من أسعار الوقود إلى أهداف الحرب... صراع إيران يضغط على الداخل الأميركي

تكلفة الأسبوع الأول بلغت 11.3 مليار دولار وسط تضارب في الرسائل السياسية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض (رويترز)
TT

من أسعار الوقود إلى أهداف الحرب... صراع إيران يضغط على الداخل الأميركي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض (رويترز)

تتردّد أصداء حرب إيران في الداخل الأميركي، وتبدو آثارها واضحة مع ارتفاع التكاليف المادية والبشرية. فمن أسعار الوقود المرتفعة إلى تكلفة العمليات العسكرية المتزايدة، وصولاً إلى أعداد القتلى والجرحى في صفوف القوات الأميركية، تتنامى معارضة الرأي العام الأميركي لمواصلة هذه العمليات وسط تقلّب في تصريحات الرئيس الأميركي وفريقه حيال مدة العمليات وأهدافها. استطلاعات الرأي تشير إلى قلق متزايد من انزلاق الولايات المتحدة إلى صراعٍ أطول وأوسع في وقت تُطرح فيه أسئلة صعبة في واشنطن حول تكلفة الحرب، ومخزون الأسلحة الذي يُستهلك بوتيرة غير مسبوقة.

يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، انعكاس المعارضة الداخلية للحرب على توجّهات البيت الأبيض، والجدل حول التكلفة والاستراتيجية، وما إذا كان خيار التدخل البري لا يزال مطروحاً على الطاولة.

تكلفة مادية وبشرية

أبلغ «البنتاغون» «الكونغرس» أن تكلفة الأسبوع الأول من الحرب وصلت إلى 11.3 مليار دولار، في حين بلغت حصيلة القتلى في صفوف القوات الأميركية 11 قتيلاً حتى الساعة، فيما تخطى عدد الجرحى 140.

وبمواجهة هذه الأرقام، يؤكد المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأميركية، العنصر السابق في الجيش، ويل ثايبو، أهمية أن يُقنع ترمب الأميركيين بأن هذه الحرب تمثّل «استخداماً عادلاً وجيّداً للقوة العسكرية الأميركية». ويضيف: «السؤال الذي نريد إجابة عنه هو ما إذا كانت الحرب في مصلحة الشعب الأميركي، وما إذا كانت تجعل الأميركيين في وطنهم أكثر أماناً على المدى القصير والمتوسط والطويل. أعتقد أن الرئيس ترمب يقوم بعمل جيد في إثبات ذلك في الوقت الحالي، ولكن هذا لا يعني أن الأميركيين لن يستاءوا أكثر كلما استمرت الحرب والعمليات القتالية».

ترتفع أسعار البنزين في أميركا جراء حرب إيران (رويترز)

لكن كبير الباحثين في معهد «هدسون»، لوك كوفي، يرى أن ترمب لم يطرح حُجة خوض حرب مع إيران بطريقة مقنعة أمام الشعب الأميركي، مشيراً إلى أن هذا سينعكس أكثر على استطلاعات الرأي كلما طالت الحرب. ويقول كوفي إن الأميركيين لا يكترثون بالتدقيق في السياسة الخارجية للبلاد، بل يقلقون من ارتفاع أسعار السلع والغذاء والبنزين والتعليم الجيد لأطفالهم. ويضيف: «عندما يكون هناك زعيم قوي يُقدّم حجة قوية، فإنهم سوف يتبعونه ويدعمون تلك المهمة. لكن رسائل الإدارة كانت متضاربة بهذا الشأن. فمن ناحية، نتحدّث عن إضعاف قدرة إيران على إطلاق الصواريخ، ومن ناحية أخرى، نتحدث عن استسلام غير مشروط، وغيرها من أهداف. أعتقد أن الإدارة تُدرك ذلك، وهي بدأت الانضباط أكثر في رسائلها. لكن لا يزال أمام البيت الأبيض طريق طويل لشرح التكلفة والأسباب للشعب الأميركي».

