السلطات الليبية لاحتواء غضب الشارع من «التوطين»

وسط شكاوى حقوقية بسبب التحريض ضد المهاجرين غير النظاميين

تظاهرة مناهضة للتوطين في طرابلس (حركة نشطاء طرابلس ضد التوطين)
تظاهرة مناهضة للتوطين في طرابلس (حركة نشطاء طرابلس ضد التوطين)
TT

السلطات الليبية لاحتواء غضب الشارع من «التوطين»

تظاهرة مناهضة للتوطين في طرابلس (حركة نشطاء طرابلس ضد التوطين)
تظاهرة مناهضة للتوطين في طرابلس (حركة نشطاء طرابلس ضد التوطين)

تسابقت القيادات السياسية والعسكرية والأمنية في شرق ليبيا وغربها، خلال الساعات الماضية، لإطلاق مواقف «تُظهر حزماً بشأن الهجرة غير النظامية»، وهو ما عدَّه مراقبون محاولة لاحتواء موجة الغضب الشعبي التي أثارتها الاحتجاجات الرافضة لما عُرف محلياً بـ«توطين المهاجرين»، في بلد يعيش انقساماً سياسياً وحكومياً مزمناً.

وجاءت التحركات المتزامنة لقادة عسكريين وأمنيين خلال الـ24 ساعة الأخيرة، بعد تظاهرات شهدتها العاصمة طرابلس، الخميس، أمام مقر «مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين»؛ حيث تصاعدت مطالب المحتجين بـ«رفض أي ترتيبات من شأنها إبقاء المهاجرين داخل البلاد بشكل دائم»، وسط انتشار واسع لوسم «لا للتوطين» على مواقع التواصل الاجتماعي.

محمد المنفي خلال جولة في طرابلس الجمعة (المجلس الرئاسي)

وفي حين حرص رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، مساء الجمعة، على لقاء عدد من المحتجين في وسط طرابلس، وتعهد بأن تتركز التحركات على «توحيد الجهود الوطنية، ووضع سياسات عملية لمعالجة هذه الأزمة»، اتجهت وزارة الداخلية بحكومة «الوحدة» المؤقتة، في توقيت متزامن، إلى تشديد خطابها الأمني بشأن مكافحة الهجرة غير النظامية.

وقال وزير الداخلية بـ«الوحدة»، عماد الطرابلسي، إن «الهجرة غير المشروعة» تمثل تحدياً أمنياً ووطنياً يتجاوز مسؤولية الوزارة وحدها، داعياً إلى تضافر جهود جميع مؤسسات الدولة، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية في مختلف أنحاء البلاد. وهذا الطرح يكتسب دلالة خاصة في ظل الانقسام السياسي والمؤسسي الذي تعيشه ليبيا منذ سنوات، إذ بدا الطرابلسي وكأنه يدعو إلى «مقاربة وطنية موحدة» لملف يشكل مصدر قلق مشتركاً للسلطات المتنافسة شرقاً وغرباً.

وفي شرق البلاد، أعلن نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، صدام حفتر، مساء الجمعة، إشرافه على حملة أمنية موسعة ضد مخالفي قوانين الإقامة، مؤكداً «ضرورة اتخاذ إجراءات قانونية وفورية لترحيلهم، مع مراعاة حقوق الإنسان وكرامة المهاجرين». وجاء ذلك بعد ساعات من تصريحات لقائد الجيش، المشير خليفة حفتر، شدد فيها على «ضرورة إخراج الوافدين الموجودين بصورة غير قانونية من ليبيا».

ليبيون يتظاهرون أمام مقر «مفوضية اللاجئين» في غرب ليبيا الخميس (أ.ف.ب)

وعلى الأرض، تسارعت جهود السلطات لضبط مهاجرين غير نظاميين؛ حيث نفذ «جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة» في شرق طرابلس، السبت، حملة لضبط عدد من الوافدين المخالفين، كما أعلن «جهاز دعم الاستقرار» في صرمان، تنفيذ عمليات رصد وضبط المخالفين، واتخاذ الإجراءات القانونية حيالهم.

وفي شرق البلاد، تواصلت الحملات الأمنية في عدد من المدن؛ حيث نفَّذ «جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية» عملية أمنية، الجمعة، أسفرت عن ضبط مخزن يُستخدم لإيواء وإخفاء مهاجرين، تمهيداً لتهريبهم عبر البحر؛ حيث جرى ضبط 40 مهاجراً.

جاء ذلك بينما تستمر مظاهر الغضب الشعبي، مع تجمع متظاهرين في ميدان الشهداء بقلب العاصمة طرابلس، ضد ما وصفوه بـ«التوطين»، وحذرت بلديات الساحل الغربي (غرب ليبيا) في بيان لها، السبت، من «استغلال ملف الهجرة غير النظامية لفرض أجندات تهدد الأمن القومي، والتركيبة السكانية والاستقرار الاجتماعي في البلاد».

ويرى مراقبون أن سباق التحركات والمواقف بين سلطات الشرق والغرب يعكس حجم الضغط الشعبي الذي فرضته الاحتجاجات الأخيرة، كما يكشف أن ملف الهجرة بات من القضايا النادرة التي تجمع الأطراف الليبية المتنازعة على خطاب متشابه، رغم استمرار الخلافات السياسية والأمنية بشأن إدارة الدولة وتوزيع السلطة.

غير أن المحلل السياسي، حسام الدين العبدلي، يرى أن «أي إجراءات حكومية جديدة لن تحقق نتائج مختلفة ما لم تكن هناك رؤية شاملة وثابتة، تتجاوز الانقسام الحاصل بين السلطتين في شرق ليبيا وغربها»؛ مشيراً إلى أن الشارع الليبي «بات أكثر حساسية تجاه هذا الملف، في ظل استمرار تدفق المهاجرين عبر الحدود الجنوبية».

ويعتقد العبدلي أن «المسؤولية تقع على عاتق كافة الأجهزة السياسية والأمنية، فيما يتعلق بتأمين الحدود وتنفيذ سياسات الترحيل»، محذراً من أن استمرار الأوضاع على ما هي عليه قد يقود إلى «تداعيات خطيرة»، وفقدان القدرة على ضبط الشارع. ويستدل على ذلك بموجات احتجاجات مماثلة جرى التعامل معها عبر إجراءات وصفها بالاحترازية، شملت توقيف أعداد من المهاجرين وترحيلهم جواً، دون أن تكون ذات أثر مستدام.

وأوضح العبدلي لـ«الشرق الأوسط» أن تلك المعالجات كانت غالباً ما تؤدي إلى امتصاص مؤقت لغضب الشارع، قبل أن تعود الموجات الاحتجاجية للظهور مجدداً، معتبراً أن الحلول السابقة لم تنجح في معالجة جذور الأزمة.

والخميس الماضي، تجمع محتجون غاضبون في طرابلس أمام مقر «مفوضية اللاجئين» التابعة للأمم المتحدة، وطالبوا بإغلاقها بسبب مزاعم توزيع بطاقات توطين للمهاجرين. كما اقتحم آخرون مقر البعثة الأممية في جنزور، قبل أن تتدخل قوات الأمن لمنع اقتحامه وحماية الموجودين بداخله.

من عمليات ترحيل مهاجرين غير نظاميين من طرابلس السبت (جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة)

وفي موازاة التصعيد الرسمي، تزداد وتيرة التحذيرات الحقوقية من تنامي خطاب الكراهية، والتحريض ضد المهاجرين، وسط دعوات للفصل بين مكافحة الهجرة غير القانونية، وبين احترام الالتزامات الإنسانية والقانونية تجاه المهاجرين وطالبي اللجوء.

ووثَّقت «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان» مشاهد اعتداء لفظي وجسدي على مهاجر أفريقي بسبب «ديانته». وطالبت بـ«فتح تحقيق عاجل وملاحقة المتورطين في العنف والتحريض».

ومنذ سقوط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011 تحولت ليبيا إلى إحدى أبرز نقاط عبور المهاجرين نحو أوروبا، عبر حدودها الصحراوية الواسعة، رغم مواصلة السلطات ترحيل آلاف المهاجرين ضمن برنامج العودة الطوعية المدعوم أممياً.

ووفق «المنظمة الدولية للهجرة»، أُعيد إلى ليبيا 5630 مهاجراً منذ مطلع 2026، بينما قُدِّر عدد المهاجرين داخل البلاد بنحو 939.6 ألف شخص أواخر 2025.

كما عبَّرت منظمة «رصد الجرائم في ليبيا» ومقرها لندن، أخيراً، عن قلقها إزاء تصاعد الانتهاكات وخطاب الكراهية ضد المهاجرين واللاجئين والعمالة الوافدة، منذ مطلع يونيو (حزيران) الجاري، مشيرة إلى «تسجيل اعتقالات تعسفية ومداهمات لمساكن واعتداءات جسدية ولفظية في مناطق عدة». وأوضحت أن هذه التطورات تتزامن مع تصاعد حملات التحريض عبر منصات التواصل الاجتماعي، محذرة من تداعياتها على الأمن المجتمعي. ودعت «المنظمة» السلطات الليبية إلى «فتح تحقيقات عاجلة ومحاسبة المتورطين».


مقالات ذات صلة

سلطات شرق ليبيا تعلن إحباط «مخطط إرهابي» في بنغازي

شمال افريقيا حفتر يعزي عائلة رئيس الاستخبارات العسكرية بالجيش الوطني فوزي المنصوري الذي اغتيل في بنغازي (إعلام القيادة العامة)

سلطات شرق ليبيا تعلن إحباط «مخطط إرهابي» في بنغازي

باشرت السلطات في شرق ليبيا تحقيقات مكثفة مع أفراد خلية إرهابية أُلقي القبض عليها في مدينة بنغازي، للاشتباه في تخطيطها لتنفيذ أعمال تهدد أمن المواطنين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال مباحثات في العاصمة الليبية طرابلس اليوم الثلاثاء (مكتب الدبيبة)

توحيد المؤسسات الليبية يتصدر محادثات الدبيبة وفيدان في طرابلس

تصدر ملف توحيد المؤسسات الليبية مباحثات رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في غرب ليبيا عبد الحميد الدبيبة، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الثلاثاء.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا المنصوري في آخر ظهور له خلال الاحتفال بذكرى تأسيس الجيش الليبي الأحد (إعلام الجيش الليبي)

اغتيال المنصوري يعيد شبح استهداف العسكريين إلى بنغازي الليبية

أعاد اغتيال اللواء فوزي المنصوري، مدير إدارة الاستخبارات العسكرية التابعة لـ«الجيش الوطني» في شرق ليبيا، شبح استهداف القيادات العسكرية والتفجيرات إلى بنغازي

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا من جهود فرق الإطفاء لإخماد الحرائق التي اندلعت بأحد المرافق النفطية بمدينة الزاوية (رويترز)

«فوضى المسيّرات» تهدد بتعطيل إنتاج النفط الليبي

تعيش ليبيا حالة من القلق المتصاعد والاستنفار في قطاعها النفطي، الثلاثاء، بعدما تحولت مرافق نفطية في مدينة الزاوية، 40 كم غرب العاصمة طرابلس، إلى كتل من اللهب.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا موظفون في مكتب سجل مدني الهضبة بالعاصمة الليبية طرابلس (الصفحة الرسمية للمكتب)

ليبيا تضيق الخناق على شبكات تزوير «الرقم الوطني»

وسّعت السلطات القضائية الليبية ملاحقتها لشبكات تزوير وثائق الهوية والسجل المدني في حملة كشفت الثلاثاء عن حصول نحو 7 آلاف غير مستحق على معاشات ضمان

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

سلطات شرق ليبيا تعلن إحباط «مخطط إرهابي» في بنغازي

حفتر يعزي عائلة رئيس الاستخبارات العسكرية بالجيش الوطني فوزي المنصوري الذي اغتيل في بنغازي (إعلام القيادة العامة)
حفتر يعزي عائلة رئيس الاستخبارات العسكرية بالجيش الوطني فوزي المنصوري الذي اغتيل في بنغازي (إعلام القيادة العامة)
TT

سلطات شرق ليبيا تعلن إحباط «مخطط إرهابي» في بنغازي

حفتر يعزي عائلة رئيس الاستخبارات العسكرية بالجيش الوطني فوزي المنصوري الذي اغتيل في بنغازي (إعلام القيادة العامة)
حفتر يعزي عائلة رئيس الاستخبارات العسكرية بالجيش الوطني فوزي المنصوري الذي اغتيل في بنغازي (إعلام القيادة العامة)

باشرت السلطات في شرق ليبيا تحقيقات مكثفة مع أفراد خلية إرهابية، أُلقي القبض عليها في مدينة بنغازي، للاشتباه في تخطيطها لتنفيذ أعمال تهدد أمن المواطنين واستقرار المدينة، وذلك بعد يوم واحد من اغتيال رئيس إدارة الاستخبارات العسكرية التابعة لـ«الجيش الوطني» اللواء فوزي المنصوري، في تفجير استهدف سيارته بمنطقة الهواري.

وأحاطت السلطات تفاصيل التحقيقات مع أفراد الخلية بالتكتم، نظراً لحساسية المعلومات التي يجري فحصها، فيما أفاد مصدر عسكري مسؤول في «الجيش الوطني» بأن المقبوض عليهم «ينتمون إلى جنسيات غير ليبية»، من دون أن يكشف عن هوياتهم، أو الدول التي يحملون جنسياتها.

وأعلنت رئاسة أركان «الجيش الوطني»، في بيان صدر فجر الأربعاء، أن ركن الشؤون الأمنية نفذ «عملية أمنية نوعية» أسفرت عن اعتقال خلية إرهابية في بنغازي، كانت تخطط لتنفيذ أعمال تهدد أمن المواطنين واستقرار المدينة.

ولم يقدم البيان تفاصيل عن طبيعة المخطط، أو الأهداف التي كانت الخلية تعتزم استهدافها، مكتفياً بالإشارة إلى أن أفرادها ضُبطوا وأُحيلوا إلى الجهات المختصة، بينما تتواصل التحقيقات للكشف عن ملابسات المخطط، والجهات أو العناصر المرتبطة به.

صدام حفتر خلال ترؤسه لجنة أمنية للتحقيق في ملابسات اغتيال المنصوري (إعلام القيادة العامة)

وربط البيان العملية بما وصفه بـ«المتابعة الأمنية الدقيقة والتحريات»، التي تجريها الأجهزة المختصة لملاحقة العناصر والخلايا، التي تسعى إلى «زعزعة الأمن والاستقرار وإثارة الفوضى» داخل المدينة، معتبراً أن العملية تعكس مستوى الجاهزية الأمنية، وقدرة الأجهزة على رصد التهديدات وإحباطها قبل وصولها إلى المواطنين.

وتأتي هذه التطورات في ظل استنفار أمني تشهده بنغازي، منذ اغتيال اللواء المنصوري، الذي قُتل مساء الاثنين إثر استهداف سيارته بعبوة ناسفة، في هجوم وصفه «الجيش الوطني» بأنه عملية اغتيال.

وشكّل قائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر لجنة أمنية للتحقيق في ملابسات الاغتيال، برئاسة نائبه ونجله صدام حفتر، لمراجعة سير التحقيقات والإجراءات المتخذة، واستعراض المعلومات والمعطيات المتوافرة بشأن الحادث.

وشدد صدام حفتر، خلال اجتماع للجنة، على ضرورة تكثيف جهود التحقيق للكشف عن ملابسات الواقعة وتحديد المسؤولين عنها، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم.

وفي وقت لاحق، قدم حفتر واجب العزاء إلى أسرة المنصوري، مشيداً بمسيرته وما قدمه من «عطاء وتضحيات» خلال ما وصفه بمعركة استرداد البلاد من الإرهاب، كما أصدر قراراً بترقيته بعد وفاته إلى رتبة فريق.

وفي طرابلس، أدانت حكومة الوحدة الوطنية، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، التفجير الذي استهدف المنصوري، مؤكدة أن مواجهة الإرهاب والعنف تمثل «موقفاً وطنياً ومبدئياً ثابتاً» لا يتأثر بالانقسامات السياسية، التي خلفتها سنوات الصراع.

ودعت الحكومة النائب العام والأجهزة الأمنية المختصة إلى فتح تحقيق عاجل وشامل لكشف ملابسات التفجير، وتحديد هوية المتورطين والجهات، التي تقف وراءه، واتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم.

عماد الطرابلسي (أ.ف.ب)

كما قدم وزير الداخلية المكلف عماد الطرابلسي تعازيه إلى أسرة المنصوري، الذي كان من أبرز القيادات العسكرية المقربة من حفتر، وتولى إدارة الاستخبارات العسكرية منذ مايو (أيار) 2024، بعد مسيرة عسكرية شملت قيادة منطقة سبها العسكرية، ولعب أدوار ميدانية خلال العمليات العسكرية في شرق ليبيا وحرب طرابلس عام 2019.

ويأتي اعتقال الخلية في ظل حالة الاستنفار التي تشهدها بنغازي، وسط مساعٍ أمنية للكشف عما إذا كانت هناك صلات بين الخلية والمخططين لاغتيال المنصوري، في وقت لا تزال فيه التحقيقات الرسمية بشأن الهجوم مستمرة.


«الدعم السريع» تشن هجوماً واسع النطاق بالمسيّرات على الخرطوم ومدن سودانية

مواطنون يزيلون الأنقاض من ساحة جامع في الخرطوم بحري أصيب بهجوم المسيرات (أ.ف.ب)
مواطنون يزيلون الأنقاض من ساحة جامع في الخرطوم بحري أصيب بهجوم المسيرات (أ.ف.ب)
TT

«الدعم السريع» تشن هجوماً واسع النطاق بالمسيّرات على الخرطوم ومدن سودانية

مواطنون يزيلون الأنقاض من ساحة جامع في الخرطوم بحري أصيب بهجوم المسيرات (أ.ف.ب)
مواطنون يزيلون الأنقاض من ساحة جامع في الخرطوم بحري أصيب بهجوم المسيرات (أ.ف.ب)

شنّت «قوات الدعم السريع»، الأربعاء، هجوماً واسعاً بعشرات الطائرات المسيّرة على العاصمة وعدد من المدن السودانية الكبرى في شمال البلاد وغربها، وأفادت مصادر محلية بسماع دوي انفجارات عنيفة، يُرجح أنها أصوات المضادات الأرضية التابعة للجيش أثناء تصديها للمسيّرات المهاجمة، في حين لم ترد أي تفاصيل رسمية عن حجم الأضرار أو الإصابات.

ووفقاً لشهود عيان، استهدفت طائرات مسيّرة انتحارية بعيدة المدى بالتزامن، العاصمة الخرطوم ومدينتي عطبرة والدامر في شمال البلاد، إضافة إلى مدينة الأبيّض شمال كردفان.

ويأتي الهجوم، الذي يُعد الأكبر منذ أشهر، بعد ساعات من إعلان «قوات الدعم السريع» السيطرة على مدينة قيسان في ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد.

الجامع المتضرر في الخرطوم بحري (رويترز)

وقال مواطنون في أم درمان، ثاني أكبر مدن ولاية الخرطوم، إنهم شاهدوا طائرات مسيّرة تُحلق في محيط منطقة كرري العسكرية، شمال غربي المدينة، ولم يتسنَّ التأكد من تعرضها لأي هجوم.

