«التجارة الأوروبية»: السعودية ألغت «رهان الممر الواحد» وحصّنت أسواق الطاقة عالمياً

رئيس الغرفة قال لـ«الشرق الأوسط»: «شرق - غرب» صمام أمان منع انفلات الأسعار في القارة العجوز

ميناء ينبع الصناعي (واس)
ميناء ينبع الصناعي (واس)
TT

«التجارة الأوروبية»: السعودية ألغت «رهان الممر الواحد» وحصّنت أسواق الطاقة عالمياً

ميناء ينبع الصناعي (واس)
ميناء ينبع الصناعي (واس)

في ظل مشهد دولي تتقاذفه أمواج الاضطرابات الملاحية، برزت القدرة التصديرية للسعودية عبر البحر الأحمر بوصفها حائط صد استراتيجياً منع انفلات أسعار الطاقة عالمياً. ويرى رئيس غرفة التجارة الأوروبية في المملكة، كريستيوناس غيدفيلاس، أن القيمة الحقيقية للممر البديل تكمن في قدرته على ضمان تدفقات الخام وتخفيف الضغوط التضخمية عن المستهلكين والصناعة في أوروبا. ورأى أن الشراكة التي تجاوزت 88 مليار يورو في 2025 تعكس تحول السعودية إلى شريك هيكلي في أمن الطاقة الأوروبي، مستندة إلى بنية تحتية لوجستية هي الأكثر مرونة في العالم.

وقال غيدفيلاس لـ«الشرق الأوسط» إن نجاح الرياض في توفير ممر بحري بديل عبر خط أنابيب «شرق-غرب» لم يكن مجرد استجابة طارئة، بل خطوة عززت القيمة الاستراتيجية للمملكة عالمياً. وأوضح أن منح السعودية قدرة تصديرية مزدوجة عبر الخليج العربي والبحر الأحمر في آن واحد، قد ألغى عملياً «رهان الممر الواحد»، مما يضمن استمرارية تدفق الإمدادات حتى في أحلك ظروف التوتر الإقليمي.

وحول الأثر المباشر على القارة العجوز، أوضح غيدفيلاس أن أهمية الممر على المدى القصير بالنسبة إلى أوروبا تكمن أساساً في استقرار الأسعار وليس في ضمان أمن الإمدادات المادية، إلا أن أهميته على المدى الطويل أكبر بكثير، مما يجعل السعودية شريكاً محورياً في عملية التحول الطاقي في أوروبا. وقال: «تتجاوز أهمية الممر بالنسبة إلى أوروبا دوره المباشر في تأمين تدفقات النفط الخام، فهو يمثّل تحولاً استراتيجياً في كيفية ارتباط السعودية بنظام الطاقة الأوروبي المستقبلي ككل. كما تُرسّخ مراكز تصدير الجزيئات المتعددة الناشئة، مثل نيوم وينبع، مكانة السعودية في قلب سلاسل إمداد الوقود الأخضر المستقبلية».

وشرح أن المملكة «تُصدّر كميات من الهيدروجين والأمونيا مباشرةً إلى ممر الهيدروجين الجنوبي المتجه نحو إيطاليا وألمانيا، بوصفها دعماً مباشراً لبرنامج أوروبا لإزالة الكربون من الصناعة»، موضحاً أن «الربط الكهربائي بين السعودية ومصر يضفي بُعداً آخر؛ إذ يُمهّد الطريق نحو التكامل مع الشبكات الأوروبية، ويدعم الطلب الأوروبي المتزايد على مصادر الطاقة المتنوعة منخفضة الكربون».

رئيس غرفة التجارة الأوروبية في السعودية كريستيوناس غيدفيلاس (إكس)

إسهامات «هيكلية» في استقرار التكاليف الأوروبية

وشدد غيدفيلاس على ضرورة تحديد طبيعة التأثير الاستراتيجي للممر البديل من منظور أوروبي دقيق، موضحاً أن الاتحاد الأوروبي يستورد نحو 10 في المائة من احتياجاته النفطية من منطقة الخليج؛ مما يعني أن المخاطر المترتبة على اضطرابات مضيق هرمز لا تتمثل في «نقص مادي مباشر» بالإمدادات، بل في خلق ضغوط تصاعدية حادة على أسعار النفط والغاز العالمية.

وأشار إلى أن القيمة الجوهرية للممر السعودي تكمن في ضمان «استمرارية تدفق السوق»، وهو ما ينعكس بشكل حقيقي، وإن كان غير مباشر، على كبح جماح تكاليف الطاقة داخل القارة الأوروبية وحماية قطاعاتها الإنتاجية من تقلبات الأسعار.

هذا المشهد يعيد إلى الأذهان ما واجهته القارة من تحديات قاسية في عام 2022، ففي حين تواجه أوروبا اليوم أزمة طاقة ثانية في أقل من خمس سنوات نتيجة إغلاق مضيق هرمز وارتفاع الأسعار، تبرز إلى السطح ذكريات أزمة الغاز الناتجة عن الحرب الروسية-الأوكرانية. حينها، أدى تقليص الإمدادات إلى ضغوط غير مسبوقة على الشركات والمستهلكين، مما أجبر الحكومات الأوروبية على إنفاق مئات المليارات من اليورو بوصفه دعماً عاجلاً. واليوم، يأتي الدور السعودي عبر الممر البديل ليوفر حماية حقيقية للمستهلك الأوروبي من الانزلاق مجدداً في نفق التضخم المظلم.

الموثوقية السيادية

أوضح غيدفيلاس أن مكانة السعودية بصفتها عضواً بارزاً في منظمة «أوبك» وأحد أهم الفاعلين في أسواق النفط العالمية، بطاقة إنتاجية تصل إلى 12 مليون برميل يومياً، لم تأتِ من فراغ، بل هي نتاج سجل حافل من الدور المحوري في تأمين الإمدادات العالمية والحدّ من تقلبات الأسعار خلال الأزمات. وأشار إلى أن المملكة حافظت على هذا الدور الاستراتيجي ببراعة، حتى في ظل الموجة الحالية من الاضطرابات الإقليمية التي وضعت أمن الطاقة العالمي على المحك.

وأضاف أن الممر البديل يعزّز هذه الموثوقية بشكل «هيكلي»، فمن خلال منح السعودية قدرة تصديرية مزدوجة عبر الخليج العربي والبحر الأحمر، نجحت الرياض في إلغاء الارتهان لممر بحري واحد، مما يضمن استدامة التدفقات حتى في ظل التوترات الجيوسياسية الحادة.

ميناء ينبع التجاري أحد المنافذ البحرية المهمة للسعودية (موانئ)

مرونة سعودية مقابل «انكشاف» أوروبي

ويرى رئيس غرفة التجارة الأوروبية أن امتلاك المملكة بنية تحتية متكاملة للتصدير والصناعات البتروكيميائية يرسخ مكانتها بوصفها واحدة من أكثر شركاء الطاقة مرونة في العالم. ويأتي هذا الرصيد الاستراتيجي في وقت كشفت فيه صدمة الطاقة الناتجة عن الحرب عن هشاشة الاعتماد الأوروبي على المسارات التقليدية؛ حيث تواجه القارة اليوم تحديات خانقة تتمثّل في تقلبات حادة بأسواق الديزل ووقود الطائرات، وعجز في الوصول إلى استقلال طاقي كامل.

وفي ظل هذا «الانكشاف» الأوروبي، تبرز السعودية بوصفها صمام أمان لا غنى عنه، ليس فقط لتوفير الإمدادات المادية، بل لحماية الاقتصاد الأوروبي من «الإكراه الجيوسياسي» الناتج عن تذبذب الأسواق الدولية، وفق غيدفيلاس.

وبالنظر إلى المستقبل، يؤكد غيدفيلاس أن الدور السعودي الراسخ في استقرار أسواق الطاقة العالمية يتجه نحو مرحلة من التوسع الجذري في طبيعته ونطاقه؛ فالمملكة التي تُعد المرجع الأول لأمن الهيدروكربونات تاريخياً، تضطلع اليوم بقيادة التحول العالمي نحو مصادر الطاقة المستدامة وإنتاج الهيدروجين الأخضر. ويرى غيدفيلاس أن هذا البعد الاستشرافي يضمن بقاء الرياض حجر الزاوية في بنية نظام الطاقة الجديد الذي يتشكل حالياً، مما يعزّز من موثوقية المملكة بصفتها شريكاً استراتيجياً طويل الأمد لأوروبا، وقادراً على حماية أمنها الطاقي في مواجهة أي تحولات مستقبلية أو ضغوط جيوسياسية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

«لعبة الشطرنج» تعقّد طريق الملاحة

شؤون إقليمية «لعبة الشطرنج» تعقّد طريق الملاحة

«لعبة الشطرنج» تعقّد طريق الملاحة

أدخلت واشنطن وطهران أزمة مضيق هرمز في «لعبة شطرنج» مفتوحة، يتمسك فيها كل طرف بأوراق الضغط وينتظر خطوة من الآخر قبل تقديم تنازل، فيما لم يحسم التفاهم مع عُمان.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران - واشنطن)
شؤون إقليمية ترمب أثناء صعوده إلى الطائرة الرئاسية في مطار موريستاون بولاية نيوجيرسي الأحد (غيتي - أ.ف.ب)

ترمب يطالب إيران بتعويضات وسط تعثر اتفاق «هرمز»

طالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، إيران بدفع تعويضات عن أشخاص اتهم طهران بقتلهم أو التسبب في مقتلهم خلال حروب وهجمات واحتجاجات.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
شؤون إقليمية إيراني يمر أمام صورة للمرشد مجتبى خامنئي في طهران غداة توقيع اتفاق إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة (إ.ب.أ)

خامنئي يعيد تشكيل القيادة العسكرية الإيرانية

أجرى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، الاثنين، تغييرات واسعة في قيادة القوات المسلحة و«الحرس الثوري» و«الباسيج»، شملت ستة من كبار القادة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية مجسم لطائرة مقاتلة إيرانية من طراز «إف-4 فانتوم» في ميدان بمدينة بندر عباس جنوب إيران الاثنين (أ.ف.ب) p-circle

واشنطن وطهران تتصارعان على الخطوة الأولى

أصبح التفاهم المرتقب بشأن مضيق هرمز مهدداً بالتعثر، في «لعبة شطرنج» تتمسك فيها واشنطن وطهران بأوراق الضغط وتنتظر كل منهما خطوة من الأخرى قبل تقديم أي تنازل.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران - واشنطن)
بروفايل صورة نشرها موقع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي من حوار مع محسن رضائي بمناسبة ذكرى الحرب الإيرانية - العراقية (أرشيفية)

بروفايل محسن رضائي… جنرال الثمانينات في حرب جديدة

عاد محسن رضائي إلى قلب القرار الأمني الإيراني عبر قرارين متعاقبين؛ كلّفه المرشد الإيراني مجتبى خامنئي تمثيله في المجلس الأعلى للأمن القومي.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)

«الهيئة الملكية للرياض» تستقبل طلبات «برنامج التوازن العقاري» الأحد

«برنامج التوازن العقاري» يدعم استقرار السوق العقارية في مدينة الرياض (واس)
«برنامج التوازن العقاري» يدعم استقرار السوق العقارية في مدينة الرياض (واس)
TT

«الهيئة الملكية للرياض» تستقبل طلبات «برنامج التوازن العقاري» الأحد

«برنامج التوازن العقاري» يدعم استقرار السوق العقارية في مدينة الرياض (واس)
«برنامج التوازن العقاري» يدعم استقرار السوق العقارية في مدينة الرياض (واس)

تبدأ الهيئة الملكية لمدينة الرياض استقبال طلبات السنة الثانية لـ«برنامج التوازن العقاري»، اعتباراً من الأحد 16 أغسطس (آب) الحالي حتى نهاية يوم الثلاثاء 15 سبتمبر (أيلول) المقبل، عبر المنصة الإلكترونية للبرنامج.

يأتي ذلك استمراراً لتوجيهات الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، باتخاذ الإجراءات اللازمة لتحقيق التوازن في القطاع العقاري بمدينة الرياض.

وجاء إطلاق السنة الثانية ضمن المسار السنوي للبرنامج الهادف إلى زيادة المعروض من الأراضي السكنية المخططة من خلال قيام الهيئة بتوفير ما بين 10 آلاف و40 ألف قطعة أرض سنوياً بأسعار لا تتجاوز 1.500 ريال للمتر المربع، بما يسهم في تقليل الفجوة بين العرض والطلب، ودعم استقرار السوق العقارية في العاصمة.

ويُتاح التقديم للمواطنين المتزوجين أو من تجاوزت أعمارهم 25 عاماً، شريطة عدم وجود ملكية عقارية سابقة للمتقدم، وألا تقل مدة إقامته في مدينة الرياض عن ثلاث سنوات، إلى جانب استيفاء بقية شروط وضوابط الاستحقاق المعتمدة.

وأوضحت الهيئة أن أولوية الاستحقاق لا ترتبط بأسبقية التقديم، مؤكدة أن التسجيل في المنصة لا يعني القبول النهائي، وسيتم إدراج المواطنين الذين سبق لهم التقديم في السنة الأولى وثبتت أهليتهم ودخلوا القرعة الإلكترونية تلقائياً ضمن المسار المعتمد للسنة الثانية.

وبيَّنت أن جميع الطلبات تخضع للتحقق الإلكتروني وفق الشروط المعتمدة، على أن تشمل مراحل البرنامج بعد انتهاء فترة استقبال الطلبات: التحقق من الأهلية، وإعلان النتائج، واستقبال الاعتراضات، وإجراء القرعة الإلكترونية للمستحقين، ثم استكمال إجراءات البيع على الخريطة حسب الضوابط.

ودعت الهيئة الراغبين في التقديم إلى الاعتماد على المنصة الإلكترونية وقنواتها الرسمية، وعدم التعامل مع الروابط أو الحسابات غير الموثوقة، مؤكدة جاهزية مركز الاتصال «19998» وقنوات العناية بالمستفيدين للإجابة عن الاستفسارات المتعلقة بإجراءات التقديم ومراحل البرنامج.


ترمب يمدد الإعفاء من قانون جونز مع بعض القيود

لافتة في محطة وقود تعرض أسعار البنزين في واشنطن العاصمة بالولايات المتحدة (رويترز)
لافتة في محطة وقود تعرض أسعار البنزين في واشنطن العاصمة بالولايات المتحدة (رويترز)
TT

ترمب يمدد الإعفاء من قانون جونز مع بعض القيود

لافتة في محطة وقود تعرض أسعار البنزين في واشنطن العاصمة بالولايات المتحدة (رويترز)
لافتة في محطة وقود تعرض أسعار البنزين في واشنطن العاصمة بالولايات المتحدة (رويترز)

قال مسؤول في البيت الأبيض، الاثنين، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وافق على تمديد الإعفاء من قانون جونز، ولكن مع بعض القيود.

وينص قانون جونز على أن البضائع المنقولة بين الموانئ الأميركية يجب أن تشحن على متن سفن مصنوعة في الولايات المتحدة، ومملوكة لشركات أميركية، ويقودها طاقم من الأميركيين، ويهدف الإعفاء إلى خفض أسعار الوقود من خلال زيادة مرونة الشحن، وتقليل الاختناقات في النقل.

كانت أسعار البنزين في الولايات المتحدة قد شهدت ارتفاعات كبيرة جراء حرب إيران التي ترتبت عليها إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز، وهو ما خفض الإمدادات عبر المضيق الذي كان يمر عبره 20 في المائة من إمدادات النفط العالمية.


تراجع احتياطي النفط الاستراتيجي الأميركي لأدنى مستوى منذ 1983

صهاريج النفط الخام في ولاية تكساس (رويترز)
صهاريج النفط الخام في ولاية تكساس (رويترز)
TT

تراجع احتياطي النفط الاستراتيجي الأميركي لأدنى مستوى منذ 1983

صهاريج النفط الخام في ولاية تكساس (رويترز)
صهاريج النفط الخام في ولاية تكساس (رويترز)

أظهرت بيانات وزارة الطاقة الأميركية، يوم الاثنين، تراجع مخزونات النفط الخام ضمن احتياطي البترول الاستراتيجي الأميركي بنحو 6.1 مليون برميل إلى 298.7 مليون برميل، الأسبوع الماضي، وهو أدنى مستوى لها منذ يناير (كانون الثاني) 1983.

ويأتي السحب في إطار موافقة أميركية على الإفراج عن 172 مليون برميل من الاحتياطي، بالتعاون مع وكالة الطاقة الدولية، جراء ارتفاع حاد في أسعار النفط بعد اندلاع حرب إيران.

ومع السحب من المخزونات، وضخ المزيد من النفط في الأسواق، وتراجع وتيرة التصعيد في الحرب بين أميركا وإيران، تراجعت الأسعار من مستويات قياسية.

وتتداول الأسعار حالياً عند مستويات 86 دولاراً للبرميل، في حين تخطى الخام الأميركي مستويات 80 دولاراً للبرميل، نتيجة تراجع آمال التوصل لاتفاق يعيد فتح مضيق هرمز قريباً.