تجهد الدبلوماسية الفرنسية للعب دور في الحرب في الشرق الأوسط وامتداداتها باتجاه البحر المتوسط. وتسعى باريس للمحافظة على موقف «متوازن» بين الإعلان عن رفضها لـ«الموافقة على عمليات عسكرية تقرر وتنفذ خارج القانون الدولي»، ولكن من غير أن يصل هذا الرفض إلى حدّ إدانة الحرب التي أطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران.
وفي المقابل، فإنها تُحمّل طهران «المسؤولية الأولى لاندلاعها» وفق ما أكّدته الخارجية الفرنسية، الخميس، باعتبار أن طهران تضرب الاستقرار الإقليمي عبر أذرعها في المنطقة، وتطور برامج نووية وباليستية بالغة الخطورة، ولا تتردّد في قمع شعبها. وتشعر باريس بأن الأزمة الشرق أوسطية الراهنة «خطيرة»؛ لأنها تصيب المصالح الفرنسية وأمن مواطنيها وبعثاتها المدنية والعسكرية من جهة. ومن ناحية ثانية، فهي آخذة بالتمدد وقد وصلت، الخميس، إلى أذربيجان، بعد أن مرت بقبرص وتركيا، وأخيراً لأنها تمثل تهديداً جدياً لأمن الإقليم واستقراره وصلابة الاقتصاد.
وبكلام آخر، وفق مسؤول فرنسي، يمكن اعتبار أن باريس تلتزم موقفاً على مسافة واحدة من الموقف الإسباني الرافض والمندد بالحرب الأميركية - الإسرائيلية، ومن الموقف الألماني الذي عبّر عنه المستشار ميرتس في واشنطن والداعم، عملياً، للحرب المذكورة. وتصف مصادر فرنسية رفيعة الحرب المشار إليها بأنها «ليست حرب فرنسا»، وأنها «لا تنوي مطلقاً المشاركة فيها أو التعاون مع الأميركيين أو الإسرائيليين بشأنها».
إجراءات فرنسية
بالنظر لهذه القراءة، فإن فرنسا تعمل على أربعة محاور؛ أولها بالطبع أمن الفرنسيين في مناطق انتشارهم في بلدان الخليج والشرق الأوسط، والعمل على إعادة من يرغب منهم إلى فرنسا، وذلك بطرق مختلفة ووفق ما تسمح به الظروف. والمحور الأول يهم بالطبع المواطنين الفرنسيين، خصوصاً أن ما يقارب 400 ألف فرنسي منتشرون بين دول الخليج وإسرائيل ولبنان، ومن بينهم قسم كبير يحمل، إلى جانب جنسيته الأصلية، الجنسية الفرنسية.
ويتمثل المحور الثاني، كما تشدد عليه المصادر الفرنسية وذكّرت به وزارة الخارجية، الخميس، دعم شركاء باريس خصوصاً في منطقة الخليج، حيث أبرمت فرنسا اتفاقيات دفاعية مع كل من الإمارات وقطر والكويت، ـ ونسجت علاقات استراتيجية قوية مع السعودية والأردن والعراق، فضلاً عن قبرص في المتوسط الشرقي. وتجدر الإشارة إلى أن باريس ونيقوسيا أبرمتا «شراكة استراتيجية» بمناسبة الزيارة التي قام بها الرئيس القبرصي إلى فرنسا في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وقالت وزيرة الجيوش الفرنسية كاترين فوترين، صباح الخميس، إن بلادها «ليست في حالة حرب ولكنها تلتزم موقفاً دفاعياً محضاً» من خلال الدفاع عن قاعدتيها التي تشغلهما في منطقة الخليج، وفي الدفاع عن الدول الحليفة والصديقة لها». وأفادت فوترين بأن القوات الجوية الفرنسية أرسلت ست طائرات «رافال» قتالية إلى الإمارات للمساهمة في حمايتها من المسيرات والصواريخ الإيرانية، كما أنها أرسلت بطاريات دفاع جوي ورادارات متنوعة. وقبل أن تصل هذه الأسلحة، ساهمت القوات الفرنسية الموجودة في الإمارات في المساعدة على إسقاط عدد من المسيرات الإيرانية.
وفي المتوسط الشرقي، عجّلت باريس بإرسال مدمرة وأنظمة دفاع جوي مضادة للصواريخ والمسيرات بالتوازي مع ما قامت به بريطانيا التي تملك قاعدة «أكروتيري» الموجودة في قبرص أو التعزيزات الإيطالية واليونانية. كذلك، أمر الرئيس ماكرون حاملة الطائرات شارل ديغول بالتوجه إلى شرق البحر المتوسط.
إلى ذلك، قال مسؤول في هيئة الأركان العامة للجيش الفرنسي إن باريس سمحت بوجود مؤقت لمقاتلات أميركية في بعض القواعد داخل البلاد. وأضاف: «بالنظر إلى الظروف الراهنة، اشترطت فرنسا ألا تشارك هذه الطائرات بأي شكل من الأشكال في العمليات التي تنفذها الولايات المتحدة في إيران، وأن يقتصر دورها على دعم الدفاع عن شركائنا في المنطقة».
حماية الملاحة البحرية
تُهدّد الحرب الدائرة الاقتصاد العالمي بسبب نشوبها في منطقة استراتيجية من الطراز الأول. من هنا، فإن الدفاع عن مصالحها الاقتصادية يُشكّل محوراً رئيسياً للعمل للجهود الفرنسية الدبلوماسية والعسكرية. وقد كان ماكرون أول من طرح فكرة إقامة «تحالف دولي» لحماية الممرات البحرية والمحافظة على الإبحار فيها. والواقع أن إغلاق مضيق هرمز، عملياً، يطأ بثقله على الاقتصاد العالمي وقد بدأت تبرز تبعاته قبل أقل من أسبوع من اندلاع حرب لا أحد يعرف متى ستنتهي. والمعروف أن 20 في المائة من النفط المُصدّر يخرج عبر المضيق المذكور.

والصعوبة بالنسبة لفرنسا أنها لا تريد أن يتم الخلط بين ما تنوي القيام به مع شركائها المحتملين، وما تخطط له واشنطن التي وعدت بـ«مواكبة» السفن التجارية «ناقلات نفط وخلافها» «عندما تتوافر الظروف الضرورية». ووفق الشروحات التي قدمتها مصادر فرنسية رفيعة المستوى، فإن المطلوب أن يضمن التحالف ممر باب المندب وصولاً إلى قناة السويس ومضيق هرمز وبحر العرب وخليج عمان وخليج عدن.
وحتى اليوم، ثمة آلية أوروبية تسمى «أسبيدس» أنشئت في عام 2024 لحماية خليج عدن وباب المندب من الحوثيين، ويمكن أن تشكل نواة «التحالف» الجديد. وقررت باريس، منذ نهاية الأسبوع الماضي، إرسال فرقاطة جديدة لتعزيز الحضور الأوروبي. والمشروع المطروح يتضمّن تمكن القطع البحرية من ممارسة «حق الدفاع عن النفس» في حال تعرضها أو تعرض السفن التي تواكبها للصواريخ والمسيرات الإيرانية. ويعني ذلك عملياً العمل وفق مبدأ «الردع»، أي الرد على مصادر النيران. وقالت المصادر المشار إليها إنه «لن يكون هناك تعاون» بين التحالف المرتقب وما تحضر له الولايات المتحدة.
زمن الدبلوماسية «لم يحن بعد»
لا يغيب عن رادار الدبلوماسية الفرنسية مواصلة السعي لخفض التصعيد واحتواء الحرب، الأمر الذي يشكل المحور الرابع. بيد أن المشكلة تكمن في أن باريس لا تمتلك، لا فردياً ولا على المستوى الأوروبي الجماعي، أوراقاً ضاغطة على الأطراف الثلاثة؛ إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. ومع ذلك، فإنها تركز على الحاجة «للعمل من أجل التوصل إلى مخرج من الحرب الناشئة».
أما الطريق إليها فتمر، بحسب الخارجية الفرنسية، «من خلال وقف إيران ووكلائها هجماتهم، وقبول طهران تقديم تنازلات كبيرة، وتغير موقفها بشكل جذري» للتمكن من الوصول إلى حلّ سياسي «يسمح بالتعايش السلمي بين إيران وبيئتها الإقليمية والمجتمع الدولي، ويأخذ أيضاً في الاعتبار تطلعات الشعب الإيراني في تقرير مصيره واحترام حقوقه وبناء مستقبله بحرية».

ويكثر الرئيس ماكرون ووزير خارجيته جان نويل بارو من اتصالاتهما في كل اتجاه، بما فيها اتصال ماكرون برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترمب، فضلاً عن القادة الخليجيين والأوروبيين. كذلك، فإن بارو اتصل، الأربعاء، بوزير خارجية إيران عباس عراقجي. وقالت باريس إن بارو «ندد بالضربات الإيرانية، وذكّر بتمسك فرنسا بالاستقرار في الشرق الأوسط وخفض التوتر، واستئناف حوار دبلوماسي صارم في ظل احترام القانون الدولي الذي يجب أن يندرج استخدام القوة ضمنه».
بيد أن باريس ترى أن واشنطن وتل أبيب «ليستا في هذا الوارد اليوم، وأن أهداف حربهما غير واضحة كما أن صورة اليوم التالي تبدو مغرقة في الضبابية».
ولعل أفضل مثال على قدرة باريس في التأثير على مسار الأحداث فشل مسعاها في تجنيب لبنان اجتياحاً إسرائيلياً أرضياً واحتلالاً لأراضيه. ونقل ماكرون هذه الرسالة إلى نتنياهو وترمب. والحال أن تطورات يوم الخميس لا تدل على أن رسالته قد وصلت إلى مسامع الرجلين. وفي أي حال، فإن باريس، كما قالت الخارجية الفرنسية، أمس، تريد من «حزب الله» أن يضع حداً «لأفعاله غير المسؤولة»، وأن يوقف هجماته على إسرائيل. وبالمقابل، يتعين على إسرائيل «أن تمتنع عن أي هجوم بري، وأن تحافظ على سيادة لبنان وعلى حياة المدنيين».

