أيام قليلة تفصل واشنطن عن «الشلل التام» مجدداً

دماء مينابوليس وعاصفة «فيرن» رفعتا احتمالات الإغلاق الحكومي إلى 75 %

متظاهرون وأفراد من المجتمع رفعوا لافتة كُتب عليها «حان وقت إغلاق وطني» خلال تجمع احتجاجي طارئ في مينابوليس (د.ب.إ)
متظاهرون وأفراد من المجتمع رفعوا لافتة كُتب عليها «حان وقت إغلاق وطني» خلال تجمع احتجاجي طارئ في مينابوليس (د.ب.إ)
TT

أيام قليلة تفصل واشنطن عن «الشلل التام» مجدداً

متظاهرون وأفراد من المجتمع رفعوا لافتة كُتب عليها «حان وقت إغلاق وطني» خلال تجمع احتجاجي طارئ في مينابوليس (د.ب.إ)
متظاهرون وأفراد من المجتمع رفعوا لافتة كُتب عليها «حان وقت إغلاق وطني» خلال تجمع احتجاجي طارئ في مينابوليس (د.ب.إ)

تتسارع دقات الساعة في واشنطن مع اقتراب الموعد النهائي لتمويل الحكومة في 31 يناير (كانون الثاني) 2026، وسط حالة من التشاؤم لم يشهدها «الكابيتول» منذ عقود. فبينما يترقب الشارع الأميركي والأسواق المالية تصويتاً حاسماً في مجلس الشيوخ مطلع الأسبوع المقبل ووسط صرخة احتجاج غاضبة مقبلة من مينابوليس، قفزت احتمالات الإغلاق الحكومي في منصات التوقعات مثل «بولي ماركت» و«كالشي» من 30 في المائة إلى 75 في المائة خلال يومين فقط، مما يعكس قناعة الأسواق بأن الصدام المقبل بات شبه حتمي.

وفي تصريحات زادت من قلق المستثمرين، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، على هامش منتدى دافوس، أن إغلاقاً حكومياً آخر بات مرجحاً مع اقتراب الكونغرس من الموعد النهائي لإقرار التمويل في 30 يناير، حتى مع سعي الأعضاء للتوصل إلى اتفاقيات تمويل. وقال في مقابلة مع قناة «فوكس بيزنس»: «أعتقد أننا نواجه مشكلة، لأنني أظن أننا سننتهي على الأرجح بإغلاق حكومي آخر من قِبَل الديمقراطيين». وفي إشارة إلى الإغلاق الأخير الذي بدأ في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أضاف: «لقد كلفنا هذا الإغلاق الكثير، وأعتقد أنهم سيكررونه على الأرجح، هذا ما أشعر به. سنرى ما سيحدث».

دماء «مينابوليس» تنسف مفاوضات التمويل

لم تعد الأزمة مجرد أرقام في ميزانية، بل تحولت إلى قضية أمنية وحقوقية مشتعلة. ففي يوم السبت، أعلن عدد من أعضاء مجلس الشيوخ، عزمهم التصويت ضد مشاريع قوانين الإنفاق الحكومي المقبلة، وذلك بعد مقتل مواطن أميركي ثانٍ على يد عملاء فيدراليين في مينابوليس، مما يزيد بشكل كبير من احتمالية إغلاق الحكومة الأسبوع المقبل. وجاء مقتل الممرض أليكس بريتي (37 عاماً) برصاص عملاء فيدراليين ليصب الزيت على النار، خصوصاً أنه يأتي بعد وقت قصير من مقتل المواطنة رينيه جود في ظروف مشابهة. وأثار الحادث غضباً واسعاً بين المشرعين؛ حيث وصفت السيناتورة الديمقراطية، كاثرين كورتيز ماستو، إدارة ترمب ووزيرة الأمن الداخلي كريستي نوم بنشر عملاء «عدوانيين وغير مدربين في الشوارع دون أدنى محاسبة»، معلنة رفضها القاطع لتمويل وزارة الأمن الداخلي (DHS) في ظل هذه الظروف.

مئات المتظاهرين أمام مبنى بلدية لوس أنجلوس خلال احتجاجات «إضراب أميركا الحرة» التي دعت إلى إغلاق شامل في لوس أنجلوس (إ.ب.أ)

في المقابل، حسم زعيم الأقلية الديمقراطية، تشاك شومر، الموقف ببيان شديد اللهجة، مؤكداً أن «الديمقراطيين لن يمنحوا الأصوات اللازمة لتمرير الموازنة إذا تضمنت مشروع قانون تمويل وزارة الأمن الداخلي». وبموجب قوانين مجلس الشيوخ، يحتاج الجمهوريون إلى 60 صوتاً لتمرير الموازنة، وهو ما يجعله مستحيلاً دون توافق مع الديمقراطيين، الذين باتوا يربطون التمويل بوقف ما وصفوه بـ«القمع العنيف» و«الاستيلاء الفيدرالي» على المدن الأميركية.

زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر يلقي كلمةً أمام الحضور خلال إحياء ذكرى يوم مارتن لوثر كينغ (رويترز)

عاصفة «فيرن»

وإمعاناً في تعقيد المشهد، تدخلت الطبيعة في توقيت حرج؛ حيث تسببت العاصفة الشتوية «فيرن» في تأجيل جلسة التصويت إلى يوم الاثنين 26 يناير. ومع تحذيرات الثلوج والجليد التي تهدد بإغلاق مطارات واشنطن، يواجه أعضاء مجلس الشيوخ تحدياً لوجيستياً قد يمنعهم من العودة في الوقت المناسب لكسر الجمود السياسي قبل الموعد النهائي في 30 يناير.

ويستهدف التصويت في مجلس الشيوخ حسم ملفين متداخلين يحددان مصير استمرارية الحكومة الأميركية، وهما:

- الموافقة على حزمة مشاريع قوانين التمويل: سيصوت أعضاء مجلس الشيوخ على مجموعة من مشاريع القوانين التي مررها مجلس النواب الأسبوع الماضي، والتي تهدف إلى تمويل وزارات حيوية (مثل الدفاع، العمل، الصحة، التعليم، النقل) حتى نهاية السنة المالية في سبتمبر 2026.

- تمرير تمويل وزارة الأمن الداخلي: هذا هو الجزء الأكثر إثارة للجدل، حيث يشمل تمويل وكالة الهجرة والجمارك. التصويت على هذا البند هو «اللغم» الحقيقي، لأن الديمقراطيين يهددون بعرقلته ما لم تُدرج إصلاحات تتعلق بمساءلة العملاء الفيدراليين بعد حوادث القتل الأخيرة في مينابوليس.

يتحدث رئيس مجلس النواب الجمهوري مايك جونسون إلى الصحافيين حول مفاوضات الموازنة في مبنى الكابيتول (إ.ب.أ)

شبح نوفمبر 2025 ما زال حاضراً

يخيم على العاصمة شبح إغلاق نوفمبر الماضي، الذي استمر 43 يوماً وكان الأطول في تاريخ البلاد. والآن، وبدلاً من التركيز على النمو، تبذل الوكالات الفيدرالية جهوداً حثيثة لوضع خطط طوارئ وإجازات قسرية لمئات الآلاف من الموظفين الذين قد يضطرون للعمل دون أجر أو البقاء في منازلهم بدءاً من مطلع فبراير (شباط)، ما لم تحدث «معجزة سياسية» في الأيام المقبلة.


مقالات ذات صلة

مبيعات التجزئة الأميركية تتراجع بشكل مفاجئ في يوليو

الاقتصاد رجل يتسوق لشراء اللحوم في سوق «إيسترن ماركت» وسط العاصمة الأميركية (رويترز)

مبيعات التجزئة الأميركية تتراجع بشكل مفاجئ في يوليو

تراجعت مبيعات التجزئة الأميركية بشكل غير متوقع في يوليو (تموز)، بعد مكاسب قوية سجلتها مؤخراً بدعم من استردادات ضريبية كبيرة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد العلم الأميركي يرفرف في «ناشونال مول» بالقرب من مبنى الكابيتول في واشنطن (رويترز)

«فيتش» تُبقي تصنيف الولايات المتحدة عند «إيه إيه +» مع نظرة مستقبلية مستقرة

أكدت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني يوم الخميس تصنيفها السيادي للولايات المتحدة عند «إيه إيه +» مع نظرة مستقبلية مستقرة، مشيرةً إلى حجم الاقتصاد الأميركي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند بيث هاماك خلال مقابلة مع «رويترز» بنيويورك 24 أبريل 2025 (رويترز)

رئيسة «فيدرالي كليفلاند» تجدد المطالبة برفع الفائدة لمواجهة التضخم

جددت بيث هاماك رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند يوم الخميس تأكيدها على ضرورة رفع البنك المركزي الأميركي أسعار الفائدة بالوقت الراهن

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد موظف يشغّل آلة لإنتاج أكياس التسوق بجوار لفائف من البلاستيك في شركة «إميرالد باكيجينغ» بمدينة يونيون سيتي في كاليفورنيا (رويترز)

استقرار أسعار المنتجين الأميركيين في يوليو مع ارتفاع تكاليف الخدمات

استقرت أسعار المنتجين الأميركيين في يوليو مع انخفاض أسعار السلع، رغم ارتفاع تكاليف الخدمات، ما يشير إلى احتمال استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد لافتة «مطلوب موظفون» معلّقة على باب أحد فروع شركة «غيم ستوب» بمدينة نيويورك (رويترز)

ارتفاع طفيف في طلبات إعانة البطالة الأميركية الأسبوع الماضي

ارتفع عدد الأميركيين المتقدمين بطلبات للحصول على إعانات البطالة، بشكل طفيف، الأسبوع الماضي، في مؤشر على استقرار سوق العمل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

استثمار «ألفابت» في «سبايس إكس» يتضاعف 100 مرة إلى 94 مليار دولار

حروف كلمة «ألفابت» على شاشة كمبيوتر تتضمن صفحة بحث «غوغل» في رسم توضيحي (رويترز)
حروف كلمة «ألفابت» على شاشة كمبيوتر تتضمن صفحة بحث «غوغل» في رسم توضيحي (رويترز)
TT

استثمار «ألفابت» في «سبايس إكس» يتضاعف 100 مرة إلى 94 مليار دولار

حروف كلمة «ألفابت» على شاشة كمبيوتر تتضمن صفحة بحث «غوغل» في رسم توضيحي (رويترز)
حروف كلمة «ألفابت» على شاشة كمبيوتر تتضمن صفحة بحث «غوغل» في رسم توضيحي (رويترز)

أظهرت إفصاحات تنظيمية أن الاستثمار المبكر لشركة «ألفابت»، المالكة لـ«غوغل»، في شركة «سبايس إكس» تضاعفت قيمته بأكثر من 100 مرة، إذ بلغت قيمة حصتها نحو 94 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران)، مقارنة باستثمار أولي قدره 900 مليون دولار في شركة الصواريخ التابعة لإيلون ماسك عام 2015.

وبحسب تحليل أجرته «رويترز» لإفصاحات الربع السنوية المتاحة حتى الآن، أصبحت «ألفابت» أكبر مستثمر مؤسسي منفرد في «سبايس إكس» بفارق كبير، عقب الطرح العام الأولي للشركة الذي جمع 86 مليار دولار في يونيو.

وتسلط الإفصاحات الضوء على حجم المكاسب التي حققها المستثمرون الأوائل في «سبايس إكس»، مع تحول الشركة من شركة ناشئة مملوكة للقطاع الخاص إلى عملاق مدرج في الأسواق المالية، كما تكشف عن النمو الكبير في قيمة الاستثمارات المبكرة فيها.

غير أن بيانات الإفصاح المعروفة باسم «إف 13»، والتي تُجمع مرة كل ربع سنة ويجري نشرها خلال ستة أسابيع من نهاية الربع، لا تعكس عمليات الشراء أو البيع التي ربما نفذها كبار المستثمرين منذ 30 يونيو. كما تظل هناك قيود أخرى تتعلق بالعدد الكبير من المستثمرين في «سبايس إكس» وتفاوت المواعيد التي تصبح فيها أسهمهم مؤهلة للبيع في الأسواق العامة.

شعار شركة «سبايس إكس» على أحد المباني في مركز كينيدي للفضاء بكيب كانافيرال في فلوريدا (أ.ب)

وقال ستيف سوسنيك، استراتيجي الأسواق لدى «إنتراكتيف بروكرز»: «من الصعب جداً تحديد المؤسسات التي كانت تحتفظ بأسهم قبل الطرح العام الأولي».

وتُعد «ألفابت» حالة استثنائية، بعدما أعلنت علناً استثمارها 900 مليون دولار في «سبايس إكس» عام 2015، ما يوفر معياراً نادراً لقياس حجم المكاسب مقارنة بالقيمة الحالية لحصتها.

وبحسب إفصاح الشركة، امتلكت «ألفابت» 551.2 مليون سهم في «سبايس إكس» بنهاية الربع الثاني، بقيمة تقارب 94.2 مليار دولار، استناداً إلى سعر السهم البالغ 170.86 دولاراً في 30 يونيو.

لكن تراجع سعر السهم لاحقاً خفّض قيمة الحصة المعلنة إلى نحو 77.9 مليار دولار، وفق سعر الإغلاق يوم الخميس، لتظل قيمتها مع ذلك أكبر بنحو 86.5 مرة من قيمة استثمار «غوغل» الأصلي.

وجاءت «فيديلتي إنفستمنتس» في المرتبة الثانية بين أكبر المساهمين المؤسسيين المعلنين، بحيازة 302.6 مليون سهم، تلتها «غيغافاند مانجمنت» بـ171.8 مليون سهم، ثم «بيلي غيفورد» بـ51.4 مليون سهم و«بلاك روك» بـ51 مليون سهم.

واستحوذ كبار المساهمين الخمسة، وهم «ألفابت» و«فيديلتي» و«غيغافاند» و«بيلي غيفورد» و«بلاك روك»، على ما يقارب ثلاثة أرباع الأسهم المعلنة لـ«سبايس إكس»، ما يعكس تركّز الملكية المؤسسية المعلنة في أيدي عدد محدود من المستثمرين.

وفي إفصاح منفصل، قالت «سبايس إكس» إن إيلون ماسك يمتلك حصة تبلغ 48.4 في المائة من الشركة.

وكانت «سبايس إكس» قد طرحت أسهمها للاكتتاب العام في 12 يونيو بسعر 135 دولاراً للسهم، قبل أن تتراجع من مستويات نهاية يونيو. وأغلق السهم يوم الخميس عند 141.29 دولاراً، بارتفاع 4.7 في المائة عن سعر الطرح، لكنه لا يزال أقل بنسبة 17.3 في المائة من إغلاق 30 يونيو.

وقال سوسنيك إن «سبايس إكس» لا تزال من بين الأسهم الأكثر تداولاً بين عملاء «إنتراكتيف بروكرز»، مشيراً إلى أن السهم شهد موجة جديدة من الشراء الأسبوع الماضي بعد أن تلاشت المخاوف بشأن انتهاء أول فترة حظر لبيع الأسهم.

وفي المقابل، تحول المستثمرون الأفراد إلى بائعين صافين للسهم يوم الجمعة للمرة الأولى منذ الطرح العام، وفق بيانات شركة «فاندا ريسيرتش»، التي قدرت صافي مبيعات هذه الفئة بنحو 4.5 مليون دولار في ذلك اليوم.

وتراجعت أسهم «سبايس إكس» 3 في المائة يوم الخميس، لكنها لا تزال مرتفعة بنحو 30 في المئة منذ الخامس من أغسطس (آب).


مبيعات التجزئة الأميركية تتراجع بشكل مفاجئ في يوليو

رجل يتسوق لشراء اللحوم في سوق «إيسترن ماركت» وسط العاصمة الأميركية (رويترز)
رجل يتسوق لشراء اللحوم في سوق «إيسترن ماركت» وسط العاصمة الأميركية (رويترز)
TT

مبيعات التجزئة الأميركية تتراجع بشكل مفاجئ في يوليو

رجل يتسوق لشراء اللحوم في سوق «إيسترن ماركت» وسط العاصمة الأميركية (رويترز)
رجل يتسوق لشراء اللحوم في سوق «إيسترن ماركت» وسط العاصمة الأميركية (رويترز)

تراجعت مبيعات التجزئة الأميركية بشكل غير متوقع في يوليو (تموز)، بعد مكاسب قوية سجلتها مؤخراً بدعم من استردادات ضريبية كبيرة، إلا أن الإنفاق الاستهلاكي من المرجح أن يظل مدعوماً بارتفاع ثروة الأسر بفضل مكاسب سوق الأسهم، رغم تزايد حساسيتها تجاه ارتفاع الأسعار.

وأفاد مكتب الإحصاء التابع لوزارة التجارة يوم الجمعة بأن مبيعات التجزئة انخفضت بنسبة 0.6 في المائة الشهر الماضي، بعد ارتفاعها 0.2 في المائة في يونيو (حزيران)، دون تعديل. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاع مبيعات التجزئة، التي تشمل في معظمها السلع ولا تُعدّل وفقاً للتضخم، بنسبة 0.1 في المائة. وتراوحت التقديرات بين انخفاض 0.5 في المائة وارتفاع 0.7 في المائة، وفق «رويترز».

وساهمت استردادات الضرائب السخية هذا العام في تخفيف أثر ارتفاع أسعار البنزين الناجم عن الصراع في الشرق الأوسط، ما دعم انتعاشاً قوياً في الإنفاق الاستهلاكي خلال الربع الثاني. وأشار اقتصاديون إلى أن تأثير هذه الاستردادات ربما بدأ في التلاشي.

وجاء تراجع مبيعات التجزئة الشهر الماضي متأثراً أيضاً بتقديم «أمازون» موعد فعالية «برايم داي» من يوليو إلى يونيو، فيما أطلق تجار تجزئة آخرون عروضاً ترويجية منافسة. كما انخفضت أسعار البنزين الشهر الماضي، ما أثر سلباً على إيرادات محطات الوقود، بينما أفادت شركات تصنيع السيارات بتراجع مبيعاتها.

ومع انتعاش سوق الأسهم الذي عزز ثروة الأسر، يرى اقتصاديون أن ضعف مبيعات التجزئة قد يكون مؤقتاً. وارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنحو 14 في المائة منذ بداية العام.

وقال اقتصاديون في «بي إن سي فاينانشال»: «إن تحليل بيانات البنوك أظهر أن الأسر بدت في يوليو أكثر حساسية لارتفاع أسعار البنزين مقارنة بالفترة السابقة من العام، ما خلق، بحسب تقديراتهم، بيئة أقل دعماً للإنفاق خلال النصف الثاني من العام.

لكنهم أضافوا أنه «من الصعب تصور سيناريو يعود فيه الإنفاق إلى وضعه الطبيعي تماماً»، في ظل ارتفاع ثروة الأسر.

وكتب الاقتصاديون في مذكرة: «نرى أدلة متزايدة على أن الأسر ذات الدخل المرتفع وكبار السن يستغلون مكاسب ثرواتهم لدعم الإنفاق».

وانخفضت مبيعات التجزئة، باستثناء السيارات والبنزين ومواد البناء وخدمات الطعام، بنسبة 0.4 في المائة الشهر الماضي، بعد تعديل بيانات يونيو بالخفض لتظهر ارتفاعاً بنسبة 0.4 في المائة. وكان الاقتصاديون قد توقعوا ارتفاع هذه المبيعات الأساسية، التي تُعد مؤشراً مهماً للإنفاق الاستهلاكي ضمن الناتج المحلي الإجمالي، بنسبة 0.3 في المائة، بعد ارتفاعها 0.5 في المائة في يونيو.

وسجل الإنفاق الاستهلاكي، الذي يمثل أكثر من ثلثي حجم الاقتصاد، نمواً سنوياً قدره 3.2 في المائة في الربع الثاني، بينما نما الاقتصاد الأميركي بنسبة 1.5 في المائة خلال الفترة نفسها.


انكماش قياسي للقروض الصينية يكشف ضعف الطلب

عمال في مصنع للأغذية الجاهزة بمدينة بينغجيانغ وسط الصين (أ.ف.ب)
عمال في مصنع للأغذية الجاهزة بمدينة بينغجيانغ وسط الصين (أ.ف.ب)
TT

انكماش قياسي للقروض الصينية يكشف ضعف الطلب

عمال في مصنع للأغذية الجاهزة بمدينة بينغجيانغ وسط الصين (أ.ف.ب)
عمال في مصنع للأغذية الجاهزة بمدينة بينغجيانغ وسط الصين (أ.ف.ب)

أظهرت أحدث بيانات الائتمان في الصين مفارقة متزايدة أمام صناع السياسة الاقتصادية: السيولة متاحة وتكلفة الاقتراض تتراجع، لكن الأسر والشركات لا تبدو راغبة في الاقتراض؛ فقد سجلت القروض الجديدة باليوان انكماشاً قياسياً خلال يوليو (تموز)، بالتزامن مع ارتفاع طفيف في نسبة القروض المتعثرة، في مؤشرات تعكس استمرار ضعف الطلب المحلي رغم السياسة النقدية التيسيرية.

وبحسب بيانات بنك الشعب الصيني، انكمشت القروض الجديدة باليوان بنحو 340 مليار يوان (50.4 مليار دولار) في يوليو، وهو أكبر انخفاض شهري مسجل، وثاني انكماش خلال العام بعد أبريل (نيسان). وجاء الرقم أسوأ بكثير من توقعات المحللين التي أشارت إلى قروض جديدة بقيمة 45 مليار يوان، وبعد قفزة بلغت 1.61 تريليون يوان في يونيو (حزيران).

ورغم أن البنوك الصينية عادة ما تكثف الإقراض قبل نهاية الربع الثاني ثم تخفضه في يوليو، فإن حجم الانكماش هذه المرة يثير أسئلة أوسع بشأن قوة الطلب على الائتمان في ثاني أكبر اقتصاد عالمي.

وبلغ إجمالي القروض الجديدة خلال الأشهر السبعة الأولى 10.38 تريليون يوان، بانخفاض يقارب 19 في المائة عن 12.87 تريليون يوان في الفترة نفسها من العام الماضي. كما تباطأ نمو رصيد القروض باليوان إلى 5.1 في المائة على أساس سنوي، من 5.2 في المائة في يونيو، مسجلاً أدنى مستوى على الإطلاق.

وتبدو الأسر الحلقة الأكثر ضعفاً؛ فقد انكمشت قروضها، بما فيها الرهون العقارية، بمقدار 460.3 مليار يوان في يوليو، بعدما زادت 264.6 مليار يوان في الشهر السابق. كما تراجعت قروض الشركات بنحو 130 مليار يوان، مقارنة بزيادة ضخمة بلغت 1.5 تريليون يوان في يونيو.

وتشير هذه الأرقام إلى أن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بقدرة البنوك على توفير التمويل، بل بضعف استعداد القطاع الخاص لتحمل ديون جديدة؛ فالضغوط المستمرة في سوق العقارات والحذر بشأن الدخل والوظائف تدفع الأسر إلى خفض المديونية، بينما يؤدي ضعف الطلب إلى تقليص حوافز الشركات للتوسع والاستثمار.

وقالت «كابيتال إيكونوميكس» إن ضعف الطلب على القروض يأتي رغم استمرار انخفاض أسعار الإقراض الاسمية، مشيرة إلى أن عودة التضخم تعني أن تكلفة الاقتراض الحقيقية انخفضت بصورة حادة هذا العام. وترى المؤسسة أن بنك الشعب الصيني لا يبدو شديد القلق إزاء البيانات الأخيرة، مع توقعها خفض أسعار الفائدة بنحو 30 نقطة أساس خلال العام المقبل.

• ضغوط محدودة على جودة الأصول

يأتي ضعف الائتمان فيما أظهرت بيانات الهيئة الوطنية للتنظيم المالي ارتفاع نسبة القروض المتعثرة لدى البنوك التجارية إلى 1.52 في المائة بنهاية الربع الثاني، بزيادة 0.01 نقطة مئوية على الربع السابق. ولا يشير الارتفاع المحدود حتى الآن إلى أزمة في جودة الأصول، خصوصاً أن القطاع المصرفي يحتفظ بهوامش رأسمالية كبيرة نسبياً. فقد بلغت نسبة كفاية رأس المال 15.26 في المائة بنهاية يونيو، بينما حققت البنوك التجارية أرباحاً صافية بلغت 1.2 تريليون يوان خلال النصف الأول من 2026.

لكن استمرار ضعف الاقتراض يفرض تحدياً مختلفاً على البنوك؛ فخفض أسعار الفائدة لدعم الاقتصاد يمكن أن يضغط على هوامش أرباحها، بينما يؤدي ضعف الطلب على القروض إلى تقليص قدرتها على تحويل السيولة المتاحة إلى نشاط اقتصادي فعلي.

• بكين تراهن على أدوات أوسع

أعلن بنك الشعب الصيني هذا الأسبوع أنه سيواصل سياسة نقدية «تيسيرية على نحو مناسب»، وسيطرح إجراءات عملية وفاعلة جديدة في الوقت الملائم، مع تعزيز التنسيق بين السياستين النقدية والمالية. إلا أن البنك لم يقدم إشارات صريحة إلى خفض قريب لأسعار الفائدة أو نسبة الاحتياطي الإلزامي للبنوك، وهو ما يتسق مع توجه السلطات نحو الاعتماد بدرجة أكبر على الإنفاق المالي وتمويل السندات بدلاً من محاولة دفع البنوك وحدها إلى زيادة الإقراض.

وتظهر البيانات بالفعل تحولاً هيكلياً في طريقة تمويل الاقتصاد الصيني؛ ففي 2025، لم تمثل القروض سوى 45 في المائة من الزيادة في إجمالي التمويل الاجتماعي، مقابل 47 في المائة للسندات وتمويل الأسهم مجتمعين، متجاوزين القروض للمرة الأولى.

ولهذا، دعت صحيفة «فاينانشال نيوز» المدعومة من البنك المركزي، إلى عدم تقييم الأوضاع المالية من خلال القروض المصرفية وحدها، والنظر إلى السندات وقنوات التمويل الأخرى. ومع ذلك، أظهرت المؤشرات النقدية تباطؤاً أيضاً؛ إذ نما المعروض النقدي الواسع M2 بنسبة 7.7 في المائة على أساس سنوي في يوليو، وهو أضعف معدل في 16 شهراً، مقارنة بـ8 في المائة في يونيو وأقل من توقعات السوق البالغة 7.9 في المائة. وفي المقابل، نما رصيد إجمالي التمويل الاجتماعي بنسبة 7.4 في المائة، دون تغيير عن الشهر السابق.

وتضع هذه الأرقام بكين أمام معضلة أكثر تعقيداً من مجرد خفض أسعار الفائدة: كيف يمكن تحويل وفرة السيولة إلى طلب فعلي على الاستثمار والاستهلاك؟ فمع انكماش قروض الأسر والشركات، يصبح نجاح السياسة الاقتصادية مرتبطاً بقدرتها على استعادة الثقة وتحسين توقعات النمو، وليس فقط بجعل الاقتراض أرخص.

وبذلك، فإن الانكماش القياسي للقروض في يوليو يمثل رسالة واضحة لصناع السياسة: البنوك الصينية لا تعاني نقص الأموال، لكن الاقتصاد يحتاج إلى أسباب أقوى تدفع الأسر والشركات إلى استخدامها.