«معادلة يونيو» الصعبة تقود «المركزي الأوروبي» لرفع الفائدة

الأول بين الاقتصادات الكبرى في مواجهة ضغوط «هرمز» وتنامي التضخم

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
TT

«معادلة يونيو» الصعبة تقود «المركزي الأوروبي» لرفع الفائدة

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

يجد البنك المركزي الأوروبي نفسه الأسبوع المقبل، أمام معادلة نقدية شديدة التعقيد؛ حيث يتعين عليه كبح جماح التضخم المتنامي دون السقوط في فخ الركود الاقتصادي، وهو التحدي الذي يسبق اجتماعه المرتقب لإقرار رفع حاسم لأسعار الفائدة.

وتأتي هذه الخطوة لتجعل من «المركزي الأوروبي» أول بنك مركزي بين الاقتصادات الكبرى يتجه نحو تشديد السياسة النقدية منذ أن أشعلت الحرب الأخيرة أزمة طاقة جديدة، غير أنها تصطدم بواقع اقتصادي يبدو أكثر هشاشة مقارنة بعام 2022. وفيما يرى مراقبون أن قرار يونيو (حزيران) بات محسوماً لترسيخ مصداقية البنك، فإن الترقب يتزايد حول قدرة صناع السياسة النقدية على ضبط الأسعار وتوقعات المستهلكين، في وقت تحاصر فيه المنطقة تداعيات تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز، إلى جانب ملفات مستجدة تراوح بين مخاطر الائتمان الخاص والهواجس السيبرانية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وتأتي هذه الخطوة الجريئة في توقيت يبدو فيه الاقتصاد الأوروبي أكثر إنهاكاً وهشاشة مقارنة بأزمة الطاقة التي عصفت بالمنطقة عام 2022، ما يضع صنّاع السياسة النقدية أمام اختبار دقيق ومعادلة صعبة؛ تستهدف كبح جماح التضخم المتنامي في قطاع الخدمات وحماية التوقعات طويلة الأجل، دون الانزلاق بالاقتصاد نحو تباطؤ أعمق.

وفيما تترقب الأسواق القرار، تبرز 5 ملفات رئيسية ترسم ملامح المسار المقبل للبنك، بدءاً من تداعيات تعطل الملاحة في مضيق هرمز، وصولاً إلى المخاطر السيبرانية الناشئة عن تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وفي هذا السياق، يبدو قرار رفع أسعار الفائدة في يونيو الحالي، أمراً محسوماً إلى حد كبير؛ إذ يحظى بدعم حتى من أعضاء مجلس المحافظين المعروفين بمواقفهم الأكثر ميلاً للتيسير النقدي، مثل الإيطالي فابيو بانيتا واليوناني يانيس ستورناراس.

ومع ذلك، لا يُتوقع أن يلتزم البنك المركزي الأوروبي مسبقاً بمسار تشديد إضافي بعد قرار الخميس، مفضلاً الإبقاء على مرونته في ضوء التطورات الاقتصادية والجيوسياسية المتلاحقة.

الارتباط بالصراع

ستعتمد الخطوات المقبلة لما بعد اجتماع يونيو بشكل كبير على تطورات الصراع في الشرق الأوسط، ومدة استمرار تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز الذي يعدّ أحد أهم شرايين إمدادات الطاقة العالمية. وعلى عكس دورة التشديد الحادة التي شهدها عام 2022، تتوقع الأسواق حالياً رفعاً أو اثنين إضافيين فقط خلال ما تبقى من العام، في خطوة تهدف أساساً إلى ترسيخ مصداقية البنك المركزي الأوروبي في مكافحة التضخم.

ناقلة نفط راسية بميناء الفجيرة في ظلّ تضييق الخناق على حركة الملاحة البحرية بمضيق هرمز (رويترز)

وتشير تسعيرات الأسواق إلى أن سبتمبر (أيلول) المقبل هو الموعد الأكثر ترجيحاً للرفع التالي، في حين أظهر استطلاع أجرته «رويترز»، أن 60 في المائة فقط من الاقتصاديين يتوقعون زيادة ثانية هذا العام.

وقد تراجعت رهانات المستثمرين على مزيد من التشديد مع انحسار أسعار النفط نسبياً، بعدما كانت الأسواق قد استوعبت في وقت سابق، إمكانية تنفيذ 3 زيادات إضافية خلال عام 2026.

وفي هذا الصدد، أشار راينهارد كلوز، كبير الاقتصاديين الأوروبيين في بنك «يو بي إس»، إلى أن رفع الفائدة مرتين قد يكون كافياً لتعزيز مصداقية البنك دون التسبب في تباطؤ اقتصادي يفوق الأضرار التي تفرضها بالفعل صدمة أسعار الطاقة الحالية.

الضغوط التضخمية تتفاقم

من جهة أخرى، تشير البيانات إلى أن الضغوط التضخمية بدأت في الانتشار بمختلف قطاعات الاقتصاد بشكل أوضح مما كان عليه الوضع خلال اجتماع أبريل (نيسان) الماضي؛ فقد ارتفع معدل التضخم في منطقة اليورو إلى 3.2 في المائة في مايو (أيار)، مدفوعاً بزيادة أسعار الخدمات وعودة التضخم الأساسي - الذي يستثني الغذاء والطاقة - إلى الارتفاع للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب. ويرى اقتصاديون أن هذه التطورات قد تشكل مؤشراً أولياً على اتساع نطاق الضغوط السعرية داخل الاقتصاد، رغم أن بعض العوامل الموسمية، مثل عطلة عيد الفصح، ربما أسهم جزئياً في هذه الزيادة، وفي المقابل، تباطأت وتيرة تضخم أسعار الغذاء، ما يدفع الخبراء إلى التريث وانتظار بيانات إضافية قبل استخلاص استنتاجات نهائية.

وتحظى المؤشرات الاستباقية باهتمام خاص لدى صناع السياسات، نظراً لأن انتقال التضخم إلى بقية الاقتصاد يحتاج عادة إلى وقت؛ ففي أعقاب اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط)، أثار ارتفاع توقعات الشركات لأسعار البيع وارتفاع توقعات التضخم لدى المستهلكين، مخاوف متزايدة بشأن ترسخ الضغوط التضخمية، لكن هذه المخاوف تراجعت نسبياً بعد استقرار توقعات أسعار البيع خلال مايو. كما أظهر تحليل أجرته «رويترز»، أن نحو ثلث أكبر شركات الاتحاد الأوروبي فقط تخطط لرفع الأسعار، وهي نسبة أقل من تلك المسجلة خلال أزمة الطاقة في عام 2022.

كذلك، استقرت توقعات التضخم لدى المستهلكين أو تراجعت خلال أبريل، فيما بقيت التوقعات طويلة الأجل قريبة من هدف البنك المركزي الأوروبي البالغ 2 في المائة، وهو ما قد يمنح صناع القرار بعض الطمأنينة.

رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد (رويترز)

وفي هذا الإطار، أوضح كارستن برزيسكي، رئيس قسم الاقتصاد الكلي العالمي في بنك «آي إن جي»، أن المؤشرات الواضحة على تأثيرات الجولة الثانية من التضخم لم تظهر بعد في بيانات الأجور أو توقعات التضخم، إلا أن مسؤولي البنك المركزي الأوروبي يؤكدون في الوقت ذاته، أن انتظار ظهور هذه التأثيرات بشكل كامل قد يكون متأخراً جداً لاتخاذ الإجراءات الحمائية اللازمة.

آفاق المستقبل

على صعيد التوقعات الاقتصادية الجديدة، من المرجح أن يرفع البنك المركزي الأوروبي توقعاته للتضخم، بالتوازي مع خفض تقديرات النمو الاقتصادي، كما سيُحدث البنك السيناريوهات البديلة التي نشرها في مارس (آذار) الماضي، والتي تقيس تأثيرات الصدمات المختلفة على الاقتصاد الأوروبي.

وكانت عضوة المجلس التنفيذي إيزابيل شنابل، قد أشارت إلى أن المستويات الحالية لأسعار النفط والغاز تضع الاقتصاد بين السيناريو الأساسي والسيناريوهات السلبية، رغم أن أزمة الطاقة الحالية استمرت لفترة أطول مما افترضته السيناريوهات المتشائمة السابقة.

وسيولي المستثمرون اهتماماً خاصاً لتوقعات التضخم الأساسي، باعتبارها مؤشراً مهماً على مدى قلق البنك المركزي من انتقال الضغوط السعرية إلى مختلف القطاعات الاقتصادية؛ حيث ذكرت بيا فرومليه، الخبيرة الاقتصادية في بنك «سيب»، أن أي رفع كبير لتوقعات التضخم الأساسي قد يدفع الأسواق مباشرة إلى زيادة رهاناتها على مسار مرتفع لأسعار الفائدة.

مخاطر مستجدة

فيما يتعلق بملفات المخاطر المستجدة، يرى البنك المركزي الأوروبي حتى الآن، أن منطقة اليورو لا تواجه مخاطر نظامية كبيرة ناجمة عن الاضطرابات الأخيرة في أسواق الائتمان الخاص، نظراً إلى محدودية الانكشاف المباشر للمؤسسات المالية الأوروبية على هذا القطاع، رغم وجود بعض مواطن الضعف في قطاعات محددة. أما على جبهة التقنيات الحديثة، فيتركز الاهتمام بشكل متزايد على المخاطر السيبرانية المرتبطة بالتطور السريع لنماذج الذكاء الاصطناعي؛ وفي هذا السياق، أعلن عضو المجلس التنفيذي للبنك المركزي الأوروبي فرنك إلدرسون، أن البنك سيطالب المؤسسات المصرفية رسميّاً بتعزيز إجراءاتها الدفاعية واتخاذ تدابير استباقية صارمة لمواجهة التهديدات السيبرانية المتنامية والمرتبطة بالتوسع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

حقائق

مستويات الفائدة الأوروبية الحالية:

  • سعر الفائدة على الودائع: 2.00 %
  • عمليات إعادة التعيين الرئيسية: 2.15 %
  • سعر الإقراض الهامشي: 2.40 %


مقالات ذات صلة

لاغارد: أسعار الفائدة لا تتحرك بالتوازي التام مع أسعار النفط والغاز

الاقتصاد كريستين لاغارد تتحدث خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي في برلين - 10 سبتمبر 2026 (رويترز)

لاغارد: أسعار الفائدة لا تتحرك بالتوازي التام مع أسعار النفط والغاز

قالت كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، يوم الجمعة، إن أسعار الفائدة في البنك لا تتحرك بالتوازي التام مع أسعار النفط والغاز.

«الشرق الأوسط» (دبلن )
الاقتصاد بوريس فوجيتش يحضر مؤتمراً صحافياً عقب اجتماع مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي في «البوندسبنك» في برلين (رويترز)

نائب رئيس «المركزي الأوروبي»: قرارات الفائدة لا تقستند على أسعار الطاقة فقط

قال نائب رئيس البنك المركزي الأوروبي، بوريس فوجيتش، إن التوقعات المتزايدة في الأسواق بشأن رفع أسعار الفائدة مجدداً تستند بدرجة كبيرة إلى ارتفاع أسعار الطاقة.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)
الاقتصاد أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

عوائد السندات الألمانية تتجه لأول تراجع أسبوعي منذ أغسطس

تتجه عوائد سندات الخزانة الألمانية القياسية لأجل 10 سنوات إلى تسجيل أول انخفاض أسبوعي لها منذ أوائل أغسطس، فيما قلص المتعاملون رهاناتهم على رفع الفائدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مبنى «البنك المركزي الأوروبي» في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)

مسؤول في «المركزي الأوروبي» يستبعد موجة تضخمية من «الجولة الثانية»

قال صانع السياسات في «البنك المركزي الأوروبي»، أولي رين، الخميس، إنه لا توجد مؤشرات واضحة على حدوث آثار تضخمية من «الجولة الثانية» بمنطقة اليورو...

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد متسوقون داخل متجر لبيع المواد الغذائية في نيس بفرنسا (رويترز)

تعديل التضخم في منطقة اليورو بالخفض إلى 3.2 % في أغسطس

أظهرت بيانات رسمية معدَّلة صدرت يوم الخميس، أن معدل التضخم في منطقة اليورو، التي تضم 21 دولة، ارتفع في أغسطس (آب) بنسبة أقل من التقديرات السابقة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

«المركزي الأردني» يرفع الفائدة 25 نقطة أساس لتعزيز جاذبية الدينار

مبنى البنك المركزي الأردني (من موقع البنك)
مبنى البنك المركزي الأردني (من موقع البنك)
TT

«المركزي الأردني» يرفع الفائدة 25 نقطة أساس لتعزيز جاذبية الدينار

مبنى البنك المركزي الأردني (من موقع البنك)
مبنى البنك المركزي الأردني (من موقع البنك)

رفع البنك المركزي الأردني أسعار الفائدة على جميع أدوات السياسة النقدية بمقدار 25 نقطة أساس، بدءاً من يوم الاثنين 21 سبتمبر (أيلول)، في خطوة قال إنها تستهدف الحفاظ على الاستقرار النقدي وتعزيز جاذبية الدينار الأردني.

وقال البنك المركزي، في بيان الأحد، إن القرار اتخذته لجنة عمليات السوق المفتوحة خلال اجتماعها السادس لعام 2026، في ضوء مراجعة التطورات الاقتصادية والنقدية والمالية محلياً وإقليمياً ودولياً، إلى جانب توجهات البنوك المركزية والضغوط التضخمية المتزايدة.

وأوضح أن رفع الفائدة يأتي أيضاً لمواءمة أسعار الفائدة المحلية مع الاتجاهات السائدة في الأسواق المالية الإقليمية والدولية، بما يعزز تنافسية الموجودات المقوَّمة بالدينار.

وارتفع معدل التضخم في الأردن إلى 2.20 في المائة خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي، مقارنة مع 1.86 في المائة خلال الفترة نفسها من عام 2025، وفق بيانات البنك المركزي.

في المقابل، أظهرت المؤشرات الاقتصادية تحسناً في عدد من القطاعات؛ إذ نما الدخل السياحي 2.9 في المائة خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، ليبلغ نحو 5.6 مليار دولار. وتسارع أداء القطاع خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، التي بلغ متوسط نمو الدخل السياحي خلالها نحو 17 في المائة.

كما ارتفعت حوالات العاملين الأردنيين في الخارج 14.1 في المائة، خلال الأشهر السبعة الأولى من العام، لتصل إلى نحو 3 مليارات دولار، بينما زادت الصادرات الوطنية 7.2 في المائة إلى 6.6 مليار دولار خلال الفترة نفسها.

وأكد البنك المركزي مواصلة متابعة التطورات الاقتصادية والنقدية، وتقييم انعكاساتها على الاقتصاد الوطني، واتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي، وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة التطورات الخارجية.


«توريد» تفتح بوابة السيولة لسلاسل الإمداد السعودية

مبنى صندوق الاستثمارات العامة في مركز الملك عبد الله المالي (الصندوق)
مبنى صندوق الاستثمارات العامة في مركز الملك عبد الله المالي (الصندوق)
TT

«توريد» تفتح بوابة السيولة لسلاسل الإمداد السعودية

مبنى صندوق الاستثمارات العامة في مركز الملك عبد الله المالي (الصندوق)
مبنى صندوق الاستثمارات العامة في مركز الملك عبد الله المالي (الصندوق)

يتجه صندوق الاستثمارات العامة إلى توسيع أدوات تمكين القطاع الخاص في السعودية، من الاستثمار المباشر إلى معالجة إحدى الحلقات الأكثر حساسية في دورة الأعمال، وهي توفير السيولة للموردين وتمويل رأس المال العامل، مع إطلاق شركة «توريد للحلول التمويلية» المتخصصة في تمويل سلاسل الإمداد.

وتقدم «توريد» خدماتها عبر منصة رقمية تربط المشترين والموردين والجهات التمويلية، وتتيح منتجات من بينها السداد المبكر للمستحقات القائمة على فواتير معتمدة، بما يمنح الموردين إمكانية الحصول على السيولة قبل موعد تحصيل مستحقاتهم، بدلاً من انتظار دورة السداد كاملة.

وحصلت الشركة على تصريح من البنك المركزي السعودي «ساما» لبدء اختبار عملياتها ضمن البيئة التجريبية التشريعية، في خطوة تضع نموذج تمويل سلاسل الإمداد الرقمي أمام الاختبار الفعلي في السوق السعودية.

وتكتسب هذه الآلية أهمية خاصة للشركات الصغيرة والمتوسطة التي يمكن أن تواجه فجوة بين تنفيذ الطلبات أو توريد المنتجات وبين تحصيل مستحقاتها من الشركات الأكبر. ويسمح تمويل الفواتير المعتمدة بتحويل جزء من هذه المستحقات إلى سيولة متاحة للنشاط، مما يساعد الشركات على تمويل مشترياتها ورواتبها والتزاماتها والتوسع في أعمالها.

حلقة بين الشركات والبنوك

وقال مدير قطاع المؤسسات المالية في الإدارة العامة للاستثمارات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى صندوق الاستثمارات العامة، سلطان آل الشيخ، إن «توريد» ستسهم في تعزيز سلاسل الإمداد المحلية وزيادة مرونتها من خلال تحسين قدرة الشركات على الوصول إلى التمويل وإدارة السيولة النقدية، بما يتيح للقطاع الخاص المحلي العمل بكفاءة ومرونة أكبر.

ويتمثل أحد العناصر الرئيسية في نموذج «توريد» في إتاحة وصول البنوك المحلية المسجَّلة على المنصة إلى الموردين المسجلين، بما ينشئ قناة رقمية تجمع بين الفواتير والموردين والجهات التمويلية، بدلاً من اعتماد الشركات على ترتيبات تمويل منفصلة للحصول على السيولة اللازمة.

ويرى حسن آل هليل، الخبير اللوجستي، أن إطلاق منصة متخصصة في تمويل سلاسل الإمداد يمكن أن يسد فجوة مهمة في المنظومة، خصوصاً أن كفاءة سلاسل الإمداد لا تعتمد فقط على حركة السلع والخدمات، وإنما كذلك على قدرة أطرافها على الحفاظ على تدفقات نقدية مستقرة.

وأوضح آل هليل أن أهمية إطلاق «توريد» تتجاوز الجانب التمويلي، إذ أصبحت السيولة أحد العناصر الأساسية لاستمرارية سلاسل الإمداد وكفاءتها. فالمورد الذي يمتلك سيولة كافية يكون أكثر قدرة على شراء المواد الخام، والحفاظ على مستويات المخزون، وتأكيد الطلبات، وتنفيذ عمليات الإنتاج والشحن في مواعيدها.

وأضاف أن أهمية توفير السيولة في الوقت المناسب تتزايد بالنسبة إلى المنشآت الصغيرة والمتوسطة، التي قد تواجه فجوة زمنية بين تنفيذ طلبات العملاء وتحصيل مستحقاتها. ومن شأن تسريع حصولها على السيولة أن يساعدها على مواصلة التوريد من دون الاضطرار إلى تقليص المخزون أو تأجيل المشتريات أو تأخير تسليم الطلبات.

وأشار إلى أن تقليص هذه الفجوة النقدية يسهم، من المنظور اللوجستي، في الحد من احتمالات تعطل إحدى حلقات سلسلة الإمداد. كما يمكن للمنصة الرقمية أن تعزز سرعة وشفافية التعامل بين المشترين والموردين والجهات التمويلية، بما يتيح اتخاذ قرارات أسرع بشأن الطلبات والمخزون والتوريد.

ورأى أن القيمة الأهم لـ«توريد» تتمثل في تعزيز مرونة سلاسل الإمداد المحلية؛ فكلما تمكن المورد من الحصول على السيولة في الوقت المناسب، زادت قدرته على الاستجابة لتغيرات الطلب، والحفاظ على استمرارية التوريد، والتعامل مع اضطرابات الشحن أو ارتفاع تكاليف النقل، من دون أن تنتقل آثار هذه الضغوط سريعاً إلى العميل النهائي.

وخلص آل هليل إلى أن تمويل سلاسل الإمداد لا ينبغي النظر إليه كأداة مالية فحسب، بل كأحد الأدوات الداعمة لاستقرار تدفق السلع والخدمات داخل الاقتصاد، قائلاً: «من الناحية اللوجستية، السيولة ليست مسألة مالية فقط؛ إنها وقود سلسلة الإمداد».

ولا يقتصر أثر تمويل سلاسل الإمداد على توفير السيولة للشركات، إذ يمكن لتسريع دورة المدفوعات أن يرفع قدرة الموردين على الاستمرار في تلبية الطلبات، ويقلل الضغوط التي قد تنشأ عندما تتسع الفجوة الزمنية بين شراء المدخلات وتحقيق الإيرادات.

وتصبح هذه المسألة أكثر أهمية مع اتساع سلاسل التوريد المرتبطة بالمشروعات والشركات الكبرى، إذ يمكن لمشكلة سيولة لدى مورد واحد أن تنتقل إلى حلقات أخرى من السلسلة. ومن هنا يأتي تمويل المستحقات والفواتير كأداة مالية يمكن أن تدعم استمرارية العمليات، إلى جانب دوره في تمويل النمو.

ميناء الملك عبد العزيز في الدمام (موانئ)

3 بنوك وشركتان

وباشرت «توريد» أنشطتها وأبرمت اتفاقيات ملزمة مع عدد من البنوك والشركات في السعودية، من بينها بنك الخليج الدولي - السعودية، والبنك الأهلي السعودي، والبنك السعودي الفرنسي، إضافة إلى مجموعة «روشن» و«نسما وشركاهم».

وتوفر هذه الاتفاقيات قاعدة أولية لنموذج المنصة، إذ تجمع بين الشركات المشترية التي لديها مستحقات على الموردين، والموردين الباحثين عن السيولة، والبنوك القادرة على تقديم التمويل.

ويأتي إطلاق «توريد» ضمن استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة للفترة 2026 - 2030، التي تضع الخدمات المالية ضمن الممكنات الاستراتيجية للمنظومات الاقتصادية الست التي أعلن عنها الصندوق.

كما ينسجم المشروع مع توجه الصندوق نحو زيادة مشاركة القطاع الخاص في مشروعاته وشركات محفظته، ورفع مساهمة الشركات المحلية في الاقتصاد، مع استخدام التقنيات الرقمية لتطوير الخدمات المالية ورقمنة التجارة.

من تمويل الشركات إلى تمويل السلسلة

ويمثل تمويل سلاسل الإمداد مساراً مختلفاً عن التمويل التقليدي للشركات، إذ يستند في جانب منه إلى معاملات تجارية قائمة وفواتير معتمدة، بدلاً من الاعتماد حصراً على الوضع المالي للمورد وقدرته الائتمانية المنفردة.

وتكمن أهمية هذا النموذج في أنه ينقل التركيز من تمويل شركة بعينها إلى تمويل التدفقات النقدية التي تتحرك عبر سلسلة كاملة من الشركات. وكلما أصبحت هذه التدفقات أكثر سرعة وانتظاماً، زادت قدرة الموردين على تلبية الطلب والاستثمار في توسيع أعمالهم.

وبالنسبة للسوق السعودية، يأتي إطلاق «توريد» في وقت تتوسُّع فيه سلاسل الإمداد المحلية مع نمو المشروعات والشركات والمحتوى المحلي، مما يجعل توفير أدوات تمويل مرنة للموردين جزءاً من البنية الداعمة لهذا التوسع.


مبادرة «استرداد» تتيح للمنشآت الصغيرة والمتوسطة استعادة 10 رسوم حكومية

المركز المالي في الرياض (كافد)
المركز المالي في الرياض (كافد)
TT

مبادرة «استرداد» تتيح للمنشآت الصغيرة والمتوسطة استعادة 10 رسوم حكومية

المركز المالي في الرياض (كافد)
المركز المالي في الرياض (كافد)

دعت وزارة الصناعة والثروة المعدنية المنشآت الصغيرة والمتوسطة في القطاعَين الصناعي والتعديني إلى التحقُّق من أهليتها للاستفادة من مبادرة «استرداد»، التي تتيح للمنشآت المؤهلة استعادة 10 رسوم حكومية مرتبطة بتأسيس وممارسة الأعمال، بهدف تخفيف الأعباء المالية ودعم استدامة الأنشطة الاقتصادية ونموها.

وأوضحت «منشآت» أن المبادرة تشمل استرداد رسوم الرخص البلدية لممارسة النشاط، ونشر عقد تأسيس الشركة لمرة واحدة، وإصدار وتجديد السجل التجاري، و80 في المائة من رسوم المقابل المالي للعامل الأجنبي، واشتراك الغرفة التجارية وتجديده، وتحويل المؤسسة إلى شركة، وتسجيل علامة تجارية واحدة، واشتراك البريد السعودي، وتسجيل براءة اختراع، وإصدار وتجديد تراخيص الأنشطة الاقتصادية.

وتستهدف المبادرة، في نسختها الثانية، دعم المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، عبر استرداد الرسوم الحكومية المدفوعة، وفق شروط ومعايير محددة، بما يعزِّز كفاءة التشغيل واستمرارية الأنشطة، ويمكّن رواد الأعمال من التوسع ودخول أسواق جديدة.

كما تركّز على تخفيف الأعباء المالية عن المنشآت الناشئة، وتسهيل بدء أعمالها، وتعزيز فرص استمراريتها، ورفع مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي.