إيران ترفع سقف المطالب في لحظة جمود تفاوضي

نفت نقل اليورانيوم إلى «دولة ثالثة»... واشترطت إطلاق نصف أموالها المجمدة

أشخاص على ألواح التجديف بينما ترسو سفن شحن وسفن خدمات في مضيق هرمز يوم 1 يونيو 2026 (أ.ب)
أشخاص على ألواح التجديف بينما ترسو سفن شحن وسفن خدمات في مضيق هرمز يوم 1 يونيو 2026 (أ.ب)
TT

إيران ترفع سقف المطالب في لحظة جمود تفاوضي

أشخاص على ألواح التجديف بينما ترسو سفن شحن وسفن خدمات في مضيق هرمز يوم 1 يونيو 2026 (أ.ب)
أشخاص على ألواح التجديف بينما ترسو سفن شحن وسفن خدمات في مضيق هرمز يوم 1 يونيو 2026 (أ.ب)

نفت إيران، الجمعة، موافقتها على نقل مخزونها من اليورانيوم المخصب إلى دولة ثالثة، مشترطة إطلاق نصف أموالها المجمدة لإبرام اتفاق مؤقت، بينما أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن طهران لا تزال تمتلك القدرة على تقييد وصول المفتشين الدوليين إلى مواقعها النووية.

تأتي هذه المواقف بالتزامن مع تطورات ميدانية في المياه الإقليمية في مضيق هرمز، تضمنت مزاعم بوجود احتكاكات بين القوات الأميركية و«الحرس الثوري» الإيراني.

ونقلت وكالة «فارس»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، عن مصدر وصفته بـ«المقرّب» من فريق التفاوض الإيراني أن التقارير التي تحدثت عن موافقة طهران على نقل بعض مخزونها من اليورانيوم المخصب إلى دولة ثالثة غير صحيحة.

وأضاف المصدر أن القضايا المتعلقة بالملف النووي ليست مطروحة في المرحلة الحالية من المفاوضات، وأن بحثها مؤجل إلى مراحل لاحقة.

وأوضح المصدر أن موضوع نقل مخزون اليورانيوم ليس على جدول الأعمال الحالي، وأنه يجب أولاً أن تتخذ الولايات المتحدة خطوات محددة، ويتم التوصل إلى اتفاقات واضحة بشأن القضايا الأساسية.

وكانت تقارير صحافية قد أفادت بأن طهران وافقت على نقل جزء من مخزونها من اليورانيوم إلى دولة ثالثة يتم التوافق عليها بين الأطراف.

وصول المفتشين الدوليين

إضافة إلى ذلك، قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، الجمعة، إن وصول مفتشي الوكالة إلى المنشآت النووية التابعة لإيران لا يزال محدوداً، وإن طهران تلعب دوراً حاسماً في تحديد مواقع التفتيش.

وأضاف غروسي، خلال مؤتمر صحافي، أن جهوداً متعددة بُذلت لاستئناف أنشطة التحقق في إيران، سواء بعد الحرب التي استمرت 12 يوماً أو بعد التطورات العسكرية الأخيرة، مشيراً إلى أن إيران ملزمة بتعهدات تتعلق بالإبلاغ، وتسهيل وصول المفتشين، لكن ذلك لم يكن ممكناً خلال ظروف الحرب.

وأوضح أن الوكالة تمكنت، رغم وقف إطلاق النار الذي استمر فترة نسبية، من تنفيذ بعض أنشطة التفتيش فقط في مواقع اختارتها إيران، من بينها محطة بوشهر النووية وعدة مراكز أخرى.

وأكد غروسي أن هناك «عنصراً تقديرياً» في هذا الملف، وأن طهران هي التي تحدد ما الذي يُسمح للوكالة برؤيته وما الذي يُمنع عنها، مشدداً في الوقت نفسه على أن الالتزامات القانونية لإيران تبقى سارية في جميع الظروف، ويجب تنفيذها.

وجاءت تصرحات غروسي بعد اجتماعه الجمع بسفراء الصين وروسيا وإيران.

المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي متحدثاً إلى وسائل الإعلام على هامش اجتماع في فيينا يوم 5 يونيو 2026 (رويترز)

احتكاك في بحر العرب

ميدانياً، نفى الجيش الأميركي، الجمعة، استهداف مدمرتين أميركيتين بصواريخ إيرانية في بحر عمان. وقالت القيادة المركزية «سينتكوم»، إن «القوات الإيرانية لم تهاجم، ولم تطلق النار على سفن البحرية الأميركية»، مشددة على أن «القيام بذلك سيكون انتهاكاً جسيماً لوقف إطلاق النار».

وكانت القوات المسلحة الإيرانية قد أعلنت أنها أطلقت «صواريخ تحذيرية» على مدمرتين أميركيتين في خليج عمان، بعد مناوشات في الخليج، هذا الأسبوع، هددت وقف إطلاق النار المعلن مع الولايات المتحدة.

وقال الجيش الإيراني في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية إن «المدمرتين المعاديتين» التابعتين للولايات المتحدة «غادرتا خليج عمان متجهتين نحو المحيط الهندي... بعد إطلاق صواريخ تحذيرية»، في تاريخ لم يحدده. وأضاف أن القرار اتُّخذ «في إطار العمليات الجارية لمكافحة الأعمال غير القانونية... للقوات البحرية الإرهابية للولايات المتحدة». وفي وقت سابق، نفت «وكالة الأنباء العمانية» أنباء توقف تحميل النفط الخام في ميناء الفحل شمال شرقي البلاد إثر هجوم بطائرة مسيرة.

وأفادت تقارير بأن المسيرة التي هاجمت أحد المواقع في الميناء الساحلي انطلقت من إيران.

بحار أميركي على متن المدمرة «يو إس إس رافائيل بيرالتا» يراقب سفينة تجارية في بحر العرب في ظل الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)

مصير المفاوضات

سياسياً، دعا وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، إلى استمرار الحوار بين واشنطن وطهران، الذي قال إنه يسير «ببطء»، مؤكداً أن أي اتفاق محتمل يجب أن يراعي مصالح إيران والدول المجاورة لها.

وقال لافروف، في مقابلة مع صحيفة «إزفستيا» على هامش منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي، إن «روسيا تدعم بشكل كامل الحوار الجاري، وإن كان بطيئاً، بين واشنطن وطهران بوساطة باكستانية».

وشدد لافروف على أنه من أجل تعزيز المسار الدبلوماسي، ينبغي «التخلي بشكل كامل عن أي خيار عسكري في المستقبل».

وكشفت باكستان خلال الساعات الماضية مساعيها من أجل تذليل العقبات بين إيران والولايات المتحدة بهدف التوصل لاتفاق ينهي الحرب.

وقد التقى وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي، الجمعة، نظيره الإيراني إسكندر مؤمني، للمرة الثانية خلال 24 ساعة، في اجتماع وُصف بالمهم، حيث تبادل المسؤولان وجهات النظر حول العلاقات بين البلدين، وآخر التطورات الإقليمية، وفق ما أفادت به وزارة الداخلية الباكستانية.

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونظيره الإيراني عباس عراقجي خلال اجتماع وزراء خارجية دول مجموعة «بريكس» في نيودلهي (أ.ب)

سقف المطالب

قال كاظم غريب آبادي، نائب وزير الخارجية الإيراني، إن بلاده لن تتغاضى عن إجراء «ترتيباتها الخاصة» بمضيق هرمز مقابل تفاهم مع الولايات المتحدة.

وأشار آبادي إلى أن طهران لا تعد أي ورقة مع واشنطن نهائية إلا إذا أُخِذت الملاحظات والمصالح الإيرانية بعين الاعتبار بشكل كامل، وفق ما أوردته وكالة «مهر».

وأشار المسؤول الإيراني البارز إلى أن إيران تصر على وضع 50 في المائة من أصولها المجمدة تحت تصرفها فور توقيع مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة.

من جانبه، استبعد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أي احتمال لعقد اجتماع، اقترحه دونالد ترمب، بين الرئيس الأميركي والمرشد مجتبى خامنئي. وقال ترمب في مقابلة مع صحيفة «نيويورك بوست»، الأربعاء الماضي، إنه «يرغب في لقاء» خامنئي، في وقت تتعثر فيه المحادثات بين طهران وواشنطن لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط. ورد عباس عراقجي في تصريحات متلفزة نقلتها وكالة «مهر» الإيرانية، قائلاً: «لقد رأيت مقالاً ألمح فيه إلى أنه (دونالد ترمب) مستعد لعقد اجتماع، أو أنه يريد ترتيب اجتماع». وأضاف وزير الخارجية الإيراني، رافضاً هذا الاحتمال، «لكنني أعتقد أننا بحاجة إلى أن نكون واقعيين». وأكد عراقجي أنه «لأسباب أمنية، تنصحه الأجهزة الأمنية بعدم الظهور بشكل أكبر في الأماكن العامة مما هو عليه الآن». ودعا عراقجي الولايات المتحدة إلى «إدراك حقائق إيران»، و«تغيير طريقة رؤيتها للأمور»، و«تكييف علاقاتها مع إيران كقوة إقليمية، أو حتى أكثر من ذلك».


مقالات ذات صلة

ترمب وحرب إيران... تهدئة انتخابية أم تصعيد مؤجل؟

شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتجه إلى الصعود على متن الطائرة الرئاسية في قاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند يوم 4 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب) p-circle

ترمب وحرب إيران... تهدئة انتخابية أم تصعيد مؤجل؟

لا يمكن فصل إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على وصف الحرب مع إيران بأنها «أمر بسيط» عن اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

إيلي يوسف ( واشنطن)
شؤون إقليمية عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)

استخبارات أميركية: إيران تستعد لإطالة الحرب

أصبحت إيران أكثر جرأة في مهاجمة أهداف في الشرق الأوسط، وتبدو مصممة على إطالة أمد الصراع مع الولايات المتحدة لأشهر، وفق تقارير استخباراتية أميركية حديثة.

جوليان بارنز (واشنطن) داستن فولز (واشنطن)
الاقتصاد أسعار محطات وقود «شيفرون» معروضة في لاس فيغاس 3 سبتمبر 2026 (أ.ب)

أكثر من 4 دولارات للغالون... أسعار البنزين تصبح مصدر قلق للمستهلك الأميركي

يواجه الأميركيون أسعار بنزين مرتفعة لمستويات لم يسبق لها مثيل خلال عطلة عيد العمال، إذ تواصل الحرب في الشرق الأوسط التسبب في رفع تكاليف الطاقة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شؤون إقليمية  الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في واشنطن الخميس (رويترز)

ترمب يلوّح بضرب «جبل الفأس» في إيران

لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، بضرب موقع «جبل الفأس» شديد التحصين قرب منشأة نطنز النووية، إذا رصدت واشنطن تطورات تثير قلقها.

«الشرق الأوسط» (لندن-واشنطن-طهران)
شؤون إقليمية لقطة من فيديو للجيش الأميركي تُظهر استهداف ناقلة نفط إيرانية السبت (سنتكوم)

«سنتكوم» توسّع معادلة «ناقلة مقابل ناقلة»

تعرّضت ناقلة إيرانية، السبت، لهجوم قرب جزيرة خرج في الخليج، المركز الرئيسي لصادرات النفط الإيرانية، في أحدث واقعة تستهدف قطاع الطاقة وسط الحرب والحصار الأميركي.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - طهران)

«الحرس الثوري» يعلن استهداف 3 سفن مرتبطة بأميركا و3 ناقلات نفط

سفن في مضيق هرمز قرب ساحل بندر عباس جنوب إيران، الثلاثاء 25 أغسطس 2026 (رويترز)
سفن في مضيق هرمز قرب ساحل بندر عباس جنوب إيران، الثلاثاء 25 أغسطس 2026 (رويترز)
TT

«الحرس الثوري» يعلن استهداف 3 سفن مرتبطة بأميركا و3 ناقلات نفط

سفن في مضيق هرمز قرب ساحل بندر عباس جنوب إيران، الثلاثاء 25 أغسطس 2026 (رويترز)
سفن في مضيق هرمز قرب ساحل بندر عباس جنوب إيران، الثلاثاء 25 أغسطس 2026 (رويترز)

أعلنت القوات البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني، استهداف ثلاث ناقلات نفط كانت تعبر مساراً غير مصرح به في مضيق هرمز، إضافة إلى ثلاث سفن مرتبطة بأميركا.

وأفادت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري»، بأن القوات البحرية لـ«الحرس الثوري» قالت في بيان: إن الناقلات الثلاث التي ضربت في المضيق كانت تعبر الممر المائي عبر طريق «غير مصرح به»، مضيفة أن السفن الثلاث الأخرى أصيبت في مناطق أخرى.

وفي أعقاب هذه العملية، وجهت القوات البحرية لـ«الحرس الثوري» تحذيراً حازماً إلى جميع السفن الموجودة في الخليج ومحيط مضيق هرمز، داعية إياها إلى «عدم الانخداع بتضليل الجيش الأميركي، وتجنب أي تحركات مشبوهة تهدف إلى العبور عبر الممرات المائية غير المصرح بها، وإلا فإنها ستتعرض للاستهداف».

وفي وقت سابق من اليوم، أفادت وسائل إعلام إيرانية بأن ثلاث ناقلات نفط إيرانية تعرضت لـ هجوم من قبل الجيش الأميركي قبالة السواحل الجنوبية لإيران.

وفي أعقاب الحادث، حذر إبراهيم ذو الفقاري، المتحدث باسم القيادة العسكرية الرئيسية في إيران، مقر «خاتم الأنبياء» المركزي، الولايات المتحدة من الاستمرار في هجماتها على السفن الإيرانية فضلا عن الحصار البحري المفروض على البلاد.


أميركا توسّع حرب الناقلات مع إيران

دخان يتصاعد من ناقلة نفط إيرانية عقب استهدافها أمس (سنتكوم)
دخان يتصاعد من ناقلة نفط إيرانية عقب استهدافها أمس (سنتكوم)
TT

أميركا توسّع حرب الناقلات مع إيران

دخان يتصاعد من ناقلة نفط إيرانية عقب استهدافها أمس (سنتكوم)
دخان يتصاعد من ناقلة نفط إيرانية عقب استهدافها أمس (سنتكوم)

ضرب الجيش الأميركي ثلاث ناقلات إيرانية للنفط الخام، إحداها قبالة جزيرة خرج، رداً على إطلاق «الحرس الثوري» صواريخ باليستية باتجاه حاملة طائرات ومدمرة أميركيتين، فيما بدا اتساعاً لحرب الناقلات في مضيق هرمز.

وقالت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» إنها عطلت ناقلة قرب جزيرة خرج، المركز الرئيسي لصادرات النفط الإيراني، و«ستارك 1» قرب جاسك شرق مضيق هرمز بصورة دائمة، ودمرت «كايلو» بالكامل في خليج عُمان بعد إجلاء طاقمها. وقال قائد «سنتكوم» الأدميرال براد كوبر إن استهداف سفينتين أميركيتين سيقابل بـ«كلفة اقتصادية أكبر» عبر إخراج ثلاث سفن إيرانية من الخدمة، ملوحاً بتدمير «أسطول النفط الإيراني المحدود والمكشوف».وحذر وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث من أن الولايات المتحدة ستدمر ناقلات النفط الإيرانية وتغرقها إذا واصلت طهران إطلاق النار على السفن الأميركية.

وأفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية بتعرض عدة سفن تجارية في شمال الخليج العربي وخليج عُمان لنيران أدت إلى تعطيلها، من دون تأكيد وقوع إصابات أو أضرار بيئية.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن واشنطن تسيطر على «هرمز»، وقلل من أهميته مستقبلاً، كما لوّح بضرب «جبل الفأس» قرب نطنز «قريباً جداً» إذا رصدت واشنطن تطورات تثير قلقها.


ترمب وحرب إيران... تهدئة انتخابية أم تصعيد مؤجل؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتجه إلى الصعود على متن الطائرة الرئاسية في قاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند يوم 4 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتجه إلى الصعود على متن الطائرة الرئاسية في قاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند يوم 4 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

ترمب وحرب إيران... تهدئة انتخابية أم تصعيد مؤجل؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتجه إلى الصعود على متن الطائرة الرئاسية في قاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند يوم 4 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتجه إلى الصعود على متن الطائرة الرئاسية في قاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند يوم 4 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

لا يمكن فصل إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على وصف الحرب مع إيران بأنها «أمر بسيط» عن اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، فقد قدّم نفسه بوصفه رافضاً للحروب الطويلة، ويحتاج إلى إقناع الناخبين بأن المواجهة لم تتحول إلى مستنقع جديد، وأن ارتفاع تكلفتها لا يعني فقدان السيطرة عليها.

ولهذا تؤدي العبارات التي استخدمها في الآونة الأخيرة وظيفتَيْن متلازمتَيْن، تثبيت صورة الانتصار الأميركي وتقليص الوزن السياسي للحرب في سباق انتخابي صعب على الجمهوريين.

غير أن هذه اللغة تُخفي تحولاً فعلياً في حسابات البيت الأبيض. فلم يتخلَّ ترمب عن أهدافه القصوى، وفي مقدمتها منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وإنهاء قدرتها على ممارسة نفوذ إقليمي، لكنه بات أكثر حساسية لتوقيت استخدام القوة وحجمها، بعدما أصبحت أسعار الطاقة والخسائر البشرية، رغم محدوديتها، واستنزاف الذخائر؛ عوامل ضغط داخلية متزايدة.

احتواء حتى نوفمبر

ويدفع عدد من كبار مساعدي ترمب، بينهم نائبه جي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، إلى إبقاء التصعيد تحت سقف مضبوط حتى الانتخابات، مع إعطاء الأولوية للعقوبات والحصار والضغط الاقتصادي. ونقلت «رويترز» عن مسؤول في البيت الأبيض قوله إن الضغط على إيران مستمر، «لكن نوفمبر أولوية». كما تحدثت مصادر عن احتمال العودة إلى ضربات أشد بعد الانتخابات من دون اتخاذ قرار نهائي بعد.

هذه الضغوط لا تعني أن ترمب خاضع بالكامل للحسابات الحزبية، لكنها تضيّق هامش خياراته. فقد أظهر استطلاع «رويترز/إبسوس» أن ربع الأميركيين فقط يرون الحرب جديرة بتكلفتها، فيما يحاول مساعدوه منعها من التحول إلى القضية المهيمنة على الانتخابات. كما أن تسميتها «نزاع عسكري محدود»، رغم تجاوز تكلفتها 37.5 مليار دولار ومقتل 18 عسكرياً أميركياً، تعكس محاولة لنزع صفة الحرب عنها وخفض حضورها في وعي الناخب. ومع ذلك، تبقى التهدئة الانتخابية هشّة، فأي ضربة إيرانية توقع قتلى أميركيين، أو تهدد منشآت حيوية في المنطقة، أو تعطّل مضيق هرمز بصورة أوسع، قد تجبر ترمب على الرد بقوة قبل الانتخابات. وفيما يريد هو تجنّب حرب شاملة، لا يستطيع في الوقت نفسه تحمل اتهامه بالضعف أو السماح لطهران بالظهور وكأنها تفرض قواعد الاشتباك. في الجهة الأخرى، تدرك طهران هذه المعضلة، وتبدو استراتيجيتها تقوم على «الصمود وإطالة المواجهة»، أملاً في أن يؤدي ارتفاع أسعار الوقود وتراجع تأييد الحرب إلى إضعاف الجمهوريين. لكنها تخاطر عبر استمرار الهجمات، بمنح ترمب المبرر السياسي الذي يحتاج إليه للانتقال من الاحتواء إلى التصعيد.

بعد الانتخابات ليس بلا قيود

بعد نوفمبر، من المرجح أن يتراجع الضغط، ما قد يمنح ترمب حرية أكبر لاستهداف منشآت النفط، أو توسيع الحصار، أو ضرب ما تبقى من القدرات الصاروخية والنووية الإيرانية. وتعمل إدارته بالفعل على استراتيجية لما بعد الحرب، تقوم على احتواء إيران إقليمياً وتشكيل تحالف أوسع في مواجهتها. غير أن نتيجة الانتخابات ستحدد أيضاً حدود هذه الحرية. فإذا احتفظ الجمهوريون بمجلسي «الكونغرس» فقد يحصل ترمب بسهولة أكبر على التمويل اللازم لتجديد الذخائر ومواصلة العمليات. أما إذا انتقلت إحدى الغرفتَيْن إلى الديمقراطيين فقد يواجه ترمب رقابة أشد ومعارك حول التمويل وصلاحيات الحرب، وإن ظل قادراً على تنفيذ ضربات محدودة بصفته القائد الأعلى للقوات الأميركية.

كما أن القيود العسكرية لن تنتهي بعد الانتخابات. فقد كشفت تقارير عن نقص في الصواريخ الاعتراضية والذخائر الهجومية، وعن خلافات داخل الإدارة بشأن تقديرات الحرب، وهي تقارير نفاها البيت الأبيض و«البنتاغون». وعليه فقد يكون ما بعد الانتخابات مرحلة ضغط اقتصادي وعسكري أطول، لا هجوماً حاسماً واحداً. لذلك، يبدو ترمب خاضعاً للضغوط الداخلية في توقيت التصعيد، أكثر من خضوعه لها في أهداف الحرب. فهو يريد عبور انتخابات نوفمبر بأقل قدر من الخسائر والأسعار المرتفعة التي تراهن عليها طهران، ثم استعادة حرية الحركة. لكن أي حادث دموي كبير أو حسابات إيرانية وإسرائيلية خاطئة قد تحوّل التصعيد المؤجل إلى مواجهة تفرض توقيتها بنفسها.