أوليڤر لاكس: لكي تكون آمناً في الطبيعة القاسية عليك أن تعيشها

المخرج الإسباني قال لـ«الشرق الأوسط» إن رحلة الأب تعكس التحديات الروحية في «صِراط»

من «صِراط» (ذا ماتش فاكتوري)
من «صِراط» (ذا ماتش فاكتوري)
TT

أوليڤر لاكس: لكي تكون آمناً في الطبيعة القاسية عليك أن تعيشها

من «صِراط» (ذا ماتش فاكتوري)
من «صِراط» (ذا ماتش فاكتوري)

لم تكن الدورة الـ78 من مهرجان «كان»، العام الماضي، المرة الأولى التي يشارك فيها المخرج الإسباني أوليڤر لاكس (المولود في باريس قبل 44 عاماً) في ذلك المهرجان؛ ففي عام 2010، فاز بجائزة «فيبريسكي» (الاتحاد الدولي للنقاد والصحافيين) عن فيلمه الأول «كلّكم قباطنة» (You All Are Captains). ثم عرض في المهرجان نفسه عام 2016 فيلم «ميموزا» (Mimosas). أما فيلمه الثالث، فكان «النار ستأتي» (Fire Will Come)، الذي نال جائزة لجنة تحكيم قسم «نظرة ما» عام 2019.

الرابط بين هذه الأفلام الثلاثة يقود إلى فيلمه الرابع «صِراط» (Sirāt)، الذي نال جائزة لجنة التحكيم في المسابقة الرسمية لمهرجان «كان»؛ فجميع أفلامه حتى الآن صُوّرت في المغرب، بدءاً من فيلمه الأول المصوَّر بالأبيض والأسود، وصولاً إلى «صِراط».

ومن السهل أيضاً ملاحظة أن فيلمه الثاني «ميموزا» يتناول رحلة شيخ قبيلة عبر جبال الأطلس، وهي رحلة لا تبتعد كثيراً، من حيث مشقة السفر، عن تلك التي نشاهدها في «صِراط».

أما السفر، فيحضر أيضاً في فيلمه الثالث «النار ستأتي»، وإن عبر موضوع مختلف؛ إذ تدور الحكاية حول عودة رجل إلى الريف البعيد حيث تعيش والدته.

رحلة الأب

المخرج أوليڤر لاكس (ذا ماتش فاكتوري)

«صِراط» رحلة يقوم بها أب تجاوز منتصف العمر بقليل (سيرغي لوبيز)، ينتقل من إسبانيا إلى المغرب بحثاً عن ابنته المفقودة. يرافقه ابنه وصورة لابنته. يصل إلى حفل راقص في الصحراء ويعرض الصورة على من يستطيع. وعندما يطوّق الأمن المكان، بمئات المحتفلين، يفرّ بمساعدة بعضهم. هو بسيارته الصغيرة، وهم بشاحناتهم. الهدف الوصول إلى حفل راقص آخر، لكن الجميع يضلّ الطريق، لتنتهي الرحلة بتراجيديات إنسانية ذات مغزى، تربط مصائرهم بالطبيعة القاسية. فالجبال الحمراء الشاهقة والصحراء الممتدة بلا نهاية تبدوان كياناً عملاقاً أمام مجموعة البشر الذين يصوّرهم لاكس أحياناً من مسافات بعيدة لتعميق هذه المقارنة.

لاكس مخرج يبحث عن سمات روحانية في موضوعاته، لا يجدها في المدينة الكبيرة، بل في الصحارى والجبال والمساحات المفتوحة على الطبيعة.

«صِراط» ليس فقط أشهر أفلامه، بل عمل مختلف يشحن فيه أحداثه ببصريات مبهرة. صوّره في صحارى المغرب قرب جبال الأطلس، حيث سبق أن صوّر «ميموزا»، ودخل به سباق الأوسكار العام الحالي ضمن فئة أفضل فيلم عالمي.

روحانيات

• «صِراط» كان مفاجئاً حتى لمن شاهد أفلامك السابقة. يبدأ بضجيج الموسيقى الإلكترونية الراقصة، ثم يسوده صمت الصحراء وقسوتها. وليس هناك مشهد واحد لا يمكن اعتباره أخّاذاً بصرياً. هل توافق على أنه يشكّل قفزة كبيرة إلى الأمام، ليس على مستوى الموضوع فقط، بل أيضاً على مستوى الأسلوب؟

- بالتأكيد. أردتُ في هذا الفيلم أن أضمّنه كل ما وجدته في أفلامي السابقة من تحديات وأبعاد. صوّرت أشخاصاً يواصلون البحث عن أنفسهم وسط طبيعة شاسعة تحتضنهم. إنهم يريدون أجوبة لأسئلة قد لا يطرحونها صراحة، لكنها تعيش في دواخلهم. بالنسبة إلي «صِراط» أوسع في مضامينه وأبعاده، وكنت أريد أن أوازي الدراما التي أسردها بعالم يبدو بلا حدود.

• بعض شخصيات «صِراط» تبدو طارئة على الصحراء. أقصد الأب الذي ينطلق للبحث عن ابنته المفقودة مع ابنه الصغير.

- كل الشخصيات طارئة على الصحراء. لا خبرة لها بها ولا معرفة كافية بطبيعتها. البقاء على قيد الحياة شعور طبيعي، لكنه ليس كافياً؛ فلا بد من دافع أعمق، وهذا ما تفتقده تلك الشخصيات باستثناء الأب وابنه. لقد جاءا لغاية لم تتحقق.

• لماذا اخترت المغرب لتصوير جميع أفلامك حتى الآن؟

- أنا إسباني، لكن في إسبانيا، ولسنوات طويلة، كانوا يعدونني فرنسياً لأنني وُلدت ونشأت هناك. وفي فرنسا يرونني إسبانياً. أما في المغرب، فأشعر بالانتماء. المغرب هو المكان الذي أشعر بأنه، إلى حد ما، بيتي. أعيش هناك منذ أكثر من 10 سنوات.

• هل يعود ذلك إلى اختلافه عن أوروبا من حيث المجتمع والثقافة؟

- هو مختلف بالفعل، لكن إضافة إلى ذلك هناك روحانيات لا أجدها في السينما الإسبانية، في حين أجدها في المغرب. أنا أبحث عن الموضوع الذي يتحدث عن الإيمان. والمخرجون الأقرب إليّ هم ثلاثة: أندريه تاركوڤسكي وروبير بريسون وعباس كيارستمي.

• في بعض تصريحاتك نفيتَ أن تكون لكلمة «صِراط» علاقة بالمعنى الوارد في القرآن، لكن هذه العلاقة تبدو واضحة، وفي أحاديث أخرى لك أكّدتها...

- الصراط هو الطريق المستقيم الذي يوصل إلى الجنة، وعندي تحمل هذه الكلمة بُعداً روحانياً يدل على مفهوم راقٍ. لم أنفِ ذلك، بل نفيت أن تكون الكلمة مرتبطة حصراً برحلة شخصيات الفيلم. إنها كلمة جميلة لمعنى روحاني شامل.

• لم تفتني تلك اللقطة في فيلم «ميموزا» لعبارة «لا تنسَ ذكر الله».

- نعم. الإيمان يفتح الطريق أمام ما توقّف الغرب عن التفكير فيه. لكن المسألة بالنسبة إليّ ليست مجرد مقارنة. «صِراط» تحديداً يقوم على فكرة أن الحياة ليست فقط ما نعيشه هنا، وأنها لا تمنحنا كل ما نريد. إنها جسر يرفع الإنسان روحياً.

الجسد والذاكرة

«ميموزا» (زيتون فيلمز)

• هذا الفيلم شهد تسويقاً عالمياً لم تتمتع به أفلامك السابقة. هل التواصل مع جمهور أكبر هو غايتك؟

- إلى حدّ ما. لا بدَّ أن أوضح أنني أردتُ الوصول إلى جمهور أوسع، لكن بشروطي أنا، لا بشروطه هو. إنه فيلم ضخم من حيث الحجم والطموح، ويتحدث عن مغامرة تنتهي تراجيدياً. وهذا ليس النوع الذي يتهافت عليه الجمهور العريض، لذلك كان نجاحه في «كان» العام الماضي ضرورياً لدفعه إلى الأمام.

الموسيقى والرقص

• يبدأ الفيلم بمكبرات صوت ضخمة تبث موسيقى صاخبة، وعدد كبير من الراقصين في ليل صحراوي. الموسيقى إلكترونية وعنيفة. كيف تفسّر ذلك؟

- إنها مقدمة لاستكشاف المكان والناس، وهذا النوع الهائج من الموسيقى يعبّر عن أناس يتوقون إلى التحرر من قوانين الحياة الجاهزة. وسيلتهم إلى ذلك هي هذه الموسيقى، التي تدفعهم إلى اللجوء إلى الأماكن المقفرة، حيث لا رقابة ولا قيود اجتماعية. إلى أن يصل الجيش للقبض عليهم. وأنا أمارس هذا الرقص أيضاً، لأنه يتعامل مع آلامي.

• كيف ذلك؟

- أعتقد أن الجسد يحتفظ بذاكرة قوية. إنه رقص عنيف لأنه يذكّرك بآلامك الاجتماعية، وربما التاريخية أيضاً. بكل ما ترفضه، لكن رفضك له لا يحرّرك منه. فهو يتعامل معك لأنك تعرضت له أو أدركته، أو بالأحرى لأنه هو الذي أدركك. في حلبة الرقص تشترك مع الجميع من دون أن تعرفهم، وهذا يشبه دخول صالات السينما. أنت واحد من كثيرين يشاهدون الفيلم معاً ويتلقّون مشاهده ومعانيه، لكنك لا تعرف شيئاً عن أيٍّ من المشاهدين الآخرين.

• كيف تصف تجربتك مع مهرجان «كان» إلى الآن؟

- مفيدة جداً، خصوصاً بالنسبة إلى الفيلم الأخير كما لمَّحتَ أنت. لكن كثيرين واصلوا سؤالي عن المعاني. أعتقد أن واحدة من أهم مشكلات السينما اليوم هي أن الجمهور يريد أجوبة جاهزة من الفيلم الذي يشاهده. الأفلام يجب أن تكون صوراً، لا كلمات. وهذا ما تفتقده سينما اليوم.

• تأثرت بنهايات شخصياتك في «صِراط». كانت مفاجئة وصادمة. الأب يركض مذعوراً لإيقاف سيارته قبل سقوطها في الوادي لإنقاذ ابنه، لكنها تهوي. وشخصية أخرى تنفجر بلغم مزروع في الأرض. هل يعود ذلك إلى رغبتك في القول إن الطبيعة هي صاحبة الكلمة الأخيرة؟

- هذا قريب جداً مما تصف. لكي تكون آمناً في الطبيعة القاسية، عليك أن تنتمي إليها، أن تعيشها وتتعايش معها. وهذا ما لا يتوافر للشخصيات التي تنطلق نحو الصحارى الشاسعة. الأب يبحث عن ابنته المفقودة، والبقية يبحثون عن حفل آخر، ربما كانت تلك الفتاة موجودة فيه. لكن الطبيعة أقوى من القرار البشري. هؤلاء جميعاً يدفعون ثمناً باهظاً لأنهم دخلوا عالماً لا خبرة لهم به. أنا أصوّر الطبيعة لأنها حاضرة، ولأن وجودها يتجاوز جمالياتها وتكويناتها.

التقنيات السينمائية

• صوّرت جميع أفلامك على شريط سينمائي، وليس بكاميرات رقمية، صحيح؟

- نعم.

• أعرف ما يوفِّره الفيلم التقليدي ولا توفِّره الكاميرات الرقمية، لكني أود سماع سبب اختيارك.

- التصوير بكاميرا فيلم هو انعكاس لطبقات متعددة. العلاقة مع الصورة السينمائية تشمل تأثيرها في العمل بأسره وبالتالي في المُشاهد أيضاً. الفيلم السينمائي يمتلك ثراءً لا يمكن تعويضه باستخدام كاميرا مؤلفة من «بيكسلات».


مقالات ذات صلة

من ذاكرة المنازل إلى الشاشة الكبيرة... «الخلاص من شاوشانك» في صالات السعودية

يوميات الشرق تيم روبنز ومورغان فريمان في مشهد من الفيلم (imdb)

من ذاكرة المنازل إلى الشاشة الكبيرة... «الخلاص من شاوشانك» في صالات السعودية

قبل أكثر من 3 عقود، خرج فيلم «الخلاص من شاوشانك» إلى دور العرض العالمية، فيما عاش الجمهور السعودي تلك المرحلة في غياب صالات السينما.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق المخرجون الشباب المتقدّمون إلى منصة مهرجان طرابلس لتمويل الأفلام القصيرة (الشرق الأوسط)

الفيلم القصير عملٌ شاقّ... ومهرجان طرابلس يساعد على اختصار الطريق الطويل

مهرجان طرابلس للأفلام يساعد المخرجين الشباب على الانتقال بأفلامهم القصيرة من الورق إلى الشاشة الكبيرة.

كريستين حبيب (طرابلس (شمال لبنان))
يوميات الشرق من «المواطن أسامة» (فيلكام)

في ختام مهرجان تورنتو: 430 فيلماً وعشرة أعمال تستحق المشاهدة

يصل مهرجان تورنتو السينمائي، اليوم (الأحد)، إلى ختام دورته الحادية والخمسين، في نسخة استثنائية يصعب وصفها إلا بأنها أكبر من قدرة حتى أكثر عشاق السينما شغفاً…

محمد رُضا (تورنتو - كندا)
يوميات الشرق نجوم في التمثيل اللبناني حضروا حفل الافتتاح (المهرجان)

«مهرجان طرابلس للأفلام» يضيء على تراث المدينة العمراني الفريد

للمرة الثالثة عشرة على التوالي، يجتمع أهل الفن من أجل الاحتفاء بالسينما في طرابلس. هذه المرة كان الجمع أكبر في افتتاح «مهرجان طرابلس للأفلام».

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق صورة تجمع الفائزين بلجنة التحكيم والقنصل الفرنسي في جدة وفيصل بالطيور (البحر الأحمر السينمائي)

فرنسا تتطلع إلى مشاريع سينمائية مشتركة مع السعودية بعد 6 أعوام من «تحدي 48 ساعة»

يكتسب هذا التوجه الفرنسي أهمية خاصة لأنه يأتي بعد ستة أعوام من الشراكة في «تحدي صناعة فيلم في 48 ساعة»، الذي تنظمه مؤسسة البحر الأحمر السينمائي.

أسماء الغابري (جدة)

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
TT

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي

تنطلق «قمة الإبداع» (Creative Summit)، المهرجان الرائد للإبداع في السعودية، من 3 إلى 5 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، في حي جاكس بالعاصمة الرياض، للعام الثاني، ضمن شراكة استراتيجية بين الجانبين، في واحدة من أبرز الوجهات الثقافية والإبداعية في المملكة.

وتُقام نسخة العام الحالي تحت شعار «وراء كل ذكاء... إنسان»، لمناقشة إحدى أبرز القضايا التي تشغل الصناعات الإبداعية اليوم، وهي العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، في ظل التطور التقني المتسارع وتأثيره المتزايد في أساليب العمل والإنتاج.

وتؤكد القمة من خلال شعارها أن التقنية، مهما تطورت، تظل أداة قوية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الروح الإنسانية والحدس والإبداع والتجارب التي تصوغ أفكار الإنسان وقصصه.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، تقدم القمة مسارات تتجاوز النقاشات العامة، وتركز على الأدوات العملية والحوارات المعمقة بشأن دمج الذكاء الاصطناعي في الصناعات الإبداعية، وتعزيز استدامتها، وابتكار حلول قابلة للتطبيق في قطاع الأعمال.

ويعكس اختيار حي جاكس مقراً للقمة لمكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي، ودوره بوصفه وجهة تجمع القادة والمبدعين والممارسين والمؤسسات الناشطة في مختلف المجالات الإبداعية.

كما تسهم الشراكة بين القمة وحي جاكس في ربط مجتمع الاقتصاد الإبداعي السعودي بالوكالات الإقليمية وقادة الأسواق العالمية، وتوفير مساحة تجمع المبدعين وصنّاع القرار والخبراء لتبادل المعرفة والتعاون وبناء علاقات مهنية فاعلة.

اختيار حي جاكس مقراً للقمة يعكس مكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي

وقالت مي سلامة، الشريكة المؤسسة لـ«قمة الإبداع»: «نسعد كثيراً بإقامة المهرجان في الرياض، ولا يوجد مكان نفضل استضافته فيه أكثر من حي جاكس، فهو ليس مجرد موقع للفعاليات، بل القلب النابض للنهضة الثقافية والفنية التي تشهدها المملكة».

وأضافت: «من خلال جمع مجتمع الاقتصاد الإبداعي في المنطقة تحت مظلة المهرجان، نبني مساحة للحوار والتواصل وتبادل المعرفة. وتحمل نسخة العام الحالي أهمية خاصة بالنسبة إلينا؛ لأن شعار (وراء كل ذكاء... إنسان) يذكّرنا بوضوح بأن إنسانيتنا ستظل أهم ما نملكه في عالم يزداد اعتماداً على الخوارزميات والأتمتة».

وتابعت: «نجتمع هذا العام للاحتفاء بالقادة والمبدعين والمستثمرين ورواد الأعمال وصنّاع الأفلام والعاملين في الصناعات الإبداعية».

من جانبها، قالت آية البكري، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة بينالي الدرعية: «يحتضن حي جاكس مجتمعاً متنامياً من القادة والمبدعين العاملين في مجالات الفنون والتصميم والإعلام والحرف. وتجمع قمة الإبداع العاملين في الصناعات الإبداعية، وتتيح لهم حواراً مباشراً داخل المنظومة التي تدعم أعمالهم على مدار العام».

وأضافت: «يسعدنا استقبال قمة الإبداع في حي جاكس للعام الثاني، ونتطلع إلى ما ستنتجه أيامها الثلاثة من أفكار وفرص جديدة للتواصل».

وعلى مدى 13 عاماً من حضورها في المشهد الإبداعي بالمنطقة، أسهمت القمة في تمكين الأفراد وتطوير الأعمال ودعم نمو الاقتصاد الإبداعي، وتركت أثراً واضحاً في صناعات عدة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وحققت نسخ القمة السابقة أكثر من 280 مليون ظهور رقمي، وأسهمت في بناء مجتمع إبداعي إقليمي واسع يضم آلاف المتحدثين ومئات الآلاف من الحضور، فيما سجلت النسخة الماضية وحدها حضوراً قياسياً بلغ 21 ألف زائر خلال 3 أيام.


حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
TT

حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)

تسبَّب اللحن التراثي المصري «زوروني كل سنة مرة»، لـ«فنان الشعب» الموسيقار المصري الراحل سيد درويش، في إثارة جدل حول حقوق الأغنية وأصلها، خصوصاً بعد تقديم الفنانة السورية أصالة نصري أغنية «على روض الحبيب»، خلال إحيائها حفلاً في بلدها سوريا بعد سنوات من الغياب. وأكدت أصالة أمام الحضور أن اللحن من تراث اللاذقية، رغم تشابهه مع لحن «زوروني كل سنة مرة»، وفقاً لنقاد ومتابعين.

ورفض الجمهور والنقاد، في تعليقات ومشاركات كثيفة على مواقع التواصل الاجتماعي، ما قالته أصالة في المقطع الذي جرى تداوله على نطاق واسع خلال اليومين الماضيين، معبّرين عن استيائهم مما حدث. وأكدوا أن اللحن من التراث المصري، وموثَّق باسم سيد درويش الذي رحل منذ أكثر من قرن، مطالبين الفنانة السورية بإثبات حديثها بوثائق رسمية، بدلاً من الكلام المرسل.

وبدورها، أصدرت جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية، السبت، بياناً أكدت فيه متابعتها ما أُثير حول أغنية «على روض الحبيب»، التي أدَّتها أصالة، وما أُعلن بشأن نسبة لحنها إلى التراث السوري، وتحديداً إلى تراث اللاذقية.

وأكدت الجمعية أن تناولها هذا الموضوع لا يستهدف أصالة، لكن إعلانها أن اللحن من التراث السوري يحمّلها مسؤولية مهنية في تحرّي الدقة والتثبّت من صحة هذه النسبة، والأساس الذي استندت إليه في الجزم بأنه من التراث السوري، وما إذا كان ذلك يستند إلى دليل موثوق به.

ورأت الجمعية المصرية أن الأمر لا يقتصر على تشابه عابر، بل إن «البنية اللحنية» الأساسية تتطابق بصورة واضحة مع لحن «زوروني كل سنة مرة» لسيد درويش، مع بعض «التحويرات والتنويعات» في الصياغة؛ إذ تظل الملامح الأساسية للحن حاضرة من حيث البناء، والمسار النغمي، والتفعيلات الزمنية والإيقاعية، والإطار المقامي، والعلاقات بين الجمل الموسيقية.

إلا أن محمد حسن سيد درويش، حفيد «فنان الشعب»، دخل على خط الأزمة بموقف مغاير، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن ما صدر عن جمعية المؤلفين والملحنين كان يهدف إلى الدفاع عن الحقوق بوجه عام. وأضاف: «بصفتي حفيداً لسيد درويش، والحارس القضائي على تراثه الفني، واستناداً إلى دراستي الموسيقية، أوضح أنه، بمقارنة ما تغنَّت به أصالة في لحن (على روض الحبيب) بلحن (زوروني كل سنة مرة)، يتبيّن أنه لا يمت إليه بأي صلة».

وأضاف حفيد «فنان الشعب»: «يتفق اللحن الأول مع الثاني من حيث المقام الموسيقي والإيقاع، لكنه لا يرتبط بالنوتة الموسيقية الخاصة به». وأشار إلى أن أصالة أوضحت على المسرح أن اللحن يحمل روح التراث وعبقه، ويعود إلى أجواء الموسيقى القديمة، مثل موسيقى سيد درويش.

أصالة قدمت حفلاً في سوريا بعد فترة غياب طويلة (حسابها على «فيسبوك»)

وأكدت «ساسيرو» في بيانها أن موقفها «لا يأتي لمجرد أن سيد درويش أحد أعضائها، وإنما ينطلق من مسؤوليتها عن حماية التأليف الموسيقي المصري، وصون تراثه، والدفاع عن حقوق مبدعيه».

ورداً على أنباء اعتزامه اتخاذ إجراءات قانونية ضد الفنانة السورية، أوضح حفيد سيد درويش أنه لم يقصد أصالة، التي يكنّ لها كل تقدير واحترام، بهذا التصريح، بل كان يتحدث بصورة عامة، قبل أن يوضع حديثه في سياق مختلف. وأضاف أن «استخدام أي لحن لسيد درويش من دون الرجوع إليه، بصفته الحارس القضائي على تراثه، والحصول على موافقة كتابية موثَّقة في الشهر العقاري، حفاظاً على حقوق الورثة، سيدفعه إلى اتخاذ إجراءات قانونية ضد المخالفين».

بدوره، كشف الدكتور مدحت العدل، رئيس جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين»، لـ«الشرق الأوسط»، أن اتخاذ الجمعية إجراءات قانونية لا بد أن يكون بناءً على طلب العضو، وهو ما لم يحدث، مؤكداً اكتفاء الجمعية بإصدار البيان الرسمي.

وعن أصل أغنية «زوروني كل سنة مرة»، أوضح الناقد الفني المصري أحمد السماحي، لـ«الشرق الأوسط»، أن الأغنية أثارت جدلاً كبيراً منذ سنوات طويلة، رغم شهرتها بألحان سيد درويش وكلمات محمد يونس القاضي. وكان حامد مرسي أول من قدَّمها عام 1917، ثم أصبحت لاحقاً واحدة من أشهر كلاسيكيات الغناء العربي، وغنّاها محمد عبد الوهاب، ورياض السنباطي، وفيروز، وفرق الموسيقى العربية في مصر والعالم العربي.

ونوَّه السماحي إلى أن بعض الباحثين قالوا إن الأغنية تعود إلى الموسيقار والمنشد العراقي الملا عثمان الموصلي، وإنها كانت تُؤدَّى في سياق ديني بكلمات مختلفة، أبرزها «زُرْ قبر الحبيب». لكنه أشار إلى أن لحن الموصلي ظهر عام 1925، ومن ثمَّ لا علاقة له بلحن سيد درويش، خلافاً لما يردّده البعض، مؤكداً أن «زوروني كل سنة مرة» تعود إلى التراث المصري دون سواه.


نوافذ تتكيف مع الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة

النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
TT

نوافذ تتكيف مع الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة

النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)

أظهرت دراسة دولية أن نوافذ ذكية تستجيب تلقائياً لتغير درجات الحرارة يمكن أن تساعد في خفض استهلاك المباني للطاقة وتحسين الراحة الحرارية، من دون الحاجة إلى مصدر كهرباء خارجي أو أجهزة استشعار وأنظمة تحكم معقدة.

وأوضح باحثون من جامعة ساوث إيست الصينية وجامعة كونكورديا الكندية، أن هذه النوافذ يمكن أن تصبح عنصراً نشطاً في التحكم بدرجة حرارة المباني، بما يفتح المجال أمام تقليل الطاقة اللازمة للتبريد والتدفئة، مع الحفاظ على الاستفادة من الضوء الطبيعي. ونشرت نتائج المراجعة، الجمعة، في دورية «Science Bulletin».

وتمثل النوافذ جزءاً مهماً من المباني، إذ تسمح بدخول الضوء الطبيعي، وتوفر إطلالات على الخارج، لكنها في الوقت نفسه تعد من نقاط الضعف في غلاف المبنى، ويمكن أن تتسبب في فقدان الحرارة أو اكتسابها بصورة غير مرغوبة، ما يزيد الحاجة إلى أنظمة التدفئة والتهوية وتكييف الهواء.

وأجرى الفريق مراجعة لرصد التطورات الرئيسية في تقنية تعرف باسم «النوافذ المتغيرة حرارياً»، إلى جانب التحديات التي لا تزال تعوق استخدامها على نطاق واسع.

وتعتمد هذه النوافذ على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة؛ ففي الظروف الباردة، تصبح أكثر شفافية، بما يسمح بدخول مزيد من الضوء الطبيعي والاستفادة من الحرارة الآتية من أشعة الشمس، بينما تقلل في الأجواء الحارة من نفاذ الطاقة الشمسية إلى داخل المبنى، خصوصاً الأشعة القريبة من الأشعة تحت الحمراء. ويمكن لهذه الخاصية أن تحد من اكتساب المبنى للحرارة خلال الفترات الحارة، وبالتالي تخفف الحمل الواقع على أنظمة التبريد، من دون الحاجة إلى تشغيل النافذة بالكهرباء بصورة مستمرة. وتتغير الخصائص البصرية لهذه النوافذ عند بلوغ درجة حرارة معينة، فتتبدل قدرتها على السماح بمرور الضوء والطاقة الشمسية، وتختلف آلية عملها حسب المواد المستخدمة.

وشملت المواد التي تناولتها المراجعة «ثاني أكسيد الفاناديوم»، و«بيروفسكايت الهاليد»، والمواد الهلامية المائية، والبلورات السائلة، والسوائل الأيونية.

ووفقا للباحثين، تتمتع هذه المواد بخصائص مختلفة؛ فبعضها يمتلك قدرة جيدة على التحكم في الأشعة القريبة من الأشعة تحت الحمراء، بينما يوفر بعضها الآخر تغيراً قوياً في الخصائص البصرية، أو يسمح بضبط درجة الحرارة التي تبدأ عندها عملية التحول.

لكنّ الباحثين أوضحوا أن نقل هذه التقنية من المختبر إلى المباني يواجه تحديات عدة، من بينها ارتفاع درجة حرارة التحول في بعض المواد، وتغير لون الزجاج، والضبابية، والحساسية للرطوبة، والإجهاد الميكانيكي، وعدم الاستقرار على المدى الطويل.

كما تعتمد فاعلية النوافذ المتغيرة حرارياً بدرجة كبيرة على المناخ، واتجاه واجهة المبنى، ونوعه، وتصميم الزجاج. وقد تكون أكثر فائدة في المناطق التي تسود فيها الحاجة إلى التبريد، بينما يمكن لتصميم غير مناسب أن يحجب الحرارة الشمسية المفيدة في المناطق التي تحتاج إلى التدفئة.

ويرى الباحثون أن تطوير هذه التقنية يجب ألا يركز على تحسين المواد وحدها، بل ينبغي أن يتجه أيضاً إلى دمج النوافذ في أنظمة المباني، بما يشمل التدفئة والتهوية وتكييف الهواء والإضاءة ووسائل التظليل.

وأكد الباحثون أن هذه النتائج لا تعني أن النوافذ المتغيرة حرارياً يمكن أن تحل محل أجهزة التكييف، وإنما تشير إلى إمكانية استخدامها لتقليل كمية الحرارة التي تدخل المبنى، وبالتالي خفض الطاقة التي تحتاج إليها أنظمة التبريد، مع اختلاف الفائدة المتوقعة وفقاً للظروف المناخية وتصميم المبنى.