مصر تلجأ إلى روسيا لتوفير «مخزون آمن» من السلع الاستراتيجية

وسط مخاوف استمرار تداعيات «حرب إيران»

وزير التموين المصري خلال لقاء رئيس شركة «ديمترا القابضة» في سوتشي الروسية يوم الخميس (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)
وزير التموين المصري خلال لقاء رئيس شركة «ديمترا القابضة» في سوتشي الروسية يوم الخميس (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)
TT

مصر تلجأ إلى روسيا لتوفير «مخزون آمن» من السلع الاستراتيجية

وزير التموين المصري خلال لقاء رئيس شركة «ديمترا القابضة» في سوتشي الروسية يوم الخميس (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)
وزير التموين المصري خلال لقاء رئيس شركة «ديمترا القابضة» في سوتشي الروسية يوم الخميس (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)

وسط مخاوف من استمرار تداعيات «حرب إيران»، تلجأ مصر إلى روسيا لتوفير «مخزون آمن ومستدام» من السلع الاستراتيجية في ظل المتغيرات العالمية الراهنة.

والتقى وزير التموين والتجارة الداخلية المصري شريف فاروق، الخميس، بعض ممثلي كبرى الشركات العاملة في قطاع الحبوب على هامش فعاليات «المنتدى الروسي الخامس للحبوب» بمدينة سوتشي.

ووفق إفادة لمجلس الوزراء، فإن اللقاءات تأتي في إطار «حرص الدولة على تعزيز الشراكات الاستراتيجية مع كبرى المؤسسات والشركات العالمية، وتنويع مصادر إمدادات السلع الغذائية الاستراتيجية، بما يسهم في دعم استقرار الأسواق».

واستعرض الوزير خلال لقائه أليكسي غريبانوف، رئيس شركة «ديمترا القابضة»، إحدى أكبر الشركات الروسية المتخصصة في تجارة الحبوب والخدمات اللوجستية، آليات تطوير التعاون «بما يتجاوز إبرام عقود توريد شحنات القمح الروسي، وصولاً إلى شراكات استثمارية استراتيجية بين الجانبين، ويسهم في دعم استقرار سلاسل الإمداد الاستراتيجية لمصر، ويعزز جهود الدولة في بناء مخزون استراتيجي آمن ومستدام من السلع الأساسية في ظل المتغيرات العالمية الراهنة».

وأكد الجانبان «متانة العلاقات الاقتصادية المصرية - الروسية، لا سيما في مجال الأمن الغذائي».

كما شهد الاجتماع مناقشة آليات إنشاء مركز لوجستي إقليمي لتجارة وتخزين الحبوب بالموانئ المصرية، لا يقتصر دوره على التخزين وإعادة التصدير فقط، إنما يمتد ليشمل مشروعات ذات قيمة مضافة للحبوب الموردة، مثل تصنيع الدقيق والمعكرونة وغيرهما من المنتجات الغذائية، إلى جانب مشروعات تصنيع الزيوت والأعلاف.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح نظيره المصري خلال لقائهما بموسكو مايو 2025 (أ.ب)

وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أبريل (نيسان) الماضي إن بلاده تدرس إنشاء مركز للحبوب والطاقة داخل مصر، وأشار حينها إلى أن «روسيا ستؤمّن إمدادات الحبوب للجانب المصري».

وتطرق اجتماع وزير التموين مع رئيس شركة «ديمترا القابضة»، الخميس، إلى سبل تبادل المعلومات والخبرات الفنية والتكنولوجية المتعلقة بزراعة وتخزين وتداول الحبوب، والاستفادة من التجربة الروسية المتقدمة في رقمنة قطاع الحبوب وإدارته اللوجستية، فضلاً عن بحث فرص الاستثمار المشترك في مشروعات الصوامع ومراكز التجميع والتخزين الاستراتيجي بمصر.

