سوق حلب التاريخية تنفض غبار الحرب والزلزال ببطء

ترميم وتشغيل ربع مساحتها عبر مشروع طموح

TT

سوق حلب التاريخية تنفض غبار الحرب والزلزال ببطء

خان القصابية في ساحة الفستق (الشرق الأوسط)
خان القصابية في ساحة الفستق (الشرق الأوسط)

تنهض الحياة في حلب، ثاني أكبر المدن السورية بعد العاصمة دمشق، من رحم الموت، تماماً كالنباتات والأشجار الخضراء التي تشق طريقها نحو السماء وسط غابات سوداء محترقة. فسوق حلب التاريخية، التي تُوصف بأنها «قلب المدينة النابض»، تستعيد روحها ببطء، في مشهد يجمع بين الألم والأمل.

وتُجسِّد الصورة الراهنة لهذه السوق العريقة مثالاً صارخاً للتناقض بين الحياة والموت، وبين الضوء والظلام، وبين الألوان الزاهية وتلك الباهتة. فبينما عادت الأضواء والحركة إلى الأسواق الواقعة خلف «الجامع الأُموي الكبير» بعد ترميمها وإعادة تشغيلها خلال الفترة الماضية، لا تزال الأسواق والخانات القريبة من قلعة حلب غارقة في الصمت، مثقلة بالركام والدمار الهائل.

تبدو تلك المنطقة وكأنها موطن للأشباح، يتجنبها المارة، لا سيما في ساعات الظلام، رغم أنها كانت قبل الحرب السورية تعج بالحيوية، وتصدح فيها أصوات البائعين، وتفيض بالحركة والنشاط.

دمار هائل خلفته الحرب في سوق حلب (الشرق الأوسط)

تُعدُّ سوق حلب من أقدم وأكبر الأسواق المسقوفة في العالم، وتتمتع بمكانة تاريخية واقتصادية وثقافية بارزة في سوريا، إذ تضم عشرات الأسواق المتصلة الممتدة على طول الشارع المستقيم، من باب أنطاكية وصولاً إلى محيط قلعة حلب.

وإلى جانب متاجرها وخاناتها، تحتضن السوق حمَّامات أثرية عريقة، في مقدمتها حمَّام يلبغا العائد إلى الحقبة المملوكية، وحمَّام نور الدين الزنكي الذي يعود إلى الفترة الزنكية. كما تضم خانات تاريخية كانت تؤدي دور الفنادق التجارية القديمة، من أبرزها خان الجمرك.

وتتميّز أسواق حلب بتخصُّص كل سوق بحرفة أو بضاعة بعينها. ونظراً لقيمتها التاريخية والحضارية الفريدة، أُدرجت السوق ضمن قائمة التراث العالمي «لليونيسكو» عام 1986، بوصفها جزءاً لا يتجزأ من مدينة حلب القديمة.

أحد الخانات الأثرية المدمرة في السوق التاريخية (الشرق الأوسط)

قبل الحرب، كانت السوق تحوي آلاف المحلات التي اشتهرت بمنتجات متنوعة، من الحرير والتوابل إلى الصابون. وخلال الحرب السورية، تعرّضت السوق لأضرار جسيمة نتيجة القصف والمعارك، مما أدى إلى تدميرها جزئياً في بعض المناطق وكلياً في أخرى.

تخضع أزقة السوق التاريخية، التي يصل طولها الإجمالي إلى نحو 13 كيلومتراً، حالياً لعملية ترميم واسعة ومتدرجة تشمل جهوداً محلية ودولية. وبفضل هذه الجهود، أُعيد افتتاح وتشغيل نحو 13 سوقاً من أصل 40، وفق ما أفاد به خبراء الترميم والتجار في حديثهم لـ«الشرق الأوسط».

أعمال الترميم تجري ببطء (الشرق الأوسط)

وتعود جذور سوق حلب إلى العصور الهلنستية والرومانية، حين كانت المدينة محطة تجارية مهمة على طرق القوافل بين الشرق والغرب، وازدهرت السوق بشكل كبير منذ العصر الأُموي، ثم توسَّعت وتطوَّرت في العصور الأيوبية والمملوكية، في حين شهدت أكبر مراحل توسعها في العصر العثماني حين بُنيت معظم أقسامها المسقوفة الحالية على غرار «سوق المدينة»، و«سوق العطارين»، و«سوق الصاغة»، و«سوق النحاسين»، وأصبح مركزاً تجارياً إقليمياً يربط الأناضول ببلاد الشام وبلاد ما بين النهرين.

إنقاذ الأسواق التاريخية

تعمل مؤسسة «الآغا خان» للثقافة منذ عام 2018، بالتعاون مع شركاء محليين، على برنامج لترميم السوق التاريخية. شملت هذه الأعمال إعادة تأهيل 8 أقسام رئيسية، وإرجاع أكثر من 277 محلاً تجارياً إلى أصحابها، وتأهيل نحو 500 متر من الممرات داخلها. بالإضافة إلى تنفيذ أعمال تثبيت طارئة لـ6 معالم تاريخية تضررت جراء زلازل عام 2023، بدعم كريم من مؤسسة «ألِف».

الحياة تعود تدريجياً إلى السوق (الشرق الأوسط)

كما تعمل «اليونيسكو» مع شركاء دوليين في مشروعات استقرار وترميم تشمل أجزاء من الأسواق والأعمال التراثية المتضررة.

تُعد سوق «السقطية 1» شرياناً أساسياً للأسواق القديمة في حلب، لوقوعها على الخط المستقيم الممتد من باب أنطاكية وصولاً إلى سوق الزرب، وفق ما أشارت فاطمة خولندي، مهندسة معمارية في صندوق «الآغا خان» للثقافة، التي رافقت فريق «الشرق الأوسط» في جولته داخل السوق.

المهندسة فاطمة خولندي (الشرق الأوسط)

تتحدث المهندسة السورية الشابة بحماس وفخر عن جماليات سوق حلب التاريخية وتفردها، وعن أعمال الترميم التي أُنجزت خلال الأعوام الماضية، قائلة: «اختيرت سوق (السقطية 1)، المتخصصة في بيع المكسرات، كمشروع (بايلوت) أو نموذج لمشروعات ترميم صندوق (الآغا خان) في السوق، لا سيما أن نسبة الضرر بها كانت أقل مقارنة بالمستويات الهائلة من الدمار في الأسواق الأخرى. ونجح المشروع في إعادة بريق السوق مجدداً، وتسليم 53 محلاً تعمل جميعها الآن». وتابعت: «في حين تضاء المتاجر بالكهرباء المركزية للمدينة، فإن نهر الأسواق المرممة يسطع بضوء خلايا الطاقة الشمسية».

إحدى الأسواق بعد ترميمها وتشغيلها (الشرق الأوسط)

تتميز سوق «السقطية 1» الممتدة لنحو مائة متر بقبابها وأقواسها الحجرية الفريدة، وتحتضن خان الجمرك المملوكي. أما سوق «خان الحرير» المجاورة للجامع الأموي الكبير، الذي يخضع هو الآخر لعمليات ترميم، فقد كانت تعاني من دمار واسع، وفق ما أفاد به المرمّمون. وبدأ فريق العمل في عام 2019 بتوثيق السوق للوقوف على شكلها الأصلي، لا سيما بعد انهيار واجهاتها الحجرية بالكامل.

مواد ترميم أصلية

ويراعي فريق المرممين إعادة استخدام الأحجار الأصلية المستخرجة من الموقع، إلى جانب الاستعانة بأحجار متطابقة من محاجر قريبة وبأحجام متباينة، تطبيقاً لمفهوم «إعادة الشيء إلى أصله»، وفق المهندسة السورية.

ومن بين الأسواق التي شملها الترميم في حلب، سوق «الأحمدية»، إحدى الأسواق التسعة على الشارع المستقيم الممتد من باب أنطاكية غرباً حتى نهاية سوق الزرب شرقاً المطل على قلعة حلب الأثرية. وتشتهر هذه السوق بتجارة الألبسة والقطنيات والمكسرات.

متجر لبيع المكسرات (الشرق الأوسط)

تمتد سوق الأحمدية على طول 39 متراً، وتضم 19 محلاً تجارياً، بالإضافة إلى سبيل للمياه ومقهى الشلبي، الذي يمنح السوق أهميتها لندرة المقاهي في الأسواق المشابهة، ويُعد تحفة فنية بطرازه المعماري الفريد. وقد تعرض المقهى للدمار إثر زلزال عام 2023 قبل أن يُرمّم مجدداً. كما تضم السوق قبة الأحمدية المشهورة بزخارفها المميزة، ومظلة خشبية مزخرفة تعرضت للحرق خلال الحرب.

سوق خان الحرير بعد ترميمها (الشرق الأوسط)

نجح فريق الترميم في إعادة الأسواق المرممة إلى صورتها الأصلية عبر استخدام مواد وأدوات يدوية دقيقة، تعتمد على براعة وعمالة ماهرة. وتقول المهندسة فاطمة: «يساعدنا التوثيق الجيد للأسواق المدمرة في الوصول إلى نتائج مرضية، ففي بعض الأحيان تستغرق عملية التوثيق والتخطيط للترميم 7 أشهر. وخلال العمل نستعين بعمالة ماهرة تنفِّذ المخططات بدقة، ونعتمد تماماً على العنصر البشري في نحت وقص ومعالجة الأحجار المستخدمة لإعادة بناء المتاجر، إدراكاً منا لأهميتها وقيمتها الأثرية».

وتُعد «سوق المحماص»، التي تنتهي بالشارع الخلفي للجامع الكبير وتضم قبة خشبية نادرة، أحدث مشروع ترميم انتهى صندوق «الآغا خان» منه في حلب. واستغرق العمل وقتاً طويلاً لإنهائه بعد أن بلغت نسبة الدمار فيه نحو 90 في المائة. وتوضح فاطمة: «نبحث عن مخططات قديمة، ونكشف الأساسات لإجراء رصد مساحي يحدد حدود المحال، ثم نُقيِّم الأضرار ونرفع تقريراً لمهندسي المرافق الصحية والكهرباء».

التاجر أبو علاء (الشرق الأوسط)

وأمام خان القصابية وقف تاجر ستيني يلقب بـ«أبو علاء» معدداً الأهمية التاريخية للسوق، وعبّر بنبرة حماسية عن اعتزازه الكبير بالمكان الذي يعمل به منذ أن كان طفلاً صغيراً، ويقول إن «حلب مدينة تاريخية تمرض ولا تموت بعدما شهدت حروباً وزلازل»، مؤكداً أنها تراهن على «العراقة» التي اكتسبتها منذ مئات السنين.

عائدون إلى حلب

داخل متجره المتخصص في بيع «صابون الغار» الشهير، جلس الرجل الستيني محمود أرناب، منتظراً زبائنه، يتذكر أيام الحرب التي عاشتها حلب واضطرته للهجرة إلى تركيا عام 2014، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «كان اليوم الذي يمر وقتئذ يكون اليوم التالي له أسوأ، لكن اليوم بعد تحرير سوريا من نظام بشار الأسد فإن الغد بات أفضل من اليوم الذي نعيشه في المدينة».

محمود أرناب (الشرق الأوسط)

ويضيف أرناب أنه «عاد منذ بضعة أشهر من تركيا وفتح متجرة مجدداً بعد ترميمه»، معبراً عن سعادته الكبيرة بالعودة إلى «ست الكل» حلب، وأكد أن الزحام الذي تشهده السوق في الفترة الجارية بدأ قبل 3 أشهر فقط.

وفي زاوية أخرى من السوق كان يترجل مصطفى الرحماني، الذي يسكن في بيت قريب من قلعة حلب، بخطوات ثابتة نحو أحد المساجد القريبة من الجامع الأموي الكبير المغلق، لأداء صلاة المغرب.

عبَّر صاحب اللحية البيضاء والوجه الباسم، عن ارتياحه الشديد بالعودة إلى حلب بعد 10 سنوات كاملة قضاها في مدينة الإسكندرية المصرية هو وأسرته، حيث افتتح مطعماً هناك للمأكولات السورية، لكنه فضَّل العودة قبل شهرين إلى حلب لاستئناف حياته بها رفقة أبنائه الذين عادوا معه أيضاً من مصر ويعملون حالياً في أحد مطاعم حلب.

لا يشعر الرجل بقلق كبير تجاه الأوضاع الراهنة في المدينة، ويتوقع تحسن الأوضاع وترميم بقية الأسواق المدمرة وإعادة فتح مطعمه، منتظراً وصول معداته وأدواته التي شحنها من مصر إلى سوريا.

جانب من أعمال الترميم (الشرق الأوسط)

انتعاشة مرهونة بالسلام

ويرهن تيري غراندان، مدير برامج «صندوق الآغا خان للثقافة»، ومدير مشروع الحفاظ والترميم والتخطيط الحضري في حلب، الاستمرار في إعادة ترميم السوق القديمة وانتعاشها بإحلال السلام في سوريا بشكل عام، وفي حلب بشكل خاص.

ويشير غراندان إلى أن إعادة تشغيل الأسواق تبقى مهمة صعبة، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «جزء من سكان حلب لم يعد بعد، كان عدد سكان المدينة القديمة يُقدّر بنحو 120 ألف نسمة قبل الحرب، واليوم يقيم فيها نحو 50 ألفاً فقط. وهؤلاء السكان كانوا يشكلون جزءاً أساسياً من الحركة في السوق والعمل التجاري». وأضاف: «أُعيد تشغيل بعض الورش التي تمد الأسواق بالبضائع والمشغولات».

وبسبب طول فترة الإغلاق، يرى غراندان أن الدول التي كانت تعتمد على سوق حلب لشراء البضائع السورية خلال العقود الماضية تحولت إلى أسواق بديلة.

جانب من معروضات حلب التراثية (الشرق الأوسط)

ويؤكد تيري أن الأسواق والخانات القريبة من قلعة حلب شهدت دماراً كبيراً، ويمكن لـ«صندوق الآغا خان للثقافة» أن يُرمم سوقاً كل عام.

وفاقم الزلزال المدمر الذي ضرب سوريا وتركيا المجاورة منذ عامين الوضع في حلب، حيث تقدر منظمة «اليونيسكو» أن نحو 60 في المائة من المدينة القديمة تضررت بشدة، في حين تدمرت نحو 30 في المائة منها بشكل كامل.

وشجَّعت عمليات الترميم بعض التجار على إعادة تأهيل متاجرهم بأنفسهم، دون انتظار تدخلات حكومية، وفق ما رصدت «الشرق الأوسط»، لا سيما في الأسواق الأقل تضرراً.


مقالات ذات صلة

مصر تدرس إعادة فتح مقبرة نفرتاري... والجمال ينتظر قرار العلماء

يوميات الشرق تتميَّز المقبرة برسومها وألوانها الزاهية (فيسبوك)

مصر تدرس إعادة فتح مقبرة نفرتاري... والجمال ينتظر قرار العلماء

تُعد مقبرة الملكة نفرتاري، زوجة الملك رمسيس الثاني، من أبرز مقابر وادي الملكات.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق حجارة عمرها أطول من يقيننا (إ.ب.أ)

البارثينون يخسر إحدى أساطيره بعد 2000 عام

من أبرز ملامح البارثينون أنّ ما يبدو أعمدةً دوريةً رأسيةً مستقيمةً ليس كذلك في الحقيقة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق استعادة قناع أثري مصري من سويسرا (السفارة السويسرية بالقاهرة)

استعادة قناع جنائزي من سويسرا تُكرِّس لمطالب استرداد الآثار المصرية

جدَّد الإعلان عن استعادة مصر قناعاً أثرياً من سويسرا مطالب الأثريين والمتخصصين المصريين باسترداد الآثار المهرَّبة إلى الخارج.

محمد الكفراوي (القاهرة)
ثقافة وفنون صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

زاول العرب الصيد في الحقبة التي سبقت ظهور الإسلام، كما تؤكد الشواهد الأدبية التي تعود إلى تلك الحقبة.

محمود الزيباوي
يوميات الشرق القطع الأثرية المضبوطة (وزارة الداخلية)

مصر: ضبط 151 قطعة أثرية تجدد قضايا «التجارة المحرمة»

جددت واقعة توقيف أحد الأشخاص بمحافظة المنيا (جنوب مصر) وبحوزته 151 قطعة أثرية تعود للعصور المصرية القديمة قضايا الاتجار في الآثار.

محمد الكفراوي (القاهرة )

نيويورك في قبو المنزل

يظهر حي مانهاتن السفلي بما يضمه من مبنى «وان وورلد تريد» وبرجي مركز التجارة العالمي (البرجين التوأمين) - في نموذج كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين وذلك في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)
يظهر حي مانهاتن السفلي بما يضمه من مبنى «وان وورلد تريد» وبرجي مركز التجارة العالمي (البرجين التوأمين) - في نموذج كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين وذلك في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)
TT

نيويورك في قبو المنزل

يظهر حي مانهاتن السفلي بما يضمه من مبنى «وان وورلد تريد» وبرجي مركز التجارة العالمي (البرجين التوأمين) - في نموذج كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين وذلك في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)
يظهر حي مانهاتن السفلي بما يضمه من مبنى «وان وورلد تريد» وبرجي مركز التجارة العالمي (البرجين التوأمين) - في نموذج كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين وذلك في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)

لم يكن جو ماكين يخطط لبناء مدينة، ولم يكن يتوقع أن تتحول هوايته التي بدأها في قبو منزله إلى عمل فني يستقطب زوار المتحف. كل ما أراده، على ما يبدو، كان أن يستعيد شيئاً من نيويورك التي تركها خلفه.

على مدى أكثر من 20 عاماً، أمضى سائق الشاحنة المولود في كوينز أوقات فراغه في بناء نيويورك مصغّرة من أخشاب البلسا وألواح الفوم. مبنى تلو آخر، وشارعاً بعد آخر، كبرت المدينة على طاولة العمل، حتى أصبحت تضم أكثر من 800 ألف مبنى ومنشأة، وتمتد على أكثر من 300 لوح كبير.

مجسم كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)

وحين انتهى ماكين من مشروعه، أقنعته ابنته بتصويره ونشره على تطبيق «تيك توك». لم يتوقع الأب أن تحظى المقاطع بهذا الاهتمام، لكن أكثر من 10 ملايين شخص شاهدوها خلال أسبوع واحد، قبل أن يصل صدى المدينة الصغيرة إلى متحف مدينة نيويورك. وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» للأنباء.

وهكذا خرجت نيويورك من قبو منزل ماكين إلى قاعة متحف، ضمن معرض «He Built This City»، الذي يستمر حتى 12 أكتوبر (تشرين الأول).

يبلغ طول المجسّم نحو 15 متراً وعرضه نحو 9 أمتار، ويضم تفاصيل من الأحياء الخمسة للمدينة، إضافة إلى أجزاء من نيوجيرسي ولونغ آيلاند. ويمكن للزائر أن يجد فيه كل شيء تقريباً؛ من ناطحات السحاب في مانهاتن إلى المنازل المتواضعة في كوينز، ومن جسر بروكلين إلى تمثال الحرية واستاد يانكي.

زائر لمتحف مدينة نيويورك يتأمل مجسماً لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين في نيويورك (أ.ب)

لكن ماكين لم يبنِ مدينة مثالية، بل بنى المدينة كما يتذكرها.

تعود الفكرة إلى طفولته، عندما شاهد خلال رحلة مدرسية «بانوراما مدينة نيويورك» في متحف كوينز، وهو مجسّم ضخم للمدينة أثار إعجابه. وبعد سنوات، وعندما انتقل مع زوجته وأطفاله من لونغ آيلاند إلى ألباني، بدأ هو ببناء نسخته الخاصة.

ويقول ماكين إنه ربما كان «يفتقد نيويورك، من دون أن يدرك ذلك تماماً».

بدأ من مركز روكفلر وبرج «30 روك»، ثم احتاج إلى نحو عشر سنوات لبناء وسط مانهاتن. وكان مبنى إمباير ستيت من أصعب الأجزاء، خصوصاً أنه لم يكن يملك أي خبرة في صناعة المجسّمات أو الهندسة. لكنه تعلّم مع الوقت، وأصبح بناء أحد المباني بالنسبة إليه أسرع بكثير مما كان عليه في البداية.

يظهر تمثال الحرية على مجسم كبير لمدينة نيويورك — صنعه جو ماكين — في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)

حتى إن المشروع بدأ يزاحم بقية تفاصيل حياته. كان يحمل مواد البناء معه في رحلات العائلة، ويستغل فترات التوقف أثناء العمل لمواصلة البناء. وفي بعض الليالي، كان يجلس أمام المجسّم وهو يشعر بالتعب، ثم يبقى هناك ساعات إضافية، وأحياناً يغفو فوق طاولة العمل.

ولأنها نيويورك الخاصة به، لم يهتم ماكين دائماً بأن تكون مطابقة للمدينة الحالية. أبقى على مطعمه المفضل من طفولته رغم تغير المكان، واحتفظ بجسر كوشيوشكو القديم، كما أبقى برجي مركز التجارة العالمي قائمين إلى جانب المباني التي ظهرت بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول).

ويقول: «احتفظت بالكثير من الأجزاء التي تمثل نيويورك بالنسبة إليّ... من أجلي أنا فقط».

وربما لهذا السبب يبحث زوار المعرض عن شيء أكثر من مجرد مبانٍ صغيرة. فكل واحد منهم يحاول العثور على نيويوركه الخاصة؛ منزل قديم، شارع يعرفه، مدرسة، جسر أو مكان ارتبط بذكرى.

أما ماكين فلا يبدو مستعداً للتوقف. بعد انتهاء المعرض، يأمل في أن تنتقل مدينته إلى أماكن أخرى، بينما يخطط هو لإضافة أكثر من 50 مبنى جديداً.

فالمدينة التي بناها بيديه لم تنتهِ بعد، وربما لا يريد لها أن تنتهي.


ملفات عالقة في الثقافة المصرية تنتظر تعيين وزير جديد

القائم بأعمال وزير الثقافة خلال اجتماع  باللجنة العليا لمعرض القاهرة الدولي للكتاب (وزارة الثقافة)
القائم بأعمال وزير الثقافة خلال اجتماع باللجنة العليا لمعرض القاهرة الدولي للكتاب (وزارة الثقافة)
TT

ملفات عالقة في الثقافة المصرية تنتظر تعيين وزير جديد

القائم بأعمال وزير الثقافة خلال اجتماع  باللجنة العليا لمعرض القاهرة الدولي للكتاب (وزارة الثقافة)
القائم بأعمال وزير الثقافة خلال اجتماع باللجنة العليا لمعرض القاهرة الدولي للكتاب (وزارة الثقافة)

انتقد كتّاب ونقاد مصريون تأخر تعيين وزير جديد للثقافة بعد مرور نحو شهرين ونصف منذ استقالة وزيرة الثقافة الدكتورة جيهان زكي من منصبها في 7 يوليو (تموز) الماضي، إثر إدانتها بحكم قضائي لتعديها على حقوق الملكية الفكرية، كما انتقدوا الاكتفاء باختيار وزير التعليم العالي والبحث العلمي الدكتور عبد العزيز قنصوة ليقوم بتسيير العمل بشكل مؤقت، في ظل وجود ملفات عالقة بالثقافة تتطلب قرارات وزير متخصص.

وكتب الصحافي سليمان جودة عبر مقال له بجريدة «المصري اليوم» بعنوان «الوزير الغائب»: «تبدو الدولة وكأنها نسيت أن الحكومة ينقصها وزير ثقافة، وتبدو الحكومة وكأنها ارتاحت إلى أنها ينقصها وزير»، قائلا إنه «يخشى أن تفكر الحكومة في استمرار قيام وزير فيها بمهام أعمال وزير الثقافة دون سقف زمني محدد»، متسائلاً: «هل تخلو المحروسة من شخص يصلح وزيراً للثقافة؟».

وتساءلت الكاتبة فاطمة المعدول عن «سبب عدم تعيين وزير ثقافة حتى الآن... هل لعدم وجود من يصلح؟». وأضافت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «كل الملفات المهمة عالقة، وقرار تعيين وزير جديد تأخر أكثر من اللازم، وكأنه لا يوجد بمصر كفاءات لتولي هذا المنصب».

وقالت المعدول، التي عملت في قطاعات كثيرة بالوزارة على مدى سنوات، إن «لدى الحكومة 4 شخصيات على خبرة وكفاءة كبيرة بالعمل الثقافي ومن داخل الوزارة تصلح تماماً لتولي هذا المنصب، وأولهم الدكتور هشام عزمي رئيس الجهاز القومي للملكية الفكرية وهو بدرجة وزير دولة، وتولى عدداً من المناصب بالوزارة»، وترى المعدول أنه «كان من الأولى ضم جهاز الملكية الفكرية إلى الثقافة لأنها تتبعها أساساً لتكون وزارة واحدة». وتضيف: «كما أن هناك الدكتور أشرف زكي نقيب الممثلين الذي ترأس أكاديمية الفنون قبل ذلك، والدكتور أحمد مجاهد الذي ترأس معرض الكتاب وهيئة الكتاب قبل سنوات، والدكتور سعيد المصري وهو عالم اجتماع وتولى من قبل أمانة المجلس الأعلى للثقافة».

وأشارت فاطمة إلى أن «وزير التعليم العالي والبحث العلمي ليس له علاقة بالثقافة وأزماتها، وهو لا يقوم بتسيير أمور الوزارة، بل يمارس دور وزير الثقافة، حيث قام بتغيير لجان مهمة مثل اللجنة الاستشارية العليا لمعرض الكتاب، ولجنة جائزة المبدع الصغير»، على حد قولها.

فيما أكدت الناقدة الدكتورة سامية حبيب تفهمها لتأخر الدولة في اختيار وزير للثقافة، على أساس أن الوسط الثقافي يحتاج إلى وسيط محدد لعرض مطالبهم وأفكارهم، لكنها تبدي وجهة نظر مختلفة قائلة: «أتفهم أن الدولة ترى أن منصب وزير ثقافة مصر منصب خطير ومهم، وفي حاجة إلى دقة في الاختيار».

وترى أن الدكتور عبد العزيز قنصوة القائم بأعمال وزير الثقافة يؤدي مهامه في الحدود المطلوبة بنجاح وهو أستاذ جامعي قدير ولم يقصر في أعمال الثقافة، وتضيف: «أرى أن اختيار وزير الثقافة ليس اختياراً لشخص بل لتوجه وفكر وخطط وطبيعة عمل لا بد أن يعمل بها الوزير الجديد؛ لأن ثقافة مصر متعددة ومتنوعة ومتفردة، وتواجه أزمات كثيرة مؤجلة، مثل أزمة السينما المصرية التي غاب عنها الموضوعات الجيدة وغابت عن المنافسة القوية بالمهرجانات العالمية، وأن على الوزير المقبل تطوير البعد الثقافي المصري على الساحة العالمية، وهي مهمة ليست سهلة».

وعَد الناقد الفني المصري طارق الشناوي «استمرار مقعد وزير الثقافة شاغراً حتى الآن أنه يعكس أن اهتمام الدولة بالثقافة يأتي في ذيل القائمة»، مؤكداً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أنه «لو كان ذلك المقعد يخص وزارات مثل الصناعة أو التموين أو الاقتصاد لم يكن سينتظر القرار لأكثر من شهرين»، وأضاف أنه «على الرغم من تولي وزير التعليم العالي والبحث العلمي تسيير الأمور، لكن الأمر يحتاج إلى نظرة أكثر عمقاً للثقافة وأكثر تخصصاً، وتلك النظرة لا يمتلكها القائم بالأعمال، كما أن سلطاته ليست مطلقة؛ لذا يجب المسارعة بالقرار دون انتظار؛ لأن خلو مقعد وزير الثقافة أدى إلى عرقلة كثير من الملفات المهمة».

ولفت الشناوي إلى «وجود ملفات سينمائية عالقة، مثل إعادة الدعم للأفلام الذي توقف منذ 10 سنوات، ومصير مهرجاني الإسماعيلية للأفلام التسجيلية والقومي للسينما، وهذه الأمور لا يقوم بها سوى وزير ثقافة لديه رؤية للعمل وخيال وخطط بعيدة المدى»، على حد تعبيره. مشيراً إلى أن «اجتماعات لجان وزارة الثقافة متوقفة منذ شهرين، وهو شيء أقرب للركود في وزارة لها حيويتها وأهميتها مثل الثقافة».

وتضم وزارة الثقافة كثيراً من الهيئات المتعلقة بالنشر والفنون والسينما والمسرح، التي تلعب دوراً حيوياً في تقديم الثقافة للجمهور، من بينها أكاديمية الفنون، والمجلس الأعلى للثقافة، والهيئة العامة للكتاب، والهيئة العامة لقصور الثقافة، والبيت الفني للمسرح، وقطاع الإنتاج الثقافي، والمركز الثقافي المصري (دار الأوبرا المصرية)، وقطاع الفنون التشكيلية، وقطاع العلاقات الخارجية، وصندوق التنمية الثقافية.


34 فناناً يستكشفون مفهوم الترحال ‏وإرث الخرائط التاريخية في معرض دولي بالرياض

يجمع المعرض نخبةً من 34 فناناً و69 عملاً فنياً انطلاقاً من منظور يرى في السفر فعلاً جسدياً وفكرياً (مسك للفنون)
يجمع المعرض نخبةً من 34 فناناً و69 عملاً فنياً انطلاقاً من منظور يرى في السفر فعلاً جسدياً وفكرياً (مسك للفنون)
TT

34 فناناً يستكشفون مفهوم الترحال ‏وإرث الخرائط التاريخية في معرض دولي بالرياض

يجمع المعرض نخبةً من 34 فناناً و69 عملاً فنياً انطلاقاً من منظور يرى في السفر فعلاً جسدياً وفكرياً (مسك للفنون)
يجمع المعرض نخبةً من 34 فناناً و69 عملاً فنياً انطلاقاً من منظور يرى في السفر فعلاً جسدياً وفكرياً (مسك للفنون)

يتجاوز موضوع السفر مجرد الانتقال من مكان إلى آخر؛ فتتداخل فيه عوامل الزمان، والبر والبحر والطقس، ويتجلى ذلك على الشاشات وفي الفضاءات المشتركة، ويكون بمثابة وسيلة معرفية تُشرك العقل والجسد معاً، ويتشكّل من الروابط التي تجمع بين الناس، ومن تداول التجارب التي تصيغ فهم العالم وتعيد تشكيله.

ومن هذه الزاوية اللافتة، يفتح معرض فني فريد في العاصمة السعودية أبوابه لتأمل موضوع السفر في تجلياته المتعددة، حيث أطلق معهد «مسك» للفنون معرضه الفني «على امتداد الطريق» في صالة الأمير فيصل بن فهد بالرياض، ليقدم حتى 31 مارس (آذار) 2027 تجربة واسعة تجمع 34 فناناً من السعودية والعالم، إلى جانب عرض مخطوطات تاريخية نادرة.

