرة على قراءة الإشارات الدماغية بدقة متزايدة، فهل يمكن عدّ هذه الإشارات شكلاً جديداً من البيانات الشخصية التي تستحق الحماية القانونية؟

ويرى عدد متزايد من المختصين أن مفهوم «الخصوصية العصبية» (Neuroprivacy) قد يصبح خلال السنوات المقبلة أحد أهم ملفات أخلاقيات الذكاء الاصطناعي. فالمسألة لا تتعلق بحماية السجلات الطبية أو البيانات الجينية فحسب، بل تمتد إلى حماية المعلومات المستمدة مباشرة من نشاط الدماغ نفسه.

ومع استمرار تطور واجهات الدماغ والكمبيوتر، قد تجد الأنظمة الصحية والجهات التنظيمية نفسها أمام أسئلة غير مسبوقة حول ملكية البيانات العصبية وحدود استخدامها وآليات حمايتها، في عالم أصبحت فيه المعلومات واحدة من أكثر الموارد قيمة وتأثيراً.

أهمية خاصة للعالم العربي

وقد تكتسب هذه التقنيات أهمية خاصة في العالم العربي، حيث تمثل إصابات الحبل الشوكي والأمراض العصبية تحدياً صحياً متزايداً. وتشير تقديرات دولية إلى أن معدل إصابات الحبل الشوكي عالمياً يتراوح بين 40 و80 حالة لكل مليون نسمة سنوياً؛ ما يجعل أي تقدم في إعادة التأهيل العصبي ذا أهمية كبيرة لآلاف المرضى في المنطقة.

عصر جديد لإعادة التأهيل العصبي

بعد عقود من الأبحاث والتجارب، تبدو واجهات الدماغ والكمبيوتر أقرب من أي وقت مضى إلى التحول من مشروع بحثي طموح إلى أداة علاجية حقيقية. فالتقدم المتسارع في الذكاء الاصطناعي وعلوم الأعصاب بدأ يختصر المسافة بين ما كان يُعدّ حلماً علمياً وما قد يصبح جزءاً من الممارسة الطبية المستقبلية.

وربما لا يتمثل الإنجاز الأهم في تمكين الإنسان من التحكم بالكمبيوتر بأفكاره فحسب، بل في إعادة جزء من الحركة والتواصل والاستقلالية إلى أشخاص ظنوا يوماً أن تلك القدرات قد فُقدت إلى الأبد. ومع استمرار هذا التقدم، قد يصبح السؤال المطروح مستقبلاً ليس ما إذا كانت هذه التقنيات ستغير حياة المرضى، بل إلى أي مدى ستعيد رسم الحدود الفاصلة بين الدماغ البشري والآلة.



حقائب ظهر صغيرة للفئران: ابتكار للمساعدة في العثور على الضحايا في أثناء الزلازل

حقائب ظهر صغيرة للفئران:  ابتكار للمساعدة في العثور على الضحايا في أثناء الزلازل
TT

حقائب ظهر صغيرة للفئران: ابتكار للمساعدة في العثور على الضحايا في أثناء الزلازل

حقائب ظهر صغيرة للفئران:  ابتكار للمساعدة في العثور على الضحايا في أثناء الزلازل

غالباً ما تحظى الفئران بسمعة سيئة لأنها قد تكون ناقلة للأمراض. لذا تستثمر مدن مثل نيويورك مبالغ طائلة لمكافحتها. لكن ربما يرجع ذلك إلى أننا لا ندرك إمكاناتها الحقيقية، إذ وبمجرد تدريبها، يمكن لفئران «الجرذان الأفريقية العملاقة ذات الجيوب African giant pouched rats» بعد تزويدها بحقائب ظهر خاصة، أن تساهم في إنقاذ الأرواح، كما كتب هانتر شوارتز*.

«فئران الإنقاذ»

وللمساعدة في عمليات الإنقاذ في أثناء الكوارث كالزلازل أو انهيار المباني، تقوم منظمة «أبوبو» (APOPO) غير الربحية، بتدريب فئران أطلق عليها اسم «فئران الإنقاذ» (RescueRATs)، للوصول إلى أماكن يعجز البشر أو الروبوتات عن دخولها. وترتدي هذه الفئران حقائب ظهر مصممة خصيصاً، توفر بثاً صوتياً ومرئياً فورياً، بالإضافة إلى نظام تواصل ثنائي الاتجاه يتيح لفرق الإنقاذ التحدث مع الناجين.

وتقول ليلي شالوم، مديرة الاتصالات في منظمة «أبوبو»، لمجلة «فاست كومباني»: «تتميز الفئران الأفريقية العملاقة ذات الجيوب بصغر حجمها وخفة وزنها، ما يمكنها من التحرك فوق الأنقاض غير المستقرة وعبر الفجوات الضيقة دون التسبب في انهيارها». وتضيف: «كما أنها تتسم بالرشاقة والسرعة، وتتمتع بحاستي شم وسمع فائقتين، ما يجعلها مؤهلة تماماً للبحث بسرعة في الأماكن التي يصعب الوصول إليها».

تدريب الفئران

وتقوم المنظمة بتدريب هذه الفئران في مركزها بمدينة موروجورو في تنزانيا، معتمدةً على أسلوب «التعزيز الإيجابي»؛ حيث تُستخدم أداة إصدار صوت (clicker) مقترنة بتقديم مكافآت غذائية. ويتم تدريب الفئران على العمل مع مُدربها، واجتياز مسارات عقبات تحاكي الأنقاض، وارتداء حقيبة الظهر، ثم إطلاق إشارة عند العثور على إنسان. وتؤكد شالوم أن الفئران كائنات ذكية وتتحفز بالطعام، قائلة: «إنها تتعلم بسرعة وتستمتع بالعمل الذي تقوم به».

تتبّع رائحة البشر

ومنذ ابتكار النموذج الأولي لحقيبة الظهر في عام 2019، طورت منظمة «أبوبو» عدة نسخ منها. وفي البداية كانت الحقيبة مزودة بكاميرا بارزة، لكن المصممين أدركوا الحاجة إلى تصميم لا يعلَق بالأجسام المحيطة. كما تضمنت إحدى النسخ المبكرة بطارية في الجزء العلوي، ما أدى إلى رفع مركز ثقل الحقيبة، وهو ما جعل توازن الفئران صعباً في أثناء ارتدائها.

وتستطيع فئران الإنقاذ (RescueRATs) تتبع رائحة البشر، والتمييز بين الأشخاص الحقيقيين والروائح البشرية العالقة على مقتنيات مثل الملابس والأحذية. وبمجرد عثورها على شخص ما، تكون هذه الفئران مدربة على سحب قلادة مثبتة في سترة تحملها على ظهرها، لتنبيه مُدربها إلى وجود شخص ناجٍ. وتقول شالوم: «إنها لا تحل محل المنقذين البشر أو التكنولوجيا؛ بل هي أداة إضافية تساعد فرق الإنقاذ في العثور على الناجين بشكل أسرع، وتحديد المناطق التي ينبغي تركيز الجهود فيها».

حقيبة ظهر مطورة

لا يتجاوز وزن حقائب الظهر التي صممتها منظمة «أبوبو» 10 غرامات، وهو ما يمثل أقل من 10في المائة من وزن جسم «الجرذ الأفريقي العملاق». وتتضمن النسخة الأحدث منها هيكلاً مُصنّعاً بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد، ويحتوي على معالج دقيق، وكاميرا، ومكبر صوت، وميكروفون، ومصباح يدوي، ومروحة تبريد، وبطارية تدوم حتى 35 دقيقة في أثناء البث المباشر.

إن ما تفتقر إليه هذه الفئران هو نظام تحديد المواقع العالمي «جي بي إس» التقليدي، نظراً لأنه لا يعمل وسط الأنقاض. وللتغلب على هذه العقبة، تبحث المنظمة عن بدائل، مثل تقنية «التحديد المتزامن للموقع ورسم الخرائط» (SLAM)، التي تعتمد على رسم خرائط للمنطقة من خلال الصور الفوتوغرافية. وفي العام الماضي، ساعد فريق من طلاب الهندسة في جامعة «بريغام يونغ» في تطوير جهاز وخوارزمية، تستخدمهما المنظمة حالياً كنقطة انطلاق لنظام تتبع جديد.

تجارب ميدانية في تركيا

وقد درّبت المنظمة أول مجموعة من فئران الإنقاذ، التي نُقلت في يونيو (حزيران) الماضي إلى تركيا لإجراء تجارب ميدانية، بينما بدأت مجموعة ثانية تدريباتها في تنزانيا. وتهدف المنظمة في نهاية المطاف إلى نشر هذه الفئران في تركيا، وهي دولة معرضة للزلازل، كما حدث في زلزال عام 2023 المدمر الذي أودى بحياة أكثر من 40 ألف شخص. ومع توفر التكنولوجيا والتدريب المناسبين، يمكن لهذه الفئران أن تساهم في إنقاذ المزيد من الأرواح عند وقوع كارثة في المستقبل.

* مجلة «فاست كومباني».


تبنّي الذكاء الاصطناعي في الدوائر الحكومية الأميركية... عقبات وآفاق

تبنّي الذكاء الاصطناعي في الدوائر الحكومية الأميركية... عقبات وآفاق
TT

تبنّي الذكاء الاصطناعي في الدوائر الحكومية الأميركية... عقبات وآفاق

تبنّي الذكاء الاصطناعي في الدوائر الحكومية الأميركية... عقبات وآفاق

يُبشر الذكاء الاصطناعي التوليدي بزيادة الإنتاجية، لكن العديد من موظفي الدوائر الحكومية الأميركية لا يزالون غير متأكدين من علاقته بوظائفهم، وكيفية استخدامه، أو حتى ما إذا كان مسموحاً به، كما كتبت بيث سيمون نوفيك(*).

تقرير عن الذكاء الاصطناعي في القطاع العام

وقد قدمت مؤسسة «إنوفايت يو إس إيه» InnovateUS غير الربحية تقريراً جديداً حول استخدام الذكاء الاصطناعي في الدوائر الحكومية. وقامت المؤسسة بتدريب أكثر من 250 ألف موظف حكومي في جميع الولايات الخمسين -إضافة إلى واشنطن العاصمة- في مجالات الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الرقمية، والابتكار في ورش عمل مجانية لتبادل الخبرات العملية، بما في ذلك تحسين تقديم الخدمات، والتعريف بأدوات الذكاء الاصطناعي.

ويحلل التقرير الأول لمرصد الذكاء الاصطناعي في القطاع العام The Observatory of Public Sector AI، 106300 استجابة قبل بدء الدورة، و67002 استجابة بعد الدورة، جُمعت بين يونيو (حزيران) 2024 ومايو (أيار) 2026. ويكشف عن فجوة بين عناوين الأخبار المتعلقة بالذكاء الاصطناعي وحقيقة العمل الحكومي اليومي.

ما الذي يمنع موظفي القطاع العام من استخدام الذكاء الاصطناعي؟

* تجربة الذكاء الاصطناعي: من بين المشاركين في الدورة التمهيدية لم يسبق لـ51 في المائة منهم تجربة الذكاء الاصطناعي التوليدي، بينما جربه 14 في المائة على المستوى الشخصي فقط. ولا يزال الكثيرون بحاجة إلى الحصول على توضيحات بشأن أهميته، واستخدامه العملي، وصلاحيات استخدامه في مكان العمل.

* أهميته للعمل. لم يكن غير المستخدمين بالضرورة مقاومين له: فقد اعتبر 28 في المائة منهم أن الذكاء الاصطناعي غير ذي صلة بعملهم، و23 في المائة لم يعرفوا كيفية استخدامه، و19 في المائة لم يكونوا متأكدين من إمكانية استخدامه في مكان العمل.

وقد شارك المديرون أيضاً هذا التردد، فمن بين المديرين غير المستخدمين، افتقر 24 في المائة إلى المعرفة، و22 في المائة لم يكونوا متأكدين من الصلاحيات، ما حدّ من قدرتهم على توجيه الموظفين.

الموظفون يحتاجون إلى تدريب ومشرفين مؤهلين لدعم الاستخدام المسؤول

* التوصيات. لذا يشير التقرير إلى أنه لا تكفي الأدوات والسياسات وحدها، فالموظفون يحتاجون إلى أمثلة عملية، وتدريب، وإلى مشرفين مؤهلين لدعم الاستخدام المسؤول. كما ينبغي أن يربط التدريب المهارات بمشكلات الخدمة: تقليل أوقات انتظار الاستفسارات حول التأمين، وتسهيل مشاركة الجمهور، أو تحسين عمليات شراء الذكاء الاصطناعي، وتنظيمه. كما يحتاج الموظفون إلى الدعم لتغيير ممارسات العمل، وتقييم النتائج.

المبتدئون «حققوا أكبر المكاسب»

أظهرت الإجابات المتطابقة أن المتعلمين الذين لم تكن لديهم أي معرفة مسبقة بالذكاء الاصطناعي حققوا أكبر المكاسب المعرفية. كما أبلغ أولئك الذين بدأوا (التعامل معه) دون ثقة عن تحسنات كبيرة حصلت لهم بشكل خاص. وكانت دراسة مشتركة بين جامعتي ستانفورد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا حول دعم الزبائن أظهرت فوائد أكبر للعاملين الأقل خبرة، ومهارة. وقد قيّمت الدراسة الأولى الأداء، بينما قيّمت مبادرة «إنوفايت يو إس إيه» مستوى التعلّم المُبلغ عنه. وتشير كلتا الدراستين إلى أهمية دعم المبتدئين بدلاً من التركيز حصراً على المتحمسين الأوائل.

وبعد التدريب أبدى المشاركون ذوو الثقة العالية نيتهم استخدام الذكاء الاصطناعي في 3.8 مهمة في المتوسط، مقارنةً بـ1.5 مهمة لدى المشاركين ذوي الثقة المنخفضة. ورغم أن هذه العلاقة لا تُثبت وجود علاقة سببية، لكنها تُشير إلى أن التعلّم يتضمن الشعور بالقدرة على تحديد التطبيقات المناسبة.

إن الثقة لا تضمن الدقة، لذا يجب أن يُنمّي التدريب أيضاً مهارات التقييم: التساؤل عن الإجابات، والتحقق من المصادر، وحماية المعلومات الحساسة، والتعرف على الحالات التي يكون فيها استخدام الذكاء الاصطناعي غير مناسب. ينبغي أن يُقيّم التقييم هذه القدرات أيضاً.

من مهام أفضل إلى خدمات أفضل

يتصوّر المشاركون عادةً توظيف الأدوات الذكية في كتابة التقارير، وتقديم العروض التقديمية، وتلخيص الوثائق. ويستشهد التقرير بدراسة ماكينزي العالمية لعام 2026 التي أفاد فيها 80 في المائة من المشاركين بتحسن إنتاجيتهم الشخصية، بينما لم يُبلغ سوى 37 في المائة عن آثار إيجابية على أرباح مؤسساتهم. ومن هنا فإن إنجاز العمل الفردي بشكل أسرع لا يُحسّن أداء المؤسسة تلقائياً.

ما زلنا بحاجة إلى تعلم الذكاء الاصطناعي

تمثل الاستبانات التطوعية عينة كبيرة، ولكنها غير ممثلة للقوى العاملة. فهي تقيس المعرفة، والثقة، والنوايا المُبلغ عنها ذاتياً فيما يتعلق بالتدريب مباشرةً، ولا تقيس جوانب مثل الاحتفاظ بالمعلومات، أو التطبيق المتسق، أو الدقة، أو تحسين الخدمات نتيجة استخدام الذكاء الاصطناعي. ومع ضمانات الخصوصية، يُمكن للباحثين ربط بيانات التعلّم بالأداء الإداري، ومؤشرات ثقة الجمهور، ودراسة أوقات الانتظار، ودقة الحالات، وأخطاء التطبيقات، وسهولة الوصول، والتواصل مع السكان.

وتشير الدلائل الأولية إلى أن العاملين في القطاع العام -بمن فيهم المبتدئون- يُمكنهم اكتساب المعرفة والثقة في مجال الذكاء الاصطناعي.

على القادة التعامل مع تعلّم القوى العاملة كاستثمار مُستدام

وينبغي على القادة التعامل مع تعلّم القوى العاملة كاستثمار مُستدام: توفير التدريب العملي، وإعداد المديرين، وتمكين التطبيق، وقياس التغييرات التي يلمسها الجمهور.

وفي ظلّ الشكوك حول فوائد الذكاء الاصطناعي، يُمكن للحكومة إظهار استخداماته التي تخدم المصلحة العامة بدلاً من ترك المكاسب في المقام الأول لشركات التكنولوجيا، أو لمن يستطيعون تحمّل تكلفة الوصول إليه.

كما ينبغي أن يُساهم الاستخدام المسؤول والإبداعي للذكاء الاصطناعي في تمكين موظفي الخدمة العامة، فالنجاح يعني خدمات أفضل، ومشاركة أوسع في صنع القرار، وإيجاد حلول لمشكلات السكان، وليس مجرد معدلات تَبَنٍّ، أو توفير الوقت. وهذه النتائج من شأنها تعزيز الثقة في كل من الذكاء الاصطناعي والحكومة.

* مجلة «فاست كومباني»


العبء الرقمي الزائد: كيف نتغلب على إجهاد الشاشات ومتطلبات الحياة الرقمية مع التقدم في العمر؟

العبء الرقمي الزائد: كيف نتغلب على إجهاد الشاشات ومتطلبات الحياة الرقمية مع التقدم في العمر؟
TT

العبء الرقمي الزائد: كيف نتغلب على إجهاد الشاشات ومتطلبات الحياة الرقمية مع التقدم في العمر؟

العبء الرقمي الزائد: كيف نتغلب على إجهاد الشاشات ومتطلبات الحياة الرقمية مع التقدم في العمر؟

قد يسبب التعامل مع التدفق المستمر للتكنولوجيا الرقمية اليوم -بدءاً من التطبيقات والرسائل النصية والبريد الإلكتروني، وصولاً إلى البوابات الطبية الرقمية، وشبكات التواصل الاجتماعي، ومكالمات الفيديو- شعوراً بالضغط النفسي، في أي مرحلة عمرية.

عبء رقمي زائد

ويخالج كثير من كبار السن على وجه الخصوص شعوراً بالعجز عن مواكبة هذا التسارع، ليقعوا تحت وطأة ما يُعرف بـ«العبء الرقمي الزائد». ويقصد به الإنهاك والتشتت التام، جرَّاء التدفق المتواصل للمعلومات والتنبيهات وكلمات المرور والمهام اليومية، المرتبطة باستخدام الأجهزة الذكية.

وما يزيد الأمر صعوبة أن التغيرات الفسيولوجية المرتبطة بالتقدم في العمر تضاعف من ثقل هذا العبء الرقمي وما يرافقه من إجهاد ذهني، حسب الدكتورة سوزان سالامون، رئيسة قسم طب الشيخوخة السريري، في مركز «بيث إسرائيل ديكونيس» الطبي، التابع لجامعة هارفارد، والتي أضافت: «يعود جزء من هذه المشكلة إلى أن كبار السن لم ينشأوا في عصر التكنولوجيا، فضلاً عن إحساسهم الدائم بأنها باتت معقدة ومربكة للغاية».

التغيرات الدماغية والتكنولوجيا الرقمية

قد يكون التعامل مع التكنولوجيا المتطورة باستمرار أمراً مجهداً حتى لأكثر العقول ذكاءً وشغفاً. وتأتي التغيرات الدماغية الطبيعية المرتبطة بالسن لتزيد هذه المهمة صعوبة.

وتشير فحوصات طبية أُجريت على كبار السن ممن يتمتعون بصحة دماغية جيدة، إلى قدرتهم الذهنية على استيعاب كل ما هو جديد بكفاءة الشباب نفسها. وهنا استطردت دكتورة سالامون بقولها: «الأمر يتطلب منهم وقتاً أطول فقط». يضاف إلى ذلك، تراجع القدرة على تصفية المشتِّتات وتركيز الانتباه، ما يمثل تحدياً كبيراً في ظل المشتتات اللانهائية الصادرة عن الشاشات.

صعوبة أداء مهام متعددة في وقت واحد عند الكِبَر

وأضافت: «يشكو الجميع مع تقدم العمر من نسيان الأسماء، أو أماكن وضع المفاتيح والنظارات، ولكن المنعطف الحقيقي يكمن في صعوبة أداء مهام متعددة في وقت واحد كلما كبرنا. والتكنولوجيا بطبعها تتطلب التعامل مع متغيرات ومهام كثيرة في آن واحد».

في الوقت ذاته، لا تعني هذه التغيرات الطبيعية بالضرورة حدوث انحسار في القدرات المعرفية أو الإصابة بمرض ما. ومع ذلك، فإنها تؤثر مباشرة على القدرة على التكيف مع متطلبات التكنولوجيا. وتكتمل الصورة بوجود عوامل جسدية أخرى تعيق هذا التعامل، مثل ضعف البصر، ومشكلات السمع، وتراجع مرونة حركة اليدين.

وشرحت دكتورة سالامون ذلك بقولها: «تحتاج أولاً إلى رؤية جيدة لمجرد متابعة شاشة الكومبيوتر المحمول أو الهاتف. بعد ذلك عليك أن تكون قادراً على الكتابة على شاشة صغيرة. وفيما يتعلق بكثيرين ممن يعانون من ارتعاش اليدين أو التهاب المفاصل، فإن الضغط على الأزرار الصغيرة يتحول إلى مهمة بالغة الصعوبة».

وقت الشاشة: النوم والصحة النفسية

على الجانب الآخر، يقضي بعض الأفراد أوقاتاً طويلة أمام الشاشات، كوسيلة لتعويض الشعور بالوحدة والانعزال. وهنا يبرز التساؤل: ما الحدود الفاصلة لوقت الشاشة فيما يرتبط بكبار السن؟ أكدت الدكتورة سالامون أنه لا يوجد حد زمني محدد ومتفق عليه عالمياً. ومع ذلك، تبدأ مؤشرات الخطر في الظهور عندما يلتهم وقت الشاشات ساعات النوم، أو ممارسة الرياضة، أو التواصل الاجتماعي الفعلي.

وأفادت بأن «المشكلة تكمن في أن الجلوس الطويل أمام الكومبيوتر يحد من النشاط البدني. كما أن التعرض للضوء الأزرق الصادر من الشاشات يؤرق الشخص، ويقض مضجعه ليلاً. يضاف إلى ذلك احتمالية الإصابة بآلام عضلية في الرقبة والكتفين، فضلاً عن إجهاد العينين».

مشكلات الانغماس في تصفح الشاشات الإلكترونية

وتتضمن العلامات الأخرى الدالة على أن وقت الشاشة بدأ يسبب مشكلات حقيقية ما يلي:

- صعوبة في التركيز

- الشعور بعدم نيل قسط كافٍ من الراحة.

- تفاقم القلق أو سرعة الانفعال.

- تكرار الشعور بالصداع.

- هفوات في الذاكرة ناجمة عن تشتت الانتباه.

في هذا الصدد، شرحت الدكتورة سالامون بأن الأمر لا يتطلب الغرق في إدمان التكنولوجيا حتى تظهر هذه المشكلات؛ ففي حين لا توجد أدلة قوية تشير إلى أن المعدلات المعتادة لاستخدام الشاشات قد تضر بدماغ البالغين الأصحاء، فإن الاستخدام المتكرر للأجهزة قد يعزز عادات سيئة -مثل الحاجة إلى تحفيز مستمر- أو يفاقم مشكلة قصر فترة الانتباه.

التكيُّف مع المتطلبات الرقمية

إذا كنت تشعر بأن التكنولوجيا تفوق قدرتك على التحمل، اقترحت دكتورة سالامون التصدي لـ«العبء الرقمي الزائد» من خلال اتخاذ الخطوات الاستباقية التالية:

- دوِّن الخطوات اللازمة لاستخدام البوابات الإلكترونية أو المواقع المختلفة. وشددت دكتورة سالامون في هذا الصدد على ضرورة: «ألا تترك شيئاً للصدفة».

- أعدَّ «قوائم مرجعية» لكلمات المرور.

- قلِّص عدد التطبيقات والمنصات التي تتفاعل معها.

- ألغِ الاشتراك في رسائل البريد الإلكتروني غير الضرورية.

- أوقف تشغيل الإشعارات غير الأساسية.

السبيل لتقليل وقت استخدام الشاشات

واقترحت دكتورة سوزان سالامون رئيسة قسم طب الشيخوخة السريري في مركز «بيث إسرائيل ديكونيس» الطبي، كسر فترات الجلوس الطويلة أمام الشاشات، من خلال النهوض والمشي لمدة 10 دقائق كل ساعة.

أما إذا كان هدفك تقليل إجمالي الوقت الذي تقضيه أمام الشاشات، فيمكنك تحقيق ذلك بالطرق التالية:

- اضبط مؤقِّتاً زمنياً للمدة التي ترغب في قضائها بالأنشطة المستهلكة للوقت، مثل ممارسة الألعاب عبر الإنترنت، أو تصفح وسائل التواصل الاجتماعي.

- تجنب استخدام الجهاز في أنشطة يمكنك الاضطلاع بها بالكفاءة نفسها من دونه، مثل قراءة كتاب، أو تدوين اليوميات، أو إعداد قائمة مشتريات.

- حدد أوقاتاً معينة للتحقق من البريد الإلكتروني أو متابعة الأخبار.

* رسالة هارفارد «مراقبة صحة المرأة»، خدمات «تريبيون ميديا».