تنويع الموارد

أستاذة العلوم السياسية بالجامعة الأميركية، نهى بكر، أرجعت لجوء مصر إلى روسيا لتأمين مخزون استراتيجي من الحبوب إلى تنويع مصادر الاستيراد، موضحة: «مصر من أكبر مستوردي القمح في العالم، وكانت تعتمد تقليدياً على روسيا وأوكرانيا. وبعد الحرب الروسية - الأوكرانية تعطلت الإمدادات من أوكرانيا جزئياً، فاتجهت مصر لتعزيز التعاون مع روسيا بصفتها أكبر مصدر للقمح عالمياً».

وأشارت في حديثها إلى «الشرق الأوسط» إلى سبب آخر قائلة: «القمح الروسي غالباً ما يكون أقل سعراً من البدائل الأوروبية أو الأميركية، مع توفر مواصفات فنية مناسبة لصناعة الخبز المصري المدعم، فضلاً عن أن التعامل التجاري مع روسيا يتسم بمرونة في التعاملات المالية مثل فتح اعتمادات مستندية بالجنيه أو العملات المحلية؛ ما يشجع على التعاون».

وتابعت: «روسيا لديها فائض إنتاجي كبير، ويمكنها توريد كميات ضخمة؛ لكن الاعتماد على مورد واحد - حتى لو كان كبيراً - يخلق مخاطر جيوسياسية، كما أنه لا يحل الأزمة جذرياً؛ فأزمة سلاسل الإمداد تؤثر على خطوط الشحن من روسيا أيضاً».

وأضافت أن لجوء مصر إلى روسيا خطوة تكتيكية لتأمين احتياجات عاجلة بأسعار منخفضة، لكنه ليس حلاً استراتيجياً دائماً. وهي ترى أن الحل الأمثل الذي تعمل عليه مصر هو بناء شراكات متعددة مع دول مختلفة، مثل رومانيا، وفرنسا، والأرجنتين والهند، إضافة إلى روسيا، مع دعم الزراعة المحلية وتحسين التخزين والنقل.

وزير التموين المصري يستعرض جهود بناء مخزون استراتيجي آمن ومستدام من السلع الأساسية (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)

تعاون استراتيجي

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، رخا أحمد حسن، قال إن أكبر دولتين تستورد منهما مصر القمح هما روسيا وأوكرانيا، وأحياناً من فرنسا والهند، وإن هناك تعاقدات مع موسكو على الأسعار والنوعية ومواعيد التسليم، ويضيف: «أحياناً نستورد من روسيا زيوتاً وشعيراً وبعض السلع».

واستطرد متحدثاً إلى «الشرق الأوسط»: «لقاء وزير التموين بحث فرص الاستثمار في مشروعات الصوامع ومراكز التجميع والتخزين؛ لأن مصر ليس لديها عدد صوامع كافٍ». وتابع: «خلال العشرين عاماً الماضية تضاعف عدد الصوامع في مصر 4 مرات، لكن ما زالت بعض مناطق التخزين تحتاج إلى صوامع بدلاً من (الشِوَن) التي يؤدي التخزين فيها إلى فواقد».

ووفق «الهيئة العامة للاستعلامات» بمصر، في مايو (أيار) 2025، اكتسبت العلاقات المصرية - الروسية قوة دفع جديدة في عهد السيسي حتى باتت أكثر تميزاً في ظل الظروف الدولية الراهنة التي تتسم بعدم الاستقرار.

وحول علاقات التعاون بين مصر وروسيا، قال حسن إنها «علاقات متطورة، والتعاون الاستراتيجي بين البلدين وصل إلى مرحلة عالية جداً منذ محطة الضبعة النووية؛ لأن هذا المشروع سوف يربط مصر وروسيا لفترة طويلة، إلى جانب الروابط القديمة من صناعة وتجارة وتسليح، فضلاً عن مشروع المنطقة التجارية الروسية في المنطقة الصناعية بقناة السويس».

وتقيم روسيا عدداً من المشروعات التنموية الكبرى في مصر، من بينها «محطة الضبعة» شمال البلاد لإنتاج طاقة كهربائية بقدرة 4800 ميغاواط، إلى جانب «المنطقة الاقتصادية الروسية» في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. ووقّع البلدان اتفاقاً لإقامتها في عام 2018 باستثمارات تبلغ 4.6 مليار دولار.


مقالات ذات صلة

أوباما يقلل من فرص «تحسن ملموس» باتفاق ترمب

شؤون إقليمية الرئيسان الأميركيان دونالد ترمب وباراك أوباما في المكتب البيضاوي يوم 10 نوفمبر 2016 (أ.ب)

أوباما يقلل من فرص «تحسن ملموس» باتفاق ترمب

قال الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما إن من غير الواقعي توقع أن يحقق أي اتفاق جديد بين إدارة دونالد ترمب وطهران «تحسناً ملموساً» مقارنة بالاتفاق النووي.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
أوروبا حاملة الطائرات «شارل ديغول» (أرشيفية - رويترز) p-circle

الحاملة الفرنسية «شارل ديغول» ستبقى في الشرق الأوسط «حتى إشعار آخر»

أكد الجيش الفرنسي، الأحد، أن حاملة الطائرات «شارل ديغول» ستبقى في الشرق الأوسط «حتى إشعار آخر»، فيما تقول أميركا إن حربها مع طهران تقترب من النهاية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية بزشيكان يلتقي ممثلي وسائل الإعلام في طهران اليوم (الرئاسة الإيرانية)

الرئيس الإيراني يرفض تخوين فريق التفاوض

رفض الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان تخوين فرض التفاوض النووي داعياً إلى الاحتكام بقرارات المجلس الأعلى للأمن القومي.

«الشرق الأوسط» (لندن_طهران)
شؤون إقليمية  نتنياهو خلال حضوره جلسة تصويت في الكنيست لانتخاب مراقب الدولة الجديد في القدس يوم 3 يونيو 2026 (رويترز)

تل أبيب قلقة من اتفاق واشنطن وطهران… لكنها لا تريد إغضاب ترمب

في الوقت الذي يضطر فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى امتداح التفاهمات الأميركية - الإيرانية واختيار عبارات ترضي الرئيس دونالد ترمب.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية رئيس البرلمان الإيراني محمد قاليباف مصافحاً قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في طهران 23 مايو (رويترز)

قاليباف يربط استمرار التفاوض بالتزامات واشنطن بعد غارات بيروت

اتهم رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة محمد باقر قاليباف الأحد، واشنطن بعدم الوفاء بالتزاماتها بعد الغارات الإسرائيلية على ضاحية بيروت.

«الشرق الأوسط» (لندن)

جهاز أمني بطرابلس الليبية ينفي توقيف «بلوغر» عراقية بتهمة القتل

عناصر من «جهاز دعم مديريات الأمن بالمناطق» في غرب ليبيا (الجهاز)
عناصر من «جهاز دعم مديريات الأمن بالمناطق» في غرب ليبيا (الجهاز)
TT

جهاز أمني بطرابلس الليبية ينفي توقيف «بلوغر» عراقية بتهمة القتل

عناصر من «جهاز دعم مديريات الأمن بالمناطق» في غرب ليبيا (الجهاز)
عناصر من «جهاز دعم مديريات الأمن بالمناطق» في غرب ليبيا (الجهاز)

نفى جهاز أمني بالعاصمة الليبية ما تردد بشأن إلقاء القبض على «بلوغر» عراقية لضلوعها في مقتل صانعة المحتوى الليبية خنساء مجاهد في طرابلس في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

وكانت السلطات في طرابلس قد أعلنت عن مقتل «المدوّنة» خنساء مجاهد، زوجة معاذ المنفوخ، العضو السابق في «ملتقى الحوار السياسي»، إثر إطلاق النار عليها في منطقة السراج، دون توجيه اتهامات لأحد بالتورط في قتلها.

صورة متداولة لجثمان المدونة الليبية خنساء مجاهد بعد اغتيالها بطرابلس في 21 نوفمبر الماضي (وسائل إعلام محلية)

ووجّه عماد الطرابلسي، وزير الداخلية المكلف بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في حينه، بتشكيل فريق تحقيق «عالي المستوى»، وألزمه برفع تقارير يومية مباشرة له، ورفع درجة الاستعداد الأمني في العاصمة والمناطق المجاورة، مع تعزيز الحواجز والدوريات.

