حرب إيران تُدخل الطيران العالمي منطقة اضطراب

أزمة وقود ومسارات مكلفة تهدد أرباح الشركات

طائرة تابعة للخطوط الجوية البريطانية لدى هبوطها في العاصمة البلجيكية بروكسل (أ.ف.ب)
طائرة تابعة للخطوط الجوية البريطانية لدى هبوطها في العاصمة البلجيكية بروكسل (أ.ف.ب)
TT

حرب إيران تُدخل الطيران العالمي منطقة اضطراب

طائرة تابعة للخطوط الجوية البريطانية لدى هبوطها في العاصمة البلجيكية بروكسل (أ.ف.ب)
طائرة تابعة للخطوط الجوية البريطانية لدى هبوطها في العاصمة البلجيكية بروكسل (أ.ف.ب)

دخلت صناعة الطيران العالمية مرحلة جديدة من الاضطراب، مع اتساع تداعيات الحرب الإيرانية على أسواق الطاقة وحركة الملاحة الجوية وسلاسل الإمداد، في أزمة باتت تهدد شركات الطيران بارتفاعات حادة في التكاليف وخسائر تشغيلية متزايدة، في وقت كان فيه القطاع يحاول التعافي الكامل من آثار الجائحة والتباطؤ الاقتصادي العالمي.

وخلال الأسابيع الأخيرة، تحولت الحرب في الشرق الأوسط من أزمة جيوسياسية بعيدة نسبياً عن القطاع، إلى عامل ضغط مباشر على شركات الطيران والمطارات وموردي الوقود، بعدما أدت التوترات المتصاعدة إلى اضطراب إمدادات الوقود النفاث، وارتفاع أسعار النفط، وإعادة رسم مسارات الرحلات الجوية العالمية، خصوصاً بين أوروبا وآسيا.

ومع استمرار المخاوف بشأن أمن الملاحة في المنطقة، بدأت شركات الطيران العالمية تواجه واقعاً تشغيلياً أكثر تعقيداً وتكلفة، وسط تحذيرات متزايدة من أن الأزمة الحالية قد تتحول إلى واحدة من أصعب الفترات التي يمر بها القطاع منذ الحرب الروسية - الأوكرانية.

وفي أحدث مؤشر على خطورة الوضع، أبلغ الاتحاد الأوروبي شركات الطيران والمطارات، بأنه لا توجد «عقبات تنظيمية» أمام استخدام نوعية «جيت إيه» من وقود الطائرات؛ الشائع في الولايات المتحدة، بوصف ذلك بديلاً لوقود «جيت إيه-1»؛ المستخدم تقليدياً في أوروبا، وذلك لتجنب نقص محتمل في الإمدادات نتيجة اضطراب الأسواق المرتبط بالحرب الإيرانية.

تخوف أوروبي

وقالت المفوضية الأوروبية إن شركات الطيران يمكنها استخدام الوقود البديل شريطة إدارة العملية بحذر والتنسيق الكامل عبر سلسلة التوريد، بينما دعت وكالة سلامة الطيران الأوروبية (إياسا) إلى اتخاذ احتياطات تشغيلية إضافية عند التحول بين النوعين.

كما أكدت بروكسل أن الأزمة الحالية لا تبرر تعليق حقوق المسافرين، أو التخفف من التزامات التعويضات تجاه الركاب، معتبرة أن اضطراب سوق الوقود لم يصل بعد إلى مستوى «القوة القاهرة» الكاملة.

وتكشف هذه الخطوة حجم القلق داخل أوروبا من احتمال حدوث اختناقات في سوق الوقود النفاث، خصوصاً أن جزءاً مهماً من الإمدادات العالمية يمر عبر الشرق الأوسط، أو يعتمد على خامات ومنشآت مرتبطة بالمنطقة.

وتُعدّ صناعة الطيران من أكثر القطاعات حساسية تجاه تقلبات أسعار الطاقة؛ إذ يشكل الوقود ما بين 25 و35 في المائة من إجمالي تكاليف التشغيل لدى معظم شركات الطيران. ولذلك، فإن أي ارتفاع مستمر في أسعار النفط أو اضطراب في الإمدادات، ينعكس سريعاً على أسعار التذاكر وهوامش الأرباح وخطط التوسع.

ومنذ اندلاع الحرب، ارتفعت أسعار الوقود النفاث بشكل متسارع، بينما اتسعت الفجوة السعرية بين مناطق التوريد المختلفة، ما دفع شركات الطيران إلى إعادة تقييم استراتيجيات الشراء والتحوط. كما بدأ بعض الشركات الأوروبية والآسيوية بالفعل في البحث عن مصادر وقود بديلة، أو زيادة المخزونات الاحتياطية، تحسباً لمزيد من التدهور.

إعادة رسم المسارات

لكن أزمة القطاع لا تتوقف عند الوقود وحده؛ فالحرب الإيرانية أعادت أيضاً رسم خريطة المسارات الجوية العالمية، بعدما اضطرت شركات عديدة إلى تجنب أجزاء واسعة من المجال الجوي في الشرق الأوسط، سواء لأسباب أمنية أو نتيجة ارتفاع مخاطر التأمين.

وأدى ذلك إلى زيادة زمن الرحلات بين أوروبا وآسيا، وارتفاع استهلاك الوقود، وتراجع كفاءة الجداول التشغيلية. كما تسبب في ضغوط إضافية على الطواقم الجوية والمطارات، خصوصاً مع اضطرار بعض الرحلات إلى تنفيذ توقفات فنية للتزود بالوقود، أو تعديل المسارات بصورة مستمرة.

وتواجه شركات الطيران الأوروبية تحديداً، وضعاً معقداً، لأنها تكبدت بالفعل خسائر إضافية خلال السنوات الماضية، نتيجة إغلاق الأجواء الروسية بعد الحرب في أوكرانيا. ومع تعقد المسارات عبر الشرق الأوسط أيضاً، تجد الناقلات الأوروبية نفسها أمام شبكة تشغيل أكثر تكلفة وأقل مرونة، مقارنة ببعض المنافسين الآسيويين أو الخليجيين.

ضغوط متزامنة

أما شركات الطيران الآسيوية فتواجه بدورها ضغوطاً متزايدة، بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة وضعف الطلب في بعض الأسواق، خصوصاً مع تباطؤ الاقتصاد الصيني وتراجع حركة الشحن الجوي العالمية، مقارنة بذروة ما بعد الجائحة.

وفي الولايات المتحدة، تتابع شركات الطيران التطورات بحذر، خصوصاً مع ارتفاع أسعار النفط محلياً، وتزايد المخاوف من تأثير الأزمة على التضخم والإنفاق الاستهلاكي.

وقد بدأ بعض الشركات الأميركية بالفعل في التحذير من ضغوط محتملة على الأرباح خلال النصف الثاني من العام، إذا استمرت أسعار الوقود عند مستوياتها الحالية، أو ارتفعت أكثر.

ويخشى المستثمرون من أن تتحول الأزمة إلى دورة جديدة من الضغوط المالية على القطاع، بعدما كانت شركات الطيران قد بدأت أخيراً، في استعادة مستويات الربحية التي فقدتها خلال جائحة «كوفيد - 19»؛ فكثير من الشركات لا يزال مثقلاً بالديون التي تراكمت خلال سنوات الإغلاق، ما يجعل هذه الشركات أكثر هشاشة أمام أي صدمة جديدة في التكاليف.

كما أن قدرة الشركات على تمرير ارتفاع الأسعار إلى المستهلكين، تبدو محدودة نسبياً هذه المرة، بسبب تباطؤ الطلب العالمي وارتفاع حساسية المسافرين تجاه أسعار التذاكر بعد موجة التضخم الأخيرة.

زيادة التأمين

في هذا السياق، بدأت شركات طيران بالفعل في تقليص توقعاتها المالية، أو مراجعة خطط التوسع، فيما يراقب القطاع بقلق احتمال امتداد الأزمة إلى موسم السفر الصيفي، الذي يمثل الفترة الأكثر ربحية لشركات الطيران في أوروبا وأميركا الشمالية.

وتبرز هنا معضلة إضافية تتعلق بالتأمين وإدارة المخاطر؛ فالحرب رفعت تكلفة التأمين على الطائرات والرحلات العابرة للمناطق القريبة من النزاع، كما زادت المخاطر المرتبطة بتقلبات الأسواق وأسعار العملات والطاقة. وهذا الوضع يضع ضغوطاً، خصوصاً على الشركات منخفضة التكلفة التي تعتمد على هوامش ربح ضيقة، ونماذج تشغيل عالية الكفاءة.

وفي المقابل، قد يستفيد بعض شركات الطيران نسبياً من إعادة توجيه الحركة الجوية العالمية عبر مراكزها التشغيلية، لكن حتى هذه الشركات تواجه تحديات مرتبطة بارتفاع الوقود والمخاطر الإقليمية، واحتمال تراجع الطلب إذا توسعت الحرب.

أما قطاع الشحن الجوي فيبدو من أكثر القطاعات تعرضاً للتقلبات الحالية، نظراً لاعتماده الكبير على استقرار سلاسل الإمداد العالمية. وقد بدأت تكاليف الشحن ترتفع بالفعل على بعض الخطوط، فيما تواجه الشركات صعوبة متزايدة في الحفاظ على جداول التسليم المعتادة.

ويرى محللون أن الأزمة الحالية تعكس هشاشة صناعة الطيران أمام الصدمات الجيوسياسية، رغم كل محاولات القطاع خلال السنوات الماضية، لبناء نماذج تشغيل أكثر مرونة؛ فالحروب لا تؤثر فقط على حركة الطائرات، بل تمتد آثارها إلى الوقود والتأمين والتمويل والطلب والسياحة وسلاسل التوريد في آن واحد.

كما تكشف الأزمة عن التداخل المتزايد بين أمن الطاقة وأمن النقل العالمي؛ فاضطراب إمدادات الوقود في الشرق الأوسط لا ينعكس فقط على أسعار النفط، بل يمتد مباشرة إلى تكاليف السفر والتجارة العالمية والنمو الاقتصادي.

وفي الوقت الراهن، تبدو الأسواق مقتنعة بأن الأزمة لن تكون قصيرة أو محدودة التأثير. ولذلك، تتجه شركات الطيران والحكومات إلى التركيز على «إدارة الأزمة»، بدلاً من انتظار نهاية سريعة للحرب.

ومع استمرار حالة عدم اليقين، يبقى السؤال الأهم بالنسبة للقطاع: إلى أي مدى تستطيع شركات الطيران تحمل موجة جديدة من ارتفاع التكاليف والاضطرابات التشغيلية بعد سنوات من الأزمات المتلاحقة؟

وحتى الآن، لا توجد إجابة واضحة؛ لكن المؤكد أن الحرب الإيرانية أعادت وضع صناعة الطيران العالمية في قلب العاصفة الاقتصادية، في وقت كان فيه القطاع يأمل أخيراً في العودة إلى مسار الاستقرار والنمو.


مقالات ذات صلة

الأسهم الصينية تسجل أكبر هبوط يومي في شهر

الاقتصاد رجلان يتابعان حركة الأسهم في شركة للسمسرة بالعاصمة الصينية بكين (رويترز)

الأسهم الصينية تسجل أكبر هبوط يومي في شهر

أنهت الأسهم الصينية تعاملات الخميس على أكبر خسارة يومية في شهر، فيما تراجع اليوان أمام الدولار، مع استمرار حذر المستثمرين حيال القمة الأميركية - الصينية

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد شعار مجموعة «سوفت بنك» على مقرها الرئيسي في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

«سوفت بنك» تطلق أكبر إصدار عالمي لسندات الشركات مرتفعة العائد

تجمع مجموعة «سوفت بنك» اليابانية 11.1 مليار دولار من سندات مقومة بالدولار واليورو، في إصدار مرشح ليصبح الأكبر عالمياً على الإطلاق لسندات الشركات مرتفعة العائد

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد البنك المركزي الأوروبي وأفق الحي المالي في فرانكفورت (رويترز)

معاهد ألمانية ترفع توقعات النمو إلى 1.3% في 2026... و1.1 % عام 2027

رفعت المعاهد الاقتصادية الرائدة في ألمانيا، يوم الخميس، توقعاتها للنمو في أكبر اقتصاد أوروبي للعام الحالي والعام المقبل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد رجل يمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم والعملات في طوكيو (رويترز)

قفزة عوائد السندات تضغط على أسواق اليابان رغم صعود «نيكي»

قفزت عوائد السندات الحكومية اليابانية، الخميس، مع عودة مخاوف التضخم إلى الواجهة، رغم رفع «بنك اليابان» سعر الفائدة إلى أعلى مستوى في 31 عاماً الأسبوع الماضي

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد سفن في مضيق هرمز، كما تظهر من مسندم، عمان (رويترز)

برنت يقفز إلى 106.5 دولار مع غياب مؤشرات على تقدم في محادثات أميركا وإيران

واصلت أسعار النفط مكاسبها خلال تعاملات الخميس، بعد صعودها نحو 4 في المائة في الجلسة السابقة، مع غياب مؤشرات على إحراز تقدم في المحادثات بين أميركا وإيران.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

«بنك أوف أميركا» يتوقع رفع الفائدة الأوروبية بـ25 نقطة أساس في ديسمبر

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرنكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرنكفورت (رويترز)
TT

«بنك أوف أميركا» يتوقع رفع الفائدة الأوروبية بـ25 نقطة أساس في ديسمبر

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرنكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرنكفورت (رويترز)

يتوقع قسم الأبحاث العالمية في «بنك أوف أميركا» أن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في ديسمبر (كانون الأول)، بسبب صدمة جديدة في أسعار الطاقة من شأنها أن تُبقي معدل التضخم في منطقة اليورو أعلى من المستوى المستهدف للبنك المركزي لفترة أطول.

وتزيد أسعار الغاز والنفط المرتفعة من المخاوف المتعلقة بالتضخم في أوروبا، في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية ومحدودية المؤشرات على حدوث انفراجة في الأزمة الإيرانية، مما يهدد بإبقاء أسواق الطاقة تعاني من شح المعروض خلال موسم الشتاء الذي يشهد ذروة الطلب، وفق «رويترز».

وكان البنك المركزي الأوروبي من بين عدة بنوك مركزية كبرى، بما في ذلك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي وبنك اليابان، التي رفعت أسعار الفائدة هذا الشهر، في وقت سعى فيه صناع السياسات إلى احتواء مخاطر التضخم.

وقالت شركة الوساطة المالية إنها لا تزال تتوخى الحذر بشأن قوة النمو التي فاقت التوقعات في النصف الأول من عام 2026، إذ تجعل التقلبات في البيانات من الصعب تقييم ما إذا كان هذا التحسن سيستمر.

وذكرت الشركة في مذكرة يوم الأربعاء: «قد يبدو النمو جيداً، لكنه على الأرجح سيكون أقل قوة مما هو عليه اليوم، ونشك في أن تكون قد ظهرت تأثيرات ملموسة من الدرجة الثانية، أي انتقال أثر التضخم إلى الأجور والأسعار الأخرى».

ورغم أن اتخاذ إجراء في أكتوبر (تشرين الأول) يظل احتمالاً وارداً، أشار «بنك أوف أميركا» إلى أن ذلك سيتطلب على الأرجح بيانات تضخم أعلى بكثير.

وتتماشى الأسواق المالية إلى حد كبير مع توقعات «بنك أوف أميركا» بشأن البنك المركزي الأوروبي، إذ يسعّر المتداولون احتمالاً يبلغ نحو 93 في المائة لرفع أسعار الفائدة في ديسمبر، وفقاً لبيانات مجموعة بورصة لندن.

وفي سياق منفصل، عدَّلت شركة الوساطة أيضاً توقعاتها بشأن بنك إنجلترا يوم الأربعاء، مضيفةً توقعاً برفع الفائدة في نوفمبر (تشرين الثاني) من هذا العام، يليه رفع آخر في فبراير (شباط) 2027.


الأسهم الصينية تسجل أكبر هبوط يومي في شهر

رجلان يتابعان حركة الأسهم في شركة للسمسرة بالعاصمة الصينية بكين (رويترز)
رجلان يتابعان حركة الأسهم في شركة للسمسرة بالعاصمة الصينية بكين (رويترز)
TT

الأسهم الصينية تسجل أكبر هبوط يومي في شهر

رجلان يتابعان حركة الأسهم في شركة للسمسرة بالعاصمة الصينية بكين (رويترز)
رجلان يتابعان حركة الأسهم في شركة للسمسرة بالعاصمة الصينية بكين (رويترز)

أنهت الأسهم الصينية تعاملات الخميس على أكبر خسارة يومية في شهر، فيما تراجع اليوان أمام الدولار، مع استمرار حذر المستثمرين حيال قدرة القمة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ في واشنطن على تحقيق اختراق أوسع في ملفات التجارة، والتكنولوجيا. وعند الإغلاق، هبط مؤشر «سي إس آي 300» للأسهم القيادية 1.7 في المائة، بينما خسر مؤشر شنغهاي المركب 1.2 في المائة، ليسجل كلاهما أكبر تراجع يومي منذ شهر.

وفي هونغ كونغ، كانت الخسائر أقل حدة، إذ أغلق مؤشر «هانغ سنغ» منخفضاً 0.3 في المائة. وتزامنت ضغوط الأسهم مع ضعف العملة الصينية. وتراجع اليوان في التعاملات الفورية خلال الجلسة إلى نحو 6.7171 مقابل الدولار، بانخفاض 0.09 في المائة، فيما سجل اليوان المتداول خارج البر الرئيس مستوى قريباً من 6.7182 للدولار.

وجاء ذلك مع ارتفاع مؤشر الدولار إلى 101.15 نقطة، بعدما صعدت العملة الأميركية إلى أعلى مستوى في نحو شهرين، مدعومة بتزايد توقعات رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة في الأجل القريب.

كما دفعت مخاوف التضخم عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات إلى أعلى مستوياتها منذ 2007، ما زاد الضغوط على العملات الآسيوية. وقبل افتتاح السوق، حدد بنك الشعب الصيني السعر المرجعي لليوان عند 6.7489 مقابل الدولار، أضعف بمقدار 305 نقاط من تقديرات «رويترز».

وكان اليوان قد صعد مؤخراً إلى أعلى مستوى في ثلاثة أعوام ونصف العام، مدعوماً بتحسن التوقعات بشأن استقرار العلاقات الصينية - الأميركية. وقالت «كايوان سيكيوريتيز» إن الأسواق استوعبت بالفعل جزءاً من التحسن المتوقع في العلاقات، وإن الاهتمام يتحول الآن إلى ما إذا كانت محادثات واشنطن ستسفر عن تطورات إضافية في ملفات الرسوم الجمركية، والتكنولوجيا.

وكان ترمب قد استقبل شي، الأربعاء، في زيارة للولايات المتحدة تستمر ثلاثة أيام. وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن البلدين اتفقا على تمديد الهدنة التجارية حتى 10 يناير (كانون الثاني)، أي لنحو شهرين إضافيين. لكن فترة التمديد جاءت أقصر من توقعات السوق التي كانت تراهن على تمديد لمدة عام. وقال محللون في «يو بي إس» إن الاتفاق، رغم قصر مدته مقارنة بالتوقعات، يساعد في الحفاظ على الاستقرار في العلاقات الثنائية.

كما ضغط على المعنويات غياب وفد من كبار رجال الأعمال الصينيين عن زيارة شي، بعدما كانت بكين تسعى إلى اصطحاب وفد لعقد اجتماعات مع ترمب، وفق مصادر تحدثت إلى «رويترز». وشملت الخسائر معظم القطاعات في البر الرئيس، وقادت أسهم الذهب والمعادن غير الحديدية وشركات معدات الذكاء الاصطناعي التراجعات.وجاء الأداء الضعيف متماشياً مع خسائر «وول ستريت» في الجلسة السابقة، حيث ضغط ارتفاع أسعار النفط وعوائد سندات الخزانة على شهية المخاطرة عالمياً.

وفي هونغ كونغ، ساعد الأداء الأفضل لأسهم الطاقة والبنوك والشحن على تقليص خسائر السوق، ما يفسر تراجع «هانغ سنغ» بوتيرة أقل من المؤشرات الصينية الرئيسة.

وظل قطاع التكنولوجيا محوراً رئيساً في حسابات المستثمرين. وقال سانجيف رانا، رئيس أبحاث أشباه الموصلات لشمال آسيا لدى «سي إل إس إيه»، إنه رغم التوقعات بشأن إمكان تعاون واشنطن وبكين في تطوير الذكاء الاصطناعي، وتعزيز سلامته، فإنه لا يتوقع تخفيف الولايات المتحدة القيود على تصدير الرقائق إلى الصين.

وفي الخلفية، يستعد بنك الشعب الصيني لضخ ما يصل إلى تريليون يوان، نحو 149 مليار دولار، يومياً عبر أدوات سيولة قصيرة الأجل حول نهاية الشهر، مع اقتراب عطلة «الأسبوع الذهبي».

وتعكس إغلاقات الخميس ارتفاع مستوى الحذر تجاه الأصول الصينية بعد المكاسب الأخيرة. فتمديد الهدنة التجارية أزال بعض المخاطر الفورية، لكنه لم يكن كافياً لدفع المستثمرين إلى زيادة تعرضهم للأسهم، أو اليوان، بينما تبقى الأسواق في انتظار نتائج أكثر وضوحاً من محادثات ترمب وشي، خصوصاً بشأن الرسوم الجمركية، والرقائق، والتكنولوجيا.


«سوفت بنك» تطلق أكبر إصدار عالمي لسندات الشركات مرتفعة العائد

شعار مجموعة «سوفت بنك» على مقرها الرئيسي في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
شعار مجموعة «سوفت بنك» على مقرها الرئيسي في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
TT

«سوفت بنك» تطلق أكبر إصدار عالمي لسندات الشركات مرتفعة العائد

شعار مجموعة «سوفت بنك» على مقرها الرئيسي في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
شعار مجموعة «سوفت بنك» على مقرها الرئيسي في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

تجمع مجموعة «سوفت بنك» اليابانية 11.1 مليار دولار من سندات مقومة بالدولار واليورو، في إصدار مرشح ليصبح الأكبر عالمياً على الإطلاق لسندات الشركات مرتفعة العائد، في وقت تكثف فيه المجموعة اقتراضها لتمويل استثمار ضخم في «أوبن إيه آي» ورهانات أخرى على الذكاء الاصطناعي.

ويأتي الإصدار بعد طرح سندات بقيمة تريليون ين، نحو 6.3 مليار دولار، للمستثمرين الأفراد خلال سبتمبر (أيلول)، ما يسلط مزيداً من الضوء على حجم التمويل الذي تحشده المجموعة بقيادة مؤسسها ماسايوشي سون.

وتعهدت «سوفت بنك» باستثمار 64.6 مليار دولار في «أوبن إيه آي»، ومن المنتظر أن تمتلك نحو 13 في المائة من الشركة بحلول الأسبوع المقبل. كما اتفقت على شراء أعمال الروبوتات التابعة لمجموعة «إيه بي بي» مقابل 5.4 مليار دولار، والاستحواذ على «ديجيتال بريدج» مقابل 3.1 مليار دولار.

ويشمل الإصدار الجديد ثلاث شرائح من السندات الدولارية الممتازة، بقيمة مليار دولار لأجل ثلاث سنوات ونصف السنة بعائد 8.625 في المائة، و4.5 مليار دولار لأجل خمس سنوات ونصف بعائد 9.25 في المائة، و4.5 مليار دولار لأجل سبع سنوات ونصف بعائد 9.75 في المائة.

كما أصدرت المجموعة شريحتين باليورو بقيمة 500 مليون يورو لكل منهما، الأولى لأربع سنوات بعائد 7.125 في المائة، والثانية لست سنوات بعائد 8 في المائة.

وتكشف هذه العوائد عن ارتفاع واضح في كلفة تمويل المجموعة. ففي إصدار سابق بلغت قيمته 7.3 مليار دولار في يونيو (حزيران) 2021 تراوحت عوائد سندات «سوفت بنك» الدولارية والأوروبية بين 2.125 و5.25 في المائة.

ومع ذلك، أظهر المستثمرون شهية قوية تجاه الإصدار. وقال ساتورو أوياما، المدير الأول في وكالة «فيتش»، إنه فوجئ إيجابياً بحجم الطلب، مشيراً إلى أن موجة الاقتراض المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، التي قادتها في البداية شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى ذات التصنيفات الائتمانية المرتفعة، وصلت الآن على نطاق واسع إلى سوق السندات مرتفعة العائد.

وإذا اكتملت الصفقة بالحجم المعلن، فستتجاوز إصدار شركة الاتصالات الفرنسية «نوميريكابل غروب» البالغ 10.9 مليار دولار في 2014 لتصبح أكبر عملية إصدار لسندات شركات مرتفعة العائد في العالم، وفق بيانات «إل إس إي جي».

وأصدرت «سوفت بنك» بالفعل سندات مرتفعة العائد بقيمة 14.6 مليار دولار خلال 2026، بما يمثل 63.4 في المائة من سوق هذه السندات في آسيا والمحيط الهادئ واليابان.

ولم تعتمد المجموعة على السندات وحدها؛ إذ باعت أصولاً وحصلت على قروض بضمان حصصها في شركة تصميم الرقائق «آرم» و«أوبن إيه آي» لتوفير الأموال اللازمة لالتزاماتها الاستثمارية.

لكن تأجيل خطط الطرح العام لكل من «أوبن إيه آي» ووحدة تطوير مراكز البيانات «إس بي إنرجي»، بعدما كان من الممكن بدء الطرحين هذا الشهر، قلّص توقعات تدفق سيولة جديدة إلى المجموعة في الأجل القريب.

ويرى مارك تشابمان، رئيس الاتصالات والإعلام لدى «كريديت سايتس»، أن المخاطر الائتمانية لـ«سوفت بنك» أصبحت كبيرة وارتفعت مع زيادة تركّز الأصول والضغوط على التدفقات النقدية. وبحسب تقديراته، تمثل حصتا المجموعة في «آرم» و«أوبن إيه آي» نحو ثلاثة أرباع قيمة أصولها.

وانعكس ذلك على تكلفة التأمين ضد تعثر ديون «سوفت بنك»، إذ تجاوز هامش عقود مبادلة مخاطر الائتمان لخمس سنوات 400 نقطة أساس هذا الأسبوع، مقارنة بنحو 280 نقطة أساس في يونيو.

في المقابل، ترى «ستاندرد آند بورز غلوبال ريتنغز» أن الأداء القوي لسهم «آرم» يدعم الجدارة الائتمانية للمجموعة، بحيث لا يشكل تأجيل طرح «أوبن إيه آي» أثراً سلبياً فورياً.

وبين قوة الطلب على السندات وارتفاع تكلفة التأمين على الديون، يعكس الإصدار معادلة «سوفت بنك» الجديدة؛ وهي تمويل أكبر رهان لها على الذكاء الاصطناعي عبر اقتراض قياسي، مع زيادة ارتباط مركزها المالي بأداء «أوبن إيه آي» و«آرم». وارتفع سهم المجموعة 1.5 في المائة، الخميس، بعد عودة سوق طوكيو من عطلة استمرت ثلاثة أيام.