كما أفاد سكان في المناطق المجاورة بأن الدفاعات الأرضية للجيش أسقطت طائرة مسيّرة بعد وقت قصير من رؤيتها تُحلق في سماء المدينة.

وروَّعت أصوات الانفجارات القوية والمضادات الأرضية المواطنين في المدينة، وشُوهد اندلاع حرائق، وتصاعد الدخان الكثيف من مسافات بعيدة في عدد من المواقع كانت قد طالتها ضربات المسيَّرات.

ونُسب الهجوم إلى «قوات الدعم السريع» التي تخوض حرباً مع الجيش منذ أبريل (نيسان) 2023، في حين لم يصدر أي تعليق فوري من الأخير حول تلك الهجمات.

وأظهرت مقاطع فيديو متداولة على منصات التواصل الاجتماعي سقوط مسيّرة على مسجد في إحدى الضواحي السكنية، بالخرطوم بحري، دون تسجيل إصابات بشرية، وفقاً لمصادر محلية.

وفي ولاية نهر النيل شمال السودان، قال شهود لـ«الشرق الأوسط»، إنهم سمعوا أصوات المضادات الأرضية التابعة للجيش تتعامل مع أجسام طائرة في مدينتي عطبرة والدامر ناتجة عن اعتراض عدد من الطائرات المسيّرة.

وصبيحة اليوم نفسه، أسقط الجيش مسيّرة انتحارية شوُهدت تُحلق على مستوى منخفض في سماء مدينة الأبيّض عاصمة ولاية شمال كردفان.

وأفادت تقارير إعلامية، نقلا عن مصادر عسكرية في الجيش، بأن منظومة الدفاع الجوي تصدّت بنجاح في وقت باكر من صباح الأربعاء لهجوم واسع النطاق بالمسيّرات شنته «الدعم السريع» على عدة مدن، بينها الخرطوم وبحري وعطبرة والأبيض.

جانب آخر من الأضرار التي سببتها الهجمات في جامع الخرطوم بحري (أ.ف.ب)

وفي المقابل، سارعت منصات إعلامية موالية لـ«قوات الدعم السريع» إلى الترويج لرواية مفادها أن القصف استهدف «قاعدة وادي سيدنا» العسكرية التابعة للجيش، في محلية كرري على بُعد نحو 22 كيلومتراً من وسط الخرطوم، والتي تُعد من كبرى القواعد العسكرية للجيش في البلاد، ولم يتسنَّ التحقق من صحة هذه المزاعم.

وتُعدّ هذه الغارات المتزامنة على مناطق واقعة تحت سيطرة الجيش واحدة من كبرى الهجمات بالطائرات المسيّرة التي تشنها «الدعم السريع»، بعد فقدانها مناطق استراتيجية في ولاية شمال كردفان يوليو (تموز) الماضي.

وتشهد الخرطوم منذ اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في أبريل 2023 هجمات متكررة بالطائرات المسيّرة، تصاعدت وتيرتها خلال الفترة الأخيرة بالتزامن مع عودة آلاف المواطنين إلى منازلهم في الولايات.

تقدم ميداني

على الصعيد الميداني، نشرت عناصر تابعة لــ«قوات الدعم السريع» لها مقاطع مصورة تظهر انتشارها في بلدة أم شعيفة بولاية النيل الأزرق، بعد سيطرتها على مدينة قيسان.

ويأتي هذا التطور الأخير عقب حالة من الهدوء النسبي في العمليات البرية على عدد من جبهات الحرب الأخرى، مقابل استمرار هجمات المسيّرات والغارات الجوية التي تستهدف مواقع وتجمعات الطرفين، خصوصاً في شمال كردفان ودارفور وجنوب كردفان.

وإلى ذلك، أفادت مصادر سودانية بمقتل قيادي بارز في كتيبة «البراء بن مالك»، التي تُصنفها الولايات المتحدة الأميركية كياناً «إرهابياً».

ونقلت صحيفة «الصيحة» السودانية عن المصادر قولها، إن «كمال بور القيادي الإسلامي البارز في ميليشيات (البراء بن مالك) قتل خلال هجوم جوي استهدف مواقع ميليشيات (الحركة الإسلامية) في منطقة جبرة الشيخ بشمال كردفان».

وأضافت أن «الهجوم الذي نُسب إلى (قوات الدعم السريع)، أسفر أيضاً عن مقتل عدد من عناصر قوات العمل الخاص وميليشيات (البراء بن مالك) الموجودة في المنطقة».

حطام مسيَّرة أعلن الجيش عن إسقاطها في مدينة الأُبيّض كبرى مدن إقليم كردفان (أرشيفية - متداولة)

ووفق الصحيفة، «يُعد كمال بور من العناصر المؤثرة داخل ميليشيات (البراء بن مالك)، وسبق أن اعتقلته القوات العسكرية لفترة قبل الإفراج عنه، ليعود لاحقاً إلى نشاطه ضمن الكتائب».

ويشار إلى أن «كتيبة البراء بن مالك» هي قوات إسلامية تدعم الجيش في معاركه المستمرة ضد «قوات الدعم السريع». وسبق أن صنّفت الولايات المتحدة في مارس (آذار) الماضي جماعة «الإخوان المسلمين» في السودان وجناحها العسكري «كتيبة البراء بن مالك» كياناً «إرهابياً»، وأدرجتها وزارة الخارجية ضمن قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية. كما فرضت واشنطن، في سبتمبر (أيلول) الماضي، عقوبات على الكتيبة، متهمة إياها بـ«المساهمة في تأجيج الصراع القائم وبارتباطات مع إيران».


موريتانيا وساحل العاج تبحثان الأمن في غرب أفريقيا والساحل

من المؤتمر الصحافي المشترك الذي عقده الرئيسان غزواني وواتارا في القصر الرئاسي بابيدجان (الرئاسة الموريتانية)
من المؤتمر الصحافي المشترك الذي عقده الرئيسان غزواني وواتارا في القصر الرئاسي بابيدجان (الرئاسة الموريتانية)
TT

موريتانيا وساحل العاج تبحثان الأمن في غرب أفريقيا والساحل

من المؤتمر الصحافي المشترك الذي عقده الرئيسان غزواني وواتارا في القصر الرئاسي بابيدجان (الرئاسة الموريتانية)
من المؤتمر الصحافي المشترك الذي عقده الرئيسان غزواني وواتارا في القصر الرئاسي بابيدجان (الرئاسة الموريتانية)

تباحث الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، مساء أمس (الثلاثاء)، مع الحسن واتارا، رئيس ساحل العاج (كوت ديفوار)، حول الأوضاع الأمنية والتحديات التي تواجه غرب أفريقيا ومنطقة الساحل، خاصة في ظل تصاعد خطر الإرهاب والانفلات الأمني.

وأجرى ولد الغزواني زيارة صداقة وعمل إلى كوت ديفوار، استمرت لساعات فقط، التقى خلالها الرئيس الإيفواري وعقدا في ختامها نقطة صحافية، قال فيها الرئيس الموريتاني: «أنا هنا اليوم، إن شئتم، في زيارة صداقة، ولكن أيضاً في زيارة أخوة. كما أنني جئت للقاء فخامة السيد الرئيس، في إطار روح الصداقة والأخوة التي تجمعنا».

وأضاف ولد الغزواني: «لقد حرصت بالفعل على المجيء لزيارة أخي، فخامة الرئيس، لأعبر له مباشرة عن تقديري وامتناني لما أبداه باستمرار من إصغاء واهتمام ودعم لبلدنا موريتانيا»، مشيراً إلى أن «العلاقات بين بلدينا علاقات متميزة، تقوم على روابط تاريخية وعلى الثقة، وعلى تطابق وجهات النظر بشأن العديد من القضايا المهمة والمتعددة».