ويستلهم المعرض إرثَ الرحلات التاريخية، وفي مقدمتها رحلة ابن بطوطة، ليجمع نخبةً من 34 فناناً و69 عملاً فنياً، انطلاقاً من منظور يرى في السفر فعلاً جسدياً وفكرياً، خارجياً وداخلياً في آنٍ واحد، وبهذا المعنى، يحمل السفر بُعداً معنوياً؛ إذ يغدو عبوراً تهتز خلاله الذات وتُعاد صياغتُها، وتقدم كل عتبةٍ فرصة للتجدّد.

وتتنوع الأعمال المختارة في هذا المعرض بين الرسم، والتصوير الفوتوغرافي، والنحت، والممارسات الرقمية، والمواد الأرشيفية، بما في ذلك المخطوطات النادرة. وعبر هذه الأعمال، تتجسد الحركة في المناظر الطبيعية، واللغة، والذاكرة، والتصورات الكونية، وفي صيرورة الأجساد وتحولات السرديات التاريخية، فيغدو رسم الخرائط، في هذا السياق، فعلاً حرّاً وتأويلياً، تصوغه التجربة الحيّة ويتجاوز الإحداثيات الثابتة.

تتنوع أعمال المعرض بين الرسم والتصوير الفوتوغرافي والنحت والممارسات الرقمية والمواد الأرشيفية (مسك للفنون)

يستلهم المعرض إرثَ الرحلات التاريخية وفي مقدمتها رحلة ابن بطوطة (مسك للفنون)

السفر بوصفه تجربةً وجدانية ومشتركة

يجمع معرض «على امتداد الطريق» أعمال أكثر من 30 فناناً إلى جانب مواد أرشيفية تاريخية، مستكشفاً السفر بوصفه تجربةً وجدانية ومشتركة وفكرية، بين الرحلات والمناظر الطبيعية والذاكرة والمجتمعات والعوالم الداخلية، ويتأمل الزائر للمعرض كيف تصبح الحركة مصدراً للمعرفة، وكيف تغيّر رؤية الأفراد وتعيد تشكيل صلتهم بالعالم، حيت يتيح المعرض لزواره تتبّع مساراته واكتشاف قدرة الحركة على رسم خرائط جديدة للتجارب.

كما يعيد المعرض تشكيل مفهوم السفر بوصفه رحلة للتحول واكتشاف الذات، مستلهماً روح رحلات ابن بطوطة عبر محاور فنية تتناول الخرائط، والمعرفة، والاهتداء للطريق، والخرائط العاطفية، والطبيعة بوصفها خريطة حية، ضمن أعمال تركيبية وبصرية متنوعة.

وتتضمن أروقة المعرض قطعاً تاريخية بارزة، منها مخطوط «صور الكواكب الثابتة» للصوفي الرازي، ومخطوط «نزهة القلوب» للقزويني المستوفي، بالإضافة إلى قرص فلكي نحاسي يعكس إسهامات الحضارة الإسلامية في علوم الملاحة والجغرافي، في امتداد يمثله المعرض وجسر بين الإرث العربي والإسلامي واللغات البصرية المعاصرة، مؤكداً دور الفن بوصفه مساحة للحوار والتأمل وإعادة تعريف معنى الرحلة.

يعيد المعرض تشكيل مفهوم السفر بوصفه رحلة للتحول واكتشاف الذات (مسك للفنون)

ويتناول المعرض فكرة إدراك المعرفة من خلال السفر؛ إذ تتفاعل الأعمال الفنية مع رسم الخرائط بوصفه موضوعاً ومنهجاً في آنٍ واحد، فتفكّك بنيتَه وتحرّرها لتنتج أشكالاً مستحدثة، وتنعطف المسارات على نفسها، ويُعاد تخيّل المكان بواسطة ما يُسمّى «الخرائط الوجدانية»، وهي خرائط تجمع التجربة الإنسانية الذاتية والخبرة الوجدانية، ويمتد هذا التصور إلى الخرائط الشعرية، التي تقوم على فهمٍ أسطوري ومعنوي، واستيعاب قائم على العلاقات المكانية عوضاً عن الاكتفاء بالتأويل الهندسي فقط، ليغدو السفر بذلك فعلاً تعبيرياً.

ويرتّب المعرض الأعمال الفنية في سلسلة من محطات العبور، ويدعو الزائر إلى التوقف وإعادة تموضعه إزاء الأعمال وإزاء الآخرين، وبهذا، يجسّد المعرض فكرته القائلة بأن السفر سبيل إلى المعرفة، حيث تشكّل كل إيماءة، وكل صورة، وكل شذرة أرشيفية إحداثية في خريطة للوعي تتّسع بشكل مستمر، كما تغدو الحركة عبر المكان فعلاً معرفياً، تتحول به الرحلة الخارجية إلى رحلة داخلية تقود إلى إدراك أوسع وفهم أعمق.