وكانت صفحات على وسائل التواصل الليبية قد ذكرت، الأحد، أن «جهاز دعم المديريات بالمناطق» في غرب البلاد، ألقى القبض على «البلوغر» العراقية (د.ف) على خلفية الاشتباه بوجود صلة لها بقضية مقتل خنساء مجاهد، لكن الجهاز سارع ونفى هذا الأمر جملة وتفصيلاً.

وقال «جهاز دعم المديريات بالمناطق» - من دون الإشارة إلى اسم «البلوغر» العراقية - إن «ما يتم تداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي بشأن ضبط بعض المتهمات اليوم، وأنهنّ متورطات في جريمة قتل وقعت خلال الفترة الماضية، هو خبر عارٍ من الصحة تماماً».

وأضاف الجهاز: «أي تفاصيل حول حالات الضبط سيتم نشرها لاحقاً إذا لزم الأمر، فور استكمال الإجراءات القانونية اللازمة».

واستغرب مصدرٌ أمني بطرابلس تحدث لـ«الشرق الأوسط» الربط بين مقتل «المدونة» الليبية وبين «البلوغر» العراقية، وقال إن «التحقيقات لا تزال جارية في القضية لكشف الملابسات، والتأكد من صحة المعلومات المتداولة».

وعبّر نشطاء حقوقيون عن غضبهم مما سموه «صمت بعض الجهات المعنية بحقوق المرأة حيال الجريمة»، مطالبين بموقف واضح تجاه القضية.

وسبق أن أدان «منبر المرأة الليبية من أجل السلام» جريمة اغتيال خنساء. وقال إن مثل هذه الجرائم «تعكس ازدياد العنف ضد المرأة في أثناء النزاع وبعده، وتدهور الوضع العام، وانعدام توفر آليات الوقاية والإنذار المبكر وإجراءات الحماية. وهذا يعد إنذاراً شديداً لتدهور حالة العنف ضد النساء في بلادنا».

وكانت قبيلة «القمامدة» - التي تنتمي إليها خنساء مجاهد - قد أعربت عن غضبها إزاء مقتلها، وحمّلت النائب العام ووزير داخلية «الوحدة» مسؤولية الواقعة، وطالبت بتحقيق عاجل وشفاف، وكشف الفاعلين والمتورطين وإعلان النتائج للرأي العام.


حرب المسيّرات بالسودان تتكثف في سماء كردفان

شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز)
شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز)
TT

حرب المسيّرات بالسودان تتكثف في سماء كردفان

شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز)
شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز)

هاجمت طائرات مسيّرة قتالية مدينة الأُبيّض، أكبر مدن إقليم كردفان، وكذلك مدينة الرهد أبو دكنة، الثالثة حجماً في ولاية شمال الإقليم، وذلك في أحدث الهجمات التي ظلت تتعرض لها المنطقة منذ شهور، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، وتدمير محطات وشاحنات وقود مما فاقم أزمة الوقود، وارتفاع أسعار النقل.

ورجحت مصادر محلية أن تكون المسيّرات تابعة لـ«قوات الدعم السريع» التي تقاتل الجيش منذ أكثر من ثلاث سنوات. وقال ثلاثة شهود لـ«الشرق الأوسط» إن الهجمات الأخيرة استهدفت منشآت وقوافل داخل مدينة الأُبيّض وفي الطريق الوحيد المؤدي إليها. وذكر سائق شاحنة أن المسيّرات تحلق بكثافة فوق الطريق، وأنه شاهد استهداف ثلاثة خزانات وقود متحركة قرب بلدة أم روابة، ما أدى إلى تدميرها، واندلاع حرائق كبيرة شوهدت من مسافات بعيدة.

وفي مدينة الأُبيّض ، الأكبر في إقليم كردفان وإحدى أهم المدن الاستراتيجية في البلاد، قال شاهد آخر لـ«الشرق الأوسط»، إن المسيّرات استهدفت، صباح يوم الأحد، أربع محطات وقود داخل المدينة، أثناء تفريغ شحنة وقود، ما أدى لمقتل عدد من المواطنين وإصابة آخرين، فيما ظلت أعمدة الدخان تتصاعد لساعات طويلة فوق أجزاء واسعة من المدينة.

وأفاد شاهد ثالث بأن مدينة الرهد في ولاية شمال كردفان، تعرضت أيضاً لقصف بالمسيّرات، وأن قذيفة سقطت على منزل أحد المواطنين، وتسببت في أضرار مادية وحالة من الذعر وسط السكان.

المسيّرات مشهد يومي

أصبحت المسيّرات القتالية جزءاً من المشهد اليومي في الأُبيّض، حيث تواصل التحليق في سماء المدينة، وأجزاء واسعة من كردفان لساعات طويلة، فيما تتكرر الهجمات بصورة شبه منتظمة منذ أكثر من شهر. ويقول السكان إن الشعور السائد لم يعد الخوف وحده، بل الغضب أيضاً، مع ازدياد أعداد الضحايا المدنيين، واستمرار استهداف المرافق الخدمية التي يعتمد عليها مئات الآلاف من المواطنين.

ولم يصدر أي تعليق رسمي من الجيش أو «قوات الدعم السريع» بشأن الهجمات الأخيرة، وهما عادة ما يلتزمان الصمت حيال كثير من العمليات العسكرية أو يقدمان روايات متباينة حولها.

ورغم الصمت الرسمي، فقد ضجت منصات التواصل الاجتماعي بمقاطع مصورة وصور وتعليقات حول القصف، بينما واصل أنصار كل طرف وصف الهجمات التي شنها بالإنجاز العسكري في تجاهل لمعاناة المدنيين الذين يتحملون تكلفة الحرب.

ولقي الأسبوع الماضي، أكثر من عشرة أشخاص مصرعهم، وأصيب آخرون جراء هجوم بطائرة مسيّرة يرجح أنها تابعة لـ«قوات الدعم السريع».

وفاقمت الهجمات الأخيرة أزمة الوقود التي تعاني منها مدينة الأُبيّض، بعد استهداف محطات الوقود والخزانات. وقال أحد السكان لـ«الشرق الأوسط» إن الحصول على الوقود أصبح أكثر صعوبة خلال الأيام الأخيرة، مما أدى إلى قلة عدد المركبات العامة، وتراجعت حركة النقل بصورة كبيرة، فضلاً عن ارتفاع تكلفته.

التحولات الديمغرافية

صورة تبيّن جانباً من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «قوات الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان (صورة متداولة - أرشيفية)

وتزداد خطورة هذه الأزمة بسبب التحولات الديمغرافية التي شهدتها مدينة الأُبيّض منذ اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023، إذ تحولت إلى ملاذ رئيسي لعشرات الآلاف من الأسر الفارة من المعارك في القرى والمدن المحيطة.

ويقدر سكان محليون أن عدد سكان المدينة تضاعف أكثر من ثلاثة مرات مقارنة بما كان عليه قبل الحرب، ما أدى إلى ضغوط هائلة على الخدمات الأساسية والبنية التحتية، بما في ذلك الأساسية مثل المياه والكهرباء والصحة والنقل.

وتعد الأُبيّض واحدة من أكثر المدن أهمية في السودان من الناحيتين العسكرية والاقتصادية، فهي تمثل مركزاً رئيسياً للزراعة والتجارة والنقل، وتُشكل بوابة تربط وسط السودان بغربه، خصوصاً إقليم دارفور.

ومنذ عدة أشهر، تحاصر «قوات الدعم السريع» المدينة من ثلاث جهات، بينما يسيطر الجيش على المدينة والطريق البري الرابط بينها وبين مدينة كوستي في ولاية النيل الأُبيّض، ما جعلها إحدى أهم نقاط التماس في الحرب المستمرة بين الطرفين.