أهداف متقلبة

من ناحيته، يشير المستشار الخاص السابق لوزير الخارجية مايك بومبيو ومجموعة العمل المتعلقة بإيران في ولاية ترمب الأولى، غابرييل نورونا، إلى أن الأهداف الرئيسية حالياً هي هزيمة قدرات إيران الهجومية؛ مثل: الصواريخ، والبحرية، والطائرات دون طيار، والتهديدات النووية، وهي «أهداف منفصلة تستخدم تكتيكات مختلفة عن أهداف تغيير النظام».

ويُقرّ نورونا بأن الإدارة لا تقوم بعمل جيد في تفسير ذلك للأميركيين، قائلاً: «أعتقد أن ما تعنيه الإدارة هو أنه إذا تم في نهاية هذه الحرب تغيير النظام من قبل الشعب الإيراني، فهذا شيء يسعدنا رؤيته، ولكننا على استعداد لإنهاء الحرب قبل تحقيق هذا الهدف. في نهاية المطاف، لا يمكننا دخول إيران وإزالة النظام بالقوة. سيستغرق ذلك شهوراً لنزعه بالكامل من جذوره». ويعدّ نورونا توجهاً من هذا النوع لا يمكن تحقيقه من دون قوات على الأرض، مضيفاً: «المشكلة في هذه المعادلة هو أنه إذا بقي النظام، فهذا يعني أننا سنضطر إلى شن عمليات مماثلة مرة أخرى في المستقبل».

لافتة في تل أبيب تشكر دونالد ترمب في 12 مارس 2026 (رويترز)

ويعرب ثايبو عن استيائه من هذه المقاربة، مشدداً على ضرورة أن تكون إدارة ترمب واضحة في رسالتها إلى الأميركيين وفي أهدافها، خصوصاً «في ظل وجود مؤشرات على بعض التباين بين الهدف النهائي الإسرائيلي لهذه العملية والهدف النهائي الأميركي لها». ويقول: «يبدو لي أن إسرائيل أكثر اهتماماً بتغيير النظام بشكل جذري أو على الأقل بانهيار النظام كما هو موجود اليوم. وإذا أردنا تفكيك الحكومة الإيرانية وتسهيل تغيير النظام فسوف نحتاج إلى أكثر من شنّ غارات جوية. ستكون هناك حاجة إلى ما نسميه عنصر المناورة على الأرض لتسهيل تغيير السلطة، ثم في النهاية تحديد وظيفة الدولة الإدارية هناك. إنها عملية مختلفة تماماً، ولا أعتقد أن الولايات المتحدة في وضع يسمح لها بإنجازها في الوقت الحالي».

ترمب يستقبل رفات الجنود الذين قُتلوا في حرب إيران في قاعدة دوفر بديلاوير يوم 7 مارس 2026 (أ.ب)

ويُحذّر ثايبو من أن العمليات العسكرية تدخل الآن في مرحلة مختلفة، حيث تكون الغارات الجوية «أقرب إلى الهدف»، لافتاً إلى أن ذلك سيتطلّب استخدام ذخائر مختلفة؛ «مما يشكل خطراً أكبر على القوات الجوية الأميركية». وأوضح أنه «خلال الأسبوعين الأولين من الحرب، يمكن القول إن معظم الغارات الجوية تمّ تنفيذها من مسافة بعيدة، إذ تمّ إطلاق الصواريخ من منصات في البحر، ورُبّما بعضها من قواعد، أو حتى من الطائرات. هذا سيختلف كُلّما زادت مدة العمليات».

ويقول كوفي إنه وعلى الرغم من أن الإدارة لم تعلن رسمياً أن الهدف هو تغيير النظام، فإن «الكثيرين في الولايات المتحدة يأملون أن يكون تغيير النظام نتيجة لهذه العمليات». لكنه يحذر من غياب «مؤشرات بأننا قريبون من ذلك في الوضع الحالي. على العكس، فقد تركزت الكثير من الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على قدرة إيران على بسط نفوذها في الشرق الأوسط من صواريخها الباليستية، إلى برنامج طائراتها المسيرة. لم نستهدف الأجهزة الأمنية الداخلية التي تقمع الشعب الإيراني، ولا تزال الأدوات التي يستخدمها (الحرس الثوري) الإيراني للقمع الداخلي سليمة. لم يحدث أي تغيير. إذن أعتقد أننا بعيدون كل البعد عن رؤية التغيير في النظام الذي قد يأمله الكثيرون».

مجتبى خامنئي في طهران يوم 1 يوليو 2016 (رويترز)

وبينما تسلّم مجتبى خامنئي زمام الأمور بعد مقتل والده، يؤكد نورونا أن النظام سيستمر في نهجه رغم الضربات. وقال: «إنها آلة أيديولوجية ثورية بغض النظر عن قدراتها العسكرية. وإذا تخلّت عن أهدافها المتمثلة في التوسع والهيمنة على جيرانها، فستكون قد فشلت. وهذا شيء أدركه الرئيس ترمب خلال العام الماضي. ولهذا السبب أصبح أكثر تصميماً على فكرة تغيير النظام، لأنه أدرك أنه ما دام بقي هذا النظام في مكانه، فلن يكون هناك حلّ دائم، ولا وضع دائم يمكن أن تقبله الولايات المتحدة أو إسرائيل».

واعترض ثايبو على هذا الطرح، لافتاً إلى أن تغيير النظام يستلزم «شن حرب شاملة وغزو إيران لتسهيل نقل السلطة بشكل حقيقي إلى نظام جديد لا يشكل في نظرنا تهديداً. لا أعتقد أن هناك بيئة سياسية أو اقتصادية أو أمنية مناسبة لمثل هذا الاحتمال. يجب أن نعيش في الواقع، واقع أن الحرب بين روسيا وأوكرانيا لا تزال مستمرة، وواقع أن هناك بيئة أمنية معقّدة في نصف الكرة الغربي الذي نعيش فيه، التي قالت إدارة ترمب إنها أولويتنا الأولى، وأن أولويتنا الثانية، منطقة المحيط الهادئ، تزداد خطورة مع تزايد التهديد الذي تشكله الصين». ولفت ثايبو إلى أنه يتعين على إدارة ترمب اتخاذ قرار، «لا أعتقد أن الجيش الأميركي، للأسف، قادر على خوض حربين كبريين في وقت واحد، أو حتى خوض حرب كبيرة واحدة مع الحفاظ على صراعات أخرى متعددة تحت السيطرة». ويُشدّد ثايبو على أهمية التحلي بالحذر بشأن توسع نطاق المهمة، «لأن المهمة لن تنتهي أبداً إذا كان الهدف هو إحداث ثورة كاملة في شكل إيران داخلياً وخارجياً»، على حد قوله.

نهاية الحرب

وفي ظل ارتفاع الأسعار، يُحذّر كوفي من أن ترمب سيواجه مشكلة عندما تبدأ عواقب هذه الحرب -في حال استمرارها- في التأثير على جيوب الأميركيين، من خلال أسعار الوقود والتدابير التضخمية على البقالة والسلع الأخرى. وفيما يتعلّق بعرقلة إيران حركة الملاحة في مضيق هرمز، قال إن «الأمور تبدو أكثر صعوبة مما كان يتوقعه الكثيرون، وذلك بسبب عدم الأخذ بعين الاعتبار أعداد المسيرات الكبيرة التي يملكها النظام الإيراني والتهديد الذي تشكله على المضيق».

تقلب في أسعار البورصة بنيويورك جراء حرب إيران يوم 12 مارس (أ.ف.ب)

من ناحيته، يتحدث نورونا عن متابعة ترمب الحثيثة أسعار البنزين في الولايات المتحدة. وقال: «إنه يولي اهتماماً كبيراً بهذا الأمر، فهو يدرك أن هذه مسألة سياسية مهمة بالنسبة إلى الناخب الأميركي العادي، ولذلك سيفعل كل ما في وسعه لتقليل تكلفة (الوقود)». لكن نورونا يُقرّ بصعوبة إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً، ويقول: «حتى لو قدمنا التأمين إلى الشركات، وحتى لو قمنا بمرافقة الناقلات، فإن مالكي ومشغلي تلك الناقلات قد لا يختارون إرسالها إلى ممرات المضيق. فخسارة سفينة وخسارة طاقمها وقبطانها أسوأ بكثير من التكلفة الاقتصادية نفسها، وهناك حدود لما يمكن أن تفعله الولايات المتحدة في هذا الصدد».

ويلفت نورونا إلى أنه ما زال من المبكر أن ينعكس هذا الأمر على الانتخابات النصفية التي ستُجرى في نوفمبر (تشرين الثاني)، إذ لا يزال هناك متسع من الوقت «لإنهاء المسألة قبل أن يتوجه الناخبون فعلياً إلى صناديق الاقتراع». وأضاف: «إذا انخفض سعر غالون البنزين إلى 3 دولارات في الولايات المتحدة بحلول نوفمبر، أعتقد أن كل الذنوب ستُغفر».

دور الصين

ومع تزايد التساؤلات حول كيفية إنهاء الحرب يتحدث ثايبو عن دور الصين ويعدّها «محوراً مهماً» في هذا الصراع، مذكراً بأنها تحصل على نحو 12 في المائة إلى 15 في المائة من مصادر الطاقة المحلية من مضيق هرمز. ويقول: «على عكس روسيا التي من المحتمل أن تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، تعتمد الصين على الواردات. لذا، أعتقد أنها قد تفقد صبرها بسبب الصراع، وربما تلعب دوراً غير متوقع في إنهائه».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح نظيره الصيني شي جينبينغ قبل اجتماعهما بكوريا الجنوبية يوم 30 أكتوبر 2025 (د.ب.أ)

وهنا يذكر كوفي بأن الرئيس الأميركي سوف يزور الصين نهاية الشهر الحالي، مُرجّحاً أنه لن يرغب في استمرار الصراع إلى حين تلك الزيارة. وأضاف: «أعتقد أن الصين في وضع جيد حالياً من حيث الوصول إلى الطاقة. فإيران تسيطر على مضيق هرمز، لأن الناقلات الإيرانية لا تزال تنقل النفط إلى الصين. أعتقد أن السبب وراء سماح الولايات المتحدة بذلك هو أن الرئيس ترمب سيزور الصين قريباً، وستصبح الزيارة أكثر تعقيداً إذا لم يصلها النفط».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

تركيا تطرح إمكانية إنشاء منصة إقليمية للتعاون في تحقيق استقرار المنطقة

شؤون إقليمية وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (رويترز)

تركيا تطرح إمكانية إنشاء منصة إقليمية للتعاون في تحقيق استقرار المنطقة

طرحت تركيا إمكانية إنشاء منصة إقليمية لتحقيق الاستقرار في المنطقة، تضم إلى جانبها كلاً من السعودية ومصر وباكستان ودول الخليج.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي من اللقاء بين رئيس الوزراء العراقي زيدان وبراك (وكالة الأنباء العراقية)

ترمب يعين توم براك مبعوثا رئاسيا خاصا إلى سوريا والعراق

أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمس قراراً بتعيين توم براك مبعوثاً رئاسياً خاصاً إلى سوريا والعراق في مسمى (رئاسي) يعكس جدية بعد انتهاء صلاحية تكليفه السابق.

«الشرق الأوسط» (نيويورك - لندن)
الولايات المتحدة​ ترمب مخاطباً أنصاره في نيويورك يوم 22 مايو (إ.ب.أ)

هل يحسم الشباب نتائج الانتخابات النصفية في نوفمبر؟

كان الاقتصاد المدخل الأوسع الذي دفع كثيراً من الشباب وخصوصاً الذكور إلى الانزياح يميناً في انتخابات 2024

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أرشيفية - رويترز)

تقرير: ترمب قد يزور إسرائيل في سبتمبر

كشف تقرير نشرته صحيفة «يسرائيل هيوم» أن السفارة الأميركية في إسرائيل تدرس إمكانية قيام الرئيس الأميركي دونالد ترمب بزيارة إلى إسرائيل خلال شهر سبتمبر

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

ترمب بعد خضوعه لاختبار معرفي: النتيجة تعكس «ذكاءً خارقاً»

تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن نتائج اختباراته المعرفية التي أجراها مؤخراً، قائلاً إنها «ممتازة للغاية» وتعكس «ذكاءً خارقاً».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

هل يحسم الشباب نتائج الانتخابات النصفية في نوفمبر؟

ترمب مخاطباً أنصاره في نيويورك يوم 22 مايو (إ.ب.أ)
ترمب مخاطباً أنصاره في نيويورك يوم 22 مايو (إ.ب.أ)
TT

هل يحسم الشباب نتائج الانتخابات النصفية في نوفمبر؟

ترمب مخاطباً أنصاره في نيويورك يوم 22 مايو (إ.ب.أ)
ترمب مخاطباً أنصاره في نيويورك يوم 22 مايو (إ.ب.أ)

قبل أشهر من انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) النصفية، لا يبدو أن الخطر الأكبر على الديمقراطيين والجمهوريين يكمن فقط في الاستقطاب الحاد الذي يهيمن على البلاد، بل في كتلة انتخابية أقل استقراراً وأكثر تذمراً: الشباب، وخصوصاً الذكور من جيل «زد»، ومن بينهم البيض دون المستوى الجامعي الذين أسهموا بقوة في إعادة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض عام 2024. فهؤلاء لا ينظرون بشكل إيجابي إلى الديمقراطيين، لكنهم لم يعودوا أيضاً متحمسين لترمب كما كانوا.

وبين خيبة اقتصادية، وشعور بالضياع الاجتماعي، وغياب خطاب حزبي مقنع، تتحول هذه الشريحة إلى عامل حسم محتمل، وربما إلى مصدر إرباك للحزبين في آن واحد. وتظهر تقارير صحف أميركية أن استطلاعات أخيرة ترصد تراجعاً واضحاً في تأييد ترمب بين الشباب والطبقة العاملة البيضاء، من دون أن ينجح الديمقراطيون حتى الآن في ملء الفراغ السياسي الذي خلّفه هذا التراجع.

خيبة من وعود ترمب

كان الاقتصاد المدخل الأوسع الذي دفع كثيراً من الشباب، وخصوصاً الرجال، إلى الانزياح يميناً في انتخابات 2024. فقد وعد ترمب بخفض الأسعار، وإعادة الوظائف، وحماية العمال من العولمة، وتقديم أجوبة مباشرة على شعور كبير بأن المستقبل لم يعد متاحاً كما كان للأجيال السابقة.

رصدت استطلاعات الرأي تراجعاً في دعم الشباب لأداء الرئيس الأميركي (أ.ف.ب)

غير أن هذا الوعد يصطدم اليوم بتجربة معيشية أكثر قسوة: أسعار المواد الأساسية لا تزال مرتفعة، البنزين يتأثر بتداعيات الحرب مع إيران، والتعريفات الجمركية التي روّج لها ترمب بوصفها أداة لإحياء الصناعة الأميركية باتت في نظر بعض مؤيديه سبباً إضافياً للاضطراب.

تنقل صحيفة «نيويورك تايمز» عن شباب صوّتوا لترمب شعوراً بالانتظار غير المجدي. أحدهم قال إن الرئيس وعد بأن الأمور «ستسوء بسبب التعريفات ثم تتحسن»، مضيفاً: «ما زلنا ننتظر». وآخر أيّد ترمب بسبب موقفه من الإجهاض، لكنه صُدم من حملات الهجرة وندم على قراره. هذه ليست شهادات معزولة، بل هي جزء من نمط أوسع تشير إليه استطلاعات «نيويورك تايمز/سيينا كوليدج»، التي وجدت أن نسبة تأييد ترمب بين الرجال الشباب تراجعت بنحو 10 نقاط مئوية خلال أشهر قليلة.

المفارقة أن هذا التراجع لا يعني تلقائياً توجه هؤلاء إلى الديمقراطيين. فكثيرون منهم يقولون إن الحزبين لا يفهمان قلقهم. هم محبطون من ترمب، لكنهم لا يجدون في الخطاب الديمقراطي بديلاً مقنعاً، أو لغة تخاطب مشكلاتهم اليومية دون تعالٍ أو تنظير.

عبء انتخابي

الأزمة لا تقتصر على الشباب وحدهم. فصحيفة «واشنطن بوست» ترصد تراجعاً لافتاً في شعبية ترمب داخل القاعدة البيضاء العاملة التي شكّلت العمود الفقري لصعوده منذ 2016. وحسب استطلاع «سي بي إس نيوز/يوغوف» في مايو (أيار)، قال 54 في المائة من البيض غير الحاصلين على شهادات جامعية إنهم لا يوافقون على أداء ترمب، بعدما كانت النسبة 32 في المائة فقط في فبراير (شباط) 2025، و45 في المائة في فبراير من العام الحالي.

أنصار ترمب خلال تجمع في نيويورك يوم 22 مايو (أ.ف.ب)

هذه الأرقام شديدة الأهمية انتخابياً. ففي ولايات مثل أوهايو، حيث فاز ترمب بفارق 11 نقطة عام 2024، يعتمد الجمهوريون على حماسة هذه القاعدة للاحتفاظ بمقاعد مجلس الشيوخ ومناصب حكام الولايات. لكن شهادات العمال والموظفين التي تنقلها الصحيفة تكشف تحولاً من الثقة إلى التردد، ومن التردد إلى العزوف. عاملة نظافة صوتت لترمب قالت إنها لم تعد ترغب في التصويت لأي طرف، لأن السياسيين برأيها، يقدمون «وعوداً زائفة».

هذا النوع من اللامبالاة أخطر من انتقال مباشر إلى المعسكر الآخر. فانتخابات منتصف الولاية لا تُحسم غالباً بتبدل الولاءات فقط، بل أيضاً بمن يذهب إلى مراكز الاقتراع. وإذا خسر الجمهوريون حماسة الشباب الذكور أو عمال بيض غير جامعيين، فقد يجدون أنفسهم أمام فجوة مشاركة لا تعوضها رسائل الهجرة أو الثقافة وحدها.

عجز ديمقراطي

يدرك الديمقراطيون أنهم خسروا جزءاً من الشباب الذكور لأنهم تركوا لهم فراغاً ملأته أصوات يمينية مؤثرة مثل جو روغان، وتاكر كارلسون، وجي دي فانس، وتشارلي كيرك قبل مقتله. هذه الأصوات لم تقدم دائماً حلولاً اقتصادية مفصلة، لكنها قدّمت شيئاً يفتقده الخطاب الديمقراطي: لغة مباشرة عن الأسرة، والعمل، والمكانة الاجتماعية.

حاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم يتحدث خلال تجمع في لوس أنجليس يوم 14 أغسطس 2025 (رويترز)

وتنقل «نيويورك تايمز» عن ناشطين يساريين قولهم إن الجمهوريين نسجوا مخاوف العمل والسكن والزواج في «نسخة طموحة من المستقبل». أي أنهم ربطوا الضيق الاقتصادي بحلم اجتماعي مفقود: منزل، وظيفة مستقرة، زوجة، أطفال، واحترام.

في المقابل، يرى بعض الشباب أن اليسار يتعامل مع هذه الطموحات ببرود أو ارتياب، خصوصاً عندما تتصل بدور تقليدي للرجل بوصفه معيلاً أو حامياً للأسرة. لذلك، قال حاكم كاليفورنيا الديمقراطي غافين نيوسوم إن حزبه كان «خجولاً» في التعامل مع قضايا الرجال، داعياً إلى رؤية إيجابية للرجولة لا تجعل الرغبة في رعاية الأسرة أو حمايتها مدعاة للخجل. أما حاكم ماريلاند ويس مور، فأطلق مقاربة مختلفة، قائلاً إن الشباب ليسوا «مشكلة ينبغي حلها»، بل هم «رصيد ينبغي اكتشافه».

لكن المشكلة أن هذه اللغة لا تزال في بدايتها، بينما الانتخابات تقترب. والديمقراطيون، رغم جلسات الاستماع ومجموعات التركيز والإعلانات الانتخابية، لم يثبتوا بعد أنهم قادرون على تحويل التعاطف إلى مشروع سياسي واضح.

كتلة غير محسومة

الخطأ الأكبر، كما يحذر ريتشارد ريفز، رئيس «المعهد الأميركي للفتيان والرجال»، هو افتراض أن الشباب الذكور أصبحوا كتلة ترمبية صلبة أو نسخة من جماعات متطرفة. وعدّ هذه الشريحة بأنها «متأرجحة جداً ومتاحة للاستقطاب»، وربما تكون مفتاح فهم المعركة الانتخابية المقبلة.

فهؤلاء الشباب ليسوا جميعاً محافظين آيديولوجياً. استطلاعات عدة تشير إلى أن كثيراً منهم يحمل مواقف تقدمية في قضايا مثل الإجهاض وزواج المثليين. كما أن منظمات ليبرالية، وجدت في محادثات مع 35 ألف ناخب في الجامعات، أن القضايا الثقافية أو الجندرية لم تكن في صدارة اهتماماتهم؛ بل كان القلق من الفساد، والاقتصاد، ثم الحرب مع إيران وتداعياتها على أسعار الوقود.

لكن هذا لا يعني أنهم سيصوتون لصالح الديمقراطيين. وحسب «نيويورك تايمز»، هم بالأحرى ناخبون يبحثون عن اعتراف بمشكلاتهم: سوق عمل قاسية، وتراجع وظائف تقليدية ارتبطت بالرجال، وصعوبة شراء منزل، وقلق من الزواج والعلاقات، وشعور بأن المجتمع لا يعرف أين يضعهم. اليمين يقدم لهم سردية هوية وانتماء، حتى لو كانت تبسيطية. واليسار يقدم لهم سياسات، لكنها تبدو أحياناً أكاديمية، وباردة، وغير قادرة على مخاطبة مصادر قلقهم.


تقرير: ترمب قد يزور إسرائيل في سبتمبر

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أرشيفية - رويترز)
TT

تقرير: ترمب قد يزور إسرائيل في سبتمبر

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أرشيفية - رويترز)

كشف تقرير نشرته صحيفة «يسرائيل هيوم» أن السفارة الأميركية في إسرائيل تدرس إمكانية قيام الرئيس الأميركي دونالد ترمب بزيارة إلى إسرائيل خلال شهر سبتمبر (أيلول) المقبل، في خطوة لا تزال قيد البحث ولم يُحسم أمرها بعد.

وذكر التقرير أنه في إطار الاستعدادات الأولية لزيارة ترمب المحتملة، يدرس مسؤولو السفارة تقليص فعاليات الاحتفال بعيد الاستقلال الأميركي في الرابع من يوليو (تموز)، وإقامة احتفالات أوسع نطاقاً بالتزامن مع وصول ترمب المحتمل إلى إسرائيل.

وأشار التقرير إلى أنه في حال تمت الزيارة، فمن المتوقع أن يتسلم ترمب «جائزة إسرائيل» خلال وجوده في البلاد، بعدما أعلن وزير التعليم الإسرائيلي يوآف كيش في وقت سابق عزمه منح الجائزة للرئيس الأميركي تقديراً لما وصفه بـ«مساهماته الفريدة مع الشعب اليهودي».

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين إسرائيليين مطلعين قولهم إن استمرار الحرب مع إيران يجعل أي زيارة رئاسية للمنطقة غير مطروحة حالياً، إلا أن التوصل إلى تفاهمات أو اتفاق يؤدي إلى فترة من الهدوء قد يجعل الزيارة أمراً واقعياً.

كما لفت التقرير إلى أن توقيت الزيارة قد يحمل دلالات سياسية داخلية مهمة، إذ يرى مراقبون أن وصول ترمب إلى إسرائيل قبل الانتخابات المتوقعة في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل قد يعطي دفعة سياسية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يُشدد باستمرار على علاقته الوثيقة بالرئيس الأميركي.

في الوقت نفسه، يعتقد مسؤولون سياسيون أن البعض يعملون سراً على منع هذه الخطوة بسبب تأثيرها المحتمل على المشهد الانتخابي.

وكان السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي قد لمّح قبل حوالي أسبوعين إلى إمكانية زيارة ترمب، حين قال خلال مؤتمر في جامعة تل أبيب إن ترمب مصمم على تعزيز التحالف مع إسرائيل، وإنه يأمل أن تحدث الزيارة في وقت قريب جداً هذا الصيف.

وأضاف هاكابي آنذاك: «لو كان ترمب مرشحاً في إسرائيل لحصل على دعم بنسبة 95 في المائة، ولم يسبق أن كان هناك رئيس أميركي بهذه الدرجة من القرب من إسرائيل».

من جانبها، امتنعت السفارة الأميركية في إسرائيل عن التعليق على التقرير.


ترمب بعد خضوعه لاختبار معرفي: النتيجة تعكس «ذكاءً خارقاً»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب بعد خضوعه لاختبار معرفي: النتيجة تعكس «ذكاءً خارقاً»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن نتائج اختباراته المعرفية التي أجراها مؤخراً، قائلاً إنها «ممتازة للغاية» وتعكس «ذكاءً خارقاً».

وفي منشور على صفحته بموقع «تروث سوشيال»، كتب ترمب: «كانت نتائج فحصي الطبي، الذي أجريته في مركز (والتر ريد الطبي العسكري)، والذي نُشر مؤخراً، ممتازة للغاية. وعلى عكس رؤساء الولايات المتحدة السابقين، الذين لم يخضع أي منهم لاختبار معرفي مُعتمَد وعالي الصعوبة، فقد حصلت على الدرجة الكاملة (30 من 30)، وهو ما يُعدّ (ذكاءً خارقاً)».

وأضاف الرئيس الأميركي أن هذا الاختبار يعدّ الرابع من نوعه، وأن نتيجته في الاختبارات الأربعة كانت مثالية، حيث أجاب بشكل صحيح عن جميع الأسئلة المطروحة، وعددها الإجمالي 120 سؤالاً.

وأكد ترمب أن الحصول على الدرجة كاملة في مثل هذه الاختبارات «أمر نادر جداً»، لا سيما عند تكراره أربع مرات متتالية، على حد تعبيره.

ودعا ترمب إلى إجبار جميع المرشحين لمنصبَي الرئيس ونائب الرئيس على الخضوع لاختبارات معرفية عالية الصعوبة.

ولم يقدم الرئيس الأميركي في منشوره تفاصيل إضافية بشأن طبيعة الاختبار.