وزير الدفاع البريطاني لـ«الشرق الأوسط»: لندن تسجّل أكبر وجود جوي في المنطقة منذ 15 عاماً

هيلي أكّد نشر أنظمة دفاع جوي لمواجهة هجمات إيران «العشوائية»... ولم يستبعد «يداً روسية خفية» في تكتيكات طهران

وزير الدفاع البريطاني جون هيلي لدى وصوله إلى مقرّ رئاسة الوزراء يوم 24 مارس (إ.ب.أ)
وزير الدفاع البريطاني جون هيلي لدى وصوله إلى مقرّ رئاسة الوزراء يوم 24 مارس (إ.ب.أ)
TT

وزير الدفاع البريطاني لـ«الشرق الأوسط»: لندن تسجّل أكبر وجود جوي في المنطقة منذ 15 عاماً

وزير الدفاع البريطاني جون هيلي لدى وصوله إلى مقرّ رئاسة الوزراء يوم 24 مارس (إ.ب.أ)
وزير الدفاع البريطاني جون هيلي لدى وصوله إلى مقرّ رئاسة الوزراء يوم 24 مارس (إ.ب.أ)

​أكّد وزير الدفاع البريطاني جون هيلي أن الطيارين البريطانيين سجّلوا أكثر من 1200 ساعة طيران في مهام دفاعية عبر منطقة الشرق الأوسط منذ بدء الصراع مع إيران، مُشيراً إلى تنفيذ أكثر من 80 عملية اعتراض بالتعاون مع قوات من فوج سلاح الجو الملكي.

وقال هيلي في حوار مع «الشرق الأوسط»، غداة زيارته إلى السعودية، إن لدى بلاده 1000 جندي منتشرين في الشرق الأوسط، فضلاً عن 500 عنصر إضافي في قبرص، لافتاً إلى أن بلاده «تواصل العمل بشكل وثيق مع الشركاء في المنطقة لتحديد سبل الدعم الإضافي». كما أثنى الوزير على الشراكة الدفاعية البريطانية-السعودية «القائمة على المصالح الأمنية المشتركة، والتعاون الصناعي»، مُشيراً إلى أنها «تطورت إلى شراكة حديثة تستجيب للتحديات المعاصرة».

إلى ذلك، لم يستبعد هيلي وجود «يد روسية خفية» وراء بعض التكتيكات الإيرانية في إطار هجماتها في المنطقة، مستنداً إلى تقييم بلاده بأن التعاون بين موسكو وطهران في الاستخبارات والتدريب في مجال تكنولوجيا الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية، «مستمر حتى الآن».

وفيما يلي أبرز ما جاء في الحوار.

80 اعتراضاً

عزّزت بريطانيا وجودها العسكري في المنطقة منذ بداية الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران، وساهمت في عمليات اعتراض مسيرات في أجواء العراق، وقطر، والبحرين. وقال هيلي إن «الطيارين، وأطقم الطائرات نفّذوا أكثر من 1200 ساعة طيران في مهام دفاعية في أنحاء المنطقة»، مُضيفاً أنه «بالتعاون مع رماة فوج سلاح الجو الملكي، جرى تنفيذ أكثر من 80 اشتباكاً منذ اندلاع الصراع».

وأعرب عن «فخره بالعمل الذي تقوم به القوات المسلحة البريطانية إلى جانب شركائها في الخليج للمساعدة في الحفاظ على سلامة الناس في المنطقة»، مُشدّداً على أن «تفانيهم واحترافيتهم يسهمان في إنقاذ الأرواح، في وقت تستهدف فيه إيران بشكل عشوائي دولاً عبر الخليج».

انتشار واسع للأصول العسكرية

وفيما يتعلق بعدد القوات المنتشرة في المنطقة، أكّد هيلي أن «المملكة المتحدة لديها نحو 1000 عنصر منتشرين في المنطقة، من دون احتساب الأفراد الموجودين في قبرص»، لافتاً إلى أن «إجراءات حماية القوات في أعلى مستوياتها في القواعد البريطانية في المنطقة».

جانب من وصول المدمرة «إتش إم إس دراغون» إلى شرق المتوسط (وزارة الدفاع البريطانية)

وأضاف أن «عدد الطائرات البريطانية العاملة في المنطقة هو الأكبر منذ 15 عاماً»، مشيراً إلى تنفيذ «عمليات دفاع جوي مضاد فوق البحرين، والأردن، وقطر، والإمارات، إضافة إلى قبرص». وأوضح أنه «منذ يناير (كانون الثاني)، جرى نشر معدات، وأفراد إضافيين في المنطقة»، بما يشمل «مقاتلات تايفون، و(إف-35)، ومروحيات (وايلدكات) المسلحة بصواريخ (مارتلت) المضادة للطائرات المسيّرة، ومروحية (ميرلين كروزنِست) التي توفر المراقبة الجوية، والسيطرة، إلى جانب أنظمة رادار، ودفاع جوي، ووحدات لمكافحة الطائرات المسيّرة».

كما أشار إلى «نشر 500 عنصر إضافي من قوات الدفاع الجوي في قبرص»، و«انتشار المدمرة (إتش إم إس دراغون) في شرق المتوسط»، موضحاً أن «السفينة أصبحت مدمجة بالكامل ضمن منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات مع الحلفاء، والشركاء».

أنظمة دفاعية لدعم الخليج

وبشأن التعزيزات المحتملة، أكّد هيلي أنه «يواصل العمل بشكل وثيق مع الشركاء في المنطقة لتحديد سبل الدعم الإضافي»، موضحاً أن ذلك كان «هدف زيارته» إلى الرياض الإثنين. وقال: «أكدتُ خلال لقائي وزير الدفاع السعودي، الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز، أننا سننشر نظام (سكاي سابر) في المملكة العربية السعودية، وهو نظام دفاع جوي سيتم دمجه ضمن الدفاعات السعودية لدعم جهودها في التصدي لهجمات إيران».

وأضاف أنه «تم أيضاً نشر نظام (رابيد سنتري) في الكويت، وهو نظام يتكون من رادار، وقاذف صواريخ، إضافة إلى منصات إطلاق خفيفة متعددة في البحرين»، مشيراً إلى «تمديد عمليات الطائرات البريطانية في قطر التي تنفذ مهام دفاعية كل ليلة». كما لفت الوزير إلى أن «(فريق عمل سابر) يضمن أيضاً مساهمة القطاع الصناعي البريطاني، إذ يجمع شركات تقدم قدرات في الدفاع الجوي، ومكافحة الطائرات المسيّرة مع حكومات، بينها شركاء في الخليج، لتزويدهم سريعاً بالمعدات اللازمة».

شراكة دفاعية متطورة مع السعودية

وفيما يتعلق بزيارة السعودية، أوضح هيلي أنها هدفت إلى «تأكيد وقوف بريطانيا إلى جانب السعودية في هذه المرحلة التي تشهد هجمات إيرانية مستمرة، وعشوائية، إضافة إلى بحث سبل تعزيز التعاون لحماية الشعوب، والمصالح المشتركة»، لافتاً إلى أنه «سُرّ بلقاء الأمير خالد بن سلمان لبحث التطورات الأخيرة في المنطقة».

وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان خلال استقباله نظيره البريطاني جون هيلي في الرياض (وزارة الدفاع السعودية)

كما أكّد أن العلاقة بين المملكتين «وثيقة، وطويلة الأمد، وتقوم على شراكة دفاعية تمتدّ لعقود، وقائمة على المصالح الأمنية المشتركة، والتعاون الصناعي»، مُشيراً إلى أنها «تطورت إلى شراكة حديثة تستجيب للتحديات المعاصرة». وأضاف أن «هذه العلاقة تكتسب أهمية خاصة في مثل هذه الظروف، إذ تتيح مستوى من الثقة، والفهم المشترك يسمح بالتحرك بسرعة، وحسم»، لافتاً إلى أن «هذا الأساس هو ما مكّن من اتخاذ خطوات مثل نشر (سكاي سابر) في السعودية».

تعاون روسي - إيراني

وعن الدور الروسي في حرب إيران، قال هيلي إن «التقييم البريطاني يُرجّح بدرجة كبيرة أنه، حتى قبل الضربات الأميركية والإسرائيلية، شاركت موسكو معلومات استخباراتية وقدّمت تدريباً لطهران، بما في ذلك في مجال تكنولوجيا المسيّرات وعملياتها والحرب الإلكترونية». وأضاف أن المعطيات تشير إلى أن «هذا التعاون مستمر حتى الآن».

إلى ذلك، قال هيلي: «لا يُستبعد أن تكون (اليد الخفية) لفلاديمير بوتين وراء بعض التكتيكات الإيرانية، وربما بعض قدراتها أيضاً. ونحن نرى محوراً للعدوان يضم روسيا وإيران، وهما دولتان تُهددان جيرانهما، وتشكلان خطراً أوسع علينا جميعاً».

لا مؤشرات على استهداف أوروبا

واستهدفت طهران قاعدة دييغو غارسيا البريطانية-الأميركية المشتركة في المحيط الهندي بصاروخين باليستيين قبل أيام، في محاولة باءت بالفشل، لكنّها أثارت تساؤلات حول قدرة إيران على ضرب أهداف أوروبية.

وقال هيلي ردّاً على هذه المخاوف إنه «لا يوجد تقييم يشير إلى أن إيران تحاول استهداف أوروبا بالصواريخ»، مضيفاً أنه «حتى في حال حدوث ذلك، فإن المملكة المتحدة تمتلك الموارد، والتحالفات اللازمة لحماية أراضيها، وحلفائها». وشدد على أن «بريطانيا تقف على أهبة الاستعداد على مدار الساعة للدفاع عن نفسها»، مؤكداً أن «إجراءات حماية القوات في القواعد المنتشرة في المنطقة عند أعلى مستوياتها».


مقالات ذات صلة

«الرباعية» تدين هجمات الحوثيين على السعودية وتطالب بوقف التصعيد في اليمن

الخليج وزراء خارجية المجموعة الرباعية يناقشون في إسطنبول عدداً من القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك (واس) p-circle 00:26

«الرباعية» تدين هجمات الحوثيين على السعودية وتطالب بوقف التصعيد في اليمن

أدانت السعودية وتركيا ومصر وباكستان التصعيد الذي تمارسه الميليشيات الحوثية الإرهابية في اليمن، بما في ذلك هجماتها على المملكة واستهداف المدنيين والبنية التحتية.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
الاقتصاد مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي (إكس)

غروسي: الطاقة النووية قد تتضاعف 3 مرات بحلول 2060

قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة، إنه يتوقع أن يزداد استخدام الطاقة النووية ثلاثة أضعاف بحلول عام 2060.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الولايات المتحدة​ جاي كلايتون مدير الاستخبارات الأميركية (رويترز)

تحذير استخباراتي أميركي: مخططات إيرانية لاستهداف أميركيين بلغت مراحل متقدمة

رفعت الولايات المتحدة مستوى التأهب لدى موظفيها في أنحاء الشرق الأوسط، وبدأت تقليص أعداد العاملين في سفارات، وقنصليات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)

واشنطن تستعد لحرب طويلة الأمد مع إيران

تستعدّ واشنطن لسيناريو صراع طويل الأمد مع طهران، في وقت تتزايد فيه التقارير عن احتمال شنّ ضربات جديدة ضد إيران، قبل الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي

«الشرق الأوسط» (عواصم)
شؤون إقليمية جانب من الاجتماع الثماني لمجموعتي «آر 4» و«إي 3» في إسطنبول (الخارجية التركية)

تحرك إقليمي ودولي لاحتواء أزمات المنطقة

بحث 8 وزراء خارجية من الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا خلال اجتماع في إسطنبول، الجمعة، محادثات غير مسبوقة حول حرية الملاحة في مضيق هرمز، وملفات إقليمية ودولية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

الشرطة الفرنسية تطلق الغاز المسيل للدموع لتفريق احتجاج في ليون

عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)
عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)
TT

الشرطة الفرنسية تطلق الغاز المسيل للدموع لتفريق احتجاج في ليون

عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)
عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)

أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع، اليوم (السبت)، لتفريق نحو 150 شخصاً كانوا يحتجون في مدينة ليون بجنوب شرقي فرنسا، وذلك في منطقة يُحظر فيها تنظيم أي مظاهرات، وفقاً لما رصده صحافي في «وكالة الصحافة الفرنسية».

واستخدمت الشرطة عدداً من قنابل الغاز المسيل للدموع لإبعاد المحتجين الذين تجمعوا بالقرب من إحدى كليات الجامعة ومركز للشرطة في المدينة، في إطار احتجاجات تشهدها البلاد ضد ارتفاع تكاليف المعيشة. وجاء تدخل الشرطة بعد أن حاول المتظاهرون قطع الطريق، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».


فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
TT

فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)

لم تعد الأزمة الفرنسية موجة احتجاجات اجتماعية عابرة، أو تعثّراً اقتصادياً يمكن احتواؤه بإجراءات عاجلة؛ فالتطورات المتلاحقة تكشف أزمة متعددة الأوجه، يتقاطع فيها ضعف المالية العامة مع تصاعد الغضب الشعبي، وشلل المؤسسات السياسية، وتراجع الثقة بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها. وبينما تستعد فرنسا لاستحقاق رئاسي حاسم في ربيع 2027، تتزايد المخاوف من أن تتحول هذه العوامل المتراكمة إلى تهديد خطير لاستقرار الجمهورية الخامسة، ولمكانة البلاد داخل الاتحاد الأوروبي وفي العالم.

زائرون ينتظرون خارج متحف اللوفر في باريس الذي أغلقه محتجون (إ.ب.أ)

في شوارع مدن وبلدات عديدة، تتعدد مظاهر الاحتقان؛ فقد شهدت البلاد احتجاجات صاخبة على تدهور أوضاع المدارس الحكومية ونقص المدرّسين، وانضم موظفون وعاملون في القطاع العام إلى التحركات اعتراضاً على تجميد الأجور. وقبل ذلك، أغلق صيادون موانئ ومحطات للوقود احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل. ولم تتوقف التطورات عند المظاهرات؛ إذ شهدت مدن فرنسية أعمال شغب ونهب وتخريب، أسفرت عن أضرار مادية كبيرة ومئات الإصابات والتوقيفات، في مشهد يعكس اتساع الهوة بين قطاعات من المجتمع ومؤسسات الدولة.

واكتملت الصورة بعودة «السترات الصفر» إلى الساحة، بعد «استراحة» استمرت سنوات، علماً بأن أحداً لا يعلم أين كان هؤلاء الذين عرقلوا الولاية الأولى لإيمانويل ماكرون، ومن هم قادتهم... والمهم أن «تحالف الشارع» في وجه السلطة صار مكتمل الأركان وعلى أتمّ الاستعداد لمواصلة «المعركة».

محتجون مقنعون قرب دراجات تحترق في ساحة الجمهورية بباريس (رويترز)

ووسط فسيفساء المطالب، تجمع التحركات أزمة أعمق تتعلق بتراجع القدرة الشرائية، وتآكل الثقة بالخدمات العامة، والشعور بأن النموذج الاجتماعي الفرنسي لم يعد قادراً على توفير الوعود التي ارتبطت به لعقود؛ فالدولة التي اعتاد مواطنوها الاستفادة من شبكة واسعة من الحماية الاجتماعية، تواجه اليوم سؤالاً صعباً: كيف يمكن الحفاظ على هذه المكتسبات في ظل ارتفاع تكلفة تمويلها وتزايد أعباء الدين؟

* الدَّين يضيّق هامش المناورة

لا شك في أن المالية العامة تحتل موقعاً مركزياً في الأزمة؛ فقد اقترب الدين العام الفرنسي (4 تريليونات دولار) من 119 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي (3.55 تريليونات دولار)، فيما يتباطأ الاقتصاد إلى مستويات نمو تدور حول 0.4 إلى 0.5 في المائة لعام 2026. وفي الوقت نفسه، يُتوقع أن يتجاوز العجز العام 5 في المائة من الناتج المحلي، الأمر الذي يعقّد مهمة الحكومة في إعادة التوازن إلى الحسابات العامة.

وتزداد المشكلة خطورة مع ارتفاع أسعار الفائدة؛ إذ تصبح خدمة الدين أكثر تكلفة، وتُضطر الدولة إلى تخصيص موارد متزايدة لسداد التزاماتها بدلاً من توجيهها إلى الاستثمار والخدمات. وتشير التقديرات الواردة إلى أن فرنسا ستحتاج إلى إصدار ما قيمته 340 مليار يورو من السندات متوسطة وطويلة الأجل خلال العام المقبل، في وقت يتراجع فيه إقبال المستثمرين على شرائها في ظل المخاطر المالية والسياسية.

مبنى بلدية مدينة ليموج الذي أحرق جزءاً منه مشاغبون (أ.ف.ب)

لكن ذلك لا يعني أن فرنسا تتجه حتماً إلى أزمة شبيهة بما شهدته اليونان (2009 - 2010)، أو إلى انهيار مفاجئ في ثقة الأسواق؛ فحجم الاقتصاد الفرنسي ومكانته داخل الاتحاد الأوروبي يمنحان باريس ثقلاً مختلفاً. لكن هذا الثقل نفسه يجعل الأزمة أكثر أهمية: فأي تدهور حاد في قدرة باريس على إدارة دينها الثقيل، قد ينعكس على الاستقرار المالي الأوروبي برمته.

* أربعون عاماً من التأجيل

الواقع أنه لا يمكن تفسير الوضع الراهن بقرار حكومي واحد، أو تحميل رئيس معيّن المسؤولية الكاملة عنه؛ فقد تراكمت الاختلالات المالية على مدى عقود، وتعاقبت حكومات من اليمين واليسار من دون أن تنجح في وقف الزيادة الهيكلية للدين. ويعود أحد التحولات المهمة إلى عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران في ثمانينات القرن الماضي، حين توسعت السياسات الاجتماعية والإنفاق العام، وأدّت إصلاحات مثل خفض سن التقاعد إلى الستين وتقليص ساعات العمل وتعزيز دور الدولة في الاقتصاد، إلى زيادة الأعباء على المالية العامة.

غير أن اختزال الأزمة فيما حصل في تلك المرحلة سيكون تبسيطاً مضللاً؛ فالحكومات اللاحقة، من عهد جاك شيراك إلى نيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند وإيمانويل ماكرون، لم تتمكن بدورها من عكس مسار الدين، ويُعزى ذلك في المقام الاول إلى التخوف من رد فعل الجمهور على سلبه قسطاً من الرفاه. كما أسهمت الأزمة المالية العالمية عام 2008، وجائحة «كوفيد-19»، وموجة التضخم التي أعقبتها، في زيادة الضغوط على الموازنات العامة.

الرئيس المأزوم إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

والحقيقة أن النموذج الاجتماعي الفرنسي «الفضفاض» أصبح موضوع مواجهة سياسية متكررة؛ فكل محاولة لإصلاح التقاعد أو التأمين ضد البطالة أو الإنفاق العام، تصطدم بمقاومة شعبية عنيدة، فيما يؤدي تأجيل الإصلاحات إلى تضييق الخيارات المتاحة مستقبلاً. وهكذا تجد الدولة نفسها بين حاجتها إلى ضبط الإنفاق وخشيتها من تفجير احتجاجات جديدة.

* شلل سياسي وصعود اليمين المتطرف

لم يكن مفاجئاً في خضمّ الورطة الاقتصادية أن تتلبد الغيوم السوداء في سماء السياسة. ومنذ حل الجمعية الوطنية عام 2024، لم يتمكن المشهد البرلماني من إنتاج أكثرية مستقرة، وتوزعت القوى بين 3 كتل كبيرة متعارضة يصعب عليها التوصل إلى تسويات دائمة. وأصبح تمرير مشروع الموازنة اختباراً متكرراً لقدرة الحكومة على الصمود، فيما تتراجع ثقة المواطنين بفاعلية المؤسسات.

وليس مفاجئاً أيضاً أن يستفيد اليمين المتطرف، بقيادة مارين لوبن وحزب «التجمع الوطني»، من هذا المناخ؛ فخطابه يربط بين تدهور الأوضاع الاقتصادية وفقدان السيطرة على الأمن وأعباء الهجرة، ويقدم نفسه بديلاً قادراً على إعادة الانتظام إلى النظام. وفي المقابل، تستقطب حركة «فرنسا الأبية» اليسارية الراديكالية، بقيادة جان لوك ميلانشون، جزءاً من الغاضبين من السياسات الاقتصادية والاجتماعية. وبين الطرفين، يتراجع الوسط السياسي الذي شكّل القاعدة السياسية والشعبية لماكرون، فيما تتزايد المخاوف من أن يؤدي تشتت الأصوات المعتدلة إلى تعزيز فرص المتنافسين الأكثر تطرفاً.

ويجب التنبّه إلى أن استمرار المواجهة بين القوى السياسية قد يعطل الإصلاحات الضرورية، ويطيل حالة عدم اليقين التي تؤثر في الاستثمار والاستهلاك وثقة الأسواق. كما أن ربط الاضطرابات حصراً بالهجرة، والاكتفاء بتشديد الإجراءات الأمنية، لا يعالجان حتماً الأسباب الاقتصادية والاجتماعية الجوهرية التي تؤجج نار الاحتقان.

محتجون بمواجهة الشرطة في باريس (أ.ب)

* الامتحان الانتخابي الصعب

تواجه فرنسا اليوم معادلة شديدة التعقيد: استعادة النظام من دون تجاهل أسباب الغضب، وضبط الدين من دون تقويض الخدمات العامة، وإعادة بناء الثقة السياسية قبل أن تتحول الانتخابات المقبلة إلى مواجهة «انتحارية» بين قوى متعارضة جذرياً.

فمن سينجح في اجتراح خطة واضحة توزع أعباء الإصلاح بصورة عادلة، وتحدد أولويات الإنفاق، وتحمي الفئات الأكثر هشاشة، بالتوازي مع استعادة القدرة على اتخاذ القرار داخل المؤسسات السياسية، لا سيما البرلمان؟

لقد وعد ماكرون، عند وصوله إلى السلطة عام 2017، بتقديم صورة متفائلة عن فرنسا قادرة على التجدد واستعادة موقعها الدولي. لكن تراجع شعبيته واتساع الإحساس بالتراجع يكشفان عمق الهوّة بين هذا الوعد والواقع. ومع ذلك جددت غالبية الفرنسيين الثقة به وأعادت انتخابه عام 2022.

ومع اقتراب انتخابات 2027، لن يكون التحدي محصوراً في تحديد هوية الرئيس المقبل؛ بل في تقرير ما إذا كانت فرنسا قادرة على إصلاح ماليتها العامة وتجديد عقدها الاجتماعي، أم إنها ستترك الأزمات المتراكمة تعيد تحديد هويتها السياسية.

جلسة للجمعية الوطنية الفرنسية (مجلس النواب) تحدث فيها رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو عن الاحتجاجات (إ.ب.أ)

ولنتذكّر أن فرنسا ليست مجرد اقتصاد كبير يواجه مشكلة ديون؛ بل إحدى ركائز المشروع الأوروبي. وأي إخفاق في احتواء أزمتها ستكون له تداعيات تتجاوز حدودها. أما نجاحها فلن يتحقق إلا بكسر حلقة التأجيل والانقسام، قبل أن يصبح ثمن الإصلاح أعلى من قدرة المجتمع والدولة على تحمّله.

فرنسا الأنوار والفكر والتقدّم تشعر بأنها ترهّلت، ويُدرك الفرنسيون أن نظامهم السياسي والاجتماعي لم يعد قابلاً للتطور ومواكبة الحياة العصرية... والأدهى أن الاقتصاد لم يعد قادراً على توليد ثروة كافية لاستعادة ما كان، خصوصاً أن «الوجود» في بلاد الغير انتهى أو يكاد...

الزمن يتغيّر!


فرنسا تستعين بالجيش لمنع «سبت أسود» جديد

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستعين بالجيش لمنع «سبت أسود» جديد

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)

استنفرت السلطات الفرنسية قواها الأمنية، واستعانت بالجيش، واتخذت سلسلة إجراءات قضائية وأمنية لمحاولة تجنب تكرار «السبت الأسود» اليوم، بالتزامن مع دعوات جديدة إلى التظاهر في باريس ومرسيليا وليون وغيرها من المدن الكبرى والصغرى.

وأعلن وزير الداخلية لوران نونيز، أمس، عن خطة أمنية تقضي بنشر ما لا يقل عن 70 ألف رجل من الشرطة والدرك، بمؤازرة فرق وحدات النخبة التي لا تتدخل عادة للحفاظ على الأمن في الشوارع، ولا التصدي للمتظاهرين. كما ستتم الاستعانة بوحدات من الجيش التي سبق أن نُشرت في فترة الهجمات الإرهابية التي عرفتها فرنسا في عامي 2015 و2016.

وبعد ساعات من إعلان الرئيس إيمانويل ماكرون منع «المظاهرات في الأيام المقبلة»، سمحت مديرية الشرطة في باريس بمسيرة واحدة لنقابة «كونفدرالية العمل» القريبة من الحزب الشيوعي.

بينما منعت ترخيص مظاهرة طلبتها مجموعات من «السترات الصفراء» والطلاب. كما طال المنع مدينتي مرسيليا وليون والعديد من المدن الأخرى.