الحرب الإيرانية تعطل سوق الغاز الطبيعي المسال العالمي وتضعف الطلب الآسيوي

مدفوعة بارتفاع حاد في الأسعار وأضرار أصابت البنية التحتية للتصدير في قطر

خزانات الغاز الطبيعي المُسال في محطة بتروتشاينا بداليان - الصين (رويترز)
خزانات الغاز الطبيعي المُسال في محطة بتروتشاينا بداليان - الصين (رويترز)
TT

الحرب الإيرانية تعطل سوق الغاز الطبيعي المسال العالمي وتضعف الطلب الآسيوي

خزانات الغاز الطبيعي المُسال في محطة بتروتشاينا بداليان - الصين (رويترز)
خزانات الغاز الطبيعي المُسال في محطة بتروتشاينا بداليان - الصين (رويترز)

تُحدث الحرب مع إيران اضطراباً واسعاً في آفاق الغاز الطبيعي المسال عالمياً، إذ أدَّت الأسعار المرتفعة، والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للتصدير لدى قطر، واحتمالات تأخر الإمدادات الجديدة، إلى إثارة الشكوك حول الطلب المتوقع سابقاً من المشترين الآسيويين الحساسين للأسعار.

قبل الحرب، كان المحللون يتوقعون أن يرتفع المعروض العالمي من الغاز الطبيعي المسال بنسبة تصل إلى 10 في المائة هذا العام ليصل إلى ما بين 460 مليون و484 مليون طن متري، مع توقع نمو الطلب بوتيرة مماثلة، وفق «رويترز».

لكن الآن، ومع قيام إيران بإغلاق مضيق هرمز - الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات الغاز الطبيعي المسال العالمية - إلى جانب الأضرار التي لحقت بوحدات التسييل في قطر، والتي أدَّت إلى خروج طاقة إنتاجية تبلغ 12.8 مليون طن سنوياً من الخدمة لمدة تتراوح بين ثلاث إلى خمس سنوات، قامت شركات الاستشارات «ستاندرد آند بورز غلوبال إنرجي» و«آي سي آي إس» و«كبلر» و«رايستاد إنرجي» بخفض توقعاتها للإمدادات العالمية بما يصل إلى 35 مليون طن.

ويعادل هذا الحجم نحو 500 شحنة من الغاز الطبيعي المسال، وهو ما يكفي لتلبية أكثر من نصف واردات اليابان السنوية أو كامل واردات بنغلاديش لمدة خمس سنوات.

تمرّ سيارة بالقرب من منشآت إنتاج الغاز الطبيعي المُسال التابعة لشركة قطر للطاقة في مدينة رأس لفان الصناعية (رويترز)

وقال لوسيان مولبرغ، المحلل في «ستاندرد آند بورز غلوبال إنرجي»: «نتوقع أن تؤدي أزمة أسعار الغاز هذه إلى إعادة نظر بعض الدول في وتيرة نمو الطلب على الغاز مقارنة بتوقعاتنا السابقة، وبالتالي سيكون نمو الطلب على الغاز الطبيعي المسال أقل مما كنا نتوقع قبل الحرب».

وتتوقع «ستاندرد آند بورز غلوبال إنرجي» انخفاض صادرات قطر والإمارات العربية المتحدة بمقدار 33 مليون طن هذا العام، كما خفّضت توقعاتها للإمدادات بنحو 19 مليون طن سنوياً خلال الفترة من 2027 إلى 2029، بسبب التأخيرات المتوقعة في توسعة حقل الشمال في قطر ومشروعات الرويس للغاز الطبيعي المسال التابعة لشركة «أدنوك»، والتي لا تزال قيد الإنشاء.

الأسعار تتجاوز نطاق الراحة للمشترين الآسيويين

في ظل صدمة الإمدادات، قفزت أسعار الغاز الطبيعي المسال في آسيا بنسبة 143 في المائة منذ بدء الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران في 28 فبراير (شباط)، في ثاني موجة ارتفاع كبيرة خلال أربع سنوات بعد الغزو الروسي لأوكرانيا.

وعند مستوى يفوق 25.30 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وهو أعلى مستوى في أكثر من ثلاث سنوات، أصبحت الأسعار أعلى بكثير من عتبة 10 دولارات لكل مليون وحدة حرارية، وهي النقطة التي يبدأ عندها الطلب في الأسواق الناشئة بالانتعاش. ويتوقع المحللون أن تبقى الأسعار فوق هذا المستوى حتى عام 2027.

ويتوقع بنك «رابوبانك» أن يبلغ متوسط الأسعار في آسيا 16.62 دولار هذا العام و13.60 دولار في 2027، في حين رفع بنك «يو بي إس» توقعاته إلى 23.60 دولار هذا العام و14.50 دولار للعام المقبل.

وقالت لورا بيج، مديرة «إل إن جي إنسايت» في شركة «كبلر»: «على المدى القريب، يعاد توازن السوق بشكل أساسي من خلال ارتفاع الأسعار وتدمير الطلب في جنوب آسيا».

تراجع الطلب الصناعي

يذهب نحو 80 في المائة من إمدادات قطر من الغاز الطبيعي المسال إلى آسيا. ويبحث المشترون الحساسون للأسعار مثل بنغلادش والهند عن بدائل، مع التحول إلى الفحم والغاز المحلي.

أما باكستان، التي تعتمد بشكل كبير على قطر في إمدادات الغاز الطبيعي المسال، فقد بدأت في ترشيد الطاقة عبر اعتماد أسبوع عمل من أربعة أيام. كما يتراجع الطلب في القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الأسمدة والمنسوجات.

وقال إقبال أحمد، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة «باكستان غاز بورت»، التي تمتلك محطة لاستيراد الغاز الطبيعي المسال: «هناك عملية تدمير للطلب جارية».

وفي الهند، تأثرت أيضاً صناعات البتروكيماويات والسيراميك، بحسب مصادر صناعية.

ومن غير المرجح أن تتمكن الولايات المتحدة، أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، من سد فجوة الإمدادات، إذ تعمل محطات التصدير الأميركية بالقرب من طاقتها القصوى، كما أن معظم الكميات مرتبطة بعقود طويلة الأجل.

وقال سيب كينيدي، المحلل المستقل في «إنرجي فلوكس نيوز»: «لا توجد طريقة سهلة لتعويض الكميات المفقودة، ولا يمكن لأي تحسين في إدارة المحافظ أو تبادل الشحنات أن يسد الفجوة بين العرض المفقود والطلب الحالي... وهو ما يمثل ضربة كبيرة لأمن الطاقة للدول التي تعتمد على هذه الإمدادات».

وقد تدفع الأزمة إلى تسريع التوجُّه نحو بدائل الطاقة المحلية في آسيا، مما قد يؤدي إلى تدمير دائم للطلب على الغاز الطبيعي المسال، بحسب سام رينولدز، رئيس أبحاث الغاز الطبيعي المسال في معهد «اقتصاديات الطاقة والتحليل المالي» الداعم للطاقة المتجددة.

مشترو الغاز في شمال آسيا غير متأثرين بشكل كبير

وكانت الصين، أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال، قد بدأت بالفعل في تقليل اعتمادها عليه. فقد شهدت وارداتها نمواً سريعاً على مدى عقد، قبل أن تتحول بكين إلى زيادة الإنتاج المحلي، وتعزيز واردات الغاز عبر الأنابيب من روسيا، والاستثمار في الطاقة المتجددة.

وقال متداول غاز حكومي صيني إن النمو المستمر في الإنتاج المحلي، وزيادة الإمدادات عبر خط أنابيب «قوة سيبيريا»، واستمرار تدفقات «مشروع القطب الشمالي للغاز الطبيعي المُسال 2» الروسي، كفيلة بتعويض فقدان الإمدادات القطرية، التي تمثل نحو 6 في المائة فقط من استهلاك الصين السنوي من الغاز البالغ نحو 400 مليار متر مكعب.

خزانات ومرافق تخزين النفط في منشأة تابعة لشركة سينوبك في شنغهاي - الصين (رويترز)

أما في الأسواق الأقل حساسية للأسعار، مثل اليابان وكوريا الجنوبية - ثاني وثالث أكبر مستوردين - فمن غير المرجح أن تغيّر الحرب بشكل جوهري خطط شراء الغاز، نظراً لغياب إنتاج محلي كبير أو إمدادات عبر الأنابيب.

وأكدت شركة «جيرا»، أكبر مشترٍ للغاز الطبيعي المسال في اليابان، أن قطر لا تزال مورداً موثوقاً، وأن نهجها التعاقدي لن يتغير.

وقال المسؤول التنفيذي ريوسكي تسوغارو: «لا أعتقد أن الحقيقة الأساسية، وهي أن الشرق الأوسط - وقطر بشكل خاص - يلعب دوراً مهماً، ستتغير».


مقالات ذات صلة

بيرنهام: نبذل قصارى جهدنا للمساعدة في فتح مضيق هرمز

أوروبا رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام (رويترز)

بيرنهام: نبذل قصارى جهدنا للمساعدة في فتح مضيق هرمز

قال رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام، اليوم الخميس، إن بلاده «تبذل ‌قصارى ‌جهدها» للمساعدة ​في ‌إعادة فتح ​مضيق هرمز، في ظل تداعيات حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد سياح يتسوقون داخل أحد المتاجر في ساحة تايمز سكوير بمدينة نيويورك (رويترز)

الاقتصاد الأميركي يتجاوز التوقعات وينمو 3.4 % في الربع الثالث

قال مكتب التحليل الاقتصادي التابع لوزارة التجارة في تقديره الأولي إن الناتج المحلي الإجمالي ارتفع بمعدل سنوي بلغ 3.4 % خلال الربع الماضي 

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد شعار شركة «بيكر هيوز» لخدمات الطاقة في فانكوفر (رويترز)

تراجع أرباح «بيكر هيوز» بالربع الثالث متأثرة بالأوضاع في الشرق الأوسط

تراجعت أرباح شركة «بيكر هيوز» في الربع الثالث من العام متأثرة باستمرار الصراع في الشرق الأوسط وما يفرضه من ضغوط على الطلب على خدمات ومعدات قطاع النفط والغاز

«الشرق الأوسط» (هيوستن)
الاقتصاد يظهر عامل بمحطة وقود تابعة لشركة «بتروتشاينا» في شنيانغ (رويترز)

الصين ترفع أسعار الوقود مع صعود النفط بسبب حرب إيران

أعلنت الهيئة المعنية بالتخطيط ​في الصين، في بيان يوم الخميس، رفع أسعار البيع بالتجزئة للوقود اللازم للنقل في السوق ‌المحلية، مع ‌تحديد ​سقف ‌لهذه الزيادات.

«الشرق الأوسط» (بكين )
الولايات المتحدة​ الفريق بريت سيلفيا (أ.ب)

هيغسيث يطيح بكبير المخططين بـ«البنتاغون» في ظل التلويح بضرب إيران

قال مصدر مطلع لشبكة «سي إن إن» الأميركية إن وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، أطاح بكبير مسؤولي التخطيط في «البنتاغون».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«وول ستريت» تتراجع وسط تساؤلات بشأن استدامة طفرة التكنولوجيا

متداولان يعملان في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولان يعملان في بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

«وول ستريت» تتراجع وسط تساؤلات بشأن استدامة طفرة التكنولوجيا

متداولان يعملان في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولان يعملان في بورصة نيويورك (أ.ب)

تراجعت المؤشرات الرئيسية في «وول ستريت»، خلال تعاملات الخميس، مع عزوف المستثمرين عن أسهم الشركة الأم لـ«غوغل»، عقب نتائج أثارت مخاوف بشأن استدامة طفرة التكنولوجيا العالمية، في حين ارتفعت الأسهم الأوروبية بدعم من نتائج قوية للشركات.

وفي آسيا، أغلقت الأسهم الكورية الجنوبية على انخفاض، وتراجعت أسهم هونغ كونغ وشنغهاي، بينما ارتفعت الأسهم اليابانية.

في المقابل، صعدت المؤشرات الأوروبية بعدما أبقى البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة دون تغيير، عقب قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي تثبيت تكاليف الاقتراض، الأربعاء.

وتراجع اليورو بعدما أعلنت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد اعتزامها التنحي عن منصبها في فبراير (شباط) المقبل.

وقال مدير الاستثمار بشركة «إيه جيه بيل»، راس مولد، إن الأسواق الأوروبية حققت مكاسب قوية، الخميس، مدعومة بنتائج أعمال إيجابية للشركات، مخالفة بذلك الاتجاه السلبي الذي ساد الأسواق الآسيوية خلال الليل.

وأسهمت الأرباح القياسية لشركتَي النفط «شل» و«توتال إنرجيز» في دعم بورصتيْ لندن وباريس، بعدما استفادت الشركتان من اضطرابات إمدادات النفط والغاز في الشرق الأوسط، التي عززت الأسعار وهوامش التكرير.

لكن أسعار النفط الخام تراجعت بنحو 2 في المائة، وسط تقارير عن تجدد الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران لتجنب شن ضربات إضافية.

وفي «وول ستريت»، تراجع مؤشر «ناسداك» المجمع، الذي تغلب عليه أسهم التكنولوجيا، بنسبة 1.4 في المائة عند الافتتاح، بعدما هوت أسهم «ألفابت» على أثر إعلانها أرباحاً دون التوقعات، مع استمرار الإنفاق الكبير على الذكاء الاصطناعي.

وقال محلل شركة «تريد نيشن»، ديفيد موريسون إن السهم هبط سريعاً بأكثر من 10 في المائة، بعدما ركز المستثمرون على الانخفاض الحاد في التدفقات النقدية الحرة وتباطؤ نمو محرك البحث «غوغل».

وتتصاعد المخاوف من أن يؤدي تنامي استخدام أدوات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي إلى تقويض نشاط «غوغل» الأساسي في البحث والإعلانات، الذي يشكل مصدراً رئيسياً لإيرادات الشركة.

وزادت النتائج المخيبة للتوقعات لشركة «سامسونغ إلكترونيكس» الكورية الجنوبية الشكوك بشأن العوائد المتوقعة من الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي. ورغم تسجيل الشركة، أكبر منتِج لرقائق الذاكرة في العالم، أرباحاً فصلية قياسية، فإن نتائج قطاع أشباه الموصلات جاءت دون توقعات السوق.

في المقابل، أعلنت «مايكروسوفت» إيرادات وأرباحاً تجاوزت التوقعات، مدعومة بأداء قطاع الحوسبة السحابية «أزور»، وارتفعت أسهمها بنسبة 0.8 في المائة.

وقال جيم ريد، من «دويتشه بنك»، إن نتائج شركات التكنولوجيا ستظل محور اهتمام الأسواق، مع إعلان «أمازون» و«إنتل» نتائجهما بعد إغلاق السوق الأميركية.

وكانت الأسواق قد سجلت مكاسب قوية، خلال اليومين السابقين، بدعم من نتائج شركة «إس كيه هاينكس» الكورية الجنوبية المتخصصة في الرقائق، إلى جانب إعلان شركة «أنثروبيك»، المطورة لنموذج الذكاء الاصطناعي «كلود»، تقديم ملف للاكتتاب العام الأولي.


لاغارد: ارتفاع أسعار الطاقة يزيد مخاطر التضخم ويهدد النمو

لاغارد في مؤتمر صحافي بعد قرار تثبيت الفائدة الأوروبية (رويترز)
لاغارد في مؤتمر صحافي بعد قرار تثبيت الفائدة الأوروبية (رويترز)
TT

لاغارد: ارتفاع أسعار الطاقة يزيد مخاطر التضخم ويهدد النمو

لاغارد في مؤتمر صحافي بعد قرار تثبيت الفائدة الأوروبية (رويترز)
لاغارد في مؤتمر صحافي بعد قرار تثبيت الفائدة الأوروبية (رويترز)

قالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد إن الأوضاع المالية في منطقة اليورو أصبحت أكثر تشدداً منذ الاجتماع السابق للبنك، محذرة من أن الضبابية المالية وتدهور معنويات الأسواق قد يزيدان صعوبة الحصول على التمويل ويضغطان على الطلب.

تصريحات لاغارد جاءت بعدما أبقى البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة دون تغيير، لكنه حذر من أن ارتفاع أسعار الطاقة يزيد مخاطر صعود التضخم ويهدد بإضعاف النمو الاقتصادي، في وقت أصبحت فيه الأوضاع المالية أكثر تشدداً منذ اجتماعه السابق.

وأوضحت لاغارد في مؤتمر صحافي أن مخاطر التضخم تميل إلى الاتجاه الصعودي، في وقت ارتفعت فيه أسعار الطاقة إلى مستويات تتجاوز الافتراضات الأساسية التي يستند إليها البنك المركزي في توقعاته. وفي المقابل، أشارت إلى أن مخاطر النمو الاقتصادي تميل إلى الجانب السلبي، بما يعكس تزايد الضغوط التي تواجه اقتصاد منطقة اليورو.

وأضافت أن تدهور معنويات الأسواق قد يؤدي إلى مزيد من التشدد في شروط التمويل، بما يحد من الطلب الاقتصادي، فيما قد تسهم الضبابية بشأن الأوضاع المالية العامة في زيادة الضغوط على الظروف المالية.

وفي ما يتعلق بالأجور، قالت لاغارد إن نمو الأجور المتفق عليها يُتوقع أن يتراوح بين 2.5 و2.8 في المائة خلال ما تبقى من عام 2026، مشيرة إلى أن ضغوط الأجور لا تزال معتدلة، وأن معظم مؤشرات توقعات التضخم على المدى الطويل تدور حول مستوى 2 في المائة.

وشددت على ضرورة أن تكون التدابير المالية مؤقتة وموجهة ومصممة وفقاً للظروف، مؤكدة أن الاستقرار المالي العام يمثل ركيزة أساسية.

ويواجه البنك المركزي معادلة دقيقة بين احتواء الضغوط التضخمية الناجمة عن ارتفاع الطاقة وتجنب تشديد إضافي قد يزيد الضغوط على النشاط الاقتصادي، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف الاقتراض وتزايد المخاوف بشأن أوضاع المالية العامة في بعض دول المنطقة.

وأكد البنك أنه سيواصل اتخاذ قراراته بناءً على البيانات الواردة وتقييم توقعات التضخم والمخاطر المحيطة بها، من دون الالتزام مسبقاً بمسار محدد لأسعار الفائدة.


لاغارد تنسحب مبكراً لفتح الطريق أمام اختيار خلفها قبل الانتخابات الفرنسية

لاغارد تلوّح بيدها لدى مغادرتها عقب مؤتمر صحافي عُقد بعد اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي في برلين (أرشيفية - أ.ف.ب)
لاغارد تلوّح بيدها لدى مغادرتها عقب مؤتمر صحافي عُقد بعد اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي في برلين (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

لاغارد تنسحب مبكراً لفتح الطريق أمام اختيار خلفها قبل الانتخابات الفرنسية

لاغارد تلوّح بيدها لدى مغادرتها عقب مؤتمر صحافي عُقد بعد اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي في برلين (أرشيفية - أ.ف.ب)
لاغارد تلوّح بيدها لدى مغادرتها عقب مؤتمر صحافي عُقد بعد اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي في برلين (أرشيفية - أ.ف.ب)

في توقيت تواجه فيه أوروبا ضغوطاً تضخمية متجددة وتحديات مالية متصاعدة، أعلنت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد اعتزامها مغادرة منصبها في 7 فبراير (شباط) 2027، قبل نحو تسعة أشهر من انتهاء ولايتها، فاتحةً الباب أمام سباق مبكر على خلافة أحد أكثر المناصب تأثيراً في الاقتصاد العالمي، بالتزامن مع الاستعدادات للانتخابات الرئاسية الفرنسية.

وتغادر لاغارد المنصب فيما يواجه البنك المركزي الأوروبي تحدياً نقدياً معقداً، يتمثل في التعامل مع الضغوط التضخمية المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة في ظل الحرب مع إيران، من دون زيادة الضغوط على اقتصاد يعاني بالفعل من مخاطر ضعف النمو.

وجاء إعلان الاستقالة في يوم أبقى البنك أسعار الفائدة دون تغيير، لكنه حذّر من تصاعد مخاطر التضخم بفعل الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة، ما يعزز ترقب الأسواق لاحتمال استئناف رفع الفائدة في ديسمبر (كانون الأول).

ودعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى إعداد انتقال منظم للقيادة، مشيداً بما وصفه بـ«الالتزام الأوروبي» و«العمل الحازم» للاغارد. وقال، في منشور على منصة «إكس»، إن مسيرتها تذكّر بأن الاستقرار «ليس أمراً مضموناً أبداً»، بل يتحقق بالعمل الحازم وخدمة المصلحة العامة والثقة في المستقبل المشترك.

وأضاف ماكرون أن خلافة لاغارد ينبغي أن تُحضّر «بطريقة منظمة ومتوازنة مع شركائنا الأوروبيين»، في إشارة إلى أهمية التنسيق بين الدول الأعضاء في اختيار الرئيس المقبل.

تثبيت الفائدة وتحذير من صدمة الطاقة

وقد أبقى البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة دون تغيير، في خطوة كانت متوقعة على نطاق واسع، لكنه أشار إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة يفاقم مخاطر التضخم ويزيد الضغوط على النمو.

وقال البنك في بيان إن أسعار الطاقة واصلت الارتفاع، «ما يفاقم المخاطر المحيطة بتوقعات التضخم ويدفع بمخاطر النمو نحو الجانب السلبي». وأضاف أن التضخم الأساسي ظل مستقراً إلى حد كبير، وأن الأجور لم تُظهر استجابة ملموسة لارتفاع الأسعار، محذراً من أن اشتداد صدمة الطاقة واستمرارها لفترة أطول قد يرفعان التضخم ويقوضان النمو.

وكان البنك قد رفع الفائدة مرتين خلال العام، في مسعى لمنع انتقال ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب مع إيران إلى موجة تضخمية مستدامة. ومع أن القرار الأخير أبقى السياسة النقدية دون تغيير، فإن مسار الفائدة المقبلة سيظل مرتبطاً بتطور أسعار الطاقة والتضخم ومدى ظهور آثار تضخمية من الجولة الثانية.

وتزداد صعوبة المهمة مع تشدد ظروف التمويل وارتفاع تكاليف الاقتراض الحكومي، خصوصاً في فرنسا. فقد اتسعت الفجوة بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية لأجل عشر سنوات إلى نحو 155 نقطة أساس، وسط مخاوف المستثمرين بشأن الدين العام الفرنسي والآفاق المالية للبلاد.

ويؤدي ارتفاع العوائد وتباطؤ الائتمان إلى تشديد الأوضاع المالية حتى من دون رفع جديد للفائدة، لكنه يزيد في الوقت نفسه مخاطر اضطرابات الأسواق وتراجع النشاط الاقتصادي. وقد يضطر البنك إلى مراقبة هذه الضغوط عن كثب، مع احتفاظه بأدوات يمكن استخدامها لمواجهة اضطراب التمويل إذا اقتضت الضرورة.

سباق الخلافة قبل الانتخابات الفرنسية

يمنح رحيل لاغارد المبكر القادة الأوروبيين فرصة اختيار خلفها قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في ربيع 2027، بينما لا يزال ماكرون في منصبه للمشاركة في المشاورات. وتكتسب هذه المسألة أهمية في ظل تقدم اليمين المتطرف في استطلاعات الرأي، وما قد يترتب على الانتخابات من تغييرات في التوازنات السياسية الأوروبية.

ولا تقتصر الاستحقاقات على رئاسة البنك؛ إذ تنتهي ولاية كبير الاقتصاديين فيليب لين في مايو (أيار) 2027، فيما يُنتظر أن تغادر إيزابيل شنابل المجلس التنفيذي في يناير (كانون الثاني) المقبل لتولي منصب في صندوق النقد الدولي.

وتفتح هذه التغييرات المجال أمام مفاوضات أوسع بشأن توزيع المناصب القيادية، مع مراعاة التوازن بين الدول الأعضاء واختلاف توجهاتها حيال السياسة النقدية. وقد تسعى الحكومات إلى تنسيق التعيينات ضمن تسوية واحدة بدلاً من التعامل مع كل منصب على حدة.

ويبرز كلااس نوت، الرئيس السابق للبنك المركزي الهولندي، وبابلو هرنانديز دي كوس، المحافظ السابق لبنك إسبانيا والمدير العام الحالي لبنك التسويات الدولية، ضمن الأسماء المطروحة لخلافة لاغارد. لكن السباق لا يزال مفتوحاً، ومن المتوقع أن يتأثر بالمساومات المتعلقة بالمناصب الأخرى داخل البنك.

لاغارد خلال مؤتمر صحافي بعد اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي في دار ضيافة البنك المركزي الألماني

استقلالية البنك في قلب الحسابات

ويكتسب اختيار الرئيس المقبل أهمية تتجاوز تغيير الشخص الذي يتولى المنصب؛ فرئيس البنك المركزي الأوروبي يقود المؤسسة المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة في منطقة اليورو، ويؤدي دوراً محورياً في إدارة الأزمات المالية وحماية استقرار الأسعار.

تأتي عملية الخلافة في وقت تزداد فيه الضغوط على الاقتصاد الأوروبي بفعل ارتفاع تكاليف الطاقة المرتبط بالحرب مع إيران، وتنامي مخاوف التضخم، وارتفاع عوائد السندات الحكومية، ولا سيما في فرنسا، حيث أثارت أوضاع المالية العامة قلق المستثمرين.

وكان البنك قد أبقى أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه الخميس، في قرار لم يبدّل الموقف النقدي فوراً، لكنه لم ينهِ حالة الترقب بشأن الخطوات المقبلة. وستظل قرارات الفائدة مرتبطة بتطورات التضخم والطاقة والنمو، أياً كان الشخص الذي سيتولى الرئاسة بعد لاغارد.

وتعني هذه المعطيات أن الرئيس الجديد سيواجه اختباراً مبكراً في الحفاظ على استقلالية السياسة النقدية أمام الضغوط السياسية، مع الموازنة بين احتواء التضخم وتجنب تشديد مفرط يزيد الأعباء على الاقتصادات المثقلة بالديون.

إرث لاغارد ومرحلة ما بعد الرحيل

وتولت لاغارد رئاسة البنك المركزي الأوروبي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، بعد قيادتها صندوق النقد الدولي، وقادت المؤسسة خلال أزمات متلاحقة شملت جائحة «كوفيد-19»، وموجة التضخم التي أعقبتها، والتوترات التجارية والجيوسياسية.

وخلال الجائحة، أطلق البنك برنامجاً طارئاً لشراء السندات بقيمة 1.35 تريليون يورو لدعم الاقتصاد ومنع تشدد الأوضاع المالية. ومنذ ذلك الحين، واجه البنك تحديات متباينة بين دعم النشاط الاقتصادي وكبح التضخم، في ظل اختلاف الأوضاع المالية والاقتصادية بين دول منطقة اليورو.

ولا يُتوقع أن يؤدي تغيير الرئيس وحده إلى تحول فوري في نهج البنك، إذ تُتخذ قرارات السياسة النقدية بصورة جماعية، ويظل مسار الفائدة محكوماً بالبيانات الاقتصادية. لكن التعيين المقبل سيحدد ملامح القيادة في مرحلة قد تتطلب قرارات صعبة بشأن التضخم، والاستقرار المالي، وقدرة البنك على احتواء تداعيات الأزمات من دون المساس باستقلاليته.

وبذلك، لا تمثل استقالة لاغارد مجرد مغادرة مبكرة لمسؤولة أوروبية بارزة، بل بداية معركة على قيادة المؤسسة النقدية، تتداخل فيها حسابات الانتخابات الفرنسية مع توازنات القوى داخل الاتحاد الأوروبي، فيما تترقب الأسواق ما إذا كانت عملية الخلافة ستعزز الثقة في البنك أم تفتح باباً جديداً للجدل بشأن استقلالية قراراته.