«فقدان جاذبية» في العراق ليلة مقتل خامنئي

صور الجثة وصلت بغداد مبكراً… والصدر أُحيط بموقعها في طهران

قوات أمن عراقية تغلق الجسر المعلق المؤدي إلى المنطقة الخضراء (الشرق الأوسط)
قوات أمن عراقية تغلق الجسر المعلق المؤدي إلى المنطقة الخضراء (الشرق الأوسط)
TT

«فقدان جاذبية» في العراق ليلة مقتل خامنئي

قوات أمن عراقية تغلق الجسر المعلق المؤدي إلى المنطقة الخضراء (الشرق الأوسط)
قوات أمن عراقية تغلق الجسر المعلق المؤدي إلى المنطقة الخضراء (الشرق الأوسط)

كانت الأخبار عن مهاجمة طهران تتدفَّق إلى هواتف سياسيين وصحافيين عراقيين يحضرون ندوة مسائية في بغداد لعمَّار الحكيم، أحد قادة تحالف «الإطار التنسيقي».

الأسئلة عن مصير المرشد الإيراني علي خامنئي بالكاد تُسمع، بعد هجمات كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تقاسمتا الأدوار فيها، في وقت مبكر السبت.

بحلول الساعة الخامسة بالتوقيت المحلي لمدينة بغداد كانت شخصيات شيعية في بغداد والنجف على علم كامل بأن خامنئي قد قُتل. بعضهم أحيط بصور لجثته، ومكان العثور عليها.

عمار الحكيم خلال ندوة سياسية في بغداد مساء 28 فبراير 2026 (موقع تيار الحكمة)

في الساعة العاشرة بالتوقيت المحلي، كان الحكيم يحاول، في الندوة التي أقامتها مؤسسة «البيت العراقي»، الحفاظ على نبرة وصفها هو بـ«التفاؤل غير المفرط». لم يتجنب سؤالاً مباشراً من محاوره الصحافي عمر الشاهر عن حالة خامنئي: «هل استُهدف؟ هل هو على قيد الحياة؟ ما دقة تقارير تتحدث عن تصفيته؟».

كأنه لم يمت

لم تحمل كلمات الحكيم جواباً محدداً، قال إن خبراً بهذا الحجم «لا يمكن التستر عليه» وإن ما «سمعه من مسؤولين إيرانيين يفيد بأن المرشد بخير»، ثم أخذ النقاش سريعاً نحو مأزق ترشيح نوري المالكي لمنصب رئيس الحكومة. كأن مرشداً تاريخياً بالنسبة لكثيرين في العراق لم يمت من الأساس.

قوات أمن عراقية تغلق الجسر المعلق المؤدي إلى المنطقة الخضراء (الشرق الأوسط)

الحال، أن الجميع كان قد تأكَّد له الخبر. تقول مصادر مطلعة إن غالبية قادة الأحزاب الشيعية، وقبل وقت قصير من موعد الإفطار مساء السبت، تلقت تأكيدات حاسمة بمقتل خامنئي. بعضهم «من شدة القلق أجرى اتصالات عديدة ليسأل عما يمكن أن يجري». ولم يكن للإيرانيين أدنى فكرة يمكن تمريرها لحلفائهم العراقيين.

النجف

في النجف، قالت المصادر إن المرجع الشيعي علي السيستاني كانت قد وصلت إلى مكتبه تأكيدات حاسمة أفادت بمقتل خامنئي، وبما يقوم به الإيرانيون من إجراءات من شأنها معالجة الصدمة قدر الإمكان. كما حصل زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر على إحاطة خاصة عن محاولات العثور على جثة خامنئي في موقع الهجوم بطهران، ثم تأكَّد له الخبر.

لكن المصادر تحدثت في وقت لاحق، عن أن قادة في الإطار التنسيقي مثل عمار الحكيم ونوري المالكي وآخرين اطلعوا على صور لجثة المرشد الإيراني.

غيمة بغداد

بحلول الحادية عشرة مساءً، انفض مجلس عمار الحكيم. بدا أن العاصمة بغداد تحت غيمة ثقيلة. عند مقتربات المنطقة الخضراء كان العشرات من أنصار إيران يحتشدون عند مداخلها، لا سيما المؤدية إلى السفارة الأميركية، حاملين أعلام إيران وفصائل مسلحة. كانوا غاضبين يهتفون للثأر.

بعد ساعة انتشرت صورة «عاجل» من محطات فضائية نقلاً عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب: «قُتل خامنئي». وسرت شائعات عن ساعة صفر لقصف السفارة الأميركية بعد الثانية عشرة، ولم يحدث ذلك.

المنطقة الخضراء

احتشد عناصر الأمن عند الجسور مع تجهيزات تكفي لفض مظاهرات وأكثر من ذلك. عند الصباح كان دخان القنابل المسيلة للدموع يغطي محيط المنطقة الخضراء، ووجوه الناس بين الحيرة والصدمة والقلق.

في التاسعة صباحاً يوم الأحد، قاد متظاهر جرَّافة بسرعة نحو بوابة كبيرة محصَّنة بالفولاذ تغلق الجسر المعلق. فشلت المحاولة التي كانت تبدو أنها تستهدف اقتحام السفارة الأميركية.

أحبطت الجرَّافة حتى قبل وصولها إلى البوابة، وسط هتافات الثأر «الموت لأميركا». في المحيط الأبعد عن مقتربات المنطقة الخضراء كانت أحياء بغداد حائرة بين طقوس رمضان الاعتيادية، واستثنائية الخبر. يسأل كثيرون عما إذا تندرج المدينة على لائحة الأهداف السريعة، بل السريعة جداً. كثيرون لم يرسلوا أولادهم إلى مدارسهم. في الحقيقة، لم تكن منشآت التربية والتعليم مفتوحة يوم الأحد.

الحداد الرسمي

لاحقاً، خلال النهار، أعلنت السلطات الحداد، ومحافظات عطلة رسمية.

بالنسبة لزعامات القوى الشيعية في بغداد، فإنهم نشأوا وكبروا وصاروا قادة وصناع قرار في ظلال عباءة المرشد. لا يمكن في اليوم الأول بعد مقتله وصف كيف يشعر كل واحد منهم، والأهم كيف يتخيل حياته السياسية المقبلة من دونه.

متظاهرون عراقيون متجهون إلى المنطقة الخضراء (الشرق الأوسط)

ما البديل؟

سمعت «الشرق الأوسط» من سياسي شيعي بارز كان مطلعاً على تقارير خاصة عن مصير المرشد منذ نهار الأحد، أن الأمر بالنسبة لهم يشبه «طائرة ركاب تحلق بسرعة عالية فوق السحاب، ثم يتحطم فجأة محركها (...) كيف نسقط؟ ما المحرك البديل؟ نحن الآن بعد خامنئي في حالة فقدان الجاذبية».

مع اقتراب موعد الإفطار يوم الأحد، يزداد عدد المتظاهرين الغاضبين عند مداخل المنطقة الخضراء. والسفارة الأميركية «تحذر من الاقتراب». كأن الجسر فوق نهر دجلة فاصل أخير بين «منتقم» و«متربص».

خلال الساعات الماضية، كانت بغداد تزدحم بالأسئلة؛ هل يبقى الشيعة الموالون بلا مرشد؟ هل ننتظر إيران تداوي أكبر وأخطر جراحها؟ وإن عادت متعافية، هل تبقى تمد ظلال العباءات فوق رؤوس حلفائها؟ كل شيء في بغداد مفتوح على كل شيء، في لحظة مؤهلة للصدام والانفجار وربما فرصة غير منظورة الآن لمعادلة جديدة.


مقالات ذات صلة

إحياء الربط السككي بين سوريا ولبنان... وربط بالعراق والخليج وتركيا

المشرق العربي وزير النقل يعرب بدر ووزير الأشغال العامة والنقل اللبناني فايز رسامني في مقر الوزارة بدمشق (سانا)

إحياء الربط السككي بين سوريا ولبنان... وربط بالعراق والخليج وتركيا

ناقش الوزيران السوري واللبناني تطوير حركة النقل بين البلدين وتعزيز الربط البري والسككي.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية محسن رضائي الأمين العام لـ«المجلس الأعلى للأمن القومي» الإيراني مستقبلاً في طهران رئيس القضاء العراقي فائق زيدان الثلاثاء (مهر)

«اعتقالات الفصائل» على طاولة التحالف الحاكم في بغداد

قال محسن رضائي، الأمين العام لـ«المجلس الأعلى للأمن القومي» الإيراني، الثلاثاء، إن بلاده تريد «عراقاً مستقلاً وقوياً»...

«الشرق الأوسط» (بغداد)
رياضة عربية الأسترالي غراهام أرنولد مدرب العراق (رويترز)

الاتحاد العراقي يمدد عقد المدرب أرنولد حتى 2027

قال الاتحاد العراقي لكرة القدم، الاثنين، إنه مدد عقد الأسترالي غراهام أرنولد مدرب المنتخب الأول حتى عام 2027.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي مستقبلاً الجنرال الألماني غونتر شنايدر والوفد المرافق (إكس)

الزيدي: العراق لن يكون محطة لإيذاء الآخرين

أكد الحكومة العراقية علي فالح الزيدي الحكومة العراقية بمقتضيات السلم الأهلي والتماسك المجتمعي وتطبيق القانون، و«العراق لن يكون محطة لإيذاء الآخرين».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي علي فالح الزيدي رئيس الوزراء العراقي خلال استقباله وفداً روسياً في بغداد (مكتب رئيس وزراء العراق)

الزيدي: العراق يسعى إلى تنمية مسارات التعاون مع روسيا في جميع المجالات

أكد رئيس وزراء العراق علي فالح الزيدي سعي حكومته إلى تنمية مسارات التعاون مع روسيا في جميع المجالات والقطاعات، خصوصاً في ظل المشتركات التاريخية بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (بغداد)

الكردية... من البيت إلى مادة تُدرّس للمرة الأولى في المدارس السورية

تعليم اللغة الكردية في سوريا (سانا)
تعليم اللغة الكردية في سوريا (سانا)
TT

الكردية... من البيت إلى مادة تُدرّس للمرة الأولى في المدارس السورية

تعليم اللغة الكردية في سوريا (سانا)
تعليم اللغة الكردية في سوريا (سانا)

تدخل اللغة الكردية مساراً تعليمياً رسمياً ومنظماً في المدارس السورية مع بدء العام ‌‏الدراسي 2026 - 2027، تنفيذاً للمرسوم رقم 13 لعام 2026 والتعليمات التنفيذية ‌‏الصادرة عن وزارة التربية والتعليم التي اعتمدتها مادة اختيارية بمعدل حصتين ‌‏أسبوعياً، في خطوة تهدف إلى صون الحقوق الثقافية واللغوية وتعزيز التنوع في ‌‏إطار الهوية الوطنية السورية الجامعة، بحسب وكالة الأنباء الرسمية (سانا).

ويستند تدريس اللغة الكردية إلى المرسوم رقم 13 الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع ‌‏في 16من يناير (كانون الثاني) 2026، ونص في مادته الأولى على أن المواطنين ‌‏السوريين الكرد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية ‌‏واللغوية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة. ‏كما نصت المادة الثالثة من المرسوم على اعتبار اللغة الكردية لغة وطنية، والسماح ‌‏بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق التي يشكل الكرد فيها نسبة ‌‏ملحوظة من السكان، ضمن المناهج الاختيارية أو كنشاط ثقافي تعليمي.‏

عانى الكرد في سوريا على مدى أكثر من نصف قرن من سياسات تمييز وإقصاء، ‌‏برزت بصورة واضحة عقب إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة، وما ترتب ‌‏عليه من حرمان آلاف المواطنين من الجنسية السورية، وفرض قيود على ممارسة ‌‏حقوقهم المدنية والسياسية.‏

وتفاقمت هذه السياسات بعد استيلاء حزب البعث المنحل على السلطة عام 1963، ‌لا سيما عقب انقلاب حافظ الأسد عام 1970، لتترسخ على مدى عقود حالة ‌‏من الإقصاء القانوني والثقافي واللغوي.‏

وفي 26 من يناير الماضي، أصدرت وزارة التربية والتعليم التعليمات ‌‏التنفيذية الخاصة بتطبيق أحكام المرسوم رقم 13، واعتمدت الخطة الدراسية أن تكون اللغة الكردية مادة اختيارية للطلاب، تُدرس ‏بمعدل حصتين أسبوعياً في جميع الصفوف، وتُسجل درجة المادة في المجموع العام، ‏من دون أن تؤثر نتيجتها في النجاح أو الرسوب، ما يتيح للطالب فرصة تعلم اللغة ‏الكردية دون أن تتحول المادة إلى عامل ضغط دراسي إضافي.‏

ستة أشهر لإعداد المناهج

وبموجب التعليمات، كُلف المركز الوطني لتطوير المناهج التربوية بإعداد مناهج ‌‏مادة اللغة الكردية لجميع المراحل التعليمية خلال مدة لا تتجاوز ستة أشهر، على أن ‌‏تستكمل عمليات الإعداد والاعتماد والطباعة قبل بدء العام الدراسي 2026 - 2027.‏ كما كُلفت مديريتا التعليم والإشراف التربوي بتأمين الكوادر اللازمة للتدريس من ‌‏داخل الملاك أو خارجه، مع إخضاع المتقدمين لاختبارات كتابية وشفهية للتحقق من ‌‏إتقانهم اللغة الكردية، وتنظيم برامج تدريب وتأهيل للمدرسين المكلفين بتدريسها.‏في 29 من يناير، بدأ المركز الوطني لتطوير المناهج التربوية العمل ‏على إعداد وتأليف مناهج اللغة الكردية لمختلف المراحل الدراسية، بعد تشكيل لجنة ‏متخصصة تضم خبراء لغويين وتربويين من مختلف المحافظات.‏

ينظم المعهد العالي للغات في جامعة دمشق دورات لتعليم اللغة الكردية (سانا)

وفي الخامس من مارس (آذار) الماضي، أعلن المركز الوطني لتطوير المناهج التربوية فتح باب ‌‏استقبال طلبات العاملين من داخل الملاك وخارجه الراغبين بالمشاركة في تأليف ‌‏مناهج اللغة الكردية، وفق شروط شملت الحصول على إجازة جامعية ودبلوم تأهيل ‌‏تربوي، وإتقان اللغة الكردية قراءة وكتابة وقواعد، إلى جانب امتلاك خبرة في ‌‏تأليف المناهج التربوية.‏

وفي 17 من أغسطس (آب) الجاري، أعلنت وزارة التربية والتعليم، عبر مديرية التنمية ‌‏الإدارية، رغبتها باستقطاب مدرسين لتدريس اللغة الكردية من داخل الملاك أو ‌‏خارجه، ممن تتوافر فيهم الشروط والمؤهلات المطلوبة، وفق الحاجة الفعلية.‏

وأوضح وزير التربية والتعليم محمد عبد الرحمن تركو، أن المرسوم رقم 13 يمثل ‌‏انتقالاً نوعياً في الإطار التاريخي للتعامل مع القضية الكردية في سوريا، ويرسخ ‌‏مبدأ المواطنة القائم على الحقوق والواجبات في بناء سوريا الجديدة.‏

وأضاف تركو أن الوزارة بدأت تنفيذ المرسوم من خلال إعداد المناهج وتأمين ‌‏الكوادر، لتشمل العملية مختلف الجغرافيا السورية، بما فيها شرق سوريا، مشدداً ‌‏على أن الوزارة تعمل على أن تكون المدرسة مساحة للانتماء الوطني، لا للتمييز ‌‏والإقصاء.‏

تلميذات داخل فصل دراسي يتفاعلن مع درس باللغة الكردية في مدرسة بالحسكة (أرشيفية - الشرق الأوسط)

من جانبه، أكد الباحث في الشأن الكردي محمد السليمان، في تصريح لـ«سانا»، أن تعلم اللغة الأم لأي مكون من مكونات المجتمع حق يتيح لأبنائه تعلمها قراءة وكتابة وقواعد، والاطلاع على أدبها والإبداع بها.وأوضح السليمان أن اللغة تحمل الثقافة والذاكرة بما تضمّه من أمثال وحكايات وشعر وعادات وتقاليد، مشيراً إلى أن اللغة الكردية تعرضت للتهديد جراء السياسات الإقصائية التي اتبعها النظام البائد. ورأى أن تدريسها رسمياً يمنحها وضعاً قانونياً يحميها من الاندثار، ويوفر المجال لتطورها ونموها، ويعزز الكتابة والإبداع بها.

المناهج والكوادر.. تحديات التطبيق

وحول تحديات تدريس اللغة الكردية، رأى السليمان أن إعداد مناهج موحدة يأتي في مقدمتها، إلى جانب محدودية الكوادر المتخصصة، مقترحاً البدء تدريجياً بمناهج المرحلة الابتدائية وتطويرها لاحقاً، مع تأهيل كوادر قادرة على تدريسها. وأكد السليمان أن تدريس اللغة الكردية يعزز الهوية الثقافية واللغوية والانتماء الوطني، ويوفر مساحة للغة والثقافة داخل المدرسة، مشيراً إلى أن تعلم لغة إضافية في سن مبكرة يدعم اكتساب اللغات، ويجعل التنوع اللغوي والثقافي رافداً للهوية الوطنية السورية الجامعة.


مزايدات انتخابية إسرائيلية على جبهة الضفة الغربية

القوات الإسرائيلية تعتقل فلسطينياً خلال مداهمة مركز تابع لـ«الأونروا» جنوب رام الله بالضفة الغربية يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)
القوات الإسرائيلية تعتقل فلسطينياً خلال مداهمة مركز تابع لـ«الأونروا» جنوب رام الله بالضفة الغربية يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

مزايدات انتخابية إسرائيلية على جبهة الضفة الغربية

القوات الإسرائيلية تعتقل فلسطينياً خلال مداهمة مركز تابع لـ«الأونروا» جنوب رام الله بالضفة الغربية يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)
القوات الإسرائيلية تعتقل فلسطينياً خلال مداهمة مركز تابع لـ«الأونروا» جنوب رام الله بالضفة الغربية يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

لا يجد المسؤولون الإسرائيليون أفضل من الضفة الغربية ساحةً للمزايدات الانتخابية، في ظل تنافس مستعر قبل شهرين من الانتخابات المقررة في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

ومع ارتفاع حمى المنافسة وتراجع أسهم الحكومة الحالية في الاستطلاعات، اقتحم الوزير المتطرف إيتمار بن غفير على رأس قوات إسرائيلية وبحضور وسائل إعلام مقر وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في منطقة «قلنديا» بين القدس ورام الله، وأعلن «السيطرة على المكان»، بينما اقتحم عضو الكنيست تسفي سوكوت قرية «مادما» في نابلس وراح يهدم بيده أمام الكاميرا نصباً تذكارياً لمقاتلين فلسطينيين.

وجلب بن غفير قوات الشرطة الإسرائيلية والقناة 14 اليمينية واقتحم المقر قائلاً إنه يصنع التاريخ، مؤكداً أن إسرائيل «لن تسمح لأي منظمة تورَّط مستخدموها في (الإرهاب) أو (شكّلوا غطاء لحماس) بأن تعمل أو تبقى مفتوحة في أي مكان هنا».

موظف في مركز قلنديا للتدريب التابع لـ«الأونروا» بالقرب من مخيم قلنديا للاجئين شمال القدس يوم الاثنين (إ.ب.أ)

ونشر الوزير المتطرف عبر حسابه صورة للعلم الإسرائيلي الذي رُفع على مقر «الأونروا» في قلنديا، وأرفقها بعبارة «الأونروا بأيدينا».

كانت تحقيقات أممية لـ«الأونروا» قد خلصت إلى عدم صحة اتهامات ومزاعم إسرائيل بتورط واسع للوكالة وموظفيها في هجوم السابع من أكتوبر 2023، وقالت إن إسرائيل لم تقدم أدلة. ومع ذلك فقد قررت فصل عدد محدود من موظفيها على خلفية علاقتهم بـ«حماس».

وأدانت الأونروا «التوغل غير المصرح به والمثير للقلق العميق» في مركز تدريب قلنديا، كما أدانت السلطة الفلسطينية والفصائل والمؤسسات والوزارات الاقتحام، فيما دعت الرئاسة الفلسطينية مجلس الأمن الدولي إلى «الانعقاد بشكل عاجل، وتحمل مسؤولياته القانونية والسياسية، واتخاذ قرارات وإجراءات ملزمة لوقف الاعتداءات الإسرائيلية على مقرات ومؤسسات الأمم المتحدة في القدس وقلنديا».

ومطلع عام 2025، أغلقت إسرائيل المقر الرئيسي لوكالة «الأونروا» في حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية، ثم أعلنت مصادرته، بعد قرار للكنيست حظر «الأونروا» في إسرائيل.

والمقر الذي اقتحمه بن غفير وتمت السيطرة عليه بعد طرد جميع الموظفين، هو مركز تدريب مهني يقدم 16 تخصصاً، للطلاب اللاجئين، بشكل مجاني.

ويحتل المركز مساحة 80 دونماً، قدمتها الحكومة الأردنية عام 1952 للأمم المتحدة ويضم ورش عمل تدريبية وغرفاً صفّية ومساكن داخلية ومباني إدارية.

هدم نصب تذكاري

وفيما كان بن غفير يقتحم مقر «الأونروا» مستعرضاً ومتباهياً، ذهب عضو الكنيست تسفي سوكوت من حزب «الصهيونية الدينية»، إلى قرية مادما قرب نابلس، محاطاً بالجيش، وبدأ بهدم نصب تذكاري، كان قد أُقيم لتخليد ذكرى مقاتلين فلسطينيين. وقال سوكوت إنه حضر بنفسه لهدم النصب بعد أن لم يستجب الجيش الإسرائيلي لطلبه، بإزالة نصب تذكارية في الضفة.

وأظهرت لقطات فيديو سوكوت وهو يهدم النصب فيما يشاهده جنود إسرائيليون، مما أثار عاصفة في إسرائيل وانتقادات حادة لسوكوت والجيش، استدعت رداً قوياً من الحكومة والمعارضة والجيش الذي اتهم سوكوت بـ«التلاعب والخداع، والتصرف من دون صلاحيات وبشكل مخالف للتفاهمات».

النائب المتطرف سوكوت يهدم نصباً تذكارياً بيده في «مادما» بنابلس بالضفة الغربية (مكتب سوكوت)

ودعم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بن غفير، وقال إنه تصرف وفقاً لتوجيهاته، وإنه إضافةً إلى إخلاء مقر «الأونروا» بالكامل ستتخذ إجراءات ضد الوكالة بكل الوسائل، لكنه لم يقرّ دعماً لتصرف سوكوت.

وقال نتنياهو رداً على الحادثة في «مادما»: «إن الجيش الإسرائيلي هو صاحب السيادة في يهودا والسامرة (الضفة الغربية)، وهو المسؤول عن تنفيذ قرارات القيادة السياسية. وإن أخذ القانون باليد، خصوصاً من الشخصيات العامة، أمر غير مقبول، ويَحول دون تركيز الجيش الإسرائيلي على مهامه في مكافحة الإرهاب والتحريض».

كما قال وزير الخارجية جدعون ساعر إن «عضو الكنيست سوكوت ليس صاحب السيادة في أراضي يهودا والسامرة».

وشنت المعارضة الإسرائيلية هجوماً عنيقاً على سوكوت والحكومة، وقال رئيس حزب الديمقراطيين يائير غولان، إن سوكوت يحاول إشعال فتيل حرب جديدة بيديه. هذا رجل مكانه السجن، لا الكنيست الإسرائيلي».

وقال رئيس حزب «معا» نفتالي بينيت: «إن حكومة الفوضى تُلحق الضرر بأمن إسرائيل ومكانتها في العالم من أجل حصد المشاهدات على (تيك توك)». وقال رئيس حزب «يشار»، غادي آيزنكوت، «إن نتنياهو يفكك النظام في الضفة، وإن سلوك سوكوت مخزٍ».

وجاء رد معارض أيضاً من الجيش لكن من بوابة حفاظه على صلاحياته، وقال إن سوكوت والذين معه عملوا بطريقة كاذبة ومضللة، من دون صلاحية وبخلاف مطلق للخطة التي تم التصديق عليها، وإن الجيش أوقف هدم النصب.

وأكد مسؤولون كبار في الجيش لصحيفة «معاريف»، إن «بن غفير وسوكوت يريدان تأجيج الوضع وإشعال انتفاضة ثالثة قبل الانتخابات».

القوات الإسرائيلية تنتشر خلال مداهمة مركز التدريب المهني التابع لوكالة «الأونروا» جنوب رام الله في الضفة الغربية الثلاثاء (أ.ف.ب)

ووصف ناطق باسم الجيش تصرف سوكوت بأنه خطير واستغلال لقوات الأمن التي رافقته لتأمينه. وقال الناطق إن الجيش هو الذي يجب أن يهدم النصب والرموز التحريضية وهو يقوم بذلك وفق صلاحيات محددة. واعتبرت وسائل إعلام إسرائيلية أن رد الجيش يختصر غضبه الكبير في الآونة الأخيرة من المستوى السياسي في إسرائيل.

وحذّر مسؤولون أمنيون كبار الثلاثاء من أن الضفة الغربية على وشك اندلاع انتفاضة ثالثة بها، واتهموا جهات سياسية بمحاولة تأجيج التوترات قبيل الانتخابات.

ونقلت هيئة البث «كان» عن المسؤولين قولهم إن أنشطة بن غفير في قلنديا وسوكوت في قرية مادما قد تُشعل فتيل الأزمة في المنطقة وتؤدي إلى انتفاضة ثالثة.

وقال مصدر أمني: «هناك محاولة لإثارة الفتن في الضفة الغربية واستغلال جنود الجيش الإسرائيلي سياسياً. ولتهدئة الوضع، نضطر لتعزيز قواتنا. إنها ساحة قابلة للانفجار في أي لحظة، وبدلاً من تهدئتها، يُزيد الوزراء وأعضاء الكنيست الطين بلة».


كاتس يزور قواته في سوريا ويتعهد إبقاءها «ما دامت هناك تهديدات»

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (د.ب.أ)
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (د.ب.أ)
TT

كاتس يزور قواته في سوريا ويتعهد إبقاءها «ما دامت هناك تهديدات»

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (د.ب.أ)
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (د.ب.أ)

أجرى وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس زيارة نادرة لقواته في جنوب سوريا اليوم الثلاثاء، مجدداً تعهده إبقاءها في المنطقة طالما ظلت هناك «تهديدات» لأمن بلاده، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

تأتي الزيارة بعد أسبوع من قصف إسرائيل لقاعدة أبو الظهور الخارجة عن الخدمة في شمال غربي سوريا، بدعوى أنها أرادت منع نشر قوات تركية في المنشأة. وقد نفت أنقرة إرسال أي وفد للقاعدة.

وتتمركز في جنوب سوريا قوات إسرائيلية في «منطقة أمنية» منذ سقوط حكم بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وتنتشر القوات الإسرائيلية في المنطقة العازلة التي تخضع لدوريات الأمم المتحدة، وكانت تفصل منذ العام 1974 بين القوات الإسرائيلية والسورية في هضبة الجولان السورية التي تحتلها إسرائيل.

وقال كاتس: «يوجد نشاط يومي هنا لإحباط التهديدات، والقضاء على فلول النظام القديم، ومنع ترسيخ النظام الجديد بشكل خطير»، بحسب بيان مصور صادر عن مكتبه.

وأضاف: «الرسالة واضحة أيضاً للرئيس السوري: عندما تستيقظ صباحاً في قصرك بدمشق، وتنظر نحو جبل حرمون (جبل الشيخ) وترى الجيش الإسرائيلي، فأنت تدرك أننا هنا لحماية بلداتنا وحدودنا».

وتابع كاتس: «ما دامت هناك تهديدات، فسيظل الجيش الإسرائيلي هنا لضمان أمننا، فهذا ما قمنا به، وهذا ما نعتزم مواصلة القيام به في المستقبل».

وشنّت إسرائيل مئات الضربات في سوريا منذ سقوط الأسد، وتوغلت مراراً داخل الأراضي السورية.

كما تعهد مسؤولون إسرائيليون مراراً إبقاء قوات في «المنطقة الأمنية»، حيث تسعى إسرائيل إلى إقامة منطقة أوسع منزوعة السلاح.

وزار رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجنرال إيال زامير القوات في المنطقة الأسبوع الماضي، مؤكداً أن الجيش لن يسمح بأن «تترسخ» تهديدات على الحدود.

وخلال زيارته الثلاثاء، تطرق كاتس إلى الضربة التي استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية، قائلاً إن إسرائيل «تحركت ضد محاولة من تركيا لترسيخ وجودها في سوريا، بما يهدد المصالح الأمنية الإسرائيلية».

ودانت سوريا اليوم «الدخول غير الشرعي» لكاتس إلى أراضيها، بعد زيارة نادرة أجراها لقواته المتمركزة في جنوب البلاد.

ونددت وزارة الخارجية السورية في بيان بـ«الدخول غير الشرعي» لكاتس «وتخطيه الحدود الدولية للجمهورية العربية السورية، في انتهاك سافر لسيادة البلاد، ووحدة أراضيها». ودعت المجتمع الدولي لاتخاذ «الإجراءات اللازمة لإجبار سلطات الاحتلال على وقف الانتهاكات المتكررة».