«الطيف المخفي»... مدن مصرية تُعاد رؤيتها بعدسة غير مألوفة

فادي قدسي يطرح قراءة مختلفة للمناظر الحضرية عبر الأشعة تحت الحمراء

مدن مصر بتأثيرات الأشعة تحت الحمراء للفنان فادي قدسي (الشرق الأوسط)
مدن مصر بتأثيرات الأشعة تحت الحمراء للفنان فادي قدسي (الشرق الأوسط)
TT

«الطيف المخفي»... مدن مصرية تُعاد رؤيتها بعدسة غير مألوفة

مدن مصر بتأثيرات الأشعة تحت الحمراء للفنان فادي قدسي (الشرق الأوسط)
مدن مصر بتأثيرات الأشعة تحت الحمراء للفنان فادي قدسي (الشرق الأوسط)

يُضفي التصوير بالأشعة تحت الحمراء بُعداً فريداً على تصوير المناظر الحضرية، محوّلاً إياها إلى مَشاهد آسرة.

وفي معرض يُعدّ الأول من نوعه في مصر، يقدّم الفنان فادي قدسي 53 صورة فوتوغرافية باستخدام هذه التقنية، يعيد من خلالها تخيُّل مجموعة من المدن.

ويبرز المعرض، المقام بعنوان «الطيف المخفي» في غاليري «نوت» بالقاهرة، كيف يخلق هذا النوع المتخصّص من التصوير تجربةً فنّيةً مختلفةً، من خلال مزج العمارة الحضرية بتأثيرات إضاءة أثيرية، منتجاً صوراً سريالية تُعيد تعريف كيفية إدراكنا للمناظر الحضرية الحديثة.

الأعمال تُعيد تعريف كيفية إدراكنا للمناظر الحضرية الحديثة (الشرق الأوسط)

ومن المعروف أنّ التصوير بالأشعة تحت الحمراء يستخدم أدوات وكاميرات مُعدّلة لالتقاط أطوال موجية للضوء تتجاوز الطيف المرئي. وبدلاً من تسجيل الضوء كما نراه، يُسجّل هذا النوع من التصوير الضوء المنعكس عن الأسطح، وتتفاعل مواد مثل أوراق الشجر، والسماء، والخرسانة، بشكل مختلف معه، ممّا يُنتج مجموعة من التباينات غير المتوقَّعة.

يقول فادي قدسي: «ثمة أطياف غير مرئية بالنسبة إلى البشر، لا تراها العين العادية، ويُظهر استخدام هذه التقنية في الفوتوغرافيا هذه الأطياف، فتصبح مرئية».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «عبر اللعب بتقنيات أخرى في التعديل، نتمكن من إيصال الصورة إلى مرحلة مرئية مختلفة تماماً».

الفنان فادي قدسي يستكشف المناظر الحضرية عبر الأشعة تحت الحمراء (الشرق الأوسط)

ويتابع: «هذه التقنية تكشف أيضاً عن درجات لونية وتفاصيل خفية، منتجة في كثير من الأحيان صوراً حالمةً بأوراق شجر متوهّجة، وسماء مظلمة، وأجواء درامية غامضة».

وكان اكتشاف الجمال وإظهاره وراء اهتمام قدسي بالتصوير بالأشعة تحت الحمراء؛ فذلك، وفق تعبيره، ما تُحققه هذه التقنية تحديداً، ومن هنا درسها جيداً. كما اطّلع على المراجع المتخصّصة والتجارب العالمية، ليقدّم في النهاية هذا المعرض الذي استمر التحضير له نحو 10 أشهر.

ويقول: «أردتُ تحقيق حراك فنّي، فهذه التقنية غير مستخدمة في التصوير الفوتوغرافي في مصر، وربما في المنطقة العربية، في حين أنها واسعة الانتشار خارجها. ولأنني في معرضي الفردي السنوي، الذي أقيمه غالباً في شهر يناير (كانون الثاني) من كلّ عام، أحرص على تقديم الجديد، فقد اخترتُ التصوير بالأشعة تحت الحمراء»، موضحاً أن متابعة الحركة العالمية في الفنون، والتعرُّف على التقنيات والأفكار والتوجهات الفلسفية، يُعدّان نوعاً من التغذية البصرية والفكرية للفنان.

ويضيف: «أتوقّع أن تُثير أعمال المعرض حماسة شباب مصوّرين للاطّلاع والمعرفة، واكتشاف مزيد من التقنيات».

ولم يكتفِ قدسي باستخدام الأشعة تحت الحمراء في الفوتوغرافيا لأسباب تقنية أو فنّية مجرّدة، إنما وظّفها لدعم مشروعه القائم على إبراز جمال مصر، وعراقة عمارتها، وروعة طبيعتها، فمن خلالها «نشاهدها كما لم نشاهدها من قبل»، وفق تعبيره.

حين تتحوَّل المدن إلى مَشاهد سريالية في معرض فادي قدسي (الشرق الأوسط)

ويقول: «أردتُ من خلال هذه التجربة إعادة تخيُّل مدن مصرية، واستكشافها من جديد، مع التركيز على التباينات بين البيئات الطبيعية والمبنية، وإنشاء صور لافتة للنظر تُشكّك في تصوّراتنا عن المناظر الحضرية وما اعتدنا رؤيته فيها».

وجسَّد الفنان في معرضه مَشاهد من مدن مصرية، أبرزها القاهرة، والإسكندرية، والإسماعيلية، وقنا، لتتنقّل عين المتلقي بين المعابد المصرية، والشوارع الرئيسية، والقصور، والمناطق الحيوية.

وخلال ذلك، تستشعر إلى أيّ مدى تتمتّع الفوتوغرافيا بالأشعة تحت الحمراء بالقدرة على التقاط الضوء بطريقة مختلفة، ممّا يعزّز قدرتها على تحويل حتى أكثر المناظر الحضرية شيوعاً إلى بيئات غير مألوفة، فيما يمكن وصفه بعملية «التحوّل السريالي للبيئات الحضرية».

فعلى سبيل المثال، تصبح السماء مظلمة، وتبرز الغيوم بتناقض صارخ، كما لو كانت مرسومة على صفحة السماء. وتتحوَّل الأسطح العاكسة للمباني إلى أشكال غامضة، في مقابل الأشجار المتوهّجة، ممّا يخلق شعوراً بالمدينة الفاضلة.

التقنية تُحوّل أكثر المناظر الحضرية شيوعاً إلى بيئات غير مألوفة (الشرق الأوسط)

ورغم الجمال الخاص لمجموعة الأعمال الملوّنة، فإنّ أعمال التصوير بالأبيض والأسود في المعرض تبرز تلاعب الضوء والظلّ، كما أنّ إزالة الألوان تُبسّط الصورة، وتُركّز انتباه المُشاهد على الخطوط والأشكال المعمارية، والتفاعل المدهش للضوء.

وتكشف اللقطات عن الهندسة الكامنة في مباني المدن المصرية والبيئة الحضرية، مُحوّلة هذه المنشآت إلى أشكال شبه نحتية، ويبرز ذلك في مجموعة صوره لمبنى وزارة الخارجية المصرية، مع برج القاهرة، في إطلالتهما على نهر النيل.

وهي الصور التي فازت بالميدالية الفضية في مسابقة دولية مرموقة للتصوير الفوتوغرافي أُقيمت في العاصمة اليابانية.

وهنا نكتشف أنه حين يتعلَّق الأمر بتصوير العمارة الحضرية، حيث التناظر والأنماط والمنظور عناصر أساسية، فإنّ التصوير بالأشعة تحت الحمراء بالأبيض والأسود يُضيف بُعداً إضافياً من التجريد. فهو يبرز العناصر الهيكلية، مؤكداً الخطوط الحادة والتفاصيل الدقيقة، بينما يُخفّف في الوقت نفسه من حدّة السماء وانعكاسات الماء.

ويخلق هذا التناقض إحساساً بالانسجام بين العضوي وغير العضوي، مدمجاً التفاصيل الصناعية، أو تلك التي صنعها الإنسان، مع تأثير الضوء الطبيعي ذي الطابع الحلمي.

ولن يتوقّف مشروع «استخدام الأشعة تحت الحمراء في الفوتوغرافيا» بالنسبة إلى فادي قدسي عند هذه التجربة، إذ سيقدّم «الفصل الثاني» منه في معرضه المقبل في يناير 2027. ووفق قوله: «سيكون هذا الفصل مختلفاً تماماً، ورغم استخدام التقنية نفسها، فإنه سيكون أكثر تقدّماً على مستوى الفكر والرؤية والأسلوب».


مقالات ذات صلة

«جذور بلا أوراق»... معرض مصري يستدعي فلسطين عبر رموز إنسانية

يوميات الشرق لوحات المعرض تستلهم القضية الفلسطينية من منظور مصري يحتفي بالإنسان قبل الحدث (الشرق الأوسط)

«جذور بلا أوراق»... معرض مصري يستدعي فلسطين عبر رموز إنسانية

لا يجد زائر معرض «جذور بلا أوراق» للفنان المصري هاني رزق نفسه أمام صور مألوفة للحرب، أو مفردات بصرية مكررة اعتادت بعض الأعمال الفنية توظيفها عند تناول فلسطين.

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق لو أنّ الشوارع تضحك... لبدت هكذا (آرت أوف لندن)

رسومات خرجت من الدفتر وغزت شوارع لندن

ظهرت 5 مجسّمات عملاقة أبدعها الفنان «مستر دودل» في أنحاء حيّ ويست إند بلندن، وذلك في إطار مسار فنّي عام جديد يُتاح مجاناً للجمهور.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق لوحات المعرض تضمَّنت مزيجاً من الحضارتين الصينية والمصرية القديمة (دار الأوبرا المصرية)

حروف الصين تُحاور «الفراعنة» في القاهرة

عكست محتويات المعرض عمق الموروث الثقافي الصيني وتنوّعه، ليقدّم تجربة ثقافية تسهم في توثيق أواصر الصداقة بين مصر والصين...

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق جانب من عرض «خيوط ذهبية» (الشرق الأوسط)

«خيوط من ذهب»... ثياب من نجد تتألق في متحف فيكتوريا آند ألبرت

ثياب نسائية من نجد ترافقها رسومات للفنانة السعودية صفية بن زقر وصورة تاريخية لفتاة أوروبية في مدينة جدة تأخذ زائر «جميل غاليري للفن الإسلامي» من لندن للسعودية.

عبير مشخص (لندن)
يوميات الشرق توقعات بإقبال كبير على المعرض المصري بأميركا (وزارة السياحة والآثار المصرية)

«كنوز الفراعنة» يحط رحاله في سان فرانسيسكو بعد انتهاء جولته بروما

بعد انتهاء جولته في العاصمة الإيطالية روما، يبدأ المعرض الأثري المؤقت «كنوز الفراعنة» جولته الأولى في الولايات المتحدة عبر متحف «دي يونغ» بمدينة سان فرنسيسكو.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)