هل تعمل واشنطن وطهران على مسودة واحدة للاتفاق؟

الخلافات تتركز على توقيت إنهاء الحرب وهرمز والملف النووي

إيرانية تمر بجوار جدارية حول المفاوضات على حائط السفارة الأميركية السابقة في طهران (إ.ب.أ)
إيرانية تمر بجوار جدارية حول المفاوضات على حائط السفارة الأميركية السابقة في طهران (إ.ب.أ)
TT

هل تعمل واشنطن وطهران على مسودة واحدة للاتفاق؟

إيرانية تمر بجوار جدارية حول المفاوضات على حائط السفارة الأميركية السابقة في طهران (إ.ب.أ)
إيرانية تمر بجوار جدارية حول المفاوضات على حائط السفارة الأميركية السابقة في طهران (إ.ب.أ)

لسنوات، حاول الوسطاء بين إيران والولايات المتحدة التوصل إلى اتفاق أولي قد يضع نهاية للحرب في نهاية المطاف. لكن هذه الجهود تعثرت مراراً بسبب اتهامات متبادلة بين الطرفين بالمماطلة أو تحريف شروط الاتفاق.

الآن، يقول مسؤولون مشاركون في المحادثات إن مسودة مذكرة جديدة قيد النقاش أصبحت أقرب إلى نيل موافقة الجانبين، رغم استمرار الخلافات حول بعض البنود. ولم يمنح الرئيس دونالد ترمب موافقته النهائية بعد.

ومن المتوقع أن تكون هذه الوثيقة إطاراً أولياً يمهد الطريق لمفاوضات أكثر عمقاً، وربما أكثر صعوبة وطولاً، لتحديد مستقبل البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات الأميركية على إيران، وإنهاء الحرب رسمياً.

وخلال الأيام الأخيرة، وقعت اشتباكات محدودة بين القوات الأميركية والإيرانية، ما زاد الضغط على المفاوضين للتوصل إلى اتفاق.

وقال دبلوماسيون مشاركون في المحادثات إن استمرار الجدل لفترة أطول قد يزيد من إحباط الجانبين، ويرفع احتمالات تبادل إطلاق النار، مما يهدد الجهود الدبلوماسية الأوسع.

فيما يلي بعض التفاصيل التي يجري التفاوض بشأنها في أحدث مقترح، حسب مسؤول إيراني ومسؤولين أميركيين ودبلوماسيين مشاركين في المحادثات، تحدثوا جميعاً بشرط عدم الكشف عن هوياتهم.

رجل أمن أمام لوحة لمحادثات إسلام آباد خارج مركز إعلامي أقيم لتغطية المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران (أ.ب)

إنهاء القتال... ولكن إلى متى؟

من المرجح أن يتضمن الاتفاق شروطاً لمعاهدة عدم اعتداء بين الولايات المتحدة وإيران. ويقول الوسطاء إن الاتفاق المتوقع سيتضمن جانباً إقليمياً، يشمل، حسب مسؤولين إيرانيين وأحد الدبلوماسيين، وقف القتال في لبنان.

ورغم وجود وقف لإطلاق النار هناك، فإن الطرفين واصلا انتهاكه باستمرار، كما صعّدت إسرائيل مؤخراً هجومها العسكري ضد جماعة «حزب الله» المدعومة من إيران.

لكن لا تزال هناك نقاط غامضة. فبسبب إجراء المفاوضات عبر وسطاء من باكستان وقطر، لم يكن واضحاً دائماً ما إذا كان الأميركيون والإيرانيون يعملون على النسخة نفسها من مذكرة التفاهم، أو من يملك تحديداً صلاحية الموافقة من الجانب الإيراني.

وقال دبلوماسيان مطلعان على أحدث البنود إن الاتفاق الأولي ينص على وقف الأعمال العدائية لمدة أولية تبلغ 60 يوماً، لإتاحة المجال للمفاوضات بين الجانبين، مع إمكانية تمديدها.

أما النسخة التي وصفها مسؤول إيراني فتتضمن «إعلان انتهاء الحرب» على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، طوال فترة المفاوضات. وقال مسؤولان إيرانيان إن شروط مذكرة التفاهم تتعلق فقط بمرحلة التفاوض على اتفاق أوسع وأكثر ديمومة.

الوفد الإيراني أثناء مشاركته في إحدى جلسات المفاوضات بباكستان (الخارجية الإيرانية)

هرمز نقطة خلاف رئيسية

كان من المتوقع أن يسمح الاتفاق بفترة من حرية الملاحة عبر مضيق هرمز، الممر البحري الحيوي للتجارة العالمية، الذي كان يمر عبره نحو خُمس النفط والغاز العالمي قبل الحرب.

وقد أدت الهجمات الإيرانية إلى إغلاق المضيق فعلياً بعد وقت قصير من بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي في فبراير (شباط)، مما هز الاقتصاد العالمي. ورداً على ذلك، فرضت البحرية الأميركية حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية ومنشآت الطاقة في الخليج العربي.

وحسب الفهم الأميركي لمذكرة التفاهم، سيُعاد فتح المضيق فوراً، لكن الحصار الأميركي سيستمر مع تخفيفه تدريجياً وفقاً لمقدار استعادة إيران لحركة الملاحة التجارية لما قبل الحرب. والهدف من ذلك تشجيع إيران على إزالة الألغام بسرعة.

وقال أحد الدبلوماسيين المطلعين على الإطار الأخير إن إيران وافقت على السماح بعودة حركة الملاحة إلى مستويات ما قبل الحرب لمدة 30 يوماً أثناء التفاوض على اتفاق نهائي. ومع ذلك، فإن إزالة الألغام وفتح المضيق قد يستغرقان أسابيع. وأضاف أن إيران لا تزال تتفاوض مع الولايات المتحدة حول ما سيحدث بعد تلك الفترة.

وقال مسؤول إيراني إن الاتفاق سيؤدي إلى رفع الحصار البحري الأميركي «خلال 30 يوماً» وفتح مضيق هرمز طوال فترة المحادثات، بينما لم تحدد الولايات المتحدة أي إطار زمني لذلك.

ويتمسك المفاوضون الإيرانيون بموقفهم القائل إن لإيران وسلطنة عمان، التي تحد أراضيها المضيق، الحق في تقرير فرض رسوم أو خدمات على السفن العابرة بعد تلك الفترة، وفقاً للوسطاء.

وفي الأربعاء الماضي، كرر ترمب تأكيده أن الممر المائي الدولي يجب أن يبقى مفتوحاً للجميع دون رسوم أو ضرائب عبور.

وقال الدبلوماسي إن بعض المفاوضين الأميركيين اقترحوا تأجيل مسألة الوضع طويل الأمد للمضيق إلى جولة ثانية من المحادثات.

«صندوق استثماري» لإيران بعد الحرب

ربما يكون أكثر ما يثير الدهشة، وربما أُضيف مؤخراً، هو الإشارة إلى صندوق استثماري لإيران ضمن الاتفاق. وقدّر المسؤول الإيراني وأحد الدبلوماسيين قيمة الصندوق بـ300 مليار دولار، بينما امتنع مسؤولون آخرون عن تأكيد الرقم.

ووصفه مسؤول إيراني بأنه «برنامج إعادة إعمار» سيُعرض على إيران إذا تم التوصل إلى اتفاق نهائي. وكانت إيران قد طالبت سابقاً بتعويضات عن أضرار القصف، قدّرها بعض المسؤولين الإيرانيين بما بين 300 مليار وتريليون دولار.

ووصف دبلوماسيان مطلعان على المسودة الأخيرة المشروع بأنه «صندوق استثماري دولي» ستساعد الولايات المتحدة في تسهيله حال التوصل إلى اتفاق نهائي. وأضافا أن تفاصيل الصندوق ستناقش خلال فترة التفاوض.

ويبدو أن هذا الاقتراح تطوير لفكرة طرحها سابقاً ستيف ويتكوف، مبعوث ترمب للشرق الأوسط، وجاريد كوشنر، صهر الرئيس. وكلاهما مستثمر عقاري، وقد قال بعض الوسطاء إنهما اقترحا تشجيع مشاريع عقارية في إيران وإنشاء صندوق استثماري إذا تم التوصل إلى اتفاق.

كما قال مسؤولون إيرانيون إنهم اقترحوا على المفاوضين الأميركيين السماح لشركات أميركية، بما فيها شركات النفط والطاقة الكبرى، بالدخول إلى إيران للاستثمار وعقد شراكات مشتركة.

تأجيل المحادثات النووية

قال مسؤول إيراني ودبلوماسيان إن مسودة الاتفاق تتضمن تعهداً من الجانبين بالتفاوض حول مصير اليورانيوم الإيراني المخصب.

وستُجرى تلك المحادثات خلال المرحلة الثانية من المفاوضات، وستتناول كيفية التخلص من مخزون إيران البالغ نحو 970 رطلاً من اليورانيوم القابل للتخصيب سريعاً إلى مستوى صالح لصنع أسلحة نووية. كما توجد عشرة أطنان أخرى من المواد النووية المخصبة بمستويات أقل سيتعين على المفاوضين التعامل معها.

وكان ترمب قد قال في البداية إنه يجب إرسال تلك المخزونات إلى الولايات المتحدة، بينما تريد إيران تخفيف جزء من اليورانيوم المخصب على أراضيها تحت إشراف دولي، وإرسال الجزء الآخر إلى دولة ثالثة. وأظهر ترمب مرونة جزئية هذا الأسبوع في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، إذ قال إن تخفيف التخصيب تحت إشراف دولي أو نقله إلى دولة ثالثة قد يكون مقبولاً أيضاً. لكنه قال يوم الأربعاء إنه غير مرتاح لفكرة نقل المخزون إلى روسيا أو الصين.

وحسب النسخة التي وصفها المسؤول الإيراني، ستقوم إيران بتعليق برنامجها النووي مقابل تعهد أميركي بعدم تشديد العقوبات أثناء التفاوض على اتفاق نهائي.

وأضاف المسؤول الإيراني أن العقوبات الأميركية الحالية المفروضة على إيران - التي فُرض معظمها بسبب برنامجها النووي - سترفع تدريجياً إذا تم التوصل إلى اتفاق نهائي.

محطة بوشهر النووية الإيرانية (أرشيفية - رويترز)

الأصول المجمدة

من المتوقع أن يسمح الاتفاق الإطاري بالإفراج التدريجي عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة، حسب المسؤولين الثلاثة المطلعين على المسودة. لكن ما هو مكتوب قد لا يطابق تماماً ما يتفق عليه الطرفان شفهياً.

وتملك إيران نحو 24 مليار دولار من أموالها المجمدة في بنوك خارجية، وتصر على أن أي مفاوضات جادة لا يمكن أن تبدأ دون الإفراج عنها. ويُعد هذا الملف حساساً بالنسبة لترمب بسبب انتقاداته الحادة للرئيس السابق باراك أوباما بعد أن أرسلت إدارته 1.7 مليار دولار إلى إيران مقابل إطلاق سراح أربعة أميركيين محتجزين، فيما وصفه منتقدون بـ«فضيحة منصات الأموال النقدية».

وقد يؤدي السماح بالإفراج عن مبالغ أكبر بكثير مما فعله أوباما إلى تعريض ترمب لهجمات من خصومه والمتشددين تجاه إيران. ولذلك أوضح ترمب لمساعديه أنه لن يوافق على أي اتفاق يمكن تفسيره على أن الولايات المتحدة تقدم مدفوعات نقدية مباشرة لإيران.

ولهذا السبب، طوّر فريق ترمب أفكاراً تتضمن قيام دول أخرى، مثل قطر، بالإفراج عن الأموال لصالح الإيرانيين.

ومن المتوقع أن تنص النسخة المكتوبة من المسودة على الإفراج التدريجي عن الأموال، حسب المسؤول الإيراني والدبلوماسيين المطلعين على الخطة. وقد قالت إيران إنها تريد الوصول إلى ما يصل إلى 20 مليار دولار من الأصول المجمدة في الشرق الأوسط.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«الخارجية الأميركية» تؤكد طرد عضوين من الوفد الإيراني إلى الأمم المتحدة

شؤون إقليمية عباس عراقجي يغادر المنصة بعد حديثه إلى وسائل الإعلام خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)

«الخارجية الأميركية» تؤكد طرد عضوين من الوفد الإيراني إلى الأمم المتحدة

أعلنت الخارجية الأميركية، أن واشنطن طردت عضوين من الوفد الإيراني الذي شارك في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤخرا بعد تجاهلهما أمرا بمغادرة البلاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية مسيّرة إيرانية معروضة بجوار لوحة تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)

إيران تحت ضغط الحرب والعقوبات... اعتقالات وانهيار للريال

تتزايد الضغوط على إيران مع استمرار الحرب، والعقوبات الأميركية، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، في وقت تكثف فيه السلطات حملاتها الأمنية ضد من تتهمهم بالارتباط بأميركا

«الشرق الأوسط» (طهران - لندن)
شؤون إقليمية طائرة «إي - 2 دي هوك آي» تهبط على سطح حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج واشنطن» (أ.ف.ب)

حرب إيران... يوميات آلاف البحارة على متن «جورج واشنطن»

ينطلق إنذار الطوارئ عبر مكبرات الصوت، فيهرع ديمون دينارد وبحارة آخرون إلى مواقعهم على سطح حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج واشنطن».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم) p-circle

واشنطن ترسم خياراتها العسكرية تجاه إيران

اجتمع كبار مسؤولي الأمن القومي الأميركي في كامب ديفيد لبحث الخطوات المقبلة، فيما صعّد ترمب لهجته تجاه طهران ملوّحاً باستمرار العمليات العسكرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - لندن - طهران)
أوروبا أرشيفية لمقاتلة من طراز «إف - 16» تابعة لسلاح الجو الأميركي (أ.ف.ب)

الادعاء البرتغالي يحقق في قانونية استخدام أميركا قاعدة لاجيس في حرب إيران

قال ممثلو ادعاء برتغاليون، اليوم السبت، إنهم فتحوا تحقيقاً في مدى ​قانونية سماح حكومة يمين الوسط للولايات المتحدة باستخدام قاعدة لاجيس الجوية.

«الشرق الأوسط» (لشبونة)

«الخارجية الأميركية» تؤكد طرد عضوين من الوفد الإيراني إلى الأمم المتحدة

عباس عراقجي يغادر المنصة بعد حديثه إلى وسائل الإعلام خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)
عباس عراقجي يغادر المنصة بعد حديثه إلى وسائل الإعلام خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)
TT

«الخارجية الأميركية» تؤكد طرد عضوين من الوفد الإيراني إلى الأمم المتحدة

عباس عراقجي يغادر المنصة بعد حديثه إلى وسائل الإعلام خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)
عباس عراقجي يغادر المنصة بعد حديثه إلى وسائل الإعلام خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)

أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، السبت، أن الولايات المتحدة «طردت" عضوين من الوفد الإيراني الذي شارك في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤخرا بعد تجاهلهما أمرا بمغادرة البلاد.

وقال مسؤول أميركي، إن «عضوين إضافيين من الوفد الإيراني تبين أنهما لا يزالان موجودين في نيويورك بعد فترة طويلة من انتهاء أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة. الآن تم طردهما من الولايات المتحدة»، مشيراً إلى أن وزير الخارجية ماركو روبيو «جاد في ما يقول».

وبحسب وكالة الصحافة الفرنسية، ذكرت وسائل إعلام أميركية أن الخارجية كانت قد طلبت من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ووفده مغادرة البلاد الاثنين، ولجأت إلى طرد العضوين المذكورين بعد أن علمت من البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة بأنهما لا يزالان في البلاد الجمعة.

ووفقا لموقع «أكسيوس»، غادر أحد عضوي الوفد ليل الجمعة، بينما غادر الثاني صباح السبت.

وكان مسؤولون أميركيون وإيرانيون قد التقوا في نيويورك الأسبوع الماضي على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد رفض مقترحا من طهران لإعادة فتح مضيق هرمز في سبعة أيام، لكنه صرح لوسائل إعلام أميركية بأنه يتوقع استئناف المحادثات خلال الأيام المقبلة.

في المقابل، أفادت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا) بأنه لا توجد محادثات مباشرة أخرى مقررة بين طهران وواشنطن.


ترمب يدرس العودة إلى «العمليات الكبرى»

ناقلة نفط هندية بعد عبور مضيق هرمز في محطة تفريغ بالهند (رويترز)
ناقلة نفط هندية بعد عبور مضيق هرمز في محطة تفريغ بالهند (رويترز)
TT

ترمب يدرس العودة إلى «العمليات الكبرى»

ناقلة نفط هندية بعد عبور مضيق هرمز في محطة تفريغ بالهند (رويترز)
ناقلة نفط هندية بعد عبور مضيق هرمز في محطة تفريغ بالهند (رويترز)

في وقت تتصاعد فيه التهديدات الأميركية لإيران وتتعثر الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب، تكثّف إدارة الرئيس دونالد ترمب مشاوراتها بشأن المرحلة المقبلة، وسط مؤشرات على تصاعد فرص الخيار العسكري.

وفي ظل هذه الأجواء، طلب الرئيس ترمب من كبار مسؤولي إدارته دراسة فرص العودة إلى «العمليات الكبرى»، ملوّحاً باستمرار الأعمال القتالية إذا لم تتوصل طهران إلى اتفاق مع واشنطن.

ونقل موقع «أكسيوس» عن ثلاثة مسؤولين أميركيين أن كبار المسؤولين عقدوا اجتماعاً سرياً في كامب ديفيد استمر ساعات، لبحث الخطوات المقبلة في الحرب مع إيران، تحسباً لمرحلة جديدة من المواجهة. وأوضح الموقع الإخباري أن نائب الرئيس جي دي فانس ترأس الاجتماع الذي شارك فيه وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، ومبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين.

وقال أحد المسؤولين للموقع إن «بعض الأمور قد حُسم في هذا الاجتماع، والبعض الآخر نوقش بعمق».


إيران تحت ضغط الحرب والعقوبات... اعتقالات وانهيار للريال

مسيّرة إيرانية معروضة بجوار لوحة تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)
مسيّرة إيرانية معروضة بجوار لوحة تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)
TT

إيران تحت ضغط الحرب والعقوبات... اعتقالات وانهيار للريال

مسيّرة إيرانية معروضة بجوار لوحة تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)
مسيّرة إيرانية معروضة بجوار لوحة تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)

تتزايد الضغوط على إيران مع استمرار الحرب، والعقوبات الأميركية، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، في وقت تكثف فيه السلطات حملاتها الأمنية ضد من تتهمهم بالارتباط بالولايات المتحدة، وإسرائيل، أو المشاركة في أعمال احتجاجية. وأعلنت طهران يوم السبت تفكيك أربع شبكات، واعتقال 31 شخصاً في محافظة كرمان، بالتزامن مع إعلان القضاء تنفيذ حكم إعدام بحق رجل اعتُقل على خلفية احتجاجات يناير (كانون الثاني). وفي موازاة ذلك، واصل الريال الإيراني تراجعه ليسجل مستوى قياسياً جديداً، مع تجاوز سعر اليورو ثلاثة ملايين ريال في السوق المفتوحة.

تفكيك 4 شبكات واعتقال 31 شخصاً

أعلنت وزارة الأمن الإيرانية تفكيك أربع شبكات منظمة، واعتقال 31 شخصاً في مدينة سيرجان بمحافظة كرمان جنوب شرقي البلاد، متهمة أفرادها بالارتباط بجهات «أميركية - صهيونية» والتخطيط لأعمال تستهدف الأمن، والممتلكات العامة، والخاصة.

وقالت الوزارة إن العملية استندت إلى بلاغات من المواطنين، ومعلومات استخباراتية، وإن التحقيقات كشفت، وفق روايتها، عن خطط لإثارة اضطرابات، وتنفيذ أعمال تخريبية في الشوارع. وأضافت أن المجموعات كانت تستعد لتصنيع كميات كبيرة من زجاجات «المولوتوف»، وأدوات تستهدف كاميرات المراقبة في المدينة، وفق ما ذكرت وكالة «تسنيم».

واتهمت الوزارة المعتقلين بالمشاركة في أعمال عنف وتخريب خلال الاضطرابات التي شهدتها البلاد في يناير، بينها إحراق مبنى المحافظة، وإلحاق أضرار بالبنوك، والمؤسسات الحكومية، والممتلكات العامة، والخاصة، فضلاً عن مهاجمة مركز للشرطة في محاولة، بحسب الرواية الرسمية، للاستيلاء على أسلحة.

ولم تقدم السلطات الإيرانية تفاصيل مستقلة عن هوية المعتقلين، أو الإجراءات القضائية بحقهم، فيما تأتي الاعتقالات في سياق أمني مشدد منذ الاحتجاجات التي اندلعت أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2025 على خلفية الأوضاع الاقتصادية، قبل أن تتسع لتشمل مطالب سياسية.

إعدام مشارك في احتجاجات يناير

شهدت ⁠إيران عدداً كبيراً من عمليات إعدام المدانين بالمشاركة في الاحتجاجات الشعبية (أرشيفية)

وفي تطور منفصل، أعلنت السلطة القضائية الإيرانية تنفيذ حكم الإعدام بحق سياوش جمشيدي خير آبادي، الذي اعتُقل خلال احتجاجات يناير، بعد إدانته بإطلاق النار على الشرطة، وارتكاب جرائم مرتبطة بالأمن القومي.

وقالت السلطة القضائية إن جمشيدي أطلق ثلاث رصاصات على الأقل باتجاه أفراد الشرطة في الثامن من يناير، وإنه اعتُقل بعد يومين في مدينة شهركرد، وكان بحوزته مسدس. كما اتهمته بالتواصل عبر الإنترنت مع أشخاص لتنظيم أنشطة وصفتها بأنها «مناهضة للأمن»، والسعي للحصول على أموال مقابل تنفيذ «مهمة».

وتقول السلطات الإيرانية إن الاحتجاجات التي بدأت في 28 ديسمبر بسبب الصعوبات الاقتصادية تحولت إلى مظاهرات واسعة طالبت بإنهاء حكم المؤسسة الدينية. كما اتهمت جماعات مسلحة وعناصر مدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل بالمشاركة في الاحتجاجات، وبعض أعمال العنف.

ويأتي إعلان الإعدام وسط انتقادات دولية متزايدة لأحكام الإعدام المرتبطة بالاحتجاجات. وأفادت تقارير بأن عشرات الدول أعربت في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة هذا الأسبوع عن قلقها من تنفيذ أحكام إعدام بحق محتجين، ودعت إلى وقفها.

الريال يتجاوز حاجز 3 ملايين لليورو

صراف يحمل أوراقاً نقدية من الريال الإيراني في طهران يوم 17 أغسطس 2026 (رويترز)

وفي الجانب الاقتصادي واصل الريال الإيراني هبوطه الحاد في السوق المفتوحة، متجاوزاً للمرة الأولى حاجز ثلاثة ملايين ريال مقابل اليورو.

وبلغ سعر اليورو نحو 3.015 مليون ريال في تعاملات يوم السبت، وفق بيانات سوق الصرف المفتوحة، في وقت اقترب فيه الدولار من 2.7 مليون ريال. وكانت قيمة الدولار قد ارتفعت بأكثر من 8 في المائة خلال أقل من أسبوع، وفق بيانات منشورة عن السوق.

ويأتي هذا الانخفاض في وقت تتزايد فيه الضغوط على الاقتصاد الإيراني نتيجة العقوبات، والقيود المفروضة على صادرات النفط، وتكاليف الحرب. وتشير بيانات اقتصادية حديثة إلى أن أسعار المستهلكين ارتفعت في سبتمبر (أيلول) بنسبة 89.8 في المائة مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، بينما بلغ متوسط التضخم خلال الأشهر الـ12 السابقة 73.6 في المائة.

ويؤدي تراجع العملة إلى زيادة كلفة السلع المستوردة، والمواد الخام، والأدوية، والآلات، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على أسعار السلع المحلية، ويزيد تآكل القوة الشرائية للأسر، والشركات.

الحرب تضاعف الضغوط الاقتصادية

إيرانيون يتسوقون في بازار تجريش شمال طهران (إ.ب.أ)

وتبدو تداعيات انهيار الريال أكثر وضوحاً في أسعار المواد الغذائية، التي يقول سكان في طهران إنها شهدت ارتفاعات كبيرة خلال الأشهر الأخيرة.

ووفق الأرقام الواردة في التقرير، تضاعف سعر رغيف الخبز من نحو 250 ألف ريال إلى 500 ألف ريال، فيما صعد سعر كيلوغرام الأرز من 3.5 مليون ريال إلى نحو 5.5 مليون ريال. وأصبح شراء اللحوم أكثر صعوبة بالنسبة إلى عدد متزايد من الأسر.

ويضاف إلى ذلك تراجع قيمة الدخول الحقيقية، مع ارتفاع تكاليف المعيشة بوتيرة تفوق قدرة كثير من الأسر على مواكبتها، ما يجعل الأزمة الاقتصادية أحد العوامل الرئيسة التي تزيد الضغط الاجتماعي في البلاد.

وتتزامن الأزمة النقدية مع استمرار الضغوط الخارجية على إيران. فبعد إغلاق طهران مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، فرضت الولايات المتحدة حصاراً على الموانئ الإيرانية بهدف زيادة الضغط الاقتصادي، بينما تراجعت تجارة النفط الإيرانية بصورة حادة.

كما فرضت واشنطن عقوبات إضافية على جهات تقول إنها تدعم إيران، من بينها بنوك، وشركات طيران، في إطار سياسة تهدف إلى تقليص قدرة طهران على الوصول إلى العملات الأجنبية، ومصادر الدخل.

وبذلك تواجه إيران ضغوطاً متزامنة على ثلاثة مستويات: أمني وسياسي بفعل استمرار الملاحقات المرتبطة بالاحتجاجات، واقتصادي نتيجة انهيار العملة وارتفاع الأسعار، وخارجي نتيجة الحرب، والعقوبات، والقيود على صادرات النفط. وتزيد هذه العوامل مجتمعة من صعوبة احتواء التداعيات الاجتماعية للأزمة في الداخل.