نقاد عرب يفتحون ملف «الأدب النسوي»... في العدد الأخير من مجلة «الإيسيسكو»

العدد الخامس من مجلة «الإيسيسكو» (يناير 2026)
العدد الخامس من مجلة «الإيسيسكو» (يناير 2026)
TT

نقاد عرب يفتحون ملف «الأدب النسوي»... في العدد الأخير من مجلة «الإيسيسكو»

العدد الخامس من مجلة «الإيسيسكو» (يناير 2026)
العدد الخامس من مجلة «الإيسيسكو» (يناير 2026)

تضمن العدد الجديد من مجلة «الإيسيسكو» (الخامس/ يناير «كانون الثاني» 2026) ملفّاً خاصاً عن «الأدب النسوي... أزمة المصطلح وآفاق التخييل»، شارك فيه عدد من النقاد والأكاديميين العرب، بينهم المفكر والناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم، الذي كتب مقالة، بعنوان: «السرد النسوي... حدود المفهوم وشروطه»، والناقدة والأكاديمية المصرية الدكتورة أماني فؤاد، في مقال حمل عنوان: «الرواية والنسوية صرخات سردية لإثبات الوجود»، وكذلك مقال للدكتور أنس النعيمي بعنوان: «خصوصية الشعر النسائي المعاصر وأغراضه»، والأكاديمية السعودية الدكتورة منى المالكي عميدة كلية الفنون بجامعة الملك سعود، في مقال بعنوان: «من سؤال الوجود إلى رهانات الكتابة في إشكالية المصطلح وضرورة السؤال النسوي»، بالإضافة إلى عدد من التحقيقات والمقالات الأدبية والثقافية والحوارات والنصوص الشعرية.

يرى الناقد د. عبد الله إبراهيم أنه «يتعين التفريق بين كتابة النساء والكتابة النسوية»

شروط السرد النسوي

يرى الناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم، في حديثه عن مفهوم «السرد النسوي»، أنه «ذلك الضرب من السرد (الذي) قد صاغ هويته استناداً إلى حضور أحد المكونات الثلاثة: أو اندماجها معاً فيه، وهي: نقد الثقافة الأبوية الذكورية، واقتراح رؤية أنثوية للعالم، وتم الاحتفاء بالجسد الأنثوي، فتشابكت تلك المكونات من أجل بلورة مفهوم الرواية النسوية بما صارت تعرف به، فإن تحققت فيه تلك الأركان أو أحدها، فستندرج الكتابة في إطار مفهوم السرد النسوي».

وفيما يخص نوع الكتابة، يرى إبراهيم أنه «يتعين التفريق بين كتابة النساء، والكتابة النسوية؛ فالأولى تتم بمنأى عن فرضية الرؤية الأنثوية للعالم والذات، إلا بما يتسرب منها دون قصد وهي تماثل كتابة الرجال، معالِجَةً القضايا العالية، أما الثانية فتتقصّد التعبير عن حال المرأة، استناداً إلى تلك الرؤية في معاينتها الذات والعالم، ثمّ نقد الثقافة الأبوية، وأخيراً اعتبار جسد المرأة مكوناً جوهرياً في الكتابة، بحيث يتم كل ذلك في إطار الفكر النسوي ويستفيد من فرضياته وتصوراته ومقولاته، ويسعى إلى بلورة مفاهيم أنثويّة من خلال السرد وتفكيك النظام الأبويّ بفضح عجزه عن الوفاء بحاجات المرأة».

في هذا المقال، يقول الدكتور عبد الله إبراهيم: «من وجهة نظري، أدرج معظم السرود النسوية في مدار نصوص المتعة، وأقصد بها تلك النصوص التي تزعزع معتقدات المتلقي التقليدي وربما تخرّبها؛ لأنه لم يعتد عليها، فتُخلّف لديه إحساساً بأنه يقرأ نصوصاً لا تنسجم وما عهده من تخيلات موروثة عن العالم الذي يعيش فيه، فتلك النصوص تضمر نقداً له، وتبرمّاً بما يعرف وحتى بما يتخيل».

وفي سياق تحليل مفهوم السرد النسوي، يرى إبراهيم أنه «يلزم التأكيد على قضية مهمة، فمع الإقرار بأن التمثيلات السردية للعالم هي نتاج وعي الأفراد؛ نساءً ورجالاً، بأحوال العالم ووجودهم فيه، فلا بدّ من الإشارة إلى أن تلك الرؤى الفردية ليست منقطعة عن خلفياتها الاجتماعية والثقافية التي تتسرب إلى تضاعيفها، وتتفاعل فيما بينها، لتضمر في داخلها كثيراً من التجارب العامة والخاصة، فالرؤى التي تصوع العوالم السردية التخيلية لا تنفصل عن مرجعياتها انفصالاً تامّاً، ولكنها في الوقت نفسه لا تعبّر عنها تعبيراً مباشراً».

وهو يرى أن «العلاقة بين الرؤى السردية وخلفياتها الاجتماعية والتاريخية والثقافية، علاقة مركبة ومتعددة المستويات ومتداخلة، ويتعذر وضع قانون لضبطها وتفسيرها وكشف أواصرها، ولكنها علاقة قائمة لا سبيل إلى إنكارها أو تجاهلها».

د. أماني فؤاد: «كلما قرأتُ نصّاً روائياً لامرأة شعرتُ بأنه يتضمن خصوصية أستشعرها بشكل ما، لكنني لا أستطيع أن أميزها بطريقة قطعية»

صرخات سردية

في مقالها بعنوان: «الرواية والنسوية صرخات سردية لإثبات الوجود» تتساءل الأكاديمية المصرية الدكتورة اماني فؤاد: «هل هناك سمات خاصة بأدب النساء؟ بمعنى: هل الرواية التي تكتبها المرأة لها خصائص تختلف مضموناً وشكلاً عما يكتبه الرجل؟».

وفي إجابتها، تقول: «على الرغم من أن هذا الطرح وهذا التساؤل قد يعودان بنا لثنائيات من المفترض أنه قد تم تجاوزها فلسفياً ونقدياً؛ ثنائية الرجل والمرأة، وثنائية الشكل والمضمون، فإنني رحت أرصد تلك الخصائص التي تصف وتميز منظومة انصهار الفكر مع بنية وتشكيل العمل الروائي مكتملاً لدى الكاتبة المرأة لتنضج تلك المنظومة في الخطابات المرسلة التي تسيطر على المشهد الإبداعي».

تقول الكاتبة: «كلما قرأتُ نصّاً روائياً لامرأة، شعرتُ أنه يتضمن خصوصية أستشعرها بشكل ما، لكنني لا أستطيع أن أميزها بطريقة قطعية، فهي ليست فارقة وجوهرية بصورة جذرية لكن يبقى هناك الشعور بخصوصية ما؛ لذا رحتُ أبحث عن إجابة لسؤال يؤرق الباحثين في الرواية وفي طبيعة منتج المرأة الأدبي: ما الخصائص التي تميّز الرواية التي تكتبها المرأة؟».

وتضيف: «بعد قراءات متعددة للروايات التي تكتبها المرأة، نصوص تشمل المشهد الروائي المصري والعربي، وبعض المترجم العالمي، عبر سنوات كثيرة، وتضمّنت قراءة العديد من الأبحاث النقدية، وجدتُ أن هناك بعض الملامح الخاصة برواية المرأة بالفعل، وأحسب أنها تعود إلى خصوصية فضاء المرأة الذهني الذي يتفق مع الرجل في المعاني الإنسانية الكبرى العامة ثم يختلف نسبياً نظراً للسياقات الثقافية التي تحكم مخزون العقل الجمعي للمجتمعات فيما يخص المرأة وما يترسّب من عادات وتقاليد وأساطير وأديان ومعارف وهيمنة مواضعات ومقالات وضعها الرجل لتدعم تفوقه وترسّخ له دائماً، ثم نشر تلك المقولات وتكرارها حتى يتصور الجميع - الرجل والمرأة كلاهما - أنها حقائق ولا سبيل لتغييرها».

وحين تتحدث الكاتبة عن الخصائص والسمات التي تميز الكتابة النسوية (المصرية والعربية)، تسرد من بينها: الصراع داخل النص الروائي حول هموم المرأة وقضاياها، فـ«عادة حيث تعالج الكاتبات موضوعات مثل الحب والزواج والاستقرار والطلاق والأمومة والإنجاب ورعاية المنزل العذرية وقضايا الاغتصاب، تعرض أيضاً لتأثير الموروثات الاجتماعية والعقائد الدينية التي تضعها تحت طائلة ثقافة ذكورية مهيمنة».

كما تتطرق إبداعات المرأة إلى الثورة على التقاليد والأساطير وتأويل السلف للنصوص الدينية... كما ناقشت نصوص المرأة أيضاً توازناً مع رغبتها في الحصول على حريتها، وحرية أوطانها، والرغبة في التخلص من الاستعمار في مرحلة تاريخية تخص إبداعاتها ثم مساواتها بالرجل في الحياة السياسية والنيابية ومجالات العمل كافة.

وتضيف: «يُعّدُ طرح تلك القضايا في الأدب من خصائص الكتابة النسوية، التي يعبر فيها النص الأدبي عن تجربة المرأة الخاصة، ومعاناتها وواقع حياتها بشكل صادق ومخالف للأنماط التي صورت بها المرأة طويلاً، والتي تنافي إلى حد بعيد الحقيقة والواقع، حيث تناقلتها ورشحت لها كتابة الرجل مثل المرأة التي تغوي أو التقليدية ربة المنزل، التي تتقبل ما يفرض عليها فقط في إطار كونها مستقبلاً لما يفرضه الواقع والرجل».

تلاحظ الكاتبة أنه في أواخر ستينات القرن العشرين ظهرت دعوات واضحة تنادي بمنح المرأة دوراً أكثر تأثيراً في النتاج الأدبي كتابة وقراءة ووعياً؛ أي انتزاع الوعي الفردي بداية ثم الجمعي في ثورة ضد موازين القوى الجنسية المهيمنة، حيث التهميش شبه الكامل والمتعمّد للنساء، وحصرهن في مناطق محددة من طبيعة الوجود والأدوار الحياتية والوظيفية (...) ولقد رافق هذا التوجه إبراز التراث النسوي وإسهامات المرأة في المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية وإبداعات المرأة في مجالات وفنون متعددة.

ومن هنا، تضيف: «اهتم النقد أيضاً (وخاصة الأنغلو - أميركي) بدراسة إبداع النساء وفحص ما ألصق به والتأكيد على خلوه من خصائص روّجت لها بعض التوجهات من قبيل: عرضيته وسطحيته وهامشيته، وبعده عن الجوهري، وغرقه في اليومي الخاص بالمرأة، ومعاناتها فقط مع الرجل والمجتمع، وتكرار التجارب نفسها التي تطرح فيه، وعدم قدرته على الخروج لرؤى كلية وتجريدية، حيث خيال المرأة غير القادر على إعادة تشكيل العالم، وفق رؤية مغايرة تعيد تفسير الوجود وغيرها من ادعاءات».

د. أنس النعيمي: «نطلق مصطلح الأدب النسائي على الأدب الذي تنتجه المرأة أياً كان موضوعه من منطلق الخصوصية التي لا تعني تميّز طرف على حساب طرف آخر»

خصوصية الشعر النسائي

وضمن هذا الملف، كتب الدكتور أنس النعيمي مقالاً بعنوان: «خصوصية الشعر النسائي المعاصر وأغراضه»، قال فيه: «يمكننا أن نعدّ الشق الذي تكتبه المرأة في مجال الأدب النسائي رافداً من روافد الشعر النسائي الذي يتناول قضايا المرأة والرجل والمجتمع، فضلاً عن المجالات الإنسانية الأخرى، فعلاقة الأول بالثاني علاقة جزء بكل، أو علاقة فرع بأصل، وقد تبنى هذه التسمية مجموعة من الباحثين».

وأضاف أنه «لا مانع من أن نطلق مصطلح الأدب النسائي على الأدب الذي تنتجه المرأة أيّاً كان موضوعه من منطلق الخصوصية، التي لا تعني بأي حال من الأحوال تميّز طرف على حساب طرف آخر، وإنما تعني تفهماً أكثر لدواخل الأنا الأنثوية، كما أن الرجل يكون أقدر على التعبير عن موضوعات الرجولة وترجمتها إلى أدب من المرأة، وذلك بحكم الطبيعة الجنسية لكل منهما».

د. منى المالكي: «الأدب النسوي تشكّل استجابةً معرفية وجمالية لسؤال وجودي مفاده: كيف يمكن للمرأة أن تكتب ذاتها داخل نظام لغوي وثقافي تشكل تاريخياً وفق مركزية ذكورية؟»

سؤال الوجود

وكتبت في هذا الملف، الأكاديمية السعودية الدكتورة منى المالكي، مقالاً مطولاً حمل عنوان: «من سؤال الوجود إلى رهانات الكتابة... في إشكالية المصطلح وضرورة السؤال النسوي»، أكدت فيه أن الأدب النسوي لم ينبثق بوصفه ظاهرة عابرة أو نزعة ظرفية في تاريخ الكتابة، بل تشكّل استجابة معرفية وجمالية لسؤال وجودي مركزي مفاده: كيف يمكن للمرأة أن تكتب ذاتها داخل نظام لغوي وثقافي تشكّل تاريخياً وفق مركزية ذكورية؟

وأضافت: «ينهض الأدب النسوي بوصفه خطاباً نقدياً مزدوج الوظيفة؛ فهو من جهة يعيد مساءلة التقاليد الأدبية السائدة، ومن جهة أخرى يعمل على تفكيك آليات الإقصاء والتهميش التي طالت الصوت الأنثوي، سواء على مستوى التمثيل أو التخييل أو إنتاج المعنى».

وترى المالكي أن إشكالية المصطلح تكمن في التباسه بين كونه توصيفاً جنسانياً للكاتب/ة، وكونه مفهوماً نقدياً يتجاوز حدود الهوية البيولوجية ليطول موقفاً فكريّاً وجماليّاً من العالم واللغة والسلطة. لذلك لا يمكن اختزال الأدب النسوي في كونه أدباً تكتبه النساء، بل هو ممارسة كتابية واعية تسعى إلى زعزعة البنى الرمزية التي كرست الهيمنة الذكورية داخل المتخيل الثقافي.

وفي تعريفها للأدب النسوي (Feminist Literature) قالت إنه تيار أدبي ونقدي يتخذ من التجربة النسوية منطلقاً لتحليل الواقع وإعادة تمثيله، ويسعى إلى تفكيك البنى الأبوية المهيمنة في اللغة والسرد والخيال الثقافي مع العمل على إعادة صