ثالوث الحرب والتضخم والديون يقود سوق السندات نحو تصحيح تاريخي

عوائد أدوات الدين السيادية تقفز لمستويات قياسية وتضغط على سيولة «وول ستريت»

متداول يتابع بقلق حركة الأسهم في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يتابع بقلق حركة الأسهم في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

ثالوث الحرب والتضخم والديون يقود سوق السندات نحو تصحيح تاريخي

متداول يتابع بقلق حركة الأسهم في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يتابع بقلق حركة الأسهم في بورصة نيويورك (رويترز)

دخلت أسواق المال العالمية في موجة عاتية من الهبوط والارتباك المتبادل، إثر موجة بيع جماعية وعنيفة ضربت أسواق السندات السيادية من نيويورك وطوكيو إلى لندن، دافعة بكلفة الاقتراض الدولي إلى مستويات قياسية غير مسبوقة منذ عقود.

وتفجرت هذه الصدمة العنيفة عقب هجمات بطائرات مُسيَّرة في منطقة الخليج استهدفت منشأة للطاقة في الإمارات، وتم اعتراض أخرى في الأجواء السعودية، مما رسخ فرضية استمرار الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز الاستراتيجي، منذ اندلاع حرب الرئيس دونالد ترمب في إيران قبل نحو 3 أشهر.

وقفزت أسعار خام برنت لتتجاوز حاجز 111 دولاراً للبرميل، وسط ذعر حقيقي يجتاح ردهات البورصات من تحول مخاوف التضخم المؤقت إلى نظام تضخمي دائم، يعيد رسم تكلفة المال عالمياً، ويهدد الاقتصادات الكبرى بالركود، مما دفع عوائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً للقفز إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2023 عند 5.16 في المائة، بينما سجلت السندات اليابانية المماثلة قفزة تاريخية هي الأعلى في تاريخها الممتد لـ7 أعوام بتجاوزها 4.1 في المائة، في حين قفزت العوائد البريطانية إلى قمة غير مسبوقة منذ عام 1998 عند 4.63 في المائة.

ولا تقف هذه الأرقام الجافة عند حدود شاشات التداول المعقدة؛ بل إنها تترجم مباشرة إلى ضغوط يومية خانقة تمس القوة الشرائية للمواطن العادي وكلفة معيشته وقروضه الشخصية؛ إذ كشفت دراسة حديثة أعدها معهد «واتسون» بجامعة «براون» أن حرب ترمب في إيران كبَّدت الأسر الأميركية وحدها فاتورة وقود إضافية باهظة تخطت 41.5 مليار دولار (بمعدل 316 دولاراً لكل أسرة)، وهو ما يتجاوز الميزانية الكاملة المخصصة لإصلاح الجسور المتهالكة في الولايات المتحدة.

هذه التكلفة الباهظة في محطات الوقود؛ حيث قفز البنزين الأميركي بنسبة 51 في المائة ليصل إلى 4.51 دولار للغالون، تسربت سريعاً إلى أسعار الأغذية والشحن، مما دفع التضخم لأعلى مستوياته في 3 سنوات، وأجبر المستثمرين على إعادة هيكلة محافظهم عبر التخلص من السندات القديمة ذات العوائد المنخفضة، وتكبد خسائر دفترية فادحة، مدفوعين بمعادلة «المستثمر الحالي ضد المشتري الجديد»؛ فالسيولة الآن تبحث عن العوائد الجديدة المضمونة حكومياً والتي تخطت حاجز الـ5 في المائة، وهو ما سحب السيولة مباشرة من أسواق الأسهم التي باتت تقييماتها ومكرراتها متضخمة، وتنتظر هذا الأسبوع اختباراً حاسماً مع صدور النتائج المالية لعملاق أشباه الموصلات «إنفيديا»، في وقت يواجه فيه قطاع التكنولوجيا ضغطاً موازياً يُعرف بـ«تضخم الرقائق»، الناتج عن الإنفاق الملياري الهائل على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، وضغطها الهائل على شبكات الطاقة العالمية ومواردها.