ويرى مراقبون أن السيطرة على الأُبيّض أو إضعاف قدراتها اللوجستية يمثل هدفاً استراتيجياً لـ«قوات الدعم السريع»؛ نظراً لدورها بوصفها مركزاً للإمدادات والتجارة، وارتباطها بشبكة الطرق التي تربط إقليمي كردفان ودارفور ببقية أنحاء البلاد، إضافة إلى تمركز أعداد كبيرة من الجيش في تلك المنطقة.

منظومة دفاع جوي

صورة متداولة تبين الدمار الذي حل بمبنى التلفزيون في مدينة الأُبيّض

يُذكر أن «قوات الدعم السريع» أعلنت في وقت سابق، أنها دمرت منظومة دفاع جوي تركية الصنع مضادة للطائرات المسيّرة كانت تؤمن المدينة، دون تعليق من الجيش، وهو ما عدّه كثير من المراقبين تطوراً خطيراً في معركة السيطرة على الأجواء فوق كردفان.

وتعكس الهجمات المستمرة على الأُبيّض تحولات أوسع سادت الحرب السودانية خلال العامين الأخيرين، إذ بعد أشهر طويلة من المعارك البرية الواسعة التي اتسمت بالسيطرة على المدن والأحياء والتقدم الميداني المباشر، أخذت الحرب تتجه بصورة كبيرة نحو الاعتماد على الضربات بعيدة المدى، وفي مقدمتها الطائرات المسيّرة.

ويقول خبراء عسكريون إن طرفي الحرب يسعيان إلى استنزاف بعضهما بعضاً، عبر استهداف مراكز القيادة والإمداد والبنية التحتية الحيوية، بدلاً من الاعتماد فقط على العمليات البرية المكلفة بشرياً ولوجستياً.

وخلال السنتين الماضيتين من الحرب، برزت المسيّرات بوصفها سلاحاً رئيسياً في النزاع، سواء لأغراض الاستطلاع وجمع المعلومات، أو لتنفيذ هجمات دقيقة على أهداف ثابتة ومتحركة.

ويمتلك طرفا الحرب أنواعاً مختلفة من المسيّرات، بدءاً من المسيرات الاستطلاعية الصغيرة التي تقوم بتحديد الأهداف، إلى المسيّرات الهجومية القادرة على حمل ذخائر موجهة، وصواريخ أرض جو، وأيضاً المسيّرات الانتحارية التي تهاجم الهدف مباشرة وتنفجر عند الاصطدام به.

تغيير طبيعة الحرب

خيام وفّرتها السعودية في مخيم للنازحين بمدينة الأُبيّض 12 يناير 2026 (رويترز)

وأدى استخدام هذه التقنيات إلى تغيير طبيعة الحرب بصورة جوهرية، إذ لم تعد المدن البعيدة عن خطوط المواجهة المباشرة بمنأى عن العمليات العسكرية، كما أصبحت المنشآت المدنية والبنية التحتية عُرضة للاستهداف بصورة أكبر من أي وقت مضى.

وبينما يتنافس الطرفان على تحقيق مكاسب عسكرية وإعلامية، يجد المدنيون أنفسهم في قلب المواجهة. ويتحدث السكان عن الطائرات التي تحلق فوق رؤوسهم، وأعمدة الدخان التي ترتفع في السماء جراء القصف المتواصل، فضلاً عن أزمات الوقود والمواصلات والخدمات التي تتراجع، والخوف الذي أصبح جزءاً من الحياة اليومية.

ودعا ناشطون في منصات التواصل الاجتماعي الجيش لتعزيز دفاعات المدينة وعدم تركها مستباحة لهجمات المسيرات المتكررة، وطالبوا بإجراءات عاجلة لحماية المدنيين والمنشآت الحيوية وتأمين خطوط الإمداد.

وأبدوا خشيتهم من أن يؤدي استمرار القصف واستهداف الوقود والخدمات الأساسية إلى إضعاف قدرة مدينة الأُبيّض على الصمود، خصوصاً في ظل استضافتها أعداداً كبيرة من النازحين واعتماد مناطق واسعة من كردفان عليها بوصفها مركزاً رئيسياً للتجارة والخدمات.