الرئيسان غزواني وواتارا في القصر الرئاسي بابيدجان (الرئاسة الموريتانية)

وشدد ولد الغزواني على أن العلاقة بين موريتانيا وكوت ديفوار «تكتسي أهمية خاصة في ظل السياق الدولي والإقليمي الراهن، وكذلك في ضوء التحديات التي نواجهها جميعاً»، وأضاف: «من الطبيعي أن نتحدث عن منطقتنا، وأن نتشاور أيضاً بشأن القضايا والتحديات التي تشغلنا».

وخلص الرئيس الموريتاني إلى أن خلاصة مباحثاته مع واتارا كانت «رسالة صداقة وأخوة وثقة»، قبل أن يشكر واتارا على ما يقدمه من «دعم ومساندة» لصالح موريتانيا.

من جانبه قال الرئيس الإيفواري: «يسرني ويشرفني أن أرحب بصديقي وأخي رئيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية، الذي جاء لزيارتنا وتحيتنا. لقد أجرينا مباحثات ممتازة حول الأوضاع في بلدينا، وآفاق التعاون بينهما، وخاصة التحديات التي تواجه منطقتنا».

وأضاف واتارا: «نحن متفقون تماماً بشأن القرارات والآفاق المستقبلية، وسنعمل معاً بشكل وثيق لتحقيق المزيد من التقدم».

ورغم أنه لم تكشف تفاصيل الملفات التي تباحث حولها الرئيسان، لكن مصادر دبلوماسية أكدت أن الملف الأمني في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل كان حاضراً بقوة، خاصة أن الوضع في دولة مالي أصبح يثير قلق البلدين.

وكان يرافق ولد الغزواني في زيارته القصيرة إلى كوت ديفوار وفد من مسؤولي رئاسة الجمهورية، بالإضافة إلى الفريق صيدو صمبا جا، المدير العام للأمن الخارجي والتوثيق، أي مدير الاستخبارات الخارجية في موريتانيا، وهو ما منح الزيارة الطابع الأمني.

وترتبط دولة مالي بحدود برية مع البلدين أكثر من 2000 كيلومتر مع موريتانيا، وأكثر من 600 كيلومتر مع كوت ديفوار، فيما تعد الأخيرة هي البوابة البحرية التي تعتمد عليها مالي في وارداتها من السوق العالمية.

من جهة أخرى، تزامنت هذه الزيارة مع احتجاز السلطات في دولة مالي لأكثر من 20 مواطناً موريتانياً كانوا في طريقهم نحو موريتانيا، قادمين من كوت ديفوار، حيث يعملون في محلات تجارية، وهي القضية التي أثارت غضب الموريتانيين.

وتوجد في كوت ديفوار أكبر جالية موريتانية في الخارج، تقدر بأكثر من 150 ألف نسمة، وتنشط بشكل أساسي في التجارة، وتنتقل عبر الطريق البري ما بين البلدين مروراً بدولة مالي، ولكن الأوضاع الأمنية الصعبة في مالي جعلتهم يتعرضون لمشاكل كبيرة.

الجالية الموريتانية خلال استقبال الرئيس ولد الغزواني في أبيدجان (الرئاسة الموريتانية)

وخلال زيارة ولد الغزواني أمس إلى مدينة أبيدجان كان في استقباله العشرات من أعضاء الجالية الموريتانية، ورفعوا مطالب بفتح خط طيران مباشر ما بين مدينة أبيدجان، العاصمة الاقتصادية لكوت ديفوار، ومدينة النعمة في الشرق الموريتاني، التي ينحدر منها أغلب التجار الموريتانيين في كوت ديفوار.

وأكد ناشطون في الجالية أن عبورهم الأراضي المالية ينطوي على مخاطر حقيقية، وأن الحل الوحيد هو خط جوي مباشر.

في غضون ذلك، أفرجت السلطات المالية عن التجار الموريتانيين الموقوفين في باماكو، فيما قررت السلطات الموريتانية إرسال وفد رسمي يضمّ دبلوماسيين وأطباء عبر طائرة خاصة لاستقبال، ونقل التجار بعد الإفراج عنهم.