حرب السودان... هل اقتربت لحظة التسوية؟

الإنهاك العسكري والمجاعة والضغوط الدولية تدفع أطراف الصراع نحو لحظة مفصلية

طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)
طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)
TT

حرب السودان... هل اقتربت لحظة التسوية؟

طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)
طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)

بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، يبدو السودان أمام لحظة مختلفة سياسياً وإنسانياً. ليس لأن المعارك توقفت، أو لأن أحد طرفي الصراع حسم المواجهة عسكرياً، بل لأن تكلفة استمرار الحرب أصبحت تتجاوز قدرة الجميع على الاحتمال؛ داخلياً وإقليمياً ودولياً.

ومع تصاعد الضغوط الدولية، والتحركات الإقليمية المكثفة، والانهيار الإنساني المتسارع، تتكرر الأسئلة ذاتها في الأوساط السياسية والإعلامية: هل اقتربت الحرب من لحظة التسوية؟ أم أن السودان الموبوء بالحروب يتجه نحو صراع طويل يشبه حروبه السابقة؟

التاريخ السوداني لا يقدم إجابات مطمئنة، فمعظم الحروب الكبرى في البلاد امتدت لعقود؛ الحرب الأهلية الأولى في الجنوب استمرت 17 عاماً (1955 - 1972)، والثانية 22 عاماً (1983 - 2005)، بينما استمرت حرب دارفور نحو 17 عاماً (2003 - 2020) وجميعها حُسِمت بالعودة إلى الحوار والتفاهم والسلام. لذلك يضع السودانيون قلوبهم بين أيديهم خشية أن تتحول الحرب الحالية إلى فصل جديد من تلك الحروب الطويلة والمفتوحة.

لكن ثمة من يرى أن هذه الحرب تختلف عن سابقاتها.

فمنذ اندلاع المواجهات بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، في أبريل (نيسان) 2023، راهن الطرفان على حسم عسكري سريع. غير أن دخول الحرب عامها الرابع كشف بوضوح حدود هذا الرهان؛ فالمعارك التي تمددت من الخرطوم إلى بورتسودان، ودارفور وكردفان ثم النيل الأزرق، لم تنتج انتصاراً حاسماً لأي طرف، لكنها دفعت البلاد إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ومع تعقّد المشهد الميداني، بدأ المجتمع الدولي ينظر إلى الحرب السودانية باعتبارها تهديداً يتجاوز حدود السودان نفسه؛ فالتوترات المتصاعدة في البحر الأحمر، ومخاوف اتساع الفوضى في القرن الأفريقي، وتزايد موجات النزوح والهجرة غير الشرعية، كلها عوامل دفعت العواصم الغربية والإقليمية إلى تكثيف الضغوط من أجل الوصول إلى تسوية سياسية.

وفي هذا السياق، شكّل مؤتمر برلين الأخير محطة مهمة، بعدما أجمعت عشرات الدول والمنظمات الدولية على أن الأزمة السودانية «لا يمكن حسمها عسكرياً»، وأكدت دعمها الواضح لمسار تفاوضي شامل. كما كثفت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تحركاتهما الدبلوماسية للدفع نحو وقف إطلاق النار؛ خصوصاً مع تزايد المخاوف من اتساع دائرة الفوضى في المنطقة.

المشاركون في مؤتمر برلين لمناقشة الأزمة الإنسانية في السودان منتصف أبريل الماضي (إكس)

ومن أبرز المؤشرات على هذا التحول، تصريحات مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، الذي أكد أنه «لا وجود لحل عسكري للنزاع في السودان»، مشيراً إلى وجود «إجماع دولي» لدفع الأطراف نحو التفاوض ووقف إطلاق النار. كما تحدث عن جهود أميركية لدعم هدنات إنسانية تمهّد لوقف دائم للقتال.

صحيح أن هذا التحول الدولي لا يعني بالضرورة أن التسوية أصبحت وشيكة، لكنه يكشف عن قناعة متزايدة لدى القوى المؤثرة بأن استمرار الحرب قد يقود إلى انهيار الدولة السودانية بالكامل، وهو سيناريو تخشاه قوى إقليمية ودولية عديدة، خاصة دول الجوار.

وشهدت الأشهر الأخيرة حراكاً إقليمياً أكثر نشاطاً مقارنة بالسنوات الأولى للحرب، حين وُصفت بأنها «الحرب المنسية»؛ فهناك تنسيق متزايد بين الاتحاد الأفريقي، ومنظمة «إيغاد»، وجامعة الدول العربية، إلى جانب تحركات خليجية ومصرية وأفريقية تهدف إلى منع تفكك السودان أو تحوله إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح.

وتدرك هذه الأطراف أن استمرار الحرب لن يهدد السودان وحده، بل سيؤثر مباشرة على أمن البحر الأحمر، وحركة التجارة الدولية، واستقرار دول الجوار، بما يجعل التوصل إلى تسوية سياسية ضرورة إقليمية، وليس مجرد مطلب سوداني داخلي.

في الداخل السوداني، ورغم أن الجيش السوداني لا يزال متمسكاً بخطاب استمرار العمليات العسكرية، أبقى الباب موارباً أمام الحلول السياسية. ففي تصريحات بدت ذات دلالات سياسية، قال البرهان، أخيراً، إن «أي شخص وصل إلى قناعة ووضع السلاح، فإن حضن الوطن مفتوح له»، وهي رسالة فسّرها مراقبون باعتبارها محاولة لفتح الباب أمام تسويات محتملة أو تشجيع انشقاقات داخل «قوات الدعم السريع»، عبر تقديم ضمانات ضمنية للراغبين في العودة والانخراط في ترتيبات جديدة.

ومع ذلك، يواصل البرهان التأكيد في أكثر من مناسبة بأن الجيش «ماضٍ في استعادة الدولة ومؤسساتها»، في مؤشر يعكس تمسك المؤسسة العسكرية بسقفها السياسي والعسكري في أي مفاوضات مقبلة، وهو ما يشير إلى أن الطريق نحو تسوية شاملة لا يزال محفوفاً بتعقيدات كبيرة، رغم تزايد الضغوط لإنهاء الحرب.

ضغوط إنسانية

لكن العامل الأكثر ضغطاً على جميع الأطراف ربما لم يعد عسكرياً أو سياسياً، بل إنسانيّ. فقد حذّرت الأمم المتحدة ومنظمات الغذاء الدولية من أن السودان يواجه حالياً واحدة من أكبر أزمات الجوع في العالم. ووفق تقرير «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)» الصادر في مايو (أيار) 2026. يعاني نحو 20 مليون سوداني مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، فيما يواجه عشرات الآلاف خطر المجاعة، مع وجود مناطق عدة مهددة بكارثة إنسانية إذا استمرت الحرب.

وقالت المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي، سيندي ماكين، إن «الجوع وسوء التغذية يهددان حياة الملايين»، داعية إلى تحرك عاجل لمنع تحوّل الأزمة إلى «مأساة كبرى».

أما المديرة التنفيذية لـ«اليونيسف»، كاثرين راسل، فقد وصفت الوضع الإنساني بأنه بلغ مرحلة مأساوية، مشيرة إلى أن أطفالاً يصلون إلى المرافق الصحية «وهم أضعف من أن يبكوا».

المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي سيندي ماكين حذرت من «كارثة إنسانية كبرى» في السودان (رويترز)

وفي الأوساط السودانية، بدأت تتسع دائرة الأصوات الداعية إلى إنهاء الحرب، رغم استمرار الانقسام حول شكل التسوية الممكنة. ويرى بعض المحللين المقربين من الجيش أن تراجع التأييد الشعبي لاستمرار الحرب لا يعني بالضرورة قبول بقاء «قوات الدعم السريع» كقوة موازية للدولة، ما يجعل أي تسوية مستقبلية مرتبطة بإعادة بناء مؤسسة عسكرية موحدة.

كما يرى مراقبون أن تصاعد الضغوط الدولية، إلى جانب الإنهاك العسكري والتدهور الإنساني، قد يدفع الأطراف المتحاربة إلى قبول تسوية سياسية خلال المرحلة المقبلة. وفي هذا السياق، قال الأمين السياسي لحزب المؤتمر السوداني، شريف محمد عثمان، إنه «لا حل عسكرياً ولا سلام دون قيادة مدنية حقيقية»، في إشارة إلى أن إنهاء الحرب يتطلب تسوية شاملة تعيد بناء الدولة ومؤسساتها.

اقرأ أيضاً

ويرى مراقبون آخرون أن المشهد السوداني يقف حالياً عند نقطة توازن معقدة بين احتمالات السلام واستمرار الحرب. ويقول المحلل السياسي محمد لطيف إن المعطيات الدولية والضغوط الخارجية ومعاناة المواطنين تجعل السلام «أقرب من أي وقت مضى»، لكنه يشير في المقابل إلى أن استمرار فتح جبهات جديدة للقتال، وتعقيدات المشهد الإقليمي لا تزال تدفع نحو إطالة أمد الصراع، ما يبقي كل الاحتمالات مفتوحة.

ومن زاوية أمنية واستراتيجية، يرى الخبير العسكري العميد الدكتور جمال الشهيد أن السودان يقف أمام مفترق طرق بالغ الخطورة، بين تسوية سياسية تفرضها حالة الإنهاك العسكري والضغوط الدولية، والانزلاق إلى نموذج «الحرب الممتدة»؛ حيث لا يتمكن أي طرف من تحقيق حسم كامل، بينما تتآكل مؤسسات الدولة تدريجياً تحت وطأة الاستنزاف العسكري والاقتصادي والإنساني.

ويحذر الشهيد من أن عامل الزمن لم يعد في صالح السودان، وأن كل يوم إضافي من الحرب يضاعف تكلفة السلام مستقبلاً.

ورغم كل هذه المؤشرات، فإن الأسئلة الكبرى لا تزال مفتوحة: هل وصلت الحرب فعلاً إلى مرحلة الإنهاك التي تسبق التسويات؟ أم أن السودان لا يزال في بداية صراع طويل لم تتشكل ملامح نهايته بعد؟


مقالات ذات صلة

هل ينزلق الصراع السوداني إلى حرب إقليمية؟

تحليل إخباري جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف (شرق) 17 أغسطس (أ.ف.ب)

هل ينزلق الصراع السوداني إلى حرب إقليمية؟

لم تعد المخاوف من تحول حرب السودان إلى نزاع إقليمي مجرد تقديرات يطرحها مراقبون، بل تجاوزتها إلى ضربات واتهامات متبادلة ما يثير القلق الدولي

عيدروس عبد العزيز (لندن)
شمال افريقيا منشقون عن «الدعم السريع» يصلون في مركبات إلى الغرب من أم درمان خلال استسلامهم فيما يبدو للجيش السوداني يوم 19 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

تقرير بعثة تابعة للأمم المتحدة: تجنيد مقاتلين أجانب يؤجج حرب السودان

حذّرت بعثة تابعة للأمم المتحدة، في تقرير، بأن تجنيد مقاتلين أجانب، والدعم الخارجي، يؤججان النزاع في السودان، ويفاقمان أعمال العنف بحق المدنيين...

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في فعالية بالخرطوم يوم 15 أغسطس الماضي بمناسبة ذكرى تأسيس الجيش (أ.ف.ب)

الجيش السوداني يواصل التحشيد العسكري في النيل الأزرق

قال رئيس هيئة أركان الجيش السوداني، الفريق أول ركن ياسر العطا، إن القوات المسلحة تعتزم تحريك القوات دون توقف إلى جبهات القتال.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في فعالية بالخرطوم يوم 15 أغسطس الماضي بمناسبة ذكرى تأسيس الجيش (أ.ف.ب)

الاتحاد الأفريقي يُرحب بالحوار السوداني... وقوى سياسية تحذّر من التقسيم

أصدر رئيس «مجلس السيادة» القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان قراراً بشطب البلاغات الجنائية ضد المشاركين في الحوار السوداني.

محمد أمين ياسين (نيروبي) وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا قاعدة أصوصا

السودان يرصد تحركات عسكرية على الحدود مع إثيوبيا

قال محافظ مدينة الكرمك في ولاية النيل الأزرق، جنوب شرقي السودان، عبد العاطي محمد الفكي، إن الجيش «يمتلك زمام المبادرة» رغم هجمات المسيّرات من إثيوبيا.

وجدان طلحة (الخرطوم)

قلق أوروبي إزاء تثبيت الأحكام في قضية «التآمر على أمن الدولة» في تونس

أحمد نجيب الشابي من بين المسجونين في قضية التآمر (رويترز)
أحمد نجيب الشابي من بين المسجونين في قضية التآمر (رويترز)
TT

قلق أوروبي إزاء تثبيت الأحكام في قضية «التآمر على أمن الدولة» في تونس

أحمد نجيب الشابي من بين المسجونين في قضية التآمر (رويترز)
أحمد نجيب الشابي من بين المسجونين في قضية التآمر (رويترز)

أعرب الاتحاد الأوروبي، الجمعة، عن قلقه بعد أن أيدت محكمة النقض التونسية الأحكام المشددة الصادرة بحق نحو 40 شخصاً، بينهم معارضون بارزون، في قضية «التآمر على أمن الدولة».

ومن بين المسجونين في القضية المعارض المخضرم أحمد نجيب الشابي، والمحامي العياشي الهمامي، والقيادي البارز السابق في حركة النهضة عبد الحميد الجلاصي، والوزير السابق الوسطي غازي الشواشي، والناشطة شيماء عيسى.

وقال المتحدث باسم الشؤون الخارجية في المفوضية الأوروبية كريستيان فيغاند في تصريحات نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية»: «تابع الاتحاد الأوروبي بقلق الأحكام التي أيدتها محكمة التعقيب التونسية في 3 سبتمبر (أيلول) فيما يُعرف بقضية التآمر على أمن الدولة، والتي أسفرت عن أحكام بالسجن لفترات طويلة بحق العشرات من الشخصيات السياسية، والنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحافيين»، مضيفاً أن «بعض الأسئلة لا تزال قائمة بشأن الامتثال الكامل لضمانات المحاكمة العادلة».

وتابع المتحدث موضحاً: «يستنكر الاتحاد الأوروبي استخدام الاتصالات مع الدبلوماسيين المعتمدين في تونس، بمن فيهم الأوروبيون، أساساً لتوجيه اتهام أو دليلاً يدين المتهمين».

واختتم فيغاند قائلاً: «ندعو السلطات التونسية إلى إعادة تهيئة الظروف اللازمة حتى تسهم التعددية والأصوات المستقلة في تنمية البلاد». ورفضت محكمة النقض التي تسمى في تونس محكمة التعقيب، الخميس، الطعون المقدمة في هذه القضية، ما جعل الأحكام القاسية التي تصل إلى السجن لمدة 45 عاماً نهائية. وأثار تحديد موعد الجلسة انتقادات حادة؛ إذ ندّد عدد من المحامين بالإعلان عنها قبل أيام قليلة من انعقادها، ما حال دون إعدادهم لدفاعهم بالشكل الملائم في قضية تنطوي على رهانات سياسية كبيرة.

وقبل الجلسة، حضّت «منظمة العفو الدولية» السلطات التونسية على إلغاء أحكام الإدانة، التي عدّتها «ظالمة»، والإفراج عن المسجونين في هذه القضية. ومنذ استئثار الرئيس قيس سعيّد بالسلطة في 25 يوليو (تموز) 2021، تندد المعارضة والمجتمع المدني بتراجع الحقوق والحريات في تونس.


الإعلام المغربي يندد بتقرير للشرطة الإسبانية عن تدفق المهاجرين إلى سبتة

 أكثر من 70 ألف مهاجر قد عبروا من المغرب إلى سبتة في موجة غير مسبوقة (د.ب.أ)
أكثر من 70 ألف مهاجر قد عبروا من المغرب إلى سبتة في موجة غير مسبوقة (د.ب.أ)
TT

الإعلام المغربي يندد بتقرير للشرطة الإسبانية عن تدفق المهاجرين إلى سبتة

 أكثر من 70 ألف مهاجر قد عبروا من المغرب إلى سبتة في موجة غير مسبوقة (د.ب.أ)
أكثر من 70 ألف مهاجر قد عبروا من المغرب إلى سبتة في موجة غير مسبوقة (د.ب.أ)

انتقد الإعلام المغربي بشدّة، الجمعة، تقريراً للشرطة الإسبانية أشار إلى «تهاون تام» للقوّات المغربية في مواجهة تدفّق عشرات آلاف المهاجرين إلى جيب سبتة الذي تحتله إسبانيا شمال المغرب في أواخر يوليو (تموز).

وكان أكثر من 70 ألف مهاجر قد عبروا من المغرب إلى سبتة يومَي 30 و31 يوليو الماضي، في موجة غير مسبوقة أسفرت عن مقتل العشرات، معظمهم غرقاً، في أثناء محاولتهم السباحة حول حاجز بحري.

وأشار تقرير للشرطة الإسبانية -اطلعت عليه «وكالة الصحافة الفرنسية»، يوم الأربعاء- إلى «تهاون تام» في استجابة الشرطة المغربية، ما سهّل تدفق المهاجرين، مع قيام بعض العناصر بتوجيههم نحو المياه.

وذكر التقرير، الذي استند إلى صور ملتقطة بالأقمار الاصطناعية ومقاطع فيديو متاحة للعموم وشهادات المهاجرين، أن أعداد الشرطة حول المعبر الحدودي كانت «أقل بكثير من المعتاد»، وأن الشرطيين «لم يبذلوا أي محاولة جدية» للحدّ من الحشود.

ولطالما تجنّبت الحكومة اليسارية في إسبانيا تحميل المغرب المسؤولية، فيما أمضت سنوات تحاول تحسين علاقاتها المعقّدة تاريخياً معه، لا سيما بشأن وضع سبتة ومليلة.

وأكد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الخميس، عدم وجود أي «أدلة قاطعة» على أن المغرب خطّط أو دبّر تدفق المهاجرين. ولم يصدر بعد أي تعليق رسمي عن المغرب على هذا التقرير، غير أن وسائل إعلام مغربية عدّة انتقدت مضمونه. واعتبر موقع «هسبريس» أن النصّ «يكشف عن بناء سردي هشّ، يفتقر إلى الأدلة المادية، ويعج بتناقضات صارخة تدحض فرضيات التقرير نفسه». ورأى فيه الموقع «محاولة يائسة لتحويل المغرب من شريك استراتيجي موثوق في إدارة الحدود إلى كبش فداء لتصفية حسابات سياسية وقضائية بحتة في مدريد». أما «لوديسك»، فندّد من جهته بـ«مستند أُنجز على عجالة»، مشيراً إلى عدّة وقائع خاطئة مثل ذكر تاريخ 30 يونيو (حزيران) بدلاً من 30 يوليو. كما لفت إلى أن مصطلحي «الدولة» و«الحكومة المغربية» غير واردين في التقرير عند بيان المسؤوليات.

واعتمدت أسبوعية «تيل كيل» الموقف عينه، مشيرة إلى أنه خلافاً لما تمّ تداوله على نطاق واسع في الإعلام، لا ينسب التقرير مسؤولية «التخطيط والتنفيذ» إلى المغرب، ولا يحدّد أي مسؤول مغربي بالاسم.

وأكّد الموقع الإخباري الاقتصادي «ميديا 24» من جهته «ضرورة إلقاء نظرة مغربية» على هذا التقرير، الذي حظي بمتابعة واسعة في إسبانيا، لا سيّما من وسائل إعلام مواقفها «معادية للمغرب»، حسب الموقع الذي ندّد باستخدام مصطلح «تهاون» باعتبار أن التقرير قائم على «صور أقمار اصطناعية تجسّد لحظة آنية لا غير».

وفي مطلع أغسطس (آب)، أكّد مسؤول مغربي رفيع المستوى لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» طالباً عدم كشف اسمه، أنه لم يسجَّل أيّ تقصير في التدابير الأمنية المغربية.


تحديات «سد النهضة»... مصر تراهن على «دعم الأصدقاء» لحماية أمنها المائي

مصر تعول على دعم الأصدقاء لحفظ الأمن المائي (وزارة الري المصرية)
مصر تعول على دعم الأصدقاء لحفظ الأمن المائي (وزارة الري المصرية)
TT

تحديات «سد النهضة»... مصر تراهن على «دعم الأصدقاء» لحماية أمنها المائي

مصر تعول على دعم الأصدقاء لحفظ الأمن المائي (وزارة الري المصرية)
مصر تعول على دعم الأصدقاء لحفظ الأمن المائي (وزارة الري المصرية)

استعداد إيطالي للتدخل لدى صديقتها إثيوبيا؛ لبحث أزمتها مع مصر بشأن «سد النهضة» يُضاف إلى دعم صيني لحقِّ مصر في نهر النيل، في وقت أكدت فيه القاهرة «التعويل على الأصدقاء في دعم الأمن المائي»، ما عدَّه خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، خطوةً تعزِّز الرهان على إمكانية تعظيم الضغوط على أديس أبابا، والدفع نحو حلول عادلة تنصف الحقوق المصرية.

وشدَّد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الإيطالي أنطونيو تاياني، في ختام محادثاتهما في القاهرة، الخميس، على «أهمية الالتزام الكامل بقواعد القانون الدولي، وعلى رأسها مبدأ عدم التسبب في إحداث ضرر، ومبدأ رفض أي إجراءات أحادية، والتعويل على الأصدقاء في دعم الأمن المائي المصري» وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأعلن وزير الخارجية الإيطالي، أنطونيو تاياني، استعداد روما للوساطة بين مصر وإثيوبيا للتوصُّل إلى حلٍّ لأزمة المياه بين البلدين، مؤكداً استعداد بلاده «للاستفادة من علاقاتها الجيدة مع إثيوبيا للمساعدة في التوصل إلى حل للأزمة، وتيسير هذا الحوار خلال الأسابيع المقبلة، إذا رغبت مصر وإثيوبيا في ذلك»، بحسب وسائل إعلام مصرية.

ويُضاف هذا المسعى الإيطالي، إلى تأكيد صيني لحقِّ مصر في أمنها المائي، وتأييدها الالتزام بالقانون الدولي من جانب دول حوض النيل، وذلك في ختام زيارة الرئيس شي جينبينغ القاهرة، الثلاثاء الماضي.

وسبقت ذلك، مساعٍ أميركية منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، حيث أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطاباً رسمياً إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة»، والتَّوصُّل لحل نهائي وعادل للقضية.

النيل لم يعد قضية ثنائية

ويرى عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» مساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن التطورات الأخيرة، «تعكس حقيقة مهمة، وهي أن أزمة النيل لم تعد قضية ثنائية يمكن تركها رهينة للجمود أو لإدارة الأمر الواقع، وإنما أصبحت قضية استقرار إقليمي تستوجب تحركاً مسؤولاً من القوى الصديقة، والشركاء الدوليين».

ويؤكد حجازي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «إذا كان للأصدقاء دور مطلوب في هذه المرحلة، فهو ليس الانحياز لطرف ضد آخر، وإنما مساعدة الجميع على إدراك حقيقة بسيطة أن الاتفاق العادل هو انتصار للجميع، وأن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يُبنى على سياسة الأمر الواقع»، مؤكداً أن «الرهان الأهم اليوم هو أن تتحول علاقات مصر الاستراتيجية مع أصدقائها وحلفائها إلى قوة دفع حقيقية نحو استئناف مفاوضات جادة، تستند إلى ما تم إنجازه سابقاً، ولا تبدأ من الصفر، وتستهدف التَّوصُّل إلى اتفاق شامل وملزم يحقِّق مصالح الدول الثلاث (مصر والسودان وإثيوبيا)».

وزيرا خارجية مصر وإيطاليا خلال المشاركة في أعمال «منتدى الأعمال المصري - الإيطالي» بالقاهرة (الخارجية المصرية)

من جانبه، يرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، السفير صلاح حليمة، أن ذلك الحراك المطروح من وروما وبكين وقبل ذلك واشنطن، «يشير بوضوح إلى وجود توجه نحو دعم الموقف المصري، وضرورة التَّوصُّل إلى تسوية شاملة للأزمة».

وعن الدور المتوقع من «أصدقاء مصر» أشار حليمة، إلى أنه «من الممكن تدشين وساطة من خلال تحركات فردية أو جماعية أو تنسيق مشترك؛ بهدف التواصل مع الأطراف كافة» لافتاً إلى «أن الحديث عن إمكانية تقديم حوافز أو استثمارات لإثيوبيا من قبل الصين أو إيطاليا أو غيرهما لتغيير موقفها، أمر يعود لرؤية كل طرف، لكن مصر تريد الالتزام بالقوانين، وتغليب لغة التعاون بدلاً من التصادم».

تلويح مصري بالتصعيد

وفي أغسطس (آب) الماضي، أكدت مصر أكثر من مرة، أن قضية المياه «أمن قومي وخط أحمر»، بحسب تصريح لمصدر مسؤول نقلته «وكالة الأنباء المصرية»، كما لوح وزير الخارجية المصري باستخدام «حق الدفاع الشرعي» تجاه تطورات ملف نهر النيل وأزمة «سد النهضة».

وبعد نحو أقل من عقد من الزمن، تمَّ تجميد المفاوضات بين القاهرة وأديس أبابا لمدة 3 أعوام، قبل استئنافها في 2023، ثم تجميدها مجدداً في 2024، وسط رفض إثيوبيا التي تُعدُّ دولة منبع، إبرام اتفاق، وتأكيدها على أنها لا تضر مصر ولا السودان دولتَي المصب.

جانب من المحادثات بين الرئيس المصري ونظيره الصيني في القاهرة (الرئاسة المصرية)

ويعتقد حجازي «أن الموقف المصري المتصاعد، والدعم الدولي لإبرام اتفاق بين مصر وإثيوبيا يؤكدان أن القاهرة لن تقبل بإدارة أديس أبابا للنيل بشكل أحادي... القاهرة تريد الوصول إلى معادلة عادلة، تضمن التنمية دون الإضرار بالآخرين، وتحوِّل النيل من مصدر محتمل للتوتر إلى مجال للتعاون المشترك».

وأوضح أن «دور الأصدقاء الحقيقي لا ينبغي أن يقتصر على التدخل عندما تقترب الأزمة من حافة الخطر، بل العمل من الآن على منع الوصول إلى تلك الحافة، عبر دعم حل عادل يضمن حق إثيوبيا في التنمية، ويحمي في الوقت نفسه، الحقوق المائية والأمن الوجودي لمصر والسودان».

ويشير حليمة، إلى أن «هناك تحديات وصعوبات، والأمر يحتاج إلى جهود كبيرة نظراً لتباعد مواقف الطرفين خصوصاً في ظلِّ تسييس إثيوبيا ملف المياه».