وحذّر الناشطون من أن تلقى المدينة مصيراً مشابهاً لمصير مدينة الفاشر، كبرى مدن إقليم دارفور، التي سقطت في يد «قوات الدعم السريع» بعد حصار استمر نحو 18 شهراً.

ومع استمرار الهجمات وتراجع المؤشرات على قرب انتهاء الحرب، تزداد المخاوف من أن تتحول مدينة الأُبيّض إلى واحدة من أكثر المناطق تأثراً بتداعيات الصراع المستمر في السودان.


كيف غيَّر «هجوم محمد صلاح» خطط تأمين الحدود المصرية - الإسرائيلية؟

رئيس أركان الجيش المصري الفريق أحمد خليفة يتفقد إحدى نقاط تأمين خط الحدود الدولية على الاتجاه الاستراتيجي الشمالي الشرقي (أرشيفية - المتحدث العسكري)
رئيس أركان الجيش المصري الفريق أحمد خليفة يتفقد إحدى نقاط تأمين خط الحدود الدولية على الاتجاه الاستراتيجي الشمالي الشرقي (أرشيفية - المتحدث العسكري)
TT

كيف غيَّر «هجوم محمد صلاح» خطط تأمين الحدود المصرية - الإسرائيلية؟

رئيس أركان الجيش المصري الفريق أحمد خليفة يتفقد إحدى نقاط تأمين خط الحدود الدولية على الاتجاه الاستراتيجي الشمالي الشرقي (أرشيفية - المتحدث العسكري)
رئيس أركان الجيش المصري الفريق أحمد خليفة يتفقد إحدى نقاط تأمين خط الحدود الدولية على الاتجاه الاستراتيجي الشمالي الشرقي (أرشيفية - المتحدث العسكري)

بعد مرور ثلاث سنوات على هجوم الجندي المصري محمد صلاح، الذي قتل فيه ثلاثة جنود إسرائيليين عقب عبوره الحدود، تتحدث تقارير عبرية عن تحولات جذرية في أسلوب تعامل الجيش الإسرائيلي مع الملف الحدودي وسط مخاوف من تكرار مثل هذا الحادث، فيما ذكر عسكريون مصريون سابقون أن الواقعة ربما غيّرت بعض الترتيبات الأمنية اليومية، لكنها لم تغير القواعد العامة في العلاقات الأمنية، التي تحكمها اتفاقية السلام والبروتوكول المنبثق عنها.

ووفق منصة «مكور ريشون» الإخبارية الإسرائيلية، الأحد، فإن الجيش الإسرائيلي أحيا في الأسبوع الماضي الذكرى الثالثة للهجوم الحدودي الذي وقع في الثالث من يونيو (حزيران) 2023.

حينها كان الجندي صلاح يقضي خدمته العسكرية بالقرب من معبر العوجة حين عبر الحدود وتبادل إطلاق النار مع الجنود الإسرائيليين فقتل ثلاثة منهم قبل أن يُقتل هو الآخر خلال اشتباكٍ مسلّحٍ مع جنود آخرين.

«الهاجس الأمني»

قال نائب مدير المخابرات الحربية ورئيس جهاز الاستطلاع السابق بمصر، اللواء أركان حرب أحمد كامل، لـ«الشرق الأوسط»: «الإعلام العبري يتحدث يومياً عن إجراءات إسرائيلية متطورة لتأمين خط الحدود مع مصر من معبر كرم أبو سالم شمالاً حتى العلامة الدولية 91 جنوباً، والمعروفة بمنطقة طابا، حيث توجد القوات الإسرائيلية المسؤولة عن التأمين في المنطقة (د)، وتقابلها قوات الشرطة المدنية المصرية في المنطقة (ج)، عدا الجزء المقابل للحدود مع غزة فتوجد به قوات حرس حدود مصرية طبقاً للاتفاق المبرم عام 2005».

نقطة تأمين بالحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)

وأضاف: «مع زيادة الهاجس الأمني الإسرائيلي عقب هجمات (حماس) في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، شددت إسرائيل إجراءاتها لتأمين الحدود مع مصر بوضع دوريات ومراقبة إلكترونية وموانع مركبة ومدقات ودوريات سيارة مزودة بقصاصي الأثر، بالإضافة لرادارات أرضية وطائرات مسيرة؛ وفي المقابل توجد قوات شرطة مدنية مصرية ووسائل مراقبة وتأمين».

تطالب مصر، من جانبها، بزيادة الإجراءات الخاصة بالتأمين من أجهزة وردارات متقدمة لضمان عدم تكرار حادثة محمد صلاح، لكن «إسرائيل تتهرب وتماطل في الموافقة على الطلب المصري لرفع كفاءة وقدرات قوات الشرطة المصرية لتأمين الحدود»، وفقاً لكامل.

«نقطة فاصلة»

وحسب منصة «مكور ريشون»، فإن القيادة الجنوبية بالجيش الإسرائيلي استخلصت دروساً من الواقعة، «ما أدى إلى تحسينات كبيرة في الجاهزية وتغييرات عميقة في المفهوم العملياتي».

وقالت المنصة إن الحادثة أصبحت «نقطة فاصلة»، ونقلت عن مسؤول كبير في القيادة الجنوبية قوله إن الجانب الإسرائيلي «يفعل كل شيء للحفاظ على الحدود هادئة وبناء علاقات جيدة مع الدول المجاورة، لكنه لا ينخدع ويدرك أن الهجمات يمكن أن تأتي من كل الاتجاهات».

رئيس أركان الجيش المصري يتفقد عدداً من الارتكازات الأمنية بمدينة رفح (المتحدث العسكري)

خبير الأمن القومي المصري اللواء محمد عبد الواحد قال: «على الرغم من عدم صدور تصريحات رسمية مصرية في هذا الشأن، فإن هذا الحادث أدى قطعاً لتغيير في الترتيبات الأمنية، من حيث المراقبة ودوريات المرور والتفقد الأمني على الحدود، وتغييرات أيضاً في ترتيبات اختيار الجنود نفسياً مع الحرص على ألا تكون لهم توجهات سياسية».

وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «رغم ذلك، لم يغير الحادث من القواعد العامة في العلاقات الأمنية بين البلدين، التي تظل تحكمها بنود اتفاقية السلام والبروتوكول المنبثق عنها».

واستطرد: «هناك وفد أمني زار مصر عقب الحادث، وتم التأكيد على أنه فردي لا يعبر عن سياسات القوات على الحدود. ثم جاءت حرب غزة وارتفع التنسيق الأمني بين البلدين، وكان مُنصبّاً على ضبط الحدود المشتركة وخصوصاً الحدود المصرية - الفلسطينية ومحور فيلادلفيا».

ونوه إلى أن الحادث زاد أيضاً «من حالة الاستنفار الأمني من الجانبين، وجعل هناك التزاماً بمسافات معينة بحيث لا يقترب الجنود من بعضهم البعض؛ فهي ترتيبات تتعلق بالوضع الأمني اليومي وليس تغييراً جوهرياً في البنود الأمنية المتفق عليها بين البلدين بشكل عام».

«اختلاق مشكلات»

وخلال العامين الماضيين، دأبت أصوات إسرائيلية على التحذير مما تَعُدُّه بناء مصر قوة عسكرية كبيرة بالقرب من الحدود مما قد يمثل «تهديدات حقيقية»، ويخالف اتفاقية السلام الموقعة بين البلدين في 1979، حسب وصفها.

لكن في رأي كامل، «دأب الجانب الإسرائيلي على اختلاق بعض المشكلات الحدودية مع مصر من وقت لآخر للضغط عليها للقيام بالمزيد من الإجراءات لتأمين خط الحدود الدولية».

وهو نفس ما ذهب إليه عبد الواحد الذي قال: «إسرائيل كعادتها تحاول استغلال الحادث كما تفعل عادة لتصوير نفسها مهددة، وتمارس عمليات ابتزاز عاطفي لتصور للمجتمع الدولي أن كل خروقاتها على الحدود بدافع حماية نفسها؛ لكن مصر تنتبه لذلك جيداً».