شخص يسير أمام لوحة إلكترونية في مبنى تجاري تعرض مؤشر «نيكي» الياباني (أ.ب)

من تراجع البنوك المركزية إلى الديون المليارية

وإلى جانب صدمة الطاقة والذكاء الاصطناعي، يبرز التراكم التاريخي للديون السيادية كمحرك رئيسي وراء تمرد المستثمرين؛ إذ يشير صندوق النقد الدولي إلى أن الدَّين العام العالمي في طريقه للمس مائة في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2029، بينما يتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس أن تدفع التخفيضات الضريبية لترمب بالدين الأميركي إلى 120 في المائة خلال عقد، متجاوزاً مستويات الحرب العالمية الثانية.

هذا الإسراف المالي، مضافاً إليه إعلان رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي عن موازنة إضافية لمواجهة الغلاء، يدفع ما يُعرف بـ«حرَّاس السندات» إلى المطالبة بعلاوة مخاطر تضخمية أعلى، مجبرين الحكومات على دفع كلفة تمويل باهظة؛ خصوصاً في ظل المؤشرات السياسية المتوترة التي تواجه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، وتلمح نحو تيسير مالي غير مدروس.

كذلك، بدت البنوك المركزية كأنها تفقد السيطرة على كبح التضخم؛ فبعد أن كانت الأسواق تتوقع في فبراير (شباط) الماضي خفضين للفائدة، باتت الرهانات الآن تسعِّر رفعاً إلزامياً للفائدة الأميركية بحلول مارس (آذار) 2027، وسط ضغوط متزايدة على حاكم «الفيدرالي» القادم كيفين وارش، وتوقعات برفع وشيك للفائدة من بنك اليابان، و«المركزي الأوروبي» في يونيو (حزيران) المقبل لصد التضخم المستورد، مما أفقد السندات القديمة جاذبيتها تماماً؛ خصوصاً مع انسحاب البنوك المركزية من برامج التيسير الكمي ووقف شراء الديون الحكومية.

ويقفز الزخم غير المتوقع للاقتصاد الأميركي في نمو الوظائف ليعزز الضغوط التضخمية، مدفوعاً بـعوامل بنيوية طويلة الأجل تلخصها بحوث «أليانز» في التغير الديموغرافي لشيخوخة السكان، وتراجع العولمة لصالح سلاسل التوريد المحلية، وتكلفة التحول نحو الطاقة الخضراء.

وتأسيساً على هذا المشهد المعقد، يلتئم شمل وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة السبع في العاصمة الفرنسية باريس، في محاولة صعبة لتنسيق المواقف، واحتواء تقلبات أسواق الدين، وتأمين سلاسل التوريد للمعادن النادرة بعيداً عن الهيمنة الصينية، وذلك في أعقاب قمة بكين بين ترمب وشي جينبينغ، والتي لم تسفر عن اختراقات اقتصادية حقيقية.

ورغم محاولات وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور لتلطيف الأجواء، بوصف ما يحدث بأنه «تصحيح حاد وليس انهياراً»، فإن رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد اعترفت بصراحة بقلقها المستمر، في حين دعت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا الحكومات لعدم اتخاذ إجراءات تزيد الوضع سوءاً.

وتكشف الكواليس التحضيرية في باريس عن انقسامات حادة وتلاوم بين الحلفاء حول «الاختلالات الهيكلية غير المستدامة» للنظام الدولي؛ حيث يرى الجانب الأوروبي أن الأزمة تكمن في نمط ممتد منذ 10 سنوات يستهلك فيه العالم بشكل مشوه، تقوده الولايات المتحدة بالإفراط في الاستهلاك والديون، والصين بالإفراط في الإنتاج وضعف الاستهلاك المحلي، وأوروبا بضعف الاستثمار، وهو الواقع الهيكلي المعقد الذي أثبتت أسواق السندات اليوم أنه لم يعد قابلاً للاستمرار دون دفع ثمن باهظ يتجلى في قفزة سريعة لأسعار الفائدة التجارية، وبطاقات الائتمان، والرهون العقارية التي باتت تهدد النمو العالمي بأسره.

في المحصلة، يبعث الارتجاج العنيف في أسواق الدين العالمية برسالة بالغة الوضوح تتجاوز مجرد التذبذبات اليومية لشاشات التداول؛ ومفادها أن عصر الأموال الرخيصة والفائدة الصفرية الذي غذَّى الأسواق لسنوات قد ولَّى إلى غير رجعة. واليوم، تقف القوى الاقتصادية الكبرى، ومعها المستثمر والمستهلك العادي، أمام واقع مالي جديد يُعاد فيه تسعير المخاطر وكلفة الائتمان بناءً على معادلات جيوسياسية ملتهبة وخزان عام مثقل بالديون.

وبينما يترقب العالم ما ستُسفر عنه اجتماعات باريس وقرارات البنوك المركزية المرتقبة، تظل حقيقة واحدة ثابتة: أن ضبط إيقاع التضخم وتأمين سلاسل الإمداد سيكلِّف الاقتصاد العالمي ثمناً باهظاً، وأن شفرة السندات المشتعلة باتت هي المحدد الأول لمعالم المعيشة والاستثمار في المرحلة المقبلة.


مقالات ذات صلة

لغز عوائد السندات: كيف تتحكم «سوق الدين» في أسعار السلع وقروض المنازل؟

الاقتصاد لافتة شارع وول ستريت خارج بورصة نيويورك (رويترز)

لغز عوائد السندات: كيف تتحكم «سوق الدين» في أسعار السلع وقروض المنازل؟

في عالم المال، عندما تعطس بورصة «وول ستريت» للأسهم، يلتفت الجميع. لكن خلف الستار، يقبع عملاق أشد فتكاً يتحكم في حركة الاقتصاد العالمي بأكمله: إنه سوق السندات.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

عائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات يستقر عند أعلى مستوى في 15 عاماً

ارتفعت عوائد سندات منطقة اليورو، يوم الاثنين، وسط موجة بيع واسعة النطاق في أسواق السندات العالمية

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور لدى وصوله إلى اجتماع مجموعة السبع في باريس (أ.ب)

وزراء مالية الـ7 في باريس... مساعٍ لكبح اختلالات الأسواق بعد انهيار السندات وحصار «هرمز»

بدأ وزراء مالية ومحافظو البنوك المركزية لدول مجموعة السبع اجتماعاتهم في باريس، في محاولة صعبة لإيجاد أرضية مشتركة لمعالجة التوترات الاقتصادية العالمية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد مخطط مؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)

ضغوط السندات والنفط تدفع الأسهم الأوروبية نحو التراجع

تراجعت الأسهم الأوروبية يوم الاثنين مع تصاعد المخاوف من الضغوط التضخمية في الأسواق، في ظل ارتفاع أسعار النفط وتوسع موجة بيع السندات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد كريستين لاغارد لدى وصولها للمشاركة في اجتماع وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة السبع بباريس (أ.ف.ب)

لاغارد تعرب عن قلقها حيال موجة بيع السندات العالمية

قالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، يوم الاثنين، رداً على سؤال بشأن ما إذا كانت تشعر بالقلق حيال موجة البيع بأسواق السندات العالمية: أنا أشعر بالقلق دائماً

«الشرق الأوسط» (باريس )

تصدير الغذاء في مصر... خلاف مستمر بين توفير الدولار وكبح الغلاء

خضراوات في إحدى أسواق الجملة بمصر (الصفحة الرسمية لسوق العبور على فيسبوك)
خضراوات في إحدى أسواق الجملة بمصر (الصفحة الرسمية لسوق العبور على فيسبوك)
TT

تصدير الغذاء في مصر... خلاف مستمر بين توفير الدولار وكبح الغلاء

خضراوات في إحدى أسواق الجملة بمصر (الصفحة الرسمية لسوق العبور على فيسبوك)
خضراوات في إحدى أسواق الجملة بمصر (الصفحة الرسمية لسوق العبور على فيسبوك)

بفعل غلاء الطماطم «المجنونة»، وفق وصف المصريين لها بسبب «أسعارها المتقلبة»، يتواصل النقاش في البلاد حول ما إذا كان التصدير هو السبب المباشر في ارتفاع أسعار بعض المنتجات الغذائية داخل السوق المحلية.

وبينما يرى البعض أن خروج السلع إلى الأسواق الخارجية يقلص المعروض الداخلي؛ ما يؤدي إلى زيادة الأسعار على المستهلك المصري، يشير آخرون إلى أن التصدير ضرورة لتوفير العملة الأجنبية التي تحتاجها الدولة لتغطية وارداتها، وسداد التزاماتها الدولية.

وشهد شهر مارس (آذار) الماضي جدلاً عقب دعوات من اقتصاديين لوقف تصدير السلع الحيوية وتوجيهها للاستهلاك المحلي، ما لم يكن هناك فائض كبير في الإنتاج المحلي يغطي احتياجات السكان، إلا أن الدعوة قوبلت بانتقادات، كونها تهدد التدفقات الدولارية، ولتأثيرها السلبي المحتمل على الأسواق.

وعاد الجدل حالياً مع ارتفاع أسعار بعض السلع، كان أحدثها الطماطم (البندورة)، تلك السلعة الأساسية في المطبخ المصري، ووصول سعر الكيلوغرام منها إلى 50 جنيهاً (الدولار يساوي 53.30 جنيه).

وأرجع الأمين العام لشعبة المصدرين، أحمد زكي، ارتفاع أسعار الطماطم خلال الفترة الحالية إلى عدة عوامل، أبرزها زيادة الفاقد الناتج عن ارتفاع درجات الحرارة، إلى جانب ارتفاع معدلات التصدير؛ كما شدد في تصريحات متلفزة، مساء الأحد، على أن الصادرات تسهم في دعم العملة الصعبة، لكن تجب مراعاة الاحتياج المحلي خصوصاً في فترات الذروة.

شكوى من غلاء أسعار الطماطم في مصر بعد تجاوز 50 جنيهاً للكيلوغرام (صفحة وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي على فيبسوك)

وبلغ حجم صادرات مصر الزراعية 9.5 مليون طن في 2025 بقيمة 11.5 مليار دولار، وفق تصريحات سابقة لوزير الزراعة.

وتعوّل الحكومة على نمو الصادرات بوصفها أحد أهم مصادر تدفقات النقد الأجنبي، إلى جانب إيرادات قناة السويس والسياحة وتحويلات المغتربين.

من جهة أخرى، لجأت الحكومة خلال السنوات الماضية لحظر تصدير بعض السلع الأساسية، مثل الأرز والسكر والبصل لمواجهة زيادة أسعارها، وضبط الأسواق.

ومن قبل الطماطم، أرجع متابعون ارتفاع أسعار الدواجن إلى فتح باب التصدير للخارج، إلا أن خبراء بالقطاع نفوا وجود علاقة بين التصدير وارتفاع الأسعار.

كما أثار إعلان «الهيئة القومية لسلامة الغذاء» إدراج مصر لأول مرة ضمن مصدري أسماك الاستزراع للاتحاد الأوروبي، جدالاً. وتوقع رئيس «شعبة الأسماك» السابق بغرفة الإسكندرية، أحمد قدورة، أن يتسبب التصدير في قفزة سعرية لا تقل عن 15 في المائة، فور بدء التصدير في الربع الثالث من 2026.

ويرى رئيس «جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة»، مستشار الاستثمارات الدولية وخبير التنمية الاقتصادية، يسري الشرقاوي، أن «قرارات التصدير يجب أن تُبنى على قراءة دقيقة لاحتياجات السوق المحلية، إلى جانب حسابات الدولة في توفير العملة الأجنبية»، مؤكداً أن التخطيط الأمثل للموارد هو السبيل الوحيد لتحقيق التوازن بين الأسواق الداخلية والطلب العالمي.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «تحقيق التوازن بين حماية المستهلك المحلي، وضمان تدفق الدولار يبدأ من التخطيط الجيد للاحتياجات، عبر قراءة دقيقة لحجم الطلب الداخلي، ومراعاة العوامل المؤثرة في وفرة الإنتاج، مثل التغيرات المناخية، وتبنِّي التكنولوجيا الحديثة لرفع إنتاجية المحاصيل الأساسية». ويؤكد أن الحوافز الاستثمارية ضرورية لتشجيع القطاع الخاص على زيادة إنتاج السلع ذات الطلب المرتفع محلياً وخارجياً.

صادرات مصر الزراعية بلغت 9.5 مليون طن في 2025 (صفحة وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي على فيبسوك)

وأشار إلى أن قرارات الحكومة بوقف تصدير بعض السلع عادة ما تكون مؤقتة بهدف تهدئة الأسعار داخلياً، مضيفاً: «التوازن الحقيقي يتحقق عبر السيطرة على الأسواق الوسيطة، والحد من حلقات التداول التي ترفع الأسعار، وتزيد الهدر، مع تعزيز وصول المنتج مباشرة من المزرعة إلى الأسواق الكبرى».

واستطرد قائلاً: «الطفرات السعرية لا ترتبط دائماً بوفرة المحصول أو بقرارات التصدير، بل قد تكون نتيجة ممارسات بعض التجار أو غياب آليات رقابية فعالة، وهو ما يجعل تفعيل البورصة السلعية أداة مهمة لضبط الأسعار».

وبحسب الخبير الاقتصادي ورئيس مركز «المصريين للدراسات الاقتصادية والاجتماعية»، عادل عامر، فإن المواطن «هو المتضرر الأول من معضلة توفير الدولار وكبح الغلاء»، قائلاً إنه يتحمل تكلفة ارتفاع الأسعار الناتجة عن محدودية المعروض المحلي.

وتابع: «بينما يمثّل التصدير أحد أهم مصادر العملة الأجنبية، فإن ضعف الإنتاج مقارنة بالزيادة السكانية يجعل السوق الداخلية عرضة للضغط، وهو ما ينعكس على المستهلك في صورة غلاء متكرر».

مصري يمر أمام أحد مكاتب الصرافة بمصر (رويترز)

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «مطالبات وقف التصدير ليست خياراً عملياً؛ لأن هذا يضر بقدرة الدولة على توفير النقد الأجنبي»، ويلفت إلى أن «الحل الأمثل يكمن في زيادة الرقعة الإنتاجية لتلبية الطلب المحلي المتنامي؛ فكلما ارتفع حجم الإنتاج، تراجعت حدة الأزمة، وقلت الفجوة بين احتياجات السوق الداخلية ومتطلبات التصدير».

وأكد أن تحقيق التوازن بين مصالح الدولة وحقوق المواطنين مسؤولية المجموعة الاقتصادية بمجلس الوزراء، موضحاً: «هي مطالبة بوضع سياسات إنتاج ورقابة تضمن حماية المستهلك، مع استمرار تدفق الدولار عبر التصدير».

كما تحدث عن أهمية إنشاء بورصات سلعية لضبط الأسعار، إلى جانب تفعيل دور وزارة الزراعة في الإنتاج كما كان في السابق، بما يحقق توازناً بين القطاعين العام والخاص.

وقال: «هذه الآليات، إلى جانب التخطيط طويل المدى، يمكن أن تقلل من تقلبات الأسعار، وتخفف العبء عن المواطن، دون التضحية بمصادر النقد الأجنبي الحيوية للدولة».


توجه مصري لخفض الاعتماد على الوقود مع تصاعد أسعاره

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتعرف خلال اجتماع حكومي، الاثنين، على موقف مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتعرف خلال اجتماع حكومي، الاثنين، على موقف مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة (الرئاسة المصرية)
TT

توجه مصري لخفض الاعتماد على الوقود مع تصاعد أسعاره

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتعرف خلال اجتماع حكومي، الاثنين، على موقف مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتعرف خلال اجتماع حكومي، الاثنين، على موقف مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة (الرئاسة المصرية)

في إطار تخفيف تأثيرات الحرب الإيرانية وأزمة سلاسل إمداد الطاقة، تعزز مصر جهود خفض الاعتماد على الوقود مع تصاعد أسعاره؛ وطالب الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكومة بـ«التوسع المدروس» في مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة، وخفض الاعتماد على الوقود التقليدي، وعمل مزيج طاقة متوازن.

ومع سعي الدولة للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة الخضراء، اجتمع السيسي، الاثنين، مع رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، ووزير الكهرباء والطاقة المتجددة محمود عصمت، ومستشار الرئيس للشؤون المالية أحمد الشاذلي، لمتابعة موقف مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة.

وتحدث عصمت عن خطة الدولة لزيادة الاعتماد على الطاقات المتجددة، وخفض الاعتماد على الوقود الأحفوري لتحقيق التنمية المستدامة، ومتابعة تنفيذ مشروعات الطاقة المتجددة خلال العامين المقبلين، وزيادة نسبة مساهمة الطاقة النظيفة إلى 45 في المائة بحلول عام 2028.

ووفق إفادة لمتحدث الرئاسة، محمد الشناوي، تابع السيسي مستجدات تنفيذ المرحلة الثانية لمشروع الطاقة الشمسية «أوبليسك» في نجع حمادي بصعيد البلاد بقدرة 500 ميغاواط، ومشروع «طاقة الرياح برأس شقير»، على الساحل الغربى لخليج السويس، بقدرة 900 ميغاواط، ومشروع «الطاقة الشمسية» بمحافظة المنيا بوسط البلاد بقدرة 1700 ميغاواط.

محطة توليد كهرباء «النوبارية» (صفحة وزارة الكهرباء على فيسبوك)

وأكد السيسي «ضرورة الإسراع في تنفيذ تلك المشروعات، وتذليل الصعوبات لإنهاء الأعمال، والربط على الشبكة القومية للكهرباء لضمان استقرار ومرونة الشبكة الكهربائية»، كما شدد على «ضرورة تعظيم الاستفادة من الإمكانات الطبيعية التي تمتلكها مصر في مجالات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح».

وتقيم الحكومة عدداً من مشروعات الطاقة الشمسية، من بينها محطة الطاقة الشمسية في بنبان بأسوان، والتي تُصنّف الأكبر في أفريقيا والشرق الأوسط، إلى جانب محطة «أبيدوس 1» لإنتاج الطاقة الشمسية في أسوان التي تضم مليوناً و22 ألفاً و896 خلية شمسية، بحسب بيانات مجلس الوزراء.

استهدافات الدولة

يشير أستاذ هندسة البترول والطاقة، جمال القليوبي، إلى أن التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة يندرج ضمن خطة الدولة منذ عام 2017، لكنه أضاف أن هناك «توجهاً رئاسياً بالتقدم في مستويات تنفيذ هذه المشروعات، وفق جدول زمني للوصول إلى نسبة الطاقة المتجددة لنحو 45 في المائة من الاستهلاك اليومي».

وكانت وزارة الكهرباء قد أكدت في أبريل (نيسان) الماضي أن الحكومة تستهدف التوسع في الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة لتوليد الكهرباء «للوصول إلى نسبة الطاقات المتجددة في مزيج الطاقة لتصل إلى 45 في المائة عام 2028 بدلاً من 42 في المائة عام 2030».

وزير الكهرباء خلال زيارة محطة «محولات برج العرب» في فبراير الماضي (صفحة وزارة الكهرباء على فيسبوك)

وأرجع القليوبي تأخر الحكومة إلى الأحداث العالمية والإقليمية وفي مقدمتها جائحة كورونا، والحرب الأوكرانية - الروسية، ثم الحرب الإسرائيلية على غزة، والآن الحرب الإيرانية. ويلفت إلى أن هذه الأحداث أثرت اقتصادياً على معدلات الاستثمار الأجنبي لبعض المشروعات وتمويلها.

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «باكورة الاستهداف الحكومي ما زالت موجودة؛ صحيح لم تحقق مصر الكفاءات المستهدفة في الوصول خلال 2027 و2028 أن يكون نصف إنتاج الكهرباء من مصادر بعيدة عن البترول والسلع الوقودية، لكن على الأقل وصلنا لقدرات تؤكد أن نحو 20 في المائة من الطاقة الكهربائية يتم إنتاجها من الطاقة المتجددة».

وأشار إلى أن الاجتماع الذي عقده الرئيس المصري ركز على مراجعة المشروعات الاستثمارية للطاقة المتجددة، وقال: «نتحدث عن نحو 2500 ميغاواط سوف يتم ضخها في الشبكة القومية لإنتاج الكهرباء في خلال الشهرين المقبلين».

كما لفت إلى وجود محطات تُنتج بالفعل، منها محطة «بنبان» في أسوان والتي بدأ تشغيلها نهاية 2019، ومحطة «كوم أمبو» للطاقة الشمسية بالمحافظة نفسها، وبدأت في 2021، فضلاً عن محطات تحت الإنشاء في خليج السويس، والبحر الأحمر، والمنيا، وقنا، والإسكندرية.

رئيس الوزراء خلال افتتاح محطة «أبيدوس للطاقة الشمسية» في ديسمبر 2024 (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)

ومضى قائلاً: «خلال عام 2026 يدخل نحو 2500 ميغاواط، وخلال 2027 يكون لدينا 11000 ميغاواط، وفي 2028 نصل إلى 28000 ميغاواط من الرياح»، مرجحاً أن تستهدف مصر نحو 39000 ميغاواط من الشمس والرياح في 2030 قد يتم تعجيلها لتكون في 2028، حتى يُمكن توفير قدرات عالية جداً للشبكة، تستطيع توفير سلع وقودية وفاتورة غاز طبيعي».

وحول قدرة مشروعات الطاقة المتجددة على تخفيض الاعتماد على الوقود، قال القليوبي: «لدى مصر مشروعات سابقة أنتجت بالفعل مثل محطة (الزعفرانة)، وتنتج 545 ميغاواط، ومحطة (جبل الزيت)، وتنتج 580 ميغاواط، ومحطة (رأس غارب)، وتنتج 250 ميغاواط. وهناك محطات كثيرة من المستهدف أن تدخل الشبكة خلال الفترة المقبلة».

وأضاف: «نستهدف 2500 ميغاواط سوف توفر على الأقل نحو ثلث الغاز الطبيعي الذي يتم استيراده لمحطات الكهرباء».

الاستثمار في الطاقة

تم أيضاً خلال اجتماع الاثنين استعراض ما يتعلق بالشراكة مع القطاع الخاص في مجال الطاقة الجديدة والمتجددة، خصوصاً ما يتعلق بمجمع إنتاج الكهرباء من طاقة الرياح بجبل الزيت، البالغ قدرته الإجمالية نحو 580 ميغاواط.

جانب من محطة تغذية كهربائية لمشروعات الدلتا الجديدة في نوفمبر الماضي (صفحة وزارة الكهرباء على فيسبوك)

ووجه الرئيس السيسي بتكثيف الجهود الحكومية لتعزيز فرص جذب الاستثمارات لقطاع الطاقة، بما يضمن تحقيق مُستهدفات القطاع، وتحقيق الاستفادة المثلى من دوره في جهود التنمية.

كما تم التأكيد خلال الاجتماع على ضرورة السعي لاستخدام الطاقة الجديدة والمتجددة في المصانع، عبر تنفيذ أنظمة خلايا شمسية لإنتاج الكهرباء داخلها، لتنويع مصادر الطاقة الكهربائية، وتخفيف الأحمال على الشبكة القومية للكهرباء، ودعم التوسع في استخدام الطاقة الشمسية على نطاق واسع.

وكانت وزارة الكهرباء قد أكدت في وقت سابق على «عدم وجود أي خطط لانقطاع التيار الكهربائي خلال صيف 2026، في ظل استعدادات مبكرة وتأمين احتياجات الشبكة من الوقود والطاقة».

ولجأت الحكومة خلال عامَي 2023 و2024 إلى خطة «تخفيف الأحمال» بالتناوب في غالبية المحافظات. وتراوحت فترات انقطاع الكهرباء حينها من ساعة إلى 3 ساعات يومياً مع استثناء المناطق السياحية، وهو الأمر الذي قوبل حينها بردود فعل سلبية.


الخزانة الأميركية تمدد إعفاء النفط الروسي المنتهي 30 يوماً

مصفاة نفط بجانب صهاريج تخزين في حقل نفط روسي (رويترز)
مصفاة نفط بجانب صهاريج تخزين في حقل نفط روسي (رويترز)
TT

الخزانة الأميركية تمدد إعفاء النفط الروسي المنتهي 30 يوماً

مصفاة نفط بجانب صهاريج تخزين في حقل نفط روسي (رويترز)
مصفاة نفط بجانب صهاريج تخزين في حقل نفط روسي (رويترز)

قررت وزارة الخزانة الأميركية تمديد العمل بالإعفاء من العقوبات المفروضة على النفط الروسي المحمول بحراً لمدة 30 يوماً إضافية، وذلك بعد انتهاء الصلاحية القانونية للإعفاء السابق يوم السبت الماضي.

ونقلت مصادر مطلعة على الخطة أن هذا القرار الاستثنائي جاء استجابة لطلبات عاجلة تقدمت بها عدة دول فقيرة ونامية، التمست فيها منحها مهلة زمنية إضافية لإتمام عمليات شراء وإمدادات النفط الروسي.

وأوضحت المصادر أن الخزانة الأميركية وافقت على هذا التمديد لتجنيب تلك الدول الضعيفة صدمات طاقة جديدة قد تهدد استقرارها الاقتصادي، ليتيح القرار استمرارية مؤقتة للشحنات البحرية الروسية وتخفيف الضغوط عن أسواق الطاقة في تلك البلدان.