«مانيفستو العُلا» يُنهي حقبة «التبعية» للاقتصادات الناشئة

بيان ختامي مشترك بين الجدعان وغورغييفا حدّد سياسات لدعم صمود هذه الأسواق

صورة جماعية للمشاركين في مؤتمر العلا (إكس)
صورة جماعية للمشاركين في مؤتمر العلا (إكس)
TT

«مانيفستو العُلا» يُنهي حقبة «التبعية» للاقتصادات الناشئة

صورة جماعية للمشاركين في مؤتمر العلا (إكس)
صورة جماعية للمشاركين في مؤتمر العلا (إكس)

لم يكن البيان المشترك الصادر عن وزير المالية السعودي محمد الجدعان، والمديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، في ختام «مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة»، مجرد توثيق روتيني لانتهاء الفعاليات؛ بل جاء ليعلن عمَّا يمكن وصفه بـ«مانيفستو العُلا» الاقتصادي الجديد الخاص بالاقتصادات الناشئة.

ولمن يتساءل عن ماهية «المانيفستو»؛ فهو في العُرف السياسي والاقتصادي «وثيقة مبادئ علنية» تُحدد أهدافاً استراتيجية ونيّات حاسمة لإحداث تغيير جذري في واقع قائم. وفي قلب العُلا، لم يكن هذا البيان مجرد كلمات، بل كان «ميثاقاً» يضع خريطة طريق لإنهاء حقبة «التبعية الاقتصادية» وتأسيس عهد تكون فيه الاقتصادات الناشئة هي القائد لا التابع.

التحليل العميق لمخرجات هذا «المانيفستو» يكشف عن تحول جذري: فالاقتصادات الناشئة لم تعد «الخاصرة الضعيفة» التي تئنّ تحت وطأة أزمات الدول المتقدمة، بل تحوّلت إلى «صمّام أمان» يقود اليوم 70 في المائة من النمو العالمي.

لقد أبرز مؤتمر العُلا الصمود الاستثنائي للاقتصادات الناشئة في وجه العواصف الجيوسياسية، بالتقاطع مع إطلاق تنبيه صارم مفاده أن «هذا ليس وقت التراخي». وفي البيان الختامي الصادر عن الجدعان وغورغييفا، تم التأكيد أن المؤتمر في نسخته الثانية رسَّخ مكانته منتدىً عالمياً مخصصاً يركز على التحديات والفرص المشتركة.

كما شدد الجدعان وغورغييفا على أن المرحلة المقبلة تفرض «ضرورة ملحة لتعزيز أطر السياسات والمؤسسات لدعم قدرة الاقتصادات الناشئة على الصمود واستغلال الفرص الكامنة، خصوصاً في ظل بيئة عالمية يكتنفها عدم يقين مستمر، وتحولات جيوسياسية عميقة، وتغير متسارع في أنماط التجارة العالمية والتكنولوجيا».

وقال البيان: «على مدى اليومين الماضيين، ركّزت المناقشات على كيفية تمكّن اقتصادات الأسواق الناشئة من التعامل مع بيئة عالمية تتسم باستمرار حالة عدم اليقين، والتحولات الجيوسياسية، وتغيّر أنماط التجارة، والتطور التقني المتسارع. وتُبرز هذه التحولات العميقة الحاجة الملحّة إلى تعزيز أطر السياسات والمؤسسات بما يدعم القدرة على الصمود ويُمكّن من اغتنام الفرص المتاحة في المرحلة المقبلة».

كسر قاعدة «الزكام» التاريخية

أبرزت مخرجات المؤتمر رسالة جوهرية وهي كسر القاعدة التاريخية التي تقضي بإصابة الأسواق الناشئة بـ«الزكام» كلما عطست الدول المتقدمة. فقد أشار البيان إلى أن الأطر السياساتية الموثوقة التي تبنتها هذه الدول جعلتها أكثر صموداً في وجه التضخم وتقلبات العملات، مما حافظ على قدرتها على النفاذ إلى الأسواق العالمية حتى في ظل ذروة عدم اليقين.

الجلسة الختامية للمؤتمر التي ضمت الجدعان وغورغييفا (إكس)

الإصلاحات

كما حدد البيان المشترك أن التحدي الحقيقي الآن ليس مجرد «البقاء» بل «الازدهار» والانطلاق إلى المرحلة التالية من الإصلاحات، وهي الإصلاحات التي تحقق نمواً أعلى وأكثر استدامة وزيادة بفرص العمل. وهنا تبرز ركائز المرحلة المقبلة التي تتجاوز استقرار المؤشرات الكلية إلى تحسين مستوى معيشة الشعوب عبر:

  • إطلاق عنان القطاع الخاص بوصفه المحرك الأساسي، مع ضرورة تقليل البيروقراطية وتعميق الأسواق المالية.
  • الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية.
  • الاستثمار في «الإنسان»: تأهيل الشباب في الدول الناشئة ليكونوا وقوداً لسوق العمل العالمية المتغيرة، وليس مجرد عبء ديمغرافي.

كما بعث المؤتمر برسالة مفادها أنه في ظل التحولات المتسارعة في أنماط التجارة والاستثمار، فإن تعميق التكامل داخل الإقليم وبين الأقاليم المتعددة يوفر فرصاً واعدة ومهمة. ويبقى تمكين التجارة وتعزيز التعاون الإقليمي أمرين أساسيين لاقتصادات الأسواق الناشئة في إطار تكيفها مع المشهد الاقتصادي العالمي المتغير.

تحذير من فخ الظروف المواتية

توازياً مع البيان الختامي، قدم الجدعان وغورغييفا في مقال تحليلي مشترك نشرته «بروجيكت سينديكيت» (Project Syndicate) العالمية، قراءة نقدية لمستقبل الأسواق الناشئة. وقد انطلق المقال من حقيقة تاريخية تغيرت؛ فبينما كان يُقال قديماً: «إذا عطست الاقتصادات المتقدمة، أصيبت الأسواق الناشئة بالزكام»، أثبتت الأزمات الأخيرة -من تضخم ما بعد جائحة «كورونا»، إلى موجات التعريفات الجمركية- أن الأسواق الناشئة باتت تمتلك حصانة ذاتية، حيث استقرت عملاتها، وتباطأ التضخم فيها، وبقيت تكاليف ديونها تحت السيطرة.

ورغم هذا الصمود، حدد الجدعان وغورغييفا «نقاط اليقظة» في أربعة محاور استراتيجية:

أولاً- حذر من «فخ التراخي» والمكاسب الهشة: أكد الجدعان وغورغييفا أن هذا ليس وقت الركون للهدوء.

ثانياً- التحول من «الدفاع» إلى «الهجوم» عبر الإصلاحات: أشاد الجدعان وغورغييفا بنماذج إصلاحية ناجحة؛ مثل البرازيل التي كانت سباقة في رفع الفائدة لمواجهة التضخم، ونيجيريا التي أصلحت نظام تسعير الطاقة، ومصر التي توسع قاعدتها الضريبية وتعتمد الرقمنة. وشددا على أن الصمود لا يترجَم تلقائياً إلى نمو، بل تجب الموازنة بين سياسات تعزيز النمو والحفاظ على «الهوامش المالية» (الاحتياطيات) للحماية من التقلبات.

ثالثاً- الذكاء الاصطناعي والاستثمار في «العنصر البشري»: دعا الجدعان وغورغييفا الدول الناشئة إلى الاقتداء بـالسعودية والهند ودول الخليج في استثماراتها الضخمة في البنية التحتية الرقمية، ووصفاها بالأساس الضروري لتبني الذكاء الاصطناعي. كما ركزا على «العائد الديمغرافي»، مؤكداً أن السكان الشباب هم «أصول اقتصادية» هائلة، لكن بشرط الاستثمار المكثف في تعليمهم وتدريبهم لمواجهة تحديات سوق العمل العالمية.

رابعاً- «التكامل» في مواجهة «التشرذم الجيوسياسي»: أقر الجدعان وغورغييفا بأن التوترات في التحالفات القديمة خلقت حالة من عدم اليقين، لكنها في المقابل خلقت فرصاً لأنماط جديدة من التعاون. وأشارا إلى أن دولاً في جنوب شرق آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية بدأت بالفعل في صياغة روابط تجارية ومالية أعمق، مما يجعل «التعاون الإقليمي» أداة بقاء وازدهار في ظل تراجع العولمة التقليدية.

واختتم الجدعان وغورغييفا بيانهما المشترك بالإعراب عن التقدير للالتزام الذي أبدته اقتصادات الأسواق الناشئة بالتكاتف وتبادل الخبرات واتخاذ خطوات حاسمة لمواجهة التحديات العالمية، متطلعَين إلى مواصلة هذه المناقشات والبناء على هذا الزخم في النسخ المقبلة من مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة.

إن «مانيفستو العُلا» لم يعد مجرد كلمات في ختام مؤتمر، بل هو تعهد دولي بصياغة مستقبل يقوده «المحرك السيادي» للاقتصادات الناشئة، متطلعين إلى بناء زخم أكبر في النسخ المقبلة من هذا المنتدى العالمي الفريد.


مقالات ذات صلة

«فوجي فيلم» لـ«الشرق الأوسط»: الطباعة في السعودية تدخل منظومة حوكمة المعلومات

خاص تتحول الطباعة في السعودية من وظيفة مكتبية إلى جزء من منظومة أمن المعلومات والحوكمة المؤسسية (أدوبي)

«فوجي فيلم» لـ«الشرق الأوسط»: الطباعة في السعودية تدخل منظومة حوكمة المعلومات

تتحول الطباعة في السعودية إلى منظومة آمنة لإدارة المعلومات تربط الورق بالأنظمة الرقمية وتدعم الحوكمة والتتبع والامتثال المؤسسي بكفاءة متزايدة.

نسيم رمضان (لندن)
يوميات الشرق مشروع «بوليفارد بيزنس بارك» يأتي ضمن منطقة «بوليفارد سيتي» في الرياض (هيئة الترفيه)

«بوليفارد بيزنس بارك»... أول مقر ترفيهي ومنتجع أعمال في السعودية

أعلن المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه بالسعودية، اكتمال الأعمال بمشروع «بوليفارد بيزنس بارك»؛ أول مقر ترفيهي ومنتجع أعمال بالبلاد.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد على هامش توقيع الاتفاقيات بين السعودية وكندا (الشرق الأوسط)

السعودية وكندا… شراكة تتجاوز التجارة إلى الاستثمار الاستراتيجي

تدخل العلاقات الاقتصادية بين السعودية وكندا مرحلة جديدة تتجاوز التبادل التجاري التقليدي نحو بناء شراكات استثمارية طويلة الأجل، مدفوعة بتقاطع المصالح الاقتصادية.

سعيد الأبيض (جدة)
الاقتصاد صورة جماعية للمشاركين في «ملتقى الاستثمار السعودي الكندي» (الشرق الأوسط)

رئيس وزراء كندا: السعودية أحد أهم أعمدة الاقتصاد العالمي

أكد رئيس وزراء كندا، مارك كارني، أن السعودية باتت تمثل اليوم أحد أهم أعمدة الاقتصاد في العالم، مشيداً بالتسارع الكبير الذي يشهده النمو الاقتصادي السعودي.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الاقتصاد اللقاء بين رئيس وزراء كندا ووزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي (إكس)

الخريّف يتباحث مع رئيس وزراء كندا في جدة لتعميق التعاون الصناعي والتعديني

التقى وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي، بندر الخريّف، برئيس وزراء كندا، مارك كارني، وجرى بحث فرص تعميق التعاون الصناعي والتعديني بين المملكة وكندا.

«الشرق الأوسط» (جدة)

الجنيه الإسترليني يبلغ ذروة شهر أمام الدولار... وعام أمام اليورو

أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)
أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)
TT

الجنيه الإسترليني يبلغ ذروة شهر أمام الدولار... وعام أمام اليورو

أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)
أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)

ارتفع الجنيه الإسترليني، يوم الجمعة، إلى أعلى مستوى له في نحو شهر مقابل الدولار، وإلى أعلى مستوى له في عام أمام اليورو، وسط ترقُّب الأسواق لاحتمال تحرُّك البنوك المركزية في مواجهة التَّطوُّرات الأخيرة في أسعار الطاقة، عقب الارتفاعات الناجمة عن التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.

وارتفع الجنيه الإسترليني إلى 1.345 دولار، وهو أعلى مستوى له منذ 15 يونيو (حزيران)، مُسجِّلاً مكاسب بنسبة 0.1 في المائة، وفق «رويترز».

وفي المقابل، تراجع اليورو إلى 85.18 بنس، وهو أدنى مستوى له مقابل الجنيه الإسترليني منذ أواخر يونيو 2025، قبل أن يقلص خسائره ليستقر دون تغير يُذكر.

وعزا محللون قوة الجنيه الإسترليني خلال الأسابيع الأخيرة إلى مجموعة من العوامل، من بينها الأداء الاقتصادي الذي تجاوز التوقعات، وزيادة عمليات استحواذ الشركات الأجنبية على شركات بريطانية، واستقرار المشهد السياسي، إلى جانب توجهات «بنك إنجلترا» بشأن السياسة النقدية.

وقال باري فان دير لان، كبير استراتيجيي العملات الأجنبية لدى «مونكس» أوروبا، إن تصريحات كبير الاقتصاديين في «بنك إنجلترا» هيو بيل، مساء الخميس، والتي أشارت إلى احتمال الحاجة لمزيد من رفع أسعار الفائدة، من المرجح أن تقدِّم دعماً إضافياً للجنيه الإسترليني خلال تعاملات الجمعة.

وأضاف فان دير لان: «عزَّزت هذه التصريحات قناعة الأسواق بأنَّ (بنك إنجلترا) لا يزال أقل استعداداً للتسامح مع التضخم مقارنة بالاحتياطي الفيدرالي أو البنك المركزي الأوروبي».

لكنه أوضح أنه، في ظلِّ غياب بيانات اقتصادية بريطانية رئيسية، فمن المرجح أن يتأثر أداء الجنيه الإسترليني بدرجة أكبر بتحركات الدولار عالمياً، وأسعار النفط، والتطورات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

وكان صندوق النقد الدولي قد رفع هذا الأسبوع توقعاته لنمو الاقتصاد البريطاني، متوقعاً نمواً بنسبة 1 في المائة في عام 2026. كما تحسَّنت آفاق الاقتصاد البريطاني، بوصفه مستورداً رئيسياً للطاقة، بعد الاتفاق الأميركي - الإيراني الذي تمَّ التَّوصُّل إليه في يونيو، وما أعقبه من انخفاض في أسعار النفط.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أنَّ بريطانيا ستكون ثالث أسرع اقتصادات مجموعة السبع نمواً هذا العام، بعد كندا والولايات المتحدة، متقدمة بذلك على اقتصادات منطقة اليورو.

ومع ذلك، ارتفعت أسعار النفط بنحو 5 في المائة خلال الأسبوع، مدفوعة بتبادل الضربات بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب إلغاء واشنطن إعفاءً تجارياً كان يسمح ببعض التعاملات مع إيران.

واستقر خام برنت قرب 76 دولاراً للبرميل، رغم بقائه بعيداً عن ذروته المسجلة في أبريل (نيسان) عند 126 دولاراً للبرميل.

وعلى الصعيد السياسي، خطا عمدة مانشستر الكبرى السابق، أندي بيرنهام، خطوةً مهمةً نحو تولي قيادة الحكومة البريطانية يوم الخميس، بعد حصوله على دعم أغلبية نواب حزب «العمال» لخلافة كير ستارمر.

وأشار بعض المحللين إلى أنَّ وضوح الرؤية بشأن القيادة المقبلة، إلى جانب التزام بيرنهام بالقواعد المالية العامة، قدَّما دعماً محدوداً للجنيه الإسترليني، محذرين في الوقت ذاته من احتمال تصاعد تقلبات الأسواق البريطانية مع بدء تنفيذ سياساته الاقتصادية.


محافظ «المركزي التركي» يحذر من مخاطر ارتفاع التضخم الأساسي مع استمرار تباطؤ الاقتصاد

محافظ البنك المركزي التركي فاتح كاراهان يتحدث خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول (رويترز)
محافظ البنك المركزي التركي فاتح كاراهان يتحدث خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول (رويترز)
TT

محافظ «المركزي التركي» يحذر من مخاطر ارتفاع التضخم الأساسي مع استمرار تباطؤ الاقتصاد

محافظ البنك المركزي التركي فاتح كاراهان يتحدث خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول (رويترز)
محافظ البنك المركزي التركي فاتح كاراهان يتحدث خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول (رويترز)

قال محافظ البنك المركزي التركي فاتح كاراهان، في عرض تقديمي يوم الجمعة، إن الارتفاع الأخير في معدل التضخم الأساسي في البلاد يشكل مخاطر صعودية على مسار التضخم على المدى القريب، في وقت يواصل فيه النشاط الاقتصادي التباطؤ بفعل تشديد الأوضاع المالية.

ضغوط من أسعار الغذاء والطاقة

وأشار العرض التقديمي إلى أن التطورات المرتبطة بعوامل العرض في أسعار الغذاء والطاقة شكلت ضغوطاً صعودية على التضخم الرئيسي. وفي قطاع الخدمات، أوضح أن تراجع الجمود السعري، ولا سيما في بنود الإيجارات والتعليم، ساهم في دعم مسار خفض التضخم.

وأضاف البنك المركزي أن تضخم السلع الأساسية شهد في الفترة الأخيرة بعض التحركات الصعودية مجدداً، لكنه يتوقع تراجع الضغوط الناجمة عن التكاليف خلال الفترة المقبلة. كما أكد أن ارتفاع التضخم الأساسي لا يزال يشكل مصدر مخاطر بالنسبة للتوقعات قصيرة الأجل.

استمرار تباطؤ النشاط الاقتصادي

ولفت عرض كاراهان إلى استمرار اتجاه تباطؤ النشاط الاقتصادي، مشيراً إلى فقدان الناتج المحلي الإجمالي بعض الزخم، في حين بقي معدل استخدام الطاقة الإنتاجية دون متوسطاته التاريخية.

وأوضح أن المؤشرات الرائدة المتعلقة بمبيعات التجزئة، وإنفاق البطاقات المصرفية، ومبيعات السيارات، والإنفاق على السلع المعمرة تشير إلى تباطؤ الطلب المحلي، كما أشار إلى استمرار تباطؤ نمو القروض.

تحسن في ميزان الحساب الجاري

أشار كاراهان إلى تقلص عجز التجارة الخارجية خلال الربع الثاني، موضحاً أن الصادرات حافظت على قوتها، وأن ارتفاع إيرادات السياحة وأعداد الزوار ساهم في دعم ميزان الحساب الجاري.

وأكد البنك المركزي أن نسبة عجز الحساب الجاري إلى الناتج المحلي الإجمالي بقيت أقل من متوسطاتها التاريخية، مشيراً إلى استمرار الإقبال على الودائع بالليرة التركية، والحفاظ على قوة احتياطيات البنك المركزي.

سياسة نقدية متشددة

وقال رئيس البنك المركزي التركي إن موقف السياسة النقدية المتشددة سيستمر حتى تحقيق استقرار الأسعار.

وأوضح أن قرارات أسعار الفائدة ستُتخذ على أساس كل اجتماع، مع الأخذ في الاعتبار التضخم الفعلي والمتوقع، إلى جانب الاتجاه الأساسي للتضخم.

وأضاف كاراهان أنه في حال حدوث انحراف واضح عن الأهداف المحددة في توقعات التضخم، فإن البنك المركزي سيطبق إجراءات إضافية للتشديد النقدي عند الحاجة.


اليابان تلوّح بتحول تاريخي في استثمارات التقاعد… واستجابة فورية بالأسواق

شاشة تعرض حركة الين مقابل الدولار في طوكيو (إ.ب.أ)
شاشة تعرض حركة الين مقابل الدولار في طوكيو (إ.ب.أ)
TT

اليابان تلوّح بتحول تاريخي في استثمارات التقاعد… واستجابة فورية بالأسواق

شاشة تعرض حركة الين مقابل الدولار في طوكيو (إ.ب.أ)
شاشة تعرض حركة الين مقابل الدولار في طوكيو (إ.ب.أ)

أشعلت الحكومة اليابانية موجة تفاؤل في الأسواق المالية بعدما أعلنت عزمها تشجيع صناديق التقاعد الحكومية على زيادة استثماراتها في الأصول المحلية، في خطوة قد تعيد توجيه مئات المليارات من الدولارات إلى الاقتصاد الياباني، وتمنح دعماً قوياً للين وسوق السندات بعد أشهر من الضغوط.

وجاء الإعلان على لسان وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما، التي قالت إن الحكومة تريد اتخاذ إجراءات تشجع صناديق التقاعد، وفي مقدمتها صندوق استثمار المعاشات التقاعدية الحكومي (GPIF)، على زيادة استثماراتها «بشكل كبير» في الأصول المالية اليابانية.

ولم تمض دقائق على التصريحات حتى انعكست آثارها على الأسواق؛ إذ ارتفع الين الياباني، وقفزت الأسهم، في حين سجلت عوائد السندات الحكومية أكبر انخفاض يومي لها منذ أكثر من عام، في إشارة إلى رهان المستثمرين على أن الأموال اليابانية قد تبدأ بالعودة إلى الداخل.

أكبر صندوق تقاعد في العالم

ويحظى صندوق استثمار المعاشات التقاعدية الحكومي الياباني باهتمام استثنائي لأنه أكبر صندوق تقاعد في العالم؛ إذ يدير أصولاً تبلغ 293.6 تريليون ين، أي ما يعادل نحو 1.8 تريليون دولار حتى نهاية مارس (آذار) الماضي.

وأي تعديل في سياسة استثمارات هذا الصندوق لا يقتصر تأثيره على اليابان فحسب، بل يمتد إلى أسواق الأسهم والسندات والعملات حول العالم؛ نظراً لضخامة استثماراته الخارجية.

ويحتفظ الصندوق حالياً بتوزيع متوازن تقريباً بين الأسهم المحلية، والأسهم الأجنبية، والسندات اليابانية، والسندات الأجنبية، وهي السياسة التي اعتمدها خلال السنوات الأخيرة لتنويع المخاطر وتحقيق عوائد مستقرة للمستفيدين من نظام التقاعد.

عودة إلى الداخل

ويعتقد المستثمرون أن الحكومة تسعى إلى إعادة جزء من رؤوس الأموال اليابانية الضخمة إلى السوق المحلية، في وقت يواجه فيه الين ضغوطاً مستمرة، بينما تعاني سوق السندات تقلبات حادة بسبب ارتفاع الإنفاق الحكومي، وحذر «بنك اليابان» في رفع أسعار الفائدة.

وارتفع الين بنحو 0.6 في المائة مباشرة بعد تصريحات وزيرة المالية ليصل إلى 161.28 ين للدولار قبل أن يقلص جزءاً من مكاسبه لاحقاً. كما تراجعت عوائد السندات الحكومية اليابانية لأجل عشر سنوات بمقدار 11.5 نقطة أساس إلى 2.76 في المائة، وهو أكبر انخفاض يومي منذ أكثر من عام، في حين سجلت الأسهم اليابانية مكاسب واسعة.

وقال سيم موه سيونغ، استراتيجي العملات في بنك «أو سي بي سي»، إن الأسواق تنظر إلى هذه الخطوة بإيجابية لأنها قد تسهم في الحد من التقلبات التي شهدتها العملة اليابانية والسندات خلال الأشهر الماضية، وإن لم تكن تمثل «حلاً سحرياً».

لماذا الآن؟

تأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه اليابان ضغوطاً متزايدة نتيجة استمرار ضعف الين، الذي هبط الأسبوع الماضي إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود؛ وهو ما أدى إلى ارتفاع تكلفة الواردات وزيادة الضغوط على الأسر والشركات، خاصة مع ارتفاع أسعار الطاقة المرتبطة بالتوترات في الشرق الأوسط.

كما تواجه الحكومة انتقادات بشأن سياستها المالية التوسعية، في حين لا يزال «بنك اليابان» يتحرك بحذر شديد في رفع أسعار الفائدة رغم عودة التضخم.

وتقول الحكومة إنها تريد مساعدة الأسر على الاستفادة بصورة أكبر من النمو الاقتصادي، في ظل انتقال اليابان إلى مرحلة جديدة تقوم على أسعار فائدة إيجابية ونشاط أقوى في أسواق المال.

وليست هذه المرة الأولى التي يغيّر فيها صندوق التقاعد العملاق استراتيجيته الاستثمارية. ففي عام 2014، وخلال عهد رئيس الوزراء الراحل شينزو آبي، أجرى الصندوق أكبر تعديل في تاريخه ضمن سياسة «آبينوميكس»، حيث خفّض استثماراته في السندات المحلية وزاد انكشافه على الأسهم والأصول الأعلى مخاطرة لدعم النمو الاقتصادي.

ثم عاد في 2020 ليزيد استثماراته في السندات الأجنبية من 15 في المائة إلى 25 في المائة، مقابل خفض السندات اليابانية من 35 في المائة إلى 25 في المائة؛ في محاولة لتعزيز العائدات في ظل أسعار الفائدة المنخفضة داخل اليابان.

أما اليوم، فإن الاتجاه يبدو معاكساً؛ إذ تسعى الحكومة إلى إعادة جزء من تلك الأموال إلى الداخل لدعم الأسواق المحلية.

هل يمكن تنفيذ الخطة؟

ورغم الحماس الذي أبدته الأسواق، فإن تنفيذ هذه الخطة لن يكون سهلاً. فصندوق استثمار معاشات التقاعد الياباني يتمتع باستقلالية قانونية، وتتمثل مهمته الأساسية في تحقيق أفضل عائد ممكن للمستفيدين من نظام التقاعد بأقل مستوى من المخاطر، وليس تنفيذ سياسات الحكومة الاقتصادية.

كما أن الصندوق يخضع لإشراف وزارة الصحة والعمل والرفاهية، وليس وزارة المالية؛ ما يعني أن أي تعديل في سياسة الاستثمار يتطلب توافقاً حكومياً وإجراءات تنظيمية معقدة... وأقرَّت وزيرة المالية بهذا الأمر، مؤكدة أن القرار «ليس بيدها وحدها»، وأن الحكومة ستعمل على بناء توافق داخلي قبل المضي في أي تغييرات.

ومن المتوقع أن تتضح الصورة بشكل أكبر مع إقرار الحكومة النسخة النهائية من خطتها الاقتصادية الجديدة في 21 يوليو (تموز) الحالي، وهي الخطة التي يترقبها المستثمرون لكونها قد تحدد مستقبل السياسة المالية، ودور أكبر صندوق تقاعد في العالم في إعادة تشكيل الأسواق اليابانية والعالمية.