يمثل الإنجليزي إيفان توني، مهاجم الأهلي، نموذجاً حقيقياً لما يجب أن يكون عليه اللاعب المتخصص في ضربات الجزاء، إذ يكمن سرّ تفوّقه في ركلات الجزاء من لحظة الوقوف، لا من لحظة التسديد. فهو لا يندفع، ولا يستعرض، ولا يبحث عن الزاوية المثالية بقدر ما يبحث عن إشارة بشرية دقيقة: ركبة الحارس. هناك، في حركة صغيرة تكاد لا تُرى، يقرأ توني القرار قبل أن يُتخذ، ويحوّل ركلة الجزاء من اختبار أعصاب إلى معادلة محسومة.
فلسفة توني في التنفيذ تقوم على الانتظار لا المبادرة، وعلى المراقبة لا التخمين. هو لا يحدّد الزاوية مسبقاً كما يفعل كثيرون، ولا يطلق الكرة بقوة مفرطة تُغلق هامش التصحيح. يركض بخطوات محسوبة، يثبّت رأسه، ويُبقي جسده في وضع يسمح له بتغيير القرار في آخر جزء من الثانية. وحين تتحرّك ركبة الحارس، ولو حركة طفيفة، يكون القرار قد حُسم. الكرة تذهب عكس الاتجاه، والحارس حتى لو حاول الخداع أو تأخير القفزة يكون قد تأخر أصلاً، لأن ردّ فعله أصبح تابعاً لا مبادراً.
هذا الأسلوب يضع الحارس في مأزق مزدوج. فإن قفز مبكراً خسر، وإن انتظر خسر أيضاً. توني لا يمنحه خياراً آمناً. ولهذا نادراً ما نراه يسدد في الزاوية «المثالية» تقنياً، لأن الزاوية عنده ليست المكان، بل التوقيت. وهنا تحديداً يلتقي بأسلوب لاعبين مثل كنو، لكن مع فارق حاسم: توني ينفّذ النسخة الأصعب والأدق، نسخة تعتمد على قراءة الجسد لا الاتجاه، وعلى التحكم في الإيقاع لا المفاجأة وحدها.
هذا التحليل لا يأتي من فراغ. فأرقام توني من علامة الجزاء تُحوّل الإعجاب إلى يقين. خلال مسيرته الاحترافية كاملة، سجّل 53 ركلة جزاء في جميع المسابقات، مقابل إهدار ركلتين فقط، وهي نسبة نجاح استثنائية حتى بمعايير نخبة المهاجمين في الدوريات الكبرى. هذه الأرقام موزعة على الدوري الإنجليزي الممتاز، التشامبيونشيب، دوري الدرجتين الأولى والثانية، الكؤوس المحلية الإنجليزية، مشاركاته الدولية، وصولاً إلى تجربته الحالية في الدوري السعودي.
ومع الأهلي السعودي، تحوّل الثبات إلى كمال رقمي. نفّذ توني 23 ركلة جزاء في جميع المسابقات الرسمية دون أي حالة إهدار. في الدوري السعودي للمحترفين وحده، سجّل 16 ركلة جزاء، عشر منها في موسم 2024 - 2025، وست في موسم 2025 - 2026، بعضها جاء في مباريات حاسمة، وأخرى شهدت تسجيله أكثر من ركلة في اللقاء الواحد، ما عزّز موقعه منفّذاً أول بدون نقاش.
وفي كأس الملك، أضاف ثلاث ركلات جزاء، بينها مباراة سجّل خلالها ركلتين، بينما دوّن ركلة جزاء واحدة في كأس السوبر السعودي خلال مواجهة القادسية. وعلى الصعيد القاري، سجّل ركلتي جزاء في دوري أبطال آسيا للنخبة، كلتيهما في مواجهة واحدة أمام الاستقلال الإيراني، قبل أن يضيف ركلة جزاء في كأس العالم للأندية أمام بيراميدز المصري.
أما الإخفاقان الوحيدان في مسيرته، فلهما سياقهما الزمني المختلف؛ الأول كان في الدوري الإنجليزي الممتاز موسم 2022 - 2023 بقميص برينتفورد أمام نيوكاسل يونايتد، عندما تصدى نيك بوب لركلته، والثاني يعود إلى موسم 2018 - 2019 في دوري الدرجة الأولى الإنجليزي مع بيتربورو يونايتد أمام بارنسلي، حين نجح آدم ديفيز في إبعاد الكرة. منذ ذلك الحين، بدا وكأن توني أعاد بناء علاقته مع نقطة الجزاء على أسس أكثر هدوءاً ونضجاً.
ما يجعل إيفان توني في مصاف الأفضل عالمياً وربما الأفضل فعلياً ليس فقط عدد الركلات المسجّلة، بل الطريقة التي تُسجَّل بها. لا توجد نمطية يسهل فكّ شفرتها، ولا توتر يظهر على الجسد، ولا استعجال يفضح القرار. كل ركلة تبدو كنسخة جديدة، لكن الجوهر واحد: قراءة، انتظار، ثم ضربة عكس الاتجاه في لحظة لا يمكن للحارس اللحاق بها.
لهذا، حين يقف توني أمام الكرة، لا تبدو ركلة الجزاء مواجهة خمسين بخمسين كما تُوصَف عادة، بل أقرب إلى اختبار محسوم سلفاً. الأرقام تقول ذلك، والتحليل يفسّره، والملعب يؤكده مرة بعد أخرى، في مسيرة تُقاس بالثبات أكثر مما تُقاس باللحظة.






