أين يقف المنتخب السعودي في خريطة المال بمونديال 2026؟

يامال ومبابي وهالاند الأغلى عالمياً... وسعود عبد الحميد يتقدم السعوديين في «القيمة السوقية»

المنتخب السعودي بلغت قيمته السوقية 37 مليون يورو (المنتخب السعودي)
المنتخب السعودي بلغت قيمته السوقية 37 مليون يورو (المنتخب السعودي)
TT

أين يقف المنتخب السعودي في خريطة المال بمونديال 2026؟

المنتخب السعودي بلغت قيمته السوقية 37 مليون يورو (المنتخب السعودي)
المنتخب السعودي بلغت قيمته السوقية 37 مليون يورو (المنتخب السعودي)

تكشف الأرقام التي نشرها موقع «ترانسفير ماركت» قبل انطلاق كأس العالم 2026 عن صورة لافتة لحجم الفوارق الاقتصادية بين المنتخبات المشاركة في البطولة، كما تقدم قراءة مختلفة لموقع المنتخب السعودي داخل المشهد العالمي. فبينما تستعد منتخبات كبرى لدخول المنافسات بقيم سوقية تتجاوز المليار يورو، يخوض الأخضر التحدي بقيمة تبلغ 37 مليون يورو فقط، وهو ما يضعه بين أقل منتخبات البطولة من حيث القيمة المالية، لكنه في الوقت نفسه يعكس طبيعة المنتخب السعودي الذي يعتمد بصورة شبه كاملة على لاعبين نشأوا وتطوروا داخل منظومة الدوري المحلي.

سعود عبد الحميد المحترف في صفوف لانس الفرنسي اعتبر أغلى لاعب سعودي (المنتخب السعودي)

وتكتسب هذه الأرقام أهمية إضافية عند النظر إلى المجموعة التي وقع فيها المنتخب السعودي. فالأخضر يستعد لمواجهة إسبانيا وأوروغواي والرأس الأخضر في واحدة من أكثر المجموعات تفاوتاً من الناحية الاقتصادية. وتدخل إسبانيا البطولة بوصفها ثالث أغلى منتخب في العالم بقيمة سوقية تبلغ 1.26 مليار يورو، فيما تبلغ قيمة أوروغواي 405.8 مليون يورو، وتصل قيمة الرأس الأخضر إلى 56.15 مليون يورو، مقابل 37 مليون يورو فقط للمنتخب السعودي. وبذلك يعد الأخضر الأقل قيمة سوقية بين منتخبات المجموعة، فيما تتجاوز قيمة المنتخب الإسباني وحده قيمة بقية منتخبات المجموعة مجتمعة بأضعاف عديدة.

وعلى مستوى البطولة كاملة، يتصدر المنتخب الفرنسي قائمة أغلى المنتخبات المشاركة بقيمة سوقية تبلغ 1.53 مليار يورو، متقدماً على إنجلترا التي تصل قيمتها إلى 1.31 مليار يورو، ثم إسبانيا بقيمة 1.26 مليار يورو، والبرتغال التي تتجاوز قيمتها حاجز المليار يورو، ثم ألمانيا بقيمة تبلغ 998 مليون يورو، فيما جاءت البرازيل سادسة بقيمة بلغت 912.2 مليون يورو. كما تضم قائمة المنتخبات الأعلى قيمة هولندا والأرجنتين والنرويج وبلجيكا، وهو ما يعكس استمرار الهيمنة الأوروبية على خريطة القيمة السوقية العالمية.

يامين لامال أغلى لاعب في كأس العالم مع مبابي وهالاند (رويترز)

أما عربياً، فتقدم الأرقام صورة مختلفة. فالمنتخب المغربي يتصدر المنتخبات العربية المتأهلة إلى كأس العالم بقيمة سوقية تبلغ 488.2 مليون يورو، وهو رقم يضعه بين أبرز المنتخبات خارج أوروبا وأميركا الجنوبية. ويعود ذلك إلى وجود عدد كبير من لاعبيه في أندية أوروبية كبرى. ويأتي المنتخب الجزائري ثانياً عربياً بقيمة تبلغ 256.6 مليون يورو، ثم المنتخب المصري بقيمة 134.7 مليون يورو، يليه المنتخب التونسي بقيمة 70.5 مليون يورو.

بعد ذلك تظهر السعودية بقيمة 37 مليون يورو، لتحتل مركزاً متأخراً مقارنة ببقية القوى العربية الكبرى، ثم العراق بقيمة 21 مليون يورو، وقطر بقيمة 19.9 مليون يورو، والأردن بقيمة 19.8 مليون يورو. وتكشف هذه الأرقام أن المغرب والجزائر ومصر تشكل القوة المالية الأكبر عربياً، بينما تمثل السعودية نموذجاً مختلفاً يعتمد على الاستقرار الفني والتجانس أكثر من اعتماده على القيمة السوقية المرتفعة.

وبحسب ترتيب «ترانسفير ماركت»، يحتل المنتخب السعودي المركز الحادي والأربعين بين المنتخبات المشاركة في كأس العالم من حيث القيمة السوقية، متقدماً على منتخبات مثل نيوزيلندا وبنما وإيران والعراق وقطر والأردن، فيما يأتي الرأس الأخضر، أحد منافسيه في المجموعة، في مركز أعلى بقيمة تبلغ 56.15 مليون يورو.

مهاجم النرويج هالاند ساوى مبابي ويامال في القيمة السوقية (د.ب.أ)

وعند الانتقال إلى تفاصيل قائمة الأخضر، يظهر سعود عبد الحميد بوصفه اللاعب الأعلى قيمة سوقية في المنتخب السعودي بفارق واضح عن بقية زملائه. وتبلغ قيمته السوقية 9 ملايين يورو، ليصبح اللاعب السعودي الأغلى في البطولة. ويأتي خلفه مباشرة مصعب الجوير بقيمة تبلغ 4.5 مليون يورو، ثم فراس البريكان بقيمة 4 ملايين يورو.

وتضم قائمة اللاعبين الأعلى قيمة في المنتخب السعودي أيضاً حسان تمبكتي بقيمة 1.8 مليون يورو، وأيمن يحيى ونواف بوشل ومحمد أبو الشامات بقيمة 1.4 مليون يورو لكل منهم، فيما تبلغ قيمة سالم الدوسري 1.3 مليون يورو، ويأتي علي مجرشي ومتعب الحربي بقيمة 1.2 مليون يورو لكل لاعب.

وتكشف هذه الأرقام عن ملامح الجيل السعودي الحالي، حيث تجمع القائمة بين لاعبين يمتلكون خبرة طويلة على المستوى الدولي مثل سالم الدوسري ومحمد كنو، وبين أسماء شابة بدأت تفرض نفسها بقوة مثل مصعب الجوير ومحمد أبو الشامات ومتعب الحربي. كما تؤكد أن سعود عبد الحميد بات يمثل العلامة التجارية الأبرز للاعب السعودي في سوق الانتقالات العالمية.

مبابي ضمن الثلاثي الأغلى في كرة القدم بـ200 مليون يورو (د.ب.أ)

لكن الفارق يبدو هائلاً عند مقارنة هذه الأرقام بما يمتلكه نجوم كرة القدم العالمية المشاركون في كأس العالم. فالإسباني لامين يامال والفرنسي كيليان مبابي والنرويجي إرلينغ هالاند يتصدرون قائمة أغلى لاعبي البطولة بقيمة سوقية تبلغ 200 مليون يورو لكل منهم. وهذا يعني أن قيمة لاعب واحد من هذا الثلاثي تزيد بأكثر من خمسة أضعاف على القيمة السوقية الكاملة للمنتخب السعودي.

ويأتي بعد هذا الثلاثي البرازيلي فينيسيوس جونيور والإسباني بيدري والفرنسي مايكل أوليسي بقيمة تبلغ 150 مليون يورو لكل لاعب، ثم الإنجليزي جود بيلينغهام والبرتغالي جواو نيفيش والبرتغالي فيتينيا بقيمة 140 مليون يورو، فيما تبلغ قيمة الأوروغوياني فيديريكو فالفيردي 120 مليون يورو.

وتعكس هذه القائمة تحولاً واضحاً في سوق كرة القدم العالمية، حيث تهيمن الأسماء الشابة على صدارة التقييمات المالية. فلامين يامال لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، بينما لا يزال بيلينغهام وجواو نيفيش وفيتينيا في بدايات مسيرتهم الاحترافية مقارنة بالنجوم الذين سبقوهم.

ولا تتوقف الهيمنة الأوروبية عند المنتخبات واللاعبين، بل تمتد أيضاً إلى الدوريات. فالدوري الإنجليزي الممتاز يواصل فرض نفسه بوصفه المسابقة الأقوى عالمياً، بعدما أرسل 162 لاعباً إلى كأس العالم بقيمة سوقية إجمالية تبلغ 5.95 مليار يورو. ويأتي الدوري الألماني في المركز الثاني بـ99 لاعباً، ثم الدوري الإسباني بـ80 لاعباً، والدوري الفرنسي بـ79 لاعباً، والدوري الإيطالي بـ66 لاعباً.

مهاجم النرويج هالاند ساوى مبابي ويامال في القيمة السوقية (د.ب.أ)

غير أن المفاجأة الأبرز في بيانات «ترانسفير ماركت» تتمثل في الحضور السعودي. فالدوري السعودي للمحترفين يحتل المركز السادس عالمياً بين الدوريات الأكثر تمثيلاً للاعبين المشاركين في كأس العالم، بعدما أرسل 47 لاعباً إلى البطولة. ويتفوق بذلك على الدوري الأميركي الذي يمثل 44 لاعباً، والدوري التركي الذي يمثل 43 لاعباً، والدوري القطري الذي يمثل 29 لاعباً، إضافة إلى عدد من الدوريات الأوروبية المعروفة.

وتبلغ القيمة السوقية الإجمالية للاعبين المشاركين في كأس العالم والقادمين من الدوري السعودي نحو 282.8 مليون يورو، وهو رقم يعكس التحول الكبير الذي شهدته المسابقة خلال السنوات الأخيرة. فالدوري السعودي لم يعد مجرد بطولة محلية قوية، بل أصبح أحد أهم الدوريات المصدرة للاعبين المشاركين في كأس العالم.

وهنا تكمن المفارقة الأبرز في الأرقام. فالمنتخب السعودي يحتل مركزاً متأخراً من حيث القيمة السوقية بين المنتخبات المشاركة، لكن الدوري السعودي يحتل المركز السادس عالمياً بين الدوريات الممثلة في البطولة. وبينما يعتمد الأخضر على مجموعة من اللاعبين المحليين الذين لا يملكون القيم السوقية الضخمة الموجودة في أوروبا، فإن المسابقة السعودية نفسها أصبحت جزءاً مؤثراً من المشهد الكروي العالمي.

وفي النهاية، تقدم أرقام «ترانسفير ماركت» صورة واضحة لخريطة المال في كأس العالم 2026. فرنسا تتصدر المنتخبات، ولامين يامال ومبابي وهالاند يتصدرون اللاعبين، والدوري الإنجليزي يواصل الهيمنة بين الدوريات. أما السعودية فتظهر في موقع مختلف؛ أقل من كبار العالم من حيث القيمة السوقية للمنتخب، لكنها واحدة من أكثر الدول تأثيراً على مستوى الدوريات وتمثيل اللاعبين. وبين لغة الأرقام وما يحدث داخل المستطيل الأخضر تبقى الحقيقة الثابتة أن كأس العالم لم تكن يوماً بطولة تحسمها القيمة السوقية وحدها، بل البطولة التي تمنح دائماً فرصة للمفاجآت وللمنتخبات القادرة على تجاوز حدود الأرقام والتوقعات.


مقالات ذات صلة

الاتفاق يستقر على باباس... وينتظر موافقة «الرقابة المالية»

رياضة سعودية آرثر باباس (الشرق الأوسط)

الاتفاق يستقر على باباس... وينتظر موافقة «الرقابة المالية»

علمت «الشرق الأوسط»، من مصادر مطلعة، أن إدارة نادي الاتفاق اتفقت مع المدير الفني الأسترالي (من أصول يونانية) آرثر باباس، لتولي مهمة الإشراف الفني على الفريق.

سعد السبيعي (أتلانتا)
رياضة سعودية عبد الرحمن غريب (الشرق الأوسط)

مصادر لـ«الشرق الأوسط»: النصر يفاوض غريب لـ«التجديد»

كشفت مصادر خاصة لـ«الشرق الأوسط» أن المفاوضات الجارية بين إدارة نادي النصر ولاعب الفريق عبد الرحمن غريب شهدت تطورات إيجابية خلال الأيام الماضية.

أحمد الجدي (الرياض )
رياضة سعودية الأرجنتيني ماتيو بوريل (نادي الأخدود)

مارتيمو البرتغالي مهتم بماتيو بوريل لاعب الاتحاد

تلقى نادي الاتحاد عرضاً رسمياً من نادي مارتيمو البرتغالي لاستعارة أو انتقال  اللاعب الأرجنتيني ماتيو بوريل.

أحمد الجدي (الرياض)
رياضة سعودية الغامبي أبو بكر سيدي كينتيه (رويترز)

الأهلي يخطف كينتيه بعقد يمتد 5 أعوام

أعلن نادي الأهلي السعودي تعاقده مع اللاعب الغامبي أبو بكر سيدي كينتيه بعقد يمتد لـ5 أعوام.

عبد الله الزهراني (جدة)
رياضة سعودية الجناح السويدي جوردان لارسون (كوبنهاغن الدنماركي)

الاتفاق يحصل على موافقات للتعاقد مع لارسون وسيلينا

قالت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، إن نادي الاتفاق المنافس في الدوري السعودي للمحترفين لكرة القدم حصل على الموافقات اللازمة للتوقيع مع ثنائي أجنبي جديد.

نواف العقيّل (الرياض)

المنتخب السعودي يطوي صفحة إسبانيا... ويبدأ التحضير لـ«الرأس الأخضر»

يخوض المنتخب السعودي مواجهةً حاسمةً أمام الرأس الأخضر (المنتخب السعودي)
يخوض المنتخب السعودي مواجهةً حاسمةً أمام الرأس الأخضر (المنتخب السعودي)
TT

المنتخب السعودي يطوي صفحة إسبانيا... ويبدأ التحضير لـ«الرأس الأخضر»

يخوض المنتخب السعودي مواجهةً حاسمةً أمام الرأس الأخضر (المنتخب السعودي)
يخوض المنتخب السعودي مواجهةً حاسمةً أمام الرأس الأخضر (المنتخب السعودي)

عاود المنتخب السعودي الأول لكرة القدم، اليوم، فتح ملف التحضيرات المباشرة في مقر معسكره الأساسي بمدينة أوستن بولاية تكساس، مستهدفاً طي صفحة مواجهة إسبانيا السابقة وبدء الاستعدادات الجادة لمواجهة منتخب الرأس الأخضر يوم الجمعة المقبل بتوقيت الولايات المتحدة (السبت بتوقيت المملكة)، في مباراة حاسمة لحساب الجولة الثالثة والأخيرة من منافسات دور المجموعات لكأس العالم 2026.

وفي تمام الساعة الخامسة عصراً، وصلت حافلة المنتخب إلى ملعب «كيو تو» وسط أجواء تميَّزت بارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة.

وكان ثنائي «الأخضر»، الحارس نواف العقيدي واللاعب علاء حجي، أول الواصلين وأول مَن وطئت أقدامهم أرضية الملعب، لبدء الحصة التدريبية الميدانية.

وفضَّل المدير الفني اليوناني جورجيوس دونيس تقسيم عناصر الفريق إلى مجموعتين لضمان التوزيع اللياقي الأمثل.

وأدت المجموعة الأولى، والتي ضمَّت بصفة خاصة الأسماء الأساسية التي خاضت مباراة إسبانيا، مراناً استرجاعياً خفيفاً داخل الصالة الرياضية (الجيم) لتفكيك العضلات وتفادي الإرهاق.

وفي المقابل، انخرطت المجموعة الثانية من اللاعبين في حصة تدريبية ميدانية متكاملة، بدأت بتمارين الإحماء المعتادة، أعقبها مران مكثَّف على الاستحواذ والاحتفاظ بالكرة، قبل أن تُختتم الحصة بمناورة تكتيكية قوية بين مجموعتين.

أجرت المجموعة التي لم تشارك بصفة أساسية تدريبات في ملعب المباراة (المنتخب السعودي)

كواليس المران لم تخلُ من المتابعة الإدارية الدقيقة؛ إذ شهدت التدريبات نقاشاً جانبياً مطولاً وعميقاً بين رئيس الاتحاد السعودي لكرة القدم ياسر المسحل، والمدرب دونيس؛ للوقوف على آخر المستجدات الفنية.

من جانبه، واصل الحارس الشاب عبد الرحمن الصانبي برنامجه العلاجي والتأهيلي المكثَّف تحت إشراف الجهاز الطبي للبعثة؛ بهدف التعافي من إصابته واللحاق بالمراحل المقبلة.

ومن المقرَّر أن يواصل الصقور وتيرتهم الإعدادية في تمام الساعة السادسة من مساء الثلاثاء على أرضية ملعب «كيو تو»، في حصة تدريبية ستكون متاحةً أمام مختلف وسائل الإعلام، خلال الرُّبع ساعة الأولى.


دونيس بين رهان الواقعية وضغط يامال... كيف سقط المنتخب السعودي أمام إسبانيا؟

لامين يامال سجل أول أهدافه في المونديال (أ.ف.ب)
لامين يامال سجل أول أهدافه في المونديال (أ.ف.ب)
TT

دونيس بين رهان الواقعية وضغط يامال... كيف سقط المنتخب السعودي أمام إسبانيا؟

لامين يامال سجل أول أهدافه في المونديال (أ.ف.ب)
لامين يامال سجل أول أهدافه في المونديال (أ.ف.ب)

لم تكن الخسارة السعودية أمام إسبانيا بأربعة أهداف دون مقابل مجرد فارق فني بين منتخبين، بل بدت نتيجة طبيعية لمعركة تكتيكية حسمت مبكراً، بعدما دخل الأخضر المباراة بحذر مفرط أمام منتخب أوروبي استعاد هويته الهجومية، فدفع ثمن البداية المرتبكة وانعدام الثقة وعدم قدرة اللاعبين على تنفيذ التحولات التي أرادها المدرب جورجيوس دونيس.

بدا السؤال حاضراً منذ الدقائق الأولى: هل بالغ دونيس في احترام المنتخب الإسباني؟

المدرب اليوناني، الذي بنى صورته منذ وصوله على فريق مبادر يلعب بشدة عالية وهوية واضحة، ظهر في الأيام التي سبقت المباراة بواقعية مفرطة، مكرراً الحديث عن قوة إسبانيا وأهمية الدفاع بكتلة منخفضة وتقليل المساحات. كان الطرح منطقياً من الناحية النظرية، لكن تكراره وترسيخه في أذهان اللاعبين خلق حالة ذهنية مختلفة، انعكست على أرض الملعب منذ اللحظة الأولى.

فالثلاثي الذي لعب في الخط الخلفي لم يبدُ منسجماً أو مرناً بما يكفي، وكان الوصول إلى مرمى محمد العويس سهلاً، فيما بدا كل مدافع وكأنه يبحث عن موقعه أكثر من مراقبة منافسه.

هذا الارتباك جعل غياب الأمان، وهو الوصف الذي استخدمه دونيس لاحقاً، سيد الموقف حتى التوقف الأول لشرب المياه، حيث ظهر الفريق أكثر هدوءاً بعد ذلك وحاول المشاركة في اللعب، لكن بعدما أصبحت النتيجة تشير إلى تقدم إسبانيا بثلاثة أهداف كاملة.

ولم يجد لاعبو المنتخب الوطني أنفسهم داخل المباراة، إذ فرض الإسبان ضغطاً عالياً منذ البداية، بينما تحولت نتيجة التعادل مع كاب فيردي إلى ما يشبه إيقاظ الوحش النائم لبطل أوروبا وأحد أبرز المرشحين للقب العالمي.

سيطر الخوف على أداء اللاعبين، وبدا ذلك واضحاً في التمريرات الأولى وفي التردد أثناء الخروج بالكرة، ليتحول الضغط الإسباني إلى سلسلة من الأخطاء الفردية والجماعية، ويجد اللاعب السعودي نفسه في كل مرة محاصراً بإغلاق محكم لزوايا التمرير وسط ضغط متواصل جعل الاحتفاظ بالكرة مهمة شبه مستحيلة.

وكان دونيس قد لمح إلى هذه المشكلة حتى قبل المباراة، عندما تحدث عقب مواجهة أوروغواي عن افتقاد فريقه للمرونة التكتيكية.

وقال حينها: «ليس لدينا الوقت في الحصص التدريبية لنكون مرنين بما يكفي».

ثم شرح فكرته بصورة أكثر وضوحاً قائلاً: «ربما أتقنا اللعب بطريقة 4 - 4 - 2 دفاعياً أو 4 - 2 - 3 - 1 هجومياً، لكن قد نحتاج إلى اللعب بثلاثة لاعبي وسط وربما بخمسة مدافعين، وللأسف لا نمتلك هذه المرونة ونحتاج إلى الوقت لتعلم ذلك».

هنا يبرز السؤال الأكبر: إذا كان المدرب يعترف بعدم امتلاك الوقت الكافي لإتقان هذه التحولات، فهل كانت الحصتان التدريبيتان اللتان أعقبتا مواجهة أوروغواي كافيتين لإيصال الأفكار الجديدة إلى اللاعبين أم أنهما وضعتا المجموعة أمام اختبار تكتيكي لم تكتمل جاهزيتها له؟

كما أن رفض دونيس الحديث عن غياب محمد كنو، أحد أعلى لاعبي المنتخب تقييماً أمام أوروغواي، والاكتفاء بالقول: «لا أود الحديث عن الأفراد»، ترك الباب مفتوحاً أمام تساؤلات كثيرة حول الخيارات الأساسية.

ومن الجانب الإسباني، جاءت المباراة لتؤكد أن عودة لامين يامال أعادت الحياة للهجوم بصورة كاملة، بعدما شكل مع ميكيل أويارزابال ثنائياً أنهى المباراة عملياً خلال أول أربع وعشرين دقيقة.

دونيس لم يضع الخطة المناسبة لضبط السرعة الإسبانية (د.ب.أ)

فمنذ الدقيقة الأولى، فرض يامال شخصيته على اللقاء، متجاوزاً متعب الحربي، ومرسلاً أول كرة عرضية، قبل أن يسدد مبكراً ويصنع فرصة لبيدرو بورو، ثم يسجل هدف التقدم بعد عشر دقائق إثر متابعة عرضية أرضية من أويارزابال.

هذا الهدف منح إسبانيا السيطرة الكاملة على المباراة، وأجبر المنتخب السعودي على التراجع أكثر، بينما تحرك أويارزابال ويامال وداني أولمو بحرية كبيرة بين الخطوط، مستفيدين من البطء في التغطية والمساحات التي ظهرت خلف الخط الدفاعي.

واعتمد دونيس على ثلاثة قلوب دفاع مع كتلة دفاعية منخفضة، لكن سرعة تداول الكرة الإسبانية والضغط العالي منذ البداية حرما لاعبيه من تنفيذ الفكرة بالصورة المطلوبة.

واعترف المدرب بعد اللقاء بأن فريقه لم يكن بالقوة الكافية في محيط منطقة الجزاء، وأن الهدف المبكر أثر على ثقة اللاعبين، لتزداد الأخطاء مع كل محاولة للخروج بالكرة، مؤكداً أن المشكلة لم تكن في الرسم التكتيكي بقدر ما كانت في عدم القدرة على تنفيذ التفاصيل الدفاعية أمام منافس يتحرك بسرعة كبيرة ويهاجم بعدد أكبر.

وتجسد هذا المشهد في أداء عدد من لاعبي المنتخب السعودي.

محمد العويس كان أحد أكثر اللاعبين تعرضاً للاختبار، وحصل على تقييم ثلاثة من عشرة. ورغم أن الأهداف الثلاثة الأولى جاءت نتيجة التفوق الهجومي الإسباني ولم يتحمل مسؤوليتها بشكل مباشر، فإن خروجه غير الموفق بالكرة في الدقيقة السادسة والثلاثين منح ميكيل أويارزابال فرصة محققة كادت تتحول إلى الهدف الرابع بعدما ارتطمت الكرة بالعارضة.

كما وجد نفسه في لقطة الهدف الرابع ضحية لسوء الحظ، بعدما تصدى لتسديدة مارك كوكوريا لترتد الكرة مباشرة إلى حسن تمبكتي وتدخل الشباك، لتنتهي ليلته بصورة مختلفة تماماً عن ظهوره المميز أمام أوروغواي.

أما حسن تمبكتي فكان صاحب أقل تقييم في المباراة بحصوله على درجتين من عشرة، بعد مواجهة صعبة مع التحركات الإسبانية المستمرة.

بدأت معاناته بتأخره في التغطية خلال الهدف الأول، إذ لم ينجح في التعامل مع التحرك الذي سبق عرضية أويارزابال، ما سمح ليامال بالوصول إلى الكرة والتسجيل من مسافة قريبة.

وفي الشوط الثاني ارتدت كرة كوكوريا التي أبعدها العويس من جسده إلى داخل المرمى معلنة تسجيل الهدف الرابع، قبل أن يقترب من تسجيل هدف آخر بالخطأ بعدما ارتدت كرة ثانية من فخذه، لينقذ العويس الموقف هذه المرة. كما واجه صعوبة كبيرة في التعامل مع التحركات المتبادلة بين أويارزابال ويامال، وفقد السيطرة على منطقة الجزاء في أكثر من مناسبة، ليعيش واحدة من أصعب مبارياته الدولية.

وفي الجهة اليسرى، نال متعب الحربي ثلاثة من عشرة بعد مباراة بالغة الصعوبة، إذ وجد نفسه منذ الثواني الأولى في مواجهة مباشرة مع لامين يامال، وخسر أغلب المواجهات الفردية أمام الجناح الإسباني الذي تجاوزه أكثر من مرة، وفرض عليه التراجع المستمر إلى مناطقه الدفاعية.

ولم يتمكن الحربي من تقديم أي إسهام هجومي طوال المباراة، بعدما فرضت السيطرة الإسبانية عليه أدواراً دفاعية متواصلة، ليغيب تأثيره المعتاد في الانطلاقات على الطرف الأيسر.

وفي المقابل، قدم ميكيل أويارزابال واحدة من أفضل مبارياته الدولية، فسجل هدفين وصنع الهدف الأول، مستفيداً من تحركاته الذكية داخل منطقة الجزاء وقدرته على استغلال المساحات، ليحصل على أعلى تقييم في اللقاء بثماني درجات من عشر.

ولم يكن لامين يامال أقل تأثيراً، بعدما منح الهجوم الإسباني السرعة والجرأة والمراوغة، وأعاد الحيوية إلى الطرف الأيمن، مكتفياً بشوط واحد سجل خلاله هدفاً وهدد المرمى بخمس محاولات قبل أن يقرر لويس دي لا فوينتي استبداله بين الشوطين حفاظاً عليه بعد حسم النتيجة.

كما فرض رودري إيقاع اللعب من وسط الملعب، وتحرك داني أولمو بحرية بين الخطوط ليصنع الهدف الثالث، بينما تولى إيمريك لابورت قيادة الخط الخلفي والخروج بالكرة وصناعة الهدف الثاني.

وبينما نجحت السعودية أمام أوروغواي في فرض إيقاعها الدفاعي وتقليص المساحات، كشفت مواجهة إسبانيا أن سرعة التنفيذ، والتحرك المستمر، وتبادل المراكز، والضغط العالي منذ الدقيقة الأولى، كانت كافية لتفكيك المنظومة السعودية مبكراً، ليصبح الهدف الأول نقطة التحول التي فقد بعدها الأخضر توازنه الذهني والفني، ولم يستطع العودة إلى المباراة حتى صفارة النهاية.


«مونديال 2026»: الأخضر يعود إلى أوستن

سالم الدوسري قائد الأخضر (المنتخب السعودي)
سالم الدوسري قائد الأخضر (المنتخب السعودي)
TT

«مونديال 2026»: الأخضر يعود إلى أوستن

سالم الدوسري قائد الأخضر (المنتخب السعودي)
سالم الدوسري قائد الأخضر (المنتخب السعودي)

عادت بعثة المنتخب السعودي مساء الأحد بتوقيت الولايات المتحدة (فجر الاثنين بتوقيت مكة المكرمة) إلى مدينة أوستن في ولاية تكساس الأميركية المقرّ الدائم للأخضر قادمةً من مدينة أتلانتا، وذلك بعد الفراغ من لقاء إسبانيا ضمن منافسات الجولة الثانية بمرحلة المجموعات التي خسرها المنتخب السعودي برباعية نظيفة.

ويستأنف الأخضر مساء الاثنين تدريباته بحصة في تمام السادسة مساءً على ملعب Q2 بمدينة أوستن، تحت إشراف المدير الفني جورجيوس دونيس، وستكون متاحة لوسائل الإعلام خلال ربع الساعة الأولى.

ويخوض المنتخب السعودي مباراة مصيرية وحاسمة يوم الجمعة (فجر السبت حسب توقيت مكة المكرمة)، حيث يتعين عليه الانتصار من أجل التأهل إلى دور الـ32 وتجنب المغادرة من مرحلة المجموعات.

المنتخب السعودي يحتل حالياً المركز الأخير في لائحة الترتيب بالمجموعة الثامنة برصيد نقطة وحيدة جاءت بعد تعادله أمام الأوروغواي في الجولة الأولى، في حين تتصدر إسبانيا بـ4 نقاط وتحضر الأوروغواي ثانياً بنقطتين وكذلك الرأس الأخضر التي تمتلك الرصيد النقطي ذاته.