العالم يجاهد لمواكبة تطور الذكاء الاصطناعي

تقرير جامعة ستانفورد السنوي لمؤشره يثير مشاعر متضاربة ما بين التفاؤل والقلق في آن واحد

مؤشرات على تحسّن أفضل نماذج الذكاء الاصطناعي رغم توقعات البعض بأن تطوره قد يصل إلى طريق مسدود (رويترز)
مؤشرات على تحسّن أفضل نماذج الذكاء الاصطناعي رغم توقعات البعض بأن تطوره قد يصل إلى طريق مسدود (رويترز)
TT

العالم يجاهد لمواكبة تطور الذكاء الاصطناعي

مؤشرات على تحسّن أفضل نماذج الذكاء الاصطناعي رغم توقعات البعض بأن تطوره قد يصل إلى طريق مسدود (رويترز)
مؤشرات على تحسّن أفضل نماذج الذكاء الاصطناعي رغم توقعات البعض بأن تطوره قد يصل إلى طريق مسدود (رويترز)

في ظروف الوضع العام المحيط بالذكاء الاصطناعي، الأشبه بحمى البحث عن الذهب أو فقاعة، صدر حديثاً، مؤشر الذكاء الاصطناعي لعام 2026 من The 2026 AI Index «معهد الذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان»، التابع لجامعة ستانفورد. وهو التقرير السنوي للذكاء الاصطناعي، الذي جاء ليقضي على بعض من هذا الضجيج المحيط بتطويراته وآفاقه.

تحسن مطرد

رغم توقعات البعض بأن تطور الذكاء الاصطناعي قد يصل إلى طريق مسدود، يُشير التقرير إلى أن أفضل النماذج مستمرة في التحسن. فاليوم يتبنى الناس الذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع من تبنيهم للحاسوب الشخصي أو الإنترنت. وتجني شركات الذكاء الاصطناعي إيرادات أسرع من الشركات في أي طفرة تكنولوجية سابقة. غير أنها في الوقت ذاته تُنفق مئات المليارات من الدولارات على مراكز البيانات والرقائق الإلكترونية.

وفي المقابل، تكافح المعايير المصممة لقياس الذكاء الاصطناعي، والسياسات المنظمة له، وسوق العمل لمواكبة هذا التطور. ومن المؤكد أن الذكاء الاصطناعي ينطلق بسرعة فائقة، ونحن نحاول جاهدين التكيف معه. وبطبيعة الحال، لكل هذه السرعة ثمن، ففي الوقت الحاضر، تستهلك مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي حول العالم 29.6 غيغاواط من الطاقة، أي قدرة تكفي لتزويد ولاية نيويورك بأكملها بالكهرباء في أوقات الذروة. وقد يتجاوز استهلاك المياه السنوي لتشغيل نموذج GPT-40 من «أوبن إيه آي» وحده، احتياجات 12 مليون شخص من مياه الشرب. في الوقت نفسه، تتسم سلسلة توريد الرقائق الإلكترونية بهشاشة مثيرة للقلق.

وبينما تستضيف الولايات المتحدة معظم مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في العالم، تصنع شركة «تي إس إم سي» التايوانية جميع رقائق الذكاء الاصطناعي الرائدة تقريباً.

تنافس أميركي ـــ صينيوتكشف البيانات عن تكنولوجيا تتطور بوتيرة أسرع من قدرتنا على مواكبتها. وإليكم نظرة على بعض النقاط الرئيسة الواردة بالتقرير الصادر هذا العام.

في خضم سباق طويل ومحتدم يحمل بطياته رهانات جيوسياسية هائلة، تتنافس الولايات المتحدة والصين بشدة على صعيد أداء نماذج الذكاء الاصطناعي، بحسب منصة «أرينا»، منصة تصنيف مجتمعية تتيح للمستخدمين مقارنة مخرجات نماذج اللغة الكبيرة، بناءً على نصوص متطابقة.

* أداء النماذج. أوائل عام 2023، كانت «أوبن إيه آي» متقدمةً بفضل «تشات جي بي تي»، لكن هذه الفجوة تقلصت عام 2024 مع إطلاق «غوغل» و«أنثروبيك» نماذجهما الخاصة.

وفي فبراير (شباط) 2025، قدم «آر وان»، نموذج ذكاء اصطناعي طوره مختبر «ديب سيك» الصيني، لفترة وجيزة، أداءً مماثلاً لأفضل نموذج أميركي، وهو «تشات جي بي تي». وبحلول مارس (آذار) 2026، تصدرت «أنثروبيك» القائمة، تليها «إكس إيه آي» و«غوغل» و«أوبن إيه آي» بفارق ضئيل. أما النماذج الصينية، مثل «ديب سيك» و«علي بابا»، فكانت متأخرة بعض الشيء.

* التكلفة ورؤوس الأموال والأبحاث. ومع تقارب أفضل نماذج الذكاء الاصطناعي في التصنيفات، أصبح التنافس متركزاً الآن حول التكلفة والموثوقية والجدوى العملية.

وكشف المؤشر أن الولايات المتحدة والصين تتمتعان بمزايا مختلفة في مجال الذكاء الاصطناعي؛ ففي الوقت الذي تمتلك الولايات المتحدة نماذج ذكاء اصطناعي أكثر قوة، ورأس مال أكبر، وما يُقدّر بنحو 5427 مركز بيانات (أكثر من عشرة أضعاف ما لدى أي دولة أخرى)، تتصدر الصين بمجال منشورات أبحاث الذكاء الاصطناعي، وبراءات الاختراع، والروبوتات.

ومع اشتداد المنافسة، بدأت شركات مثل «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«غوغل» بالامتناع عن الإفصاح عن شفرة التدريب، أو عدد المعاملات في نماذجها، أو أحجام مجموعات البيانات. في هذا الصدد، نقلت مجلة «تكنولوجي ريفيو» عن يولاندا جيل، عالمة الحاسوب في جامعة جنوب كاليفورنيا، التي شاركت في تأليف التقرير: «لا نعرف الكثير عن التنبؤ بسلوكيات النماذج»، مضيفة أن هذا النقص في الشفافية يُصعّب على الباحثين المستقلين دراسة كيفية جعل نماذج الذكاء الاصطناعي أكثر أماناً.

خريطة عالمية تظهر توزيع مراكز البيانات لعام 2025

تطور فائق السرعة

* أداء عال و«ذكاء متذبذب». ورغم التوقعات بأن تطور الذكاء الاصطناعي سيتوقف عند حد معين، فإن نماذج الذكاء الاصطناعي ماضية في التحسن. وبحسب بعض المقاييس، فإنها الآن تُضاهي أو تتجاوز أداء الخبراء البشريين في الاختبارات الهادفة إلى قياس مستوى فهم العلوم والرياضيات رواللغة عند مستوى الدكتوراه. شهد اختبار SWE-bench Verified، معيار هندسي لهندسة البرمجيات خاص بنماذج الذكاء الاصطناعي، قفزة نوعية في أعلى الدرجات، من نحو 60 في المائة عام 2024 إلى ما يقارب 100 في المائة عام 2025، أنتج نظام ذكاء اصطناعي توقعات جوية بشكل مستقل

وعبرت جيل عن اندهاشها من «استمرار تطور هذه التكنولوجيا، فهي لا تتوقف عند حد معين» بيد أن هذا لا يعني بأي حال أن الذكاء الاصطناعي، لم يعد يواجه صعوبات على كثير من الأصعدة الأخرى. ونظراً لأن النماذج تتعلم من خلال معالجة كميات هائلة من النصوص والصور، بدلاً من تجربة العالم المادي، فإن الذكاء الاصطناعي يُظهر «ذكاءً غير منتظم» (متذبذب).

* نجاح الروبوتات. اليوم، لا تزال الروبوتات في مراحلها الأولى، ولا تنجح إلا في 12 في المائة فقط من المهام المنزلية. أما السيارات ذاتية القيادة، فقد قطعت شوطاً أطول: تجوب سيارات «وايمو» الآن خمس مدن أميركية، وتنقل مركبات «أبولو غو»، التابعة لشركة «بايدو»، الركاب في أنحاء الصين. كما يتوسع الذكاء الاصطناعي ليضم مجالات مهنية مثل القانون والتمويل، لكن لا يوجد نموذج يهيمن بهذه المجالات حتى الآن.

اختبارات الذكاء الاصطناعي وتأثيراته* طرق اختبار الذكاء الاصطناعي. ينبغي التعامل بحذر مع التقارير التي تتحدث عن إحراز تقدم بمجال الذكاء الاصطناعي؛ فالمعايير المصممة لتتبع مستوى تقدم الذكاء الاصطناعي، تكافح لمواكبة تطور النماذج، التي تتجاوز حدودها بسرعة، حسبما ورد بتقرير جامعة ستانفورد.

والملاحظ أن بعضاً من نماذج الاختبار هذه مصمم بشكل رديء، فقد ظهر أحد المعايير الشائعة التي تختبر القدرات الرياضية للنموذج لديه معدل خطأ يبلغ 42 في المائة. كما يمكن التلاعب ببعضها الآخر: فعندما يجري تدريب النماذج على بيانات اختبار معيارية، على سبيل المثال، يمكنها أن تتعلم تحقيق نتائج جيدة، دون أن تصبح أكثر ذكاءً.

ونظراً لأن الذكاء الاصطناعي نادراً ما يُستخدم بنفس طريقة اختباره، فإن الأداء المتميز في الاختبارات المعيارية لا يُترجم دوماً إلى أداء فعلي في العالم الحقيقي. وفيما يخص التقنيات التفاعلية المعقدة، مثل وكلاء الذكاء الاصطناعي والروبوتات، فإن المعايير المرجعية تكاد تكون معدومة.

علاوة على ذلك، تشارك شركات الذكاء الاصطناعي معلومات أقل حول كيفية تدريب نماذجها، وفي بعض الأحيان تكشف الاختبارات المستقلة نتائج مختلفة عما تُعلنه. وعن ذلك، قالت جيل: «لا تُفصح الكثير من الشركات عن أداء نماذجها فيما يخص معايير مرجعية معينة، خاصة معايير الذكاء الاصطناعي المسؤول».

* تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف. في غضون ثلاث سنوات من انتشاره على نطاق واسع، أصبح الذكاء الاصطناعي يُستخدم الآن من جانب أكثر من نصف سكان العالم، بمعدل انتشار أسرع من الحاسوب الشخصي أو الإنترنت. وتشير التقديرات إلى أن 88 في المائة من المؤسسات تستخدم الذكاء الاصطناعي بالوقت الراهن، ويستخدمه أربعة من كل خمسة طلاب جامعيين.

لا يزال تطبيق الذكاء الاصطناعي في مراحله الأولى، ويصعب قياس تأثيره على الوظائف. ومع ذلك، تُشير بعض الدراسات إلى أن الذكاء الاصطناعي بدأ يُؤثر بالفعل على العاملين الشباب في بعض المهن. وبحسب دراسة أجراها اقتصاديون من جامعة ستانفورد عام 2025، انحسرت فرص العمل لمطوري البرمجيات، الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و25 عاماً، بنسبة تقارب 20 في المائة منذ عام 2022. غير أنه ينبغي الانتباه إلى أن هذا التراجع قد لا يعزى إلى الذكاء الاصطناعي وحده، إذ قد تكون الظروف الاقتصادية الكلية الأوسع نطاقاً السبب الرئيس، لكن يبدو أن للذكاء الاصطناعي دوراً في ذلك.من جهتهم، يرى أصحاب العمل إن التوظيف قد يستمر في الانكماش. وبحسب استطلاع أجرته شركة «ماكينزي» عام 2025، يتوقع ثلث المؤسسات أن يُقلّص الذكاء الاصطناعي عدد موظفيها العام المقبل، خاصة في عمليات الخدمات وسلاسل التوريد وهندسة البرمجيات.

* تعزيز الإنتاجية. يُعزز الذكاء الاصطناعي الإنتاجية بنسبة 14 في المائة في خدمة العملاء، و26 في المائة في تطوير البرمجيات، تبعاً لبحث استشهد به المؤشر. غير أن هذه المكاسب لا تُلاحظ في المهام التي تتطلب قدراً أكبر من التقييم وبوجه عام، لا يزال من المبكر للغاية فهم حقيقة التأثير الاقتصادي الأوسع للذكاء الاصطناعي.

مشاعر متضاربة... وأمية الإشراف التنظيمي* الذكاء الاصطناعي يثير مشاعر متضاربة. في مختلف أرجاء العالم، ينتاب الناس مزيج من مشاعر التفاؤل والقلق في آنٍ واحد حيال الذكاء الاصطناعي: إذ يعتقد 59 في المائة منهم أن فوائده ستفوق أضراره، بينما اعترف 52 في المائة إنه يثير قلقهم، طبقاً لاستطلاع أجرته مؤسسة «إيبسوس» ورد ذكره في المؤشر.

ومن اللافت للنظر أن ثمة اختلافاً كبيراً بين نظرة الخبراء وعامة الناس تجاه مستقبل الذكاء الاصطناعي، وفقاً لاستطلاع أجرته مؤسسة «بيو». وتكمن الفجوة الأكبر في مستقبل العمل: في الوقت الذي يعتقد 73 في المائة من الخبراء أن الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير إيجابي على كيفية أداء الناس لوظائفهم، بينما لا يشاركهم هذا الاعتقاد سوى 23 في المائة من عامة الشعب الأميركي.

كما يبدي الخبراء تفاؤلاً أكبر من الجمهور الناس بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على التعليم والرعاية الصحية، لكنهم يتفقون على أن الذكاء الاصطناعي سيضر بعملية الانتخابات والعلاقات الشخصية.

ومن بين جميع الدول التي شملها الاستطلاع، يثق الأميركيون بحكومتهم أقل من غيرها في تنظيم الذكاء الاصطناعي بشكل مناسب، وذلك وفقاً لاستطلاع آخر أجرته مؤسسة «إيبسوس». ويساور القلق عدد أكبر من الأميركيين، من أن التنظيم الفيدرالي للذكاء الاصطناعي لن يكون كافياً، مقارنةً بمن يشعرون بالقلق من أنه سيكون تنظيماً مفرطاً.

* صعوبة تنظيم الحكومات الذكاء الاصطناعي. تجابه الحكومات حول العالم صعوبة في تنظيم الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، شهد العام الماضي بعض النجاحات الطفيفة؛ فقد دخلت حيز التنفيذ أولى بنود قانون الاتحاد الأوروبي للذكاء الاصطناعي، التي تحظر استخدام الذكاء الاصطناعي في أعمال الشرطة التنبؤية، والتعرف على المشاعر. كما أصدرت اليابان وكوريا الجنوبية وإيطاليا قوانين وطنية خاصة بالذكاء الاصطناعي. في الوقت نفسه، اتجهت الحكومة الفيدرالية الأميركية نحو تخفيف القيود، مع إصدار الرئيس ترمب أمراً تنفيذياً يهدف إلى تقييد صلاحيات الولايات في تنظيم الذكاء الاصطناعي.

ورغم هذا الإجراء الفيدرالي، أقرت المجالس التشريعية للولايات في الولايات المتحدة رقماً قياسياً بلغ 150 مشروع قانون على صلة بالذكاء الاصطناعي. من ناحيتها، سنّت كاليفورنيا تشريعات تاريخية، بينها مشروع قانون مجلس الشيوخ رقم 53، الذي يُلزم مطوري نماذج الذكاء الاصطناعي بالإفصاح عن معلومات السلامة، وتوفير الحماية للمبلغين عن المخالفات. كما أقرَّت نيويورك قانون RAISE، الذي يُلزم شركات الذكاء الاصطناعي بنشر بروتوكولات السلامة، والإبلاغ عن حوادث السلامة الحرجة.

رغم كل هذا النشاط التشريعي، قالت جيل إن التنظيم لا يزال متأخراً عن التكنولوجيا، لأننا لا نفهم حقاً كيفية عملها. وأوضحت أنه: «تتوخى الحكومات الحذر في تنظيم الذكاء الاصطناعي، لأننا لا نفهم الكثير من الأمور على نحو كامل»، مضيفة: «ليس لدينا سيطرة جيدة على هذه الأنظمة».


مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي يحلل تخطيط كهربائية القلب ويتنبأ بأمراضه المقبلة

علوم  تخطيط القلب يرى ما وراء النبض

الذكاء الاصطناعي يحلل تخطيط كهربائية القلب ويتنبأ بأمراضه المقبلة

اعتاد الطب أن يبدأ عندما يعلن المرض عن نفسه: عرض يشعر به المريض، أو علامة يلتقطها الطبيب، أو فحص يكشف أن تغيراً مرضياً قد حدث بالفعل.

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)
صحتك «نقص الانتباه وفرط الحركة»... بين الحقائق والخرافات

«نقص الانتباه وفرط الحركة»... بين الحقائق والخرافات

اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD) من أكثر الاضطرابات النمائية العصبية حضوراً في النقاش العام، وربما من أكثرها عرضة لسوء الفهم؛

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك استئصال اللوزتين يرتبط بزيادة التهابات الجهاز التنفسي للأطفال

استئصال اللوزتين يرتبط بزيادة التهابات الجهاز التنفسي للأطفال

أظهرت دراسة حديثة لباحثين من جامعة سونغكيونكوان the Sungkyunkwan University في كوريا الجنوبية، ونُشرت في مجلة طب الأنف والأذن والحنجرة «the Journal of Rhinology

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك بطء نبض القلب... 3 حقائق تهمك

بطء نبض القلب... 3 حقائق تهمك

يعلم المرء أن حياته تعتمد على تواصل استمرارية صدور نبضات القلب، التي يتم من خلالها ضخ الدم إلى أعضاء الجسم كافة، سواء العالي الأهمية منها أو الأدنى من ذلك.

د. حسن محمد صندقجي (الرياض)
صحتك لا تتردد في طلب المساعدة لعلاج آلام الظهر

لا تتردد في طلب المساعدة لعلاج آلام الظهر

هل عانيت أنت أو أي شخص تعرفه آلام الظهر، سيما آلام أسفل الظهر؟ الإجابة عن هذا السؤال هي بالقطع «نعم».

لين كريستنسن (كمبردج ولاية ماساشوستس الأميركية)

«التأقلم الصامت»: الطريقة الخفية التي تُخرب بها النساء حياتهن أثناء العمل

«التأقلم الصامت»: الطريقة الخفية التي تُخرب بها النساء حياتهن أثناء العمل
TT

«التأقلم الصامت»: الطريقة الخفية التي تُخرب بها النساء حياتهن أثناء العمل

«التأقلم الصامت»: الطريقة الخفية التي تُخرب بها النساء حياتهن أثناء العمل

إذا كنتِ تبحثين باستمرار عن أماكن هادئة في العمل للاختباء، أو الصراخ، أو التنفيس عن غضبك، أو حتى البكاء، ثم تعودين بعد فترة وكأن كل شيء على ما يرام، فقد تكونين عرضة لما يُسمى «التأقلم الصامت hushed coping». وقد يُعيقكِ هذا الأمر في الكثير من النساء في مسيرتهن المهنية، كما كتبت ليندسي دودجسون (*).

«التأقلم الصامت»

يُشير التأقلم الصامت إلى عادة كبت مشاعر الإرهاق والضغط النفسي، والمضي قدماً في العمل بصمت. بالنسبة للنساء، قد يُضيف هذا الأمر تعقيداً آخر يتمثل في مكافحتهن للصورة النمطية الراسخة التي تعدّ أن إظهار الكثير من المشاعر في العمل أمر غير مهني.

وقد وجدت دراسة أُجريت على 115 امرأة عاملة في القطاع العام، ونُشرت في مجلة «العدالة الاجتماعية والإدارة العامة» في يناير (كانون الثاني) الماضي، أن نحو 55 في المائة من المشاركات وافقن على أن وظائفهن تتطلب منهن إخفاء مشاعرهن الحقيقية. أفادت المشاركات أيضاً بأنهن غالباً ما يخفين الغضب (43 في المائة)، والانزعاج (40 في المائة)، والشعور بالعجز (37 في المائة)، والحزن (34 في المائة).

بيئة العمل: «اصمتي واعملي»

تقول ليوني كينيبول، خبيرة القيادة النسائية والمؤسسة المشاركة لمنصة Female x Finance المهنية والإعلامية، لمجلة «فاست كومباني»: «ترغب النساء بشدة في الشعور بالتقدير والاهتمام، ويشعرن بمشاعر كثيرة في مكان العمل. لكنهن لا يجدن البيئة المناسبة للتعبير عن رغباتهن بصراحة». وتضيف: «يبدو أن بيئة العمل مصممة على أساس (اصمتي واعملي)». قد يبدو الصمت الخيار الأكثر أماناً مهنياً.

تكلفة مهنية ونفسية خفية ومتراكمة

لكن السلوكيات التي تقلل من احتمالية وصف الشخص بأنه عاطفي قد تقلل أيضاً من فرص ملاحظته كموظف، والاستماع إليه، وترقيته في نهاية المطاف. كما أن التأقلم الصامت قد يعني تجنب المحادثات الصعبة، ورفض الفرص، وتحمل أعباء عمل مرهقة بصمت.

وتقول كينيبول: «تفترض النساء وجود الكثير من الأمور عن الشركات دون التحدث عنها». بينما تقول كريستين سيكلز، الرئيسة التنفيذية والمؤسسة المشاركة لشركة الاستشارات «مايك دروب وركشوب»: «لذلك؛ قد يصعب رصد التكلفة المهنية لأنها تتراكم من خلال كل ما لا يفعله الشخص. وهذا ما يجعل التأقلم الصامت مكلفاً للغاية... فالتكلفة خفية ومتراكمة».

وتضيف: «إنها الترقية التي لا تسعى (المرأة) إليها لأنها غارقة في المشاكل، والتقييمات السلبية التي تتجاهلها. ولا يظهر أي من ذلك في لحظة واحدة، وهذا تحديداً ما يجعل الاستمرار في فعله سهلاً للغاية».

تأقلم ناجم عن التجاهل وعدم التقدير

من جهتها، تقول إيمي فيجليوتي، الاختصاصية النفسية المرخصة ومؤسسة عيادة «سيلف ووركس» للعلاج النفسي، لمجلة «فاست كومباني» إن التأقلم الصامت قد ينبع من الشعور بالتجاهل أو عدم الاحترام أو عدم التقدير؛ أو التعامل مع مُديرين سامّين؛ أو قلة فرص النمو. ومع مرور الوقت، قد يتطور إلى نوع من اليأس المكتسب؛ إذ تفترض المرأة العاملة أنه إذا لم يُجدِ التحدث نفعاً في الماضي، فلماذا أُرهق نفسي بالمحاولة مجدداً؟

تقول فيجليوتي إن المعاناة في صمت قد تُنهك الموظفات عاطفياً ونفسياً؛ ما يُضعف اندفاعهن في نهاية المطاف، بل ويجعلهن يشككن في كفاءتهن. وقد يُلحق ذلك الضرر بأصحاب العمل أيضاً: فعندما لا يشعر غالبية الموظفين بالأمان الكافي لمشاركة أفكارهم، أو طرح أسئلتهم، أو التعبير عن مخاوفهم، يُمكن أن يُصبح صمتهم «عائقاً كبيراً أمام التغيير والتطوير التنظيمي»، على حد قولها.

التأقلم في صمت دليل على ضرورة التغيير

تقول جيني هاريسون، محامية حقوق الموظفين والمؤسسة المشاركة لمكتب جيني هاريسون للمحاماة، لمجلة «فاست كومباني»، إنه إذا وقع أي شخص في فخ التأقلم الصامت نتيجة عبء عمل يفوق طاقته، فعليه أولاً الاستعداد لمحادثة صريحة مع مديره بشأن قائمة مشاريعه، ومتطلبات الجدول الزمني، والتزامه تجاه الشركة. كما تنصح هاريسون بالتدرب على طريقة العرض بهدوء قبل الاجتماع؛ حتى يتمكن الموظف أو الموظفة من التعبير عن احتياجاته دون الشعور بالإرهاق.

وتضيف: «فكّري في إخبار مديرك بأنك تعتقدين أن من مصلحة الشركة زيادة الموارد المخصصة للمشاريع لضمان تسليمها في الوقت المحدد وبأعلى مستوى من الكفاءة والتنفيذ. إذا حاولت التواصل بوضوح ولم تستجب الشركة، فسيكون لديك كل المعلومات الكافية عن طبيعة هذه الشركة».

البحث عن مُحاورين

وتتفق فيجليوتي على أهمية التعبير عن الرأي، لكنها تقول إن التخلص من هذه العادة لا يعني بالضرورة البدء بمديرك.

وتضيف: «أعتقد أن النقطة الأساسية هنا هي أنه عند محاولة التخلص من عادة معينة، ابدأ بأفراد من جمهور تشعر معه بالراحة والأمان، ويحترم رأيك». بينما تقترح كينيبول بالمثل البدء بخطوات صغيرة. يمكن أن تكون الخطوة الأولى ببساطة هي التحدث عن مخاوفك مع زميلة أو زميل تثقين بها أو به، وهما اللذان قد يشاركانك إياها أو يقدمان لك رأياً واقعياً قيّماً. وتقول: «الخطوة الأولى دائماً هي التحدث مع شخص تثق به في المؤسسة، شخص لديه خبرة أطول منك، ويعرف ثقافة العمل، ويعرف كيف تُدار الأمور هناك – حينذاك ستسمعين، على الأرجح، أن الأمر ليس شخصياً (بل عمومياً)».

وأحياناً، قد يكشف هذا الحوار عن أن التوتر الذي يُظهره مديرك لا علاقة له بأدائك، وقد يفتح الباب أمام تواصل أكثر صراحة.

وتقول كينيبول: «الجميع مشغولون، والجميع يتعامل مع التوتر بطريقة مختلفة، لكن لا تأخذي الأمر على محمل شخصي».

* مجلة «فاست كومباني»


هل تفوّق الذكاء الاصطناعي على التغير المناخي في تهديد البشرية بالفناء؟

هل سيُسهم الذكاء الاصطناعي في صنع الكوارث؟
هل سيُسهم الذكاء الاصطناعي في صنع الكوارث؟
TT

هل تفوّق الذكاء الاصطناعي على التغير المناخي في تهديد البشرية بالفناء؟

هل سيُسهم الذكاء الاصطناعي في صنع الكوارث؟
هل سيُسهم الذكاء الاصطناعي في صنع الكوارث؟

تثير التحذيرات الجديدة -التي تشير إلى أن البشر يقتربون من مرحلة فقدان السيطرة على الذكاء الاصطناعي- تساؤلاً مقلقاً: هل تفوّق الذكاء الاصطناعي على التغير المناخي ليصبح واحداً من أخطر التهديدات التي تواجه البشرية؟

ورغم صعوبة تقييم مخاطر هذه التكنولوجيا، فإن السيناريو الأسوأ -وهو انقراض البشرية- يجعل المخاوف الأرضية الأخرى تبدو ضئيلة الأهمية، كما كتب تشيكو هارلان (*).

التغير المناخي... علم راسخ

البشرية... من أزمة «صناعية» إلى أخرى

صحيح أن التغير المناخي يتسبب في ظروف حرارة خطيرة، ويؤجج العواصف العاتية، ويدمر المحاصيل، وقد يؤدي إلى اضطرابات هائلة على مستوى الكوكب، لكن كل ذلك لا يهم إلا إذا ظلت حضارتنا قائمة ومعروفة بهيئتها الحالية.

يقول توبي أورد، الباحث في جامعة أكسفورد ومؤلف كتاب «الهاوية: المخاطر الوجودية ومستقبل البشرية» (The Precipice): «فيما يتعلق بالأمور التي قد تؤدي إلى نهاية البشرية، أعتقد أن الذكاء الاصطناعي يشكل خطراً أكبر».

يضع هذا الوضع نشطاء المناخ في حالة تنافس للحصول على قدر محدود من الاهتمام السياسي، ففي حين يجتمع الدبلوماسيون وقادة العالم في الأمم المتحدة هذا الأسبوع لمعالجة أكثر مشكلات الكوكب إلحاحاً، يخشى البعض أن يتم تجاهل قضية الاحتباس الحراري رغم تفاقمها.

عندما يلتقي الرئيس الصيني شي جينبينغ مع الرئيس ترمب في واشنطن يوم الخميس، من المتوقع أن يناقش زعيما الدولتين الأكثر إنتاجاً لغازات الدفيئة قضايا عدة، من بينها سلامة الذكاء الاصطناعي. أما التغير المناخي -الذي يصفه ترمب بأنه «خدعة»- فمن غير المرجح أن يكون مدرجاً على جدول الأعمال.

التغير المناخي يشكل خطراً ملموساً وأكثر واقعية

كتبت ليا ستوكس، أستاذة سياسات البيئة في جامعة كاليفورنيا بسانتا باربرا، الأسبوع الماضي، أن الذكاء الاصطناعي «يستحوذ على كل اهتمامنا»، وجادلت بأن التغير المناخي يشكل خطراً ملموساً أكثر واقعية، مستشهدة بموجات الحر القاتلة التي اجتاحت أوروبا هذا الصيف والانهيار الجليدي المروع الذي وقع الشهر الماضي في نيبال.

وكتبت الدكتورة ستوكس: «على عكس الذكاء الاصطناعي، فإن التهديد الوجودي الذي يمثله التغير المناخي ليس افتراضياً؛ إنه يقتل الناس بالفعل في الوقت الراهن. يبدو أيضاً أن الكثيرين قد تناسوا -بشكل مريح لأنفسهم- مدى إلحاح ضرورة حل هذه المشكلة».

تكهنات حول كارثة الذكاء الاصطناعي

من المعروف أن البشر يفتقرون إلى الكفاءة في تقييم المخاطر. وفي حالة الذكاء الاصطناعي، تظل المخاطر في الغالب مجرد تكهنات في هذه المرحلة، فحتى أكثر التوقعات جرأةً بشأن تسبب الذكاء الاصطناعي في فناء البشرية غالباً ما تفتقر إلى تفاصيل حول كيفية وقوع هذه الكارثة.. هل ستأتي النهاية على شكل ميكروب فائق الخطورة صممه الذكاء الاصطناعي أم عبر إطلاق أسلحة نووية؟ كما أن دمار المجتمع البشري قد يحدث ببطء أكبر، من خلال استيلاء نظام ذكاء اصطناعي مارق على البنية التحتية، في حين يعاني البشر من الجوع ويُحرمون من الحصول على الدواء.

الأتمتة تنتهي بوجود نظام مؤتمت بالكامل... ثم يقع خلل ما

يقول سيث باوم، المدير التنفيذي لمعهد المخاطر الكارثية العالمية: «هناك سيناريوهات لكوارث تدريجية قد يسببها الذكاء الاصطناعي، فنحن نواصل أتمتة المزيد والمزيد من العمليات بمرور الوقت، لننتهي بوجود نظام مؤتمت بالكامل، ثم يقع خلل ما».

تنبع هذه التوقعات من شعور بأن البشر بصدد خلق كيان قد يستعصي على السيطرة، كيان قد يكتسب القدرة على تطوير نفسه ذاتياً، ليصبح أذكى وأسرع منا بكثير من جميع النواحي الجوهرية. أما عن الحلول للحيلولة دون حدوث كل ذلك فهي غير موجودة بعد.

التغير المناخي... علم راسخ

في المقابل، تتسم قضية التغير المناخي بوجود حقائق ومعطيات معلومة، فالعلم الذي يربط بين انبعاثات الوقود الأحفوري وارتفاع درجات الحرارة العالمية هو علم راسخ لا يقبل الجدل. كما أن الحلول المتاحة للحد من الانبعاثات -مثل الطاقة الشمسية والمركبات الكهربائية- هي حلول مُثبتة الفعالية ومتوفرة بكثرة. وعلى الصعيد العالمي، أصبحت المؤتمرات السنوية الرامية إلى درء هذه الأزمة جزءاً ثابتاً من الأجندة الدولية، وهي مؤتمرات تزخر بالمصطلحات العلمية والسياسية، فضلاً عن السجالات الدبلوماسية حول خطط العمل طويلة الأجل.

قد تبدو هذه المؤتمرات ذات طابع بيروقراطي، إلا أنها أثبتت أهميتها، فقد كانت التوقعات السابقة تشير إلى احتمال ارتفاع درجات الحرارة العالمية بمقدار 4 درجات مئوية (7.2 درجة فهرنهايت) مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، أما الآن فيقول العلماء إن الاحترار يسير في مسار يؤدي إلى ارتفاع قدره 2.6 درجة مئوية (4.7 درجة فهرنهايت)، وذلك بناءً على السياسات والاتجاهات الحالية. ومع ذلك، يظل هذا المستوى أعلى بكثير من الحد الذي عدّته الدول مقبولاً أو قابلاً للتحمل.

تتجلى عواقب تغير المناخ في أحداث متطرفة ومفاجئة مثل حرائق الغابات وموجات الحر والفيضانات. وفي الوقت نفسه، تتفاقم المشكلة ببطء نسبي، وبطرق قد لا تحظى بالقدر الكافي من الانتباه المستمر. فمنذ أن أصبحت هذه القضية محط اهتمام العالم قبل جيل مضى، أثارت لحظات من التكاتف الجماعي، فضلاً عن ردود فعل معارضة ومشاعر اليأس والإرهاق. يقول الدكتور بوم: «نحن نميل إلى اعتبار الأمور التي تحدث تدريجياً أموراً طبيعية ونعتاد عليها. فالناس العاديون لا يرغبون في أن يكون هذا الأمر هو محور تفكيرهم الدائم».

مخطط دائري لبيانات الاستدامة (صورة رقمية مُولّدة لمقطع عرضي دائري متعدد البيئات تُظهر تطور المدينة من مدينة قديمة ملوثة إلى نمط حياة نظيف يعتمد على الطاقة البديلة المستدامة)

مشكلات من صنع البشر

ثمة روابط ملحوظة بين الذكاء الاصطناعي وتغير المناخ باعتبارهما تهديدين للبشرية. ففي كلتا الحالتين، تنبع المخاطر من أنشطة بشرية؛ سواء كان ذلك يتمثل في تطوير «نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة والرائدة» (frontier models)، أو في حرق الوقود الأحفوري الذي يغذّي الاقتصاد العالمي الحديث. وفي كلتا الحالتين أيضاً، تمارس شركات عملاقة (سواء كانت شركات تكنولوجيا تبلغ قيمتها السوقية تريليونات الدولارات أو شركات طاقة عملاقة عابرة للقارات) تأثيراً هائلاً على مسار التاريخ.

وقد قلّل الرئيس ترمب من شأن التحذيرات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، مشيراً أخيراً عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى أنها تصدر عن «الأشخاص أنفسهم الذين قالوا قبل وقت قصير، إن العالم سيفنى بسبب (تغير المناخ)».

الذكاء الاصطناعي... تدمير البيئة أم حمايتها؟

يمتلك الذكاء الاصطناعي القدرة على أن يكون أداة فعالة في مكافحة تغير المناخ، إذ يمكنه -على سبيل المثال- تصميم أنظمة إنذار أكثر تطوراً للكوارث، أو ابتكار حلول تخفف من حدة نقص المياه العالمي. وبالفعل، تُستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي للمساعدة في تعزيز حماية جزر المالديف (التي تتميز بانخفاض مستوى أراضيها عن سطح البحر) وإعادة تأهيل المناطق الساحلية.

الذكاء الاصطناعي سيستهلك عام 2030 كهرباء تعادل ما يستهلكه نحو 200 مليون نسمة

ولكن على المدى القصير على الأقل، يجعل الذكاء الاصطناعي خفض انبعاثات غازات الدفيئة أمراً أكثر صعوبة؛ إذ يؤدي إلى زيادة الطلب على الطاقة، حيث ارتفع استهلاك الكهرباء في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي بنسبة 50 في المائة خلال العام الماضي، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية. وقد ذكر معهد جامعة الأمم المتحدة للمياه والبيئة والصحة أن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي ستستهلك بحلول عام 2030 كمية من الكهرباء تعادل ثلاثة أضعاف ما تستهلكه نيجيريا وباكستان وبنغلاديش مجتمعة، وهي دول يبلغ مجموع سكانها نحو 650 مليون نسمة.

تراجع الشركات عن أهدافها البيئية

لقد أصبحت شركات التكنولوجيا مشترياً رئيسياً للطاقة، وباتت تدعم مشروعات تعتمد على كل من الطاقة المتجددة والوقود الأحفوري. في خطاب ألقاه يوم الاثنين، وصف سايمون ستيل، مسؤول المناخ في الأمم المتحدة، قطاع الذكاء الاصطناعي بأنه «شره لاستهلاك الطاقة»، وقال إنه بحاجة إلى «احترام العلم وبدء مواءمة مساره مع الجهود العالمية لمكافحة تغير المناخ، وبشكل عاجل».

وفي اليوم نفسه، صرح وزير البيئة التركي، مراد كوروم -الذي سيرأس مؤتمر المناخ الدولي لهذا العام في نوفمبر (تشرين الثاني)- بأن جدول أعمال المؤتمر سيتضمن مناقشة «الاستهلاك المتزايد للطاقة» في مجال الذكاء الاصطناعي. وأضاف أن «عالماً يشهد ارتفاعاً في درجات الحرارة، ونظام طاقة عالمياً يعاني من الاضطراب، ومخاوف متزايدة بشأن صعود الذكاء الاصطناعي؛ كلها أمور تستدعي التحرك».

قبل ست سنوات، وضعت شركة «غوغل» خطة للاعتماد على طاقة خالية من الكربون بحلول عام 2030. وقد وصف سوندار بيتشاي، الرئيس التنفيذي للشركة، هذه الخطة بأنها «مبادرة طموحة للغاية لتحقيق الاستدامة» أو ما يُعرف بـ«مشروع القمر» (moonshot)، مشيراً إلى أن مدينته الأم في الهند، تشيناي، كانت قد غمرتها مياه الفيضانات قبل بضع سنوات، ما جعل «آثار تغير المناخ تبدو أقرب بكثير إلى حياته الشخصية».

سباق الذكاء الاصطناعي غيّر الأولويات

إن انبعاثات «غوغل» مستمرة في الارتفاع، وكذلك الحال بالنسبة إلى شركة «مايكروسوفت»، التي كانت قد أعلنت سابقاً هدفها بأن تصبح «سالبة الكربون» (أي تزيل من الكربون أكثر مما تنتج) بحلول عام 2030.

وفي العام الماضي، نشر الملياردير بيل غيتس -الشريك المؤسس لشركة «مايكروسوفت»- مقالاً طويلاً (يقع في 5000 كلمة) جادل فيه بأن تغير المناخ «لن يؤدي إلى فناء البشرية». وقد عكست استنتاجاته -التي جاءت بعد سنوات من تمويل قضايا المناخ- وجهة نظر مثيرة للجدل مفادها أنه حتى مع ارتفاع درجة حرارة الكوكب سيظل بوسع البشر «العيش والازدهار في معظم أنحاء الأرض». ثم في الشهر الماضي، نشر غيتس مقالاً مطولاً آخر، تناول فيه مخاطر الذكاء الاصطناعي.

سمة مشتركة: عدم القدرة على التنبؤ

غير أن العديد من العلماء يرون أنه من الخطأ افتراض أن تغير المناخ سيسير وفق مسار يمكن التنبؤ به، أو بطريقة تتيح للدول إدارته والسيطرة عليه. ويشير البعض إلى أن أنظمة كوكب الأرض أثبتت -على مدى العقد الماضي- أنها أكثر حساسية لارتفاع درجات الحرارة التدريجي مما كان متوقعاً، فضلاً عن أن المزيد من الاحترار لا يزال بانتظارنا.

إن العالم يفقد جمال الشعاب المرجانية والأسماك التي تتخذ منها موطناً، والاقتصادات القائمة على صيد تلك الأسماك. كما أن النباتات والأشجار تذبل وتضعف تحت وطأة ظروف مناخية أقسى، ما قد يقلّص إحدى الوسائل الطبيعية التي تمتص بها الأرض غاز ثاني أكسيد الكربون. ويؤدي ذوبان الجليد البحري في القطب الشمالي إلى انكشاف مساحات واسعة من المياه الداكنة الممتصة للحرارة، ما يزيد من حدة ارتفاع درجات الحرارة. وعلاوة على ذلك، قد تؤدي التغيرات المستقبلية في ظروف المحيطات إلى إضعاف أو توقف أنظمة دورانٍ -لم تحظَ بالقدر الكافي من الاهتمام- تُعد حيوية للحفاظ على ظروف ملائمة للحياة في بعض أنحاء العالم.

وتشير كاثرين ريتشاردسون، الأستاذة في جامعة كوبنهاغن، المتخصصة في دراسة «حدود الكوكب»، إلى أن مخاطر حلقات التغذية الراجعة وتعقيد نظام الأرض هما السبب الدقيق وراء خطورة وضع افتراضات مسبقة حول شكل العالم في المستقبل ومدى ملاءمته للعيش.

وذكرت أن معظم مراحل التقدم البشري -بدءاً من العصر الحجري والعصر البرونزي ووصولاً إلى عصر النهضة- قد تحققت في ظل درجات حرارة ظلت ضمن نطاق محدود. وقالت: «لا نعلم يقيناً ما إذا كان بوسعنا الازدهار» في عالم ترتفع فيه درجات الحرارة بمقدار درجتين أو ثلاث درجات مئوية. وأضافت أننا لا نعرف حتى الآن كيف قد يبدو عالم كهذا. وللتعبير عن حالة عدم اليقين المرتبطة بتغير المناخ، استخدمت عبارات مشابهة لتلك التي تُستخدم في التحذيرات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي. إذ قالت: «قد نفقد السيطرة على هذه العملية».

* خدمة «نيويورك تايمز».


علماء يكتشفون آلية صد المشتري للرياح الشمسية

علماء يكتشفون آلية صد المشتري للرياح الشمسية
TT

علماء يكتشفون آلية صد المشتري للرياح الشمسية

علماء يكتشفون آلية صد المشتري للرياح الشمسية

كشفت دراسة أميركية آلية معقدة يستخدمها كوكب المشتري للتعامل مع الرياح الشمسية، تعتمد على مجموعة من موجات البلازما ومناطق الصدمة التي تساعد على إبطاء الجسيمات القادمة من الشمس قبل وصولها إلى الكوكب.

واعتمد الباحثون، بقيادة علماء فيزياء من جامعة أيوا، على بيانات جمعتها مركبة «جونو»، التابعة لوكالة الفضاء الأميركية «ناسا»، وقدمت أدق رصد، حتى الآن، لموجة الصدمة القوسية المحيطة بالمشتري. ونُشرت النتائج، الاثنين، بدورية «Nature Communications».

والرياح الشمسية هي تدفق مستمر من الجسيمات المشحونة، مثل الإلكترونات والبروتونات، تنبعث من الغلاف الجوي الخارجي للشمس، وتنتشر عبر النظام الشمسي. ويمكن لهذه الجسيمات عالية الطاقة أن تتفاعل مع المجالات المغناطيسية للكواكب وتؤثر في بيئاتها الفضائية.

وعند المشتري، تتشكل موجة الصدمة القوسية عند الحد الفاصل بين الرياح الشمسية والمجال المغناطيسي للكوكب، وتعمل كحاجز يبطئ الرياح الشمسية ويغيّر اتجاهها ويبدد جزءاً من طاقتها قبل وصولها إلى الكوكب.

وأظهرت البيانات أن المشتري يستخدم موجات بلازمية ذات ترددات متعددة للتعامل مع قوة الرياح الشمسية. والبلازما غاز شديد السخونة تتكون فيه جسيمات مشحونة، مثل الإلكترونات والأيونات، يمكنها التفاعل مع المجالات الكهربائية والمغناطيسية.

ورصد الباحثون مجموعة متنوعة من الموجات عند موجة الصدمة القوسية، من بينها الموجات الصوتية الأيونية، وموجات مرتبطة بعدم استقرار حركة الإلكترونات، وموجات كهروستاتيكية منفردة.

وأظهرت بعض الموجات الصوتية الأيونية بنية تضم ترددات متعددة، وليس تردداً أساسياً واحداً، ما يشير إلى دورها في نقل الطاقة بين الموجات والجسيمات.

سلسلة صدمات صغيرة

كما وجد الباحثون أن المشتري يستخدم سلسلة من المناطق الصغيرة المعروفة باسم «الصدَمات الصغيرة» (shocklets)، تتفاعل مع الرياح الشمسية وتساعد على إبطائها قبل وصولها إلى موجة الصدمة القوسية الرئيسية.

ووفق الباحثين، يختلف ذلك عن الأرض، التي تعتمد بصورة أساسية على موجة الصدمة القوسية الرئيسية لإبطاء الرياح الشمسية وإعادة توجيهها حول الكوكب، إذ إن تأثير الرياح الشمسية على الأرض أقل قوة.

وتستند النتائج إلى بيانات جمعتها «جونو»، في ديسمبر (كانون الأول) 2024، أثناء مرورها عبر منطقة موجة الصدمة القوسية للمشتري. وكان جهاز «Waves»، الموجود على متن المركبة، أساسياً في جمع هذه البيانات، إذ أتاح دراسة موجات البلازما بتفاصيل لم تكن متاحة من قبل.

وقبل «جونو»، تمكنت مركبات فضائية من رصد وجود موجة الصدمة عند الكواكب الخارجية، لكنها لم تتمكن من قياس التعقيد الكامل لموجات البلازما المرتبطة بها.

وتكشف البيانات أيضاً عن تفاعلات بين موجات البلازما والجسيمات المشحونة، يمكن أن تسهم في تحويل جزء من طاقة حركة الرياح الشمسية إلى حرارة وطاقة في الجسيمات.

وتساعد دراسة هذه التفاعلات على فهم الصدمات التي تحدث في البلازما الفضائية.

ويرى الباحثون أن أهمية النتائج تتجاوز فهم بيئة المشتري، إذ قد تساعد في تفسير كيفية تعامل الأجرام الفلكية مع تدفقات طاقة أكبر بكثير. وتحدث صدمات أكثر قوة حول أجرام مثل بقايا المستعرات العظمى، وهي البقايا الناتجة عن الانفجارات الهائلة التي تُنهي حياة بعض النجوم، ما يجعل موجة الصدمة عند المشتري مختبراً طبيعياً قريباً لدرس كيفية تحول طاقة التدفقات القوية إلى حرارة وجسيمات عالية الطاقة.