أميركا وروسيا تتحاوران نووياً... وضغوط لضم الصين وفرنسا وبريطانيا

شبح سباق التسلح وسط تطوير أجيال جديدة ومساعٍ لإخفاء التجارب

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
TT

أميركا وروسيا تتحاوران نووياً... وضغوط لضم الصين وفرنسا وبريطانيا

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)

أبدت الولايات المتحدة وروسيا استعدادهما لإجراء محادثات بعد انتهاء صلاحية معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية الجديدة «نيو ستارت»، وسط إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على مشاركة الصين لوضع قيود جديدة تحول دون الدخول في مرحلة خطرة من سباق التسلح النووي، مقابل دعوات روسية لم تلقَ تجاوباً لشمول فرنسا وبريطانيا في أي اتفاقية جديدة.

وكتب ترمب على منصته «تروث سوشال» للتواصل أنه «بدلاً من تمديد معاهدة (نيو ستارت) - وهي معاهدة سيئة التفاوض من الولايات المتحدة، وتُنتَهك بشكل صارخ، فضلاً عن كل شيء آخر - ينبغي أن يعمل خبراؤنا النوويون على معاهدة جديدة ومحسّنة وحديثة تدوم طويلاً في المستقبل». ولم يشر إلى أي محادثات، ولكنه أكد أنها يجب أن تشمل الصين.

وكتب ترمب أيضاً أن «الولايات المتحدة أقوى دولة في العالم»، مضيفاً أنه أعاد «بناء جيشها بالكامل خلال ولايتي الأولى، بما في ذلك أسلحة نووية جديدة ومُحدثة». وأشار إلى كيفية تمكّنه من تعزيز الجيش، بما في ذلك عبر إضافة سفن حربية وإنشاء قوة فضائية. وقال: «منعتُ وقوع حروب نووية في أنحاء العالم بين باكستان والهند، وإيران وإسرائيل، وروسيا وأوكرانيا».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

وانتهت صلاحية معاهدة «نيو ستارت»، وهي الأخيرة للحد من التسلح النووي بين الولايات المتحدة وروسيا، في وقت تطوران فيه أجيالاً جديدة من الأسلحة، علماً أن الصين تختبر طرقاً جديدة لإيصال الرؤوس النووية. وتوقفت المحادثات الأميركية - الروسية بشأن معاهدة جديدة بسبب الحرب في أوكرانيا، بعدما كانت معاهدة «نيو ستارت» لعام 2010 حددت عدد الرؤوس الاستراتيجية التي يمكن أن تمتلكها الولايات المتحدة وروسيا بـ1550 رأساً لكل منهما، وعدد منصات الإطلاق بـ700 منصة لكل منهما.

إزالة العيوب

وعكس وكيل وزارة الخارجية الأميركية لشؤون الحد من التسلح، توماس دينانو، رغبة الرئيس ترمب في أي معاهدة جديدة أمام مؤتمر الأمم المتحدة لنزع السلاح في جنيف، بأن معاهدة «نيو ستارت» تعاني «عيوباً جوهرية». وقال إن «الانتهاكات الروسية المتكررة، وتزايد المخزونات النووية العالمية، والعيوب في تصميم معاهدة (نيو ستارت) وتنفيذها... تُعطي الولايات المتحدة ضرورة ملحّة للدعوة إلى بنية جديدة تتصدى لتهديدات اليوم، لا تهديدات حقبة ولّت». وأضاف أنه «بينما نجلس هنا اليوم، فإن الترسانة النووية الصينية بأكملها بلا حدود، ولا شفافية، ولا إعلانات، ولا ضوابط». وأكد أن «الحقبة القادمة من الحد من التسلح يمكن، بل يجب، أن تستمر بتركيز واضح، لكنها ستتطلب مشاركة أكثر من روسيا وحدها على طاولة المفاوضات».

«البنتاغون»... وزارة الدفاع الأميركية (رويترز)

واتهم بكين أيضاً بإجراء تجارب نووية سرية. وقال: «أستطيع أن أكشف أن حكومة الولايات المتحدة على علم بأن الصين أجرت تجارب تفجير نووية، بما في ذلك التحضير لتجارب ذات قوة تفجيرية محددة بمئات الأطنان». وزاد أن الجيش الصيني «سعى إلى إخفاء التجارب من خلال التعتيم على التفجيرات النووية؛ لأنه يدرك أن هذه التجارب تنتهك التزامات حظر التجارب النووية».

الرغبات الروسية

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ب)

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أعلن منذ العام الماضي استعداده لالتزام حدود المعاهدة لمدة عام آخر إذا حذت واشنطن حذوه. لكن ترمب لم يستجب لهذه الرغبة الروسية. وأعلن مستشار الكرملين يوري أوشاكوف، الخميس، أن الرئيس بوتين ناقش انتهاء صلاحية المعاهدة مع نظيره الصيني شي جينبينغ خلال محادثاتهما الأربعاء، مؤكداً أن موسكو «ستتصرف بطريقة متوازنة ومسؤولة استناداً إلى تحليل دقيق للوضع الأمني».

وكذلك أعلنت وزارة الخارجية الروسية في بيان أنه «في ظل الظروف الراهنة، نفترض أن أطراف معاهدة (نيو ستارت) لم تعد مُلزمة بأي تعهدات أو إعلانات متماثلة في سياق المعاهدة، بما في ذلك أحكامها الأساسية، وأنها حرة تماماً في اختيار خطواتها التالية».

وفي خطوة جديدة، أعلن الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، أن المفاوضين الروس والأميركيين ناقشوا مسألة التسلح على هامش المحادثات الروسية - الأوكرانية الأخيرة. وقال: «هناك تفاهم، وقد جرى التطرق إليه في أبوظبي، على أن يتخذ الطرفان مواقف مسؤولة، ويدرك كلاهما ضرورة بدء المحادثات حول هذه القضية في أقرب وقت ممكن».

وعندما طُلب من بيسكوف التعليق على تقرير مناقشة اتفاق غير رسمي محتمل لالتزام حدود المعاهدة لمدة ستة أشهر على الأقل، أجاب بأنه «من الواضح أن بنودها لا يمكن تمديدها إلا بشكل رسمي. من الصعب تصور أي تمديد غير رسمي في هذا المجال»، مكرراً أن موسكو تأسف لانتهاء صلاحية المعاهدة الخميس، وهي تنظر إلى ذلك «بشكل سلبي».

رفض صيني

إلى ذلك، رفض المندوب الصيني شين جيان، علناً التجاوب مع ما تريده الولايات المتحدة لجهة انضمام بلاده إلى مفاوضات نزع السلاح، مشيراً إلى أن ترسانتها أصغر بكثير من الترسانتين الأميركية والروسية، على الرغم من النمو السريع للترسانة الصينية. وأصر أمام المؤتمر على أن «القدرات النووية الصينية لا تقترب بأي حال من الأحوال من مستوى قدرات الولايات المتحدة أو روسيا». وأضاف: «لن تشارك الصين في مفاوضات نزع السلاح النووي في هذه المرحلة».

وأصر المندوب الروسي غينادي غاتيلوف، على ضرورة أن تشمل أي محادثات نووية جديدة دولاً أخرى تمتلك أسلحة نووية، مثل فرنسا وبريطانيا. وقال: «ستشارك روسيا في هذه العملية إذا شاركت فيها المملكة المتحدة وفرنسا، وهما حليفتان عسكريتان للولايات المتحدة في (حلف شمال الأطلسي/ الناتو)، الذي أعلن نفسه حلفاً نووياً».

غير أن الزعماء الأوروبيين ناقشوا إنشاء قوات نووية مستقلة عن الولايات المتحدة التي طالما وفرت مظلة حماية نووية أميركية للدول الأوروبية الحليفة. وتُعد اليابان وكوريا الجنوبية وتركيا من الدول الأخرى غير الحائزة للأسلحة النووية التي تُناقش تغيير المسار.

وهناك دول أخرى تمتلك أسلحة نووية معلنة، وهي الهند وباكستان وكوريا الشمالية. ويُعتقد على نطاق واسع أن لدى إسرائيل أيضاً ترسانة نووية ضخمة.


مقالات ذات صلة

ترمب: قد أجتمع مع نتنياهو بعد أيام

شؤون إقليمية الرئيس دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البرلمان الإسرائيلي يوم 13 أكتوبر الماضي (أرشيفية - أ.ب)

ترمب: قد أجتمع مع نتنياهو بعد أيام

قال ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب في مقابلة ‌مع ‌موقع «​أكسيوس»، ⁠السبت، ​إن رئيس ⁠الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ⁠طلب ‌منه عقد ‌اجتماع ​في ‌البيت ‌الأبيض.

«الشرق الأوسط»
الولايات المتحدة​ أميركيون يشاركون في احتفالات الذكرى الـ250 لاستقلال أميركا يوم 3 يوليو (أ.ف.ب)

أميركا في عيدها الـ250: احتفال بالاستقلال أم صراع على الهوية؟

بعد قرنين ونصف القرن من الانتصارات والمآسي، والعبودية والحرية، والحرب الأهلية والحروب العالمية، تشير استطلاعات أميركية عدة إلى أمة منقسمة حول واقعها ومستقبلها.

إيلي يوسف (واشنطن)
رياضة عالمية جياني إنفانتينو رئيس «فيفا» يواجه اعتراضات بسبب علاقته بالرئيس ترمب (أ.ب)

موجة اعتراض من أوروبا تظهر في مواجهة تسييس «فيفا»

بصوت خافت قادم من أوروبا، تستمر موجة الاعتراض ضد تسييس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والمُتجسّد في ولاء جياني إنفانتينو للرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (لوزان (سويسرا))
الولايات المتحدة​ ملك بريطانيا تشارلز الثالث (رويترز)

الملك تشارلز: سنواصل الدفاع عن «القيم المشتركة» مع الولايات المتحدة

أكد الملك تشارلز الثالث السبت، أن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ستواصلان الدفاع عن «القيم المشتركة».

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الرئيس دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البرلمان الإسرائيلي 13 أكتوبر الماضي (أرشيفية - أ.ب)

خبيرة: حرب إيران كشفت عن تباين رؤى نتنياهو وترمب الجيوسياسية

ترى محللة سياسية أن العلاقة بين ترمب ونتنياهو هبطت لأدنى مستوى لها على الإطلاق، في ظل جهود الرئيس الأميركي لإنهاء الحرب على إيران ولبنان.

«الشرق الأوسط» (لندن)

السلطات الإندونيسية تحدد الجماعة المسلحة المسؤولة عن مقتل طيار أميركي في بابوا

أفراد من شرطة إندونيسيا (رويترز)
أفراد من شرطة إندونيسيا (رويترز)
TT

السلطات الإندونيسية تحدد الجماعة المسلحة المسؤولة عن مقتل طيار أميركي في بابوا

أفراد من شرطة إندونيسيا (رويترز)
أفراد من شرطة إندونيسيا (رويترز)

أكدت قوة إنفاذ القانون التابعة لعملية «سلام كارتينز» في إندونيسيا، أن الجماعة الإجرامية المسلحة المسؤولة عن مقتل الطيار الأميركي نيكولاس إف. جوسيلين هي «جماعة باكوسيب».

وتعد الجماعة فصيلاً متمرداً جديداً يقوده شخص يُدعى إم. مبالينجا، بحسب وكالة «أنتارا» الإندونيسية للأنباء.

وقال رئيس قوة المهام، مفوض الشرطة إيجي إيرا أدهيناتا، اليوم (السبت): «استناداً إلى عدد من المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، تدعي (مجموعة باكوسيب) أنها جزء من الشبكة التي يقودها إلكيوس كوباك في منطقة ياهوكيمو».

وأوضح أنه عقب الهجوم الذي وقع الخميس وأسفر عن مقتل الطيار، باشرت قوة المهام تحقيقاً شاملاً تضمن استجواب الشهود وإجراء مقابلات وجمع المعلومات الاستخباراتية، ومراقبة وسائل التواصل الاجتماعي بشكل مكثف.

ولا تزال السلطات تحقق في طبيعة العلاقة الدقيقة بين «جماعة باكوسيب» والفصيل الذي يقوده إلكيوس كوباك.

وأضاف: «استناداً إلى عملية تحديد الهوية، تأكدنا أن منفذ الهجوم هو إم. مبالينجا».

ولا يزال المحققون يعملون على تحديد الدافع وراء الهجوم، إلا أن تسجيلاً متداولاً على وسائل التواصل الاجتماعي يظهر الجماعة المسلحة وهي تهدد أي طائرة تعمل في المنطقة التي أعلنتها منطقة لعملياتها.

وكانت الجماعة المتمردة في إقليم بابوا الواقع بأقصى شرق إندونيسيا قد أعلنت أول من أمس مقتل طيار أميركي إثر استهداف الطائرة الصغيرة التي كان يقودها أثناء هبوطها في مدرج يقع في منطقة نائية بالإقليم، بعد أن «انتهك الحظر» الذي فرضته الجماعة على الرحلات الجوية المدنية في المنطقة التي تعتبرها مسرحاً لعملياتها. ونجا باقي ركاب الطائرة. وقد أعلن الجيش الإندونيسي استعادة جثة الطيار.


ترمب يحذّر من «هجوم» على الهوية الأميركية في عيد استقلالها الـ250

الرئيس دونالد ترمب يلوّح للحشد بعد إلقاء كلمة في تجمع انتخابي عند النصب التذكاري الوطني في ماونت راشمور (أ.ف.ب)
الرئيس دونالد ترمب يلوّح للحشد بعد إلقاء كلمة في تجمع انتخابي عند النصب التذكاري الوطني في ماونت راشمور (أ.ف.ب)
TT

ترمب يحذّر من «هجوم» على الهوية الأميركية في عيد استقلالها الـ250

الرئيس دونالد ترمب يلوّح للحشد بعد إلقاء كلمة في تجمع انتخابي عند النصب التذكاري الوطني في ماونت راشمور (أ.ف.ب)
الرئيس دونالد ترمب يلوّح للحشد بعد إلقاء كلمة في تجمع انتخابي عند النصب التذكاري الوطني في ماونت راشمور (أ.ف.ب)

دخلت الولايات المتحدة، السبت، عامها الـ250، في ذكرى تاريخية تتزامن مع مرحلة من الانقسام الوطني العميق. وتأتي ذكرى الاستقلال أيضاً في خضم موجة حر شديدة، وضعت نحو 160 مليون أميركي تحت تحذيرات من درجات حرارة مرتفعة أو قصوى؛ ما أربك خطط المسيرات والحفلات الشعبية في عدة مدن وبلدات حول البلاد، كما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن درجات الحرارة الحارقة لم تُثنِ الرئيس دونالد ترمب، من تصدّر برنامج الاحتفالات. ويعتزم ترمب تنظيم تجمع سياسي ضخم، مساء السبت، على غرار حملاته الانتخابية في «ناشونال مول» بالعاصمة واشنطن، ترافقه عروض جوية عسكرية، وما وصفه بأنه «أكبر عرض للألعاب النارية» في العالم. وقال مستبقاً الاحتفالية: «ستبلغ الحرارة نحو 107 درجات فهرنهايت، أي 41 درجة مئوية، وسأذهب وسألقي خطاباً طويلاً جداً، فقط لأثبت أنني أستطيع فعل أي شيء».

الرئيس الأميركي يستعد لإلقاء خطاب في ماونت راشمور يوم 3 يوليو (رويترز)

وفي وقت متأخر من الجمعة، زار الرئيس النصب الوطني في ماونت راشمور، حيث ألقى خطاباً تحت أنظار الرؤوس الغرانيتية العملاقة لأربعة من أسلافه البارزين.

وبينما أشاد ترمب بـ«الاستثنائية الأميركية»، وأثنى على قادة البلاد السابقين، حذّر من أن الهوية الأميركية «تتعرّض لهجوم متجدد». واستهدف في كلمته «الراديكاليين والمتطرفين» في الداخل، قائلاً إن هناك «عودة للخطر الشيوعي في بلادنا».

وهذا موضوع كرّره ترمب مراراً في الأسابيع الأخيرة، مع تحقيق الجناح اليساري المناهض للمؤسسة داخل الحزب الديمقراطي سلسلة انتصارات في الانتخابات التمهيدية الأميركية. وصوّر الرئيس صعود اليسار قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) على أنه اندفاع لـ«الشيوعيين»، و«تهديد» كبير للبلاد. وقال ترمب، الجمعة، إن السنوات الأخيرة شهدت محاولة لـ«انتزاع الروح الأميركية منا، وإبعادنا عن تاريخنا».

وبالنسبة إلى الأميركيين، تمثل احتفالات الذكرى الـ250 لحظة للتأمل بقدر ما هي مناسبة للاحتفال. فبعد قرنين ونصف القرن من الانتصارات والمآسي، والعبودية والحرية، والحرب الأهلية والحروب العالمية، تشير استطلاعات عدة إلى أمة منقسمة حول واقعها والاتجاه الذي تسير فيه. وأظهر استطلاع لجامعة «كوينيبياك» أن 61 في المائة من الأميركيين يرون أن الولايات المتحدة لا ترقى إلى مستوى القيم الواردة في إعلان الاستقلال، رغم أن الآراء حول ذلك منقسمة أيضاً؛ إذ يرى معظم الجمهوريين أنها ترقى إليها، بينما يرى معظم الديمقراطيين أنها لا تفعل.

خلاف حول السردية

بعد قرنين ونصف القرن على إعلان الاستقلال، لا تبدو الولايات المتحدة في الرابع من يوليو (تموز) 2026 منشغلة فقط بالاحتفال بتاريخها، بل بتحديد مَن يملك حق روايته؛ فالذكرى التي كان يفترض أن تشكل محطة جامعة تحولت إلى مرآة لانقسامات البلاد: بين وطنية تقوم على القوة والرموز العسكرية والولاء للقيادة، وأخرى تربط حب الوطن بالدستور والمساواة والنقد؛ وبين من يرى أميركا أمة ذات جذور مسيحية، ومن يتمسك بهوية مدنية متعددة الأديان والأعراق.

وقد وضعت إدارة دونالد ترمب الرئيس في قلب المشهد، عبر عروض عسكرية وموسيقى وطنية وألعاب نارية واحتفال وصفه بأنه «أكبر تجمع لترمب»؛ ما دفع الديمقراطيين إلى البحث عن صيغة تعارضه من دون أن تبدو معارضة للبلاد نفسها.

أنصار الرئيس الأميركي يشاركون في احتفالات الذكرى الـ250 لاستقلال أميركا يوم 3 يوليو (رويترز)

وبحسب صحيفة «واشنطن بوست»، ليست المنافسة على العَلم والنشيد والجيش جديدة في السياسة الأميركية؛ فمنذ ريتشارد نيكسون ورونالد ريغان، نجح الجمهوريون بدرجات متفاوتة في ربط هويتهم الحزبية بصور القوة الوطنية، بينما عانى الديمقراطيون من اتهامات مزمنة بأنهم أقل حماسة للرموز الأميركية. الجديد في الذكرى الـ250 هو أن هذا الخلاف لم يعد يدور حول مقدار الاعتزاز بالبلاد، بل حول تعريف الاعتزاز نفسه.

بالنسبة إلى ترمب وحلفائه، تظهر الوطنية في الاستعراض: الطائرات العسكرية، والحشود، والأعلام، والألعاب النارية، واستعادة سردية أميركا القوية التي لا تعتذر عن تاريخها. أما الديمقراطيون، فيحاولون تقديم مفهوم مضاد يربط الوطنية بحماية المؤسسات، وخدمة المجتمع، والمساواة أمام القانون، والاعتراف بأخطاء الماضي بدل محوها.

ألقى الرئيس الأميركي دونالد ترمب كلمة خلال احتفال بالذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة في ماونت راشمور بمدينة كيستون (رويترز)

ويعكس ذلك مأزقهم السياسي؛ فمقاطعة الاحتفالات التي يهيمن عليها ترمب قد تسمح للجمهوريين باتهامهم بازدراء المناسبة، بينما قد تجعلهم المشاركة مجرد ضيوف في عرض صُمم لتعظيم خصمهم.

لهذا اختار حكام وقادة ديمقراطيون التركيز على احتفالات الولايات، ومراسم التجنيس، والمتاحف، والعمل التطوعي. ففي فيرجينيا، على سبيل المثال، رُبطت فعاليات الرابع من يوليو باحتفال في مونتيسيللو يتضمن مراسم تجنيس لمواطنين جدد، ودعوة المواطنين إلى تجديد التزامهم بقيم المواطنة ومسؤولياتها. ويشير استطلاع أوردته «واشنطن بوست» إلى أن 18 في المائة فقط من الأميركيين يرون الحزب الديمقراطي «وطنياً جداً»، مقابل 31 في المائة يقولون ذلك عن الجمهوريين. وهذه فجوة تفسر لماذا أصبحت الذكرى اختباراً انتخابياً بقدر ما هي مناسبة تاريخية.

الجمهورية والزعيم

كان التخطيط الأصلي للذكرى يقوم على برنامج مدني واسع تشرف عليه «أميركا 250»، وهي هيئة غير حزبية أنشأها الكونغرس، تتمحور رؤيتها حول التاريخ والخدمة والمجتمعات المحلية، لكن الهيئة لم تحصل، بحسب «بوليتيكو»، إلا على 25 مليون دولار من أصل 150 مليوناً أقرها الكونغرس. ونتيجة ذلك، تقلص حجم برامجها، بينما تقدمت «فريدوم 250» المتحالفة مع البيت الأبيض لتشغل الفراغ، وتستحوذ على أبرز المنصات واللقطات.

أميركيون يشاركون في احتفالات الذكرى الـ250 لاستقلال أميركا يوم 3 يوليو (أ.ف.ب)

هذا التحول يتجاوز الخلاف الإداري والمالي؛ فهو ينقل مركز الاحتفال من المجلس التشريعي إلى الرئاسة، ومن سردية وطنية موزعة بين الولايات والمؤسسات إلى مشهد شديد التمركز حول شخص الرئيس. وكان الرئيس قد أنشأ في يناير (كانون الثاني) 2025 فريقاً خاصاً لتنظيم الاحتفال. وأعاد من خلاله إحياء مشروع «الحديقة الوطنية للأبطال الأميركيين». أما الصفحة الرسمية لـ«فريدوم 250»، فتقدم الذكرى بوصفها عاماً من الاحتفالات الهادفة إلى تجديد الحب للتاريخ الأميركي، والصلاة من أجل البلاد، وإعادة تكريسها «أمة واحدة تحت الله».

في المقابل، واصلت «أميركا 250» نشاطات أقل صخباً وأكثر انتشاراً، بينها حفلات محلية، وكبسولة زمنية، وبرامج طلابية، ومبادرة «أميركا تمنح»، التي أعلنت تجاوز 10 ملايين ساعة من الخدمة التطوعية.

وهنا تظهر روايتان متوازيتان: وطنية تُرى من منصة ضخمة في واشنطن، ووطنية تُمارس في الأحياء والمدارس والجمعيات. الأولى تعتمد الصورة والقوة والحشد، والثانية تراهن على المشاركة المدنية بوصفها التعبير العملي عن الانتماء.

إيمان وهوية

المعركة الثالثة تتعلق بالسؤال الأقدم: هل الولايات المتحدة أمة مسيحية أم جمهورية مدنية تضمن حرية الأديان؟

بحسب موقع «أكسيوس»، دفعت فعاليات مرتبطة بالبيت الأبيض نحو الصلاة وطلب «الهداية الإلهية»، وبرزت فيها أصوات مسيحية محافظة. وفي المقابل، انتقد قادة دينيون ومؤرخون غياب تمثيل واضح للمسلمين وبعض الطوائف اليهودية والبروتستانتية والكنائس السوداء. وفي مواجهة ذلك، أطلقت مبادرة «إيمان 250» تجمعات محلية تضم كنائس ومساجد ومعابد، لدراسة نصوص أميركية مختلفة، والاحتفال بالحرية الدينية، لا بهوية عقائدية واحدة.

تمثيل تاريخي خارج قصر فيرساي في باريس يوم 4 يوليو (أ.ف.ب)

هذا الصراع ليس هامشياً؛ لأن الدين بات جزءاً من الاستقطاب الحزبي. ويظهر مسح لمعهد أبحاث الدين، شمل أكثر من 22 ألف بالغ خلال 2025، أن 56 في المائة من الجمهوريين يصنّفون ضمن مؤيدي القومية المسيحية. وبذلك، يصبح استحضار عبارة «أمة واحدة تحت الله» رسالة سياسية موجهة إلى قاعدة انتخابية محددة، وليس مجرد تذكير بروحانية عامة.

لكن الآباء المؤسسين أنفسهم لا يقدمون إجابة مريحة لأي من الطرفين؛ فقد تأثروا بأفكار التنوير، مع حضور متفاوت للدين في تصوراتهم، وصاغوا نظاماً يمنع قيام كنيسة رسمية، ويحمي حرية المعتقد؛ لذلك، لا يدور الخلاف الحالي حول الماضي وحده، بل حول من يدخل اليوم في تعريف «الأميركي الحقيقي».

وطنية تبحث عن جامع

بحسب «مؤسسة سميثسونيان»، تكشف المقارنة مع الذكرى المئوية الثانية عام 1976 مقدار التغير. آنذاك، كانت البلاد خارجة من حرب فيتنام وفضيحة ووترغيت واستقالة رئيس، أي إنها لم تكن أقل انقساماً أو قلقاً. ومع ذلك، نجحت الاحتفالات نسبياً في صنع فسحة مشتركة، عبر مهرجان للفنون الشعبية استمر 12 أسبوعاً، وشارك فيه ممثلون من جميع مناطق البلاد وقبائل أميركية أصلية ومنظمات عمالية ودول أجنبية.

جانب من فعاليات نظمتها البحرية الأميركية لإحياء الذكرى الـ250 للاستقلال في نيويورك يوم 4 يوليو (أ.ب)

أما في 2026، فتجري الذكرى داخل بيئة إعلامية مجزأة، وثقة منخفضة بالمؤسسات، وحملات انتخابية دائمة، تجعل كل رمز قابلاً للتحويل إلى سلاح حزبي. وحتى مشاعر الفخر الوطني لم تعد تستند إلى معنى واحد؛ فقد وجد مركز «بيو» أن الأميركيين يذكرون الحريات المدنية والتاريخ والإنجازات ومؤسسات البلاد بطرق مختلفة، بينما لا يرى سوى 6 في المائة أن زعيماً أو حزباً سياسياً يمثل مصدر فخرهم الوطني.

لذلك، يبقى تعلق الأميركيين بالرابع من يوليو أعمق من الولاء لحكومة أو رئيس. إنه تعلق بوعد غير مكتمل: الحرية، وإمكان الصعود، والقدرة على تصحيح الأخطاء، وفكرة أن البلاد مشروع يستطيع كل جيل إعادة تعريفه.

لكن الذكرى الـ250 تكشف أن الخلاف الأميركي لم يعد يدور حول الاحتفال بالبلاد فقط، بل حول معنى الوطنية نفسها. وبهذا أصبحت اختباراً لقدرة الأميركيين على الحفاظ على مناسبة وطنية مشتركة، رغم اختلافهم الحاد حول التاريخ والهوية ومستقبل البلاد.


الملك تشارلز: سنواصل الدفاع عن «القيم المشتركة» مع الولايات المتحدة

ملك بريطانيا تشارلز الثالث (رويترز)
ملك بريطانيا تشارلز الثالث (رويترز)
TT

الملك تشارلز: سنواصل الدفاع عن «القيم المشتركة» مع الولايات المتحدة

ملك بريطانيا تشارلز الثالث (رويترز)
ملك بريطانيا تشارلز الثالث (رويترز)

أكد الملك تشارلز الثالث السبت، أن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ستواصلان الدفاع عن «القيم المشتركة»، وذلك في رسالة وجهها إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب والشعب الأميركي بمناسبة الذكرى الـ250 للاستقلال.

وكتب الملك في الرسالة التي نُشرت على «إكس»، أنه بينما يتطلع البلدان «إلى الـ250 عاماً المقبلة، فأنا على يقين من أننا سنواصل الدفاع عن قيمنا المشتركة»، بما فيها الحرية وسيادة القانون.

ترمب خلال مراسم توديع الملك تشارلز في واشنطن (إ.ب.أ)

وكان الملك، البالغ 77 عاماً، قد قام برفقة الملكة كاميلا، بزيارة دولة إلى الولايات المتحدة استمرت أربعة أيام في نهاية أبريل (نيسان). وحظيت هذه الزيارة التي هدفت إلى رأب الصدع في العلاقات بين واشنطن ولندن، بإشادة من وسائل الإعلام البريطانية والأميركية.

وقال الملك السبت، إنه يعتقد أن «الرابط بين شعبينا... سيزداد قوة مع مرور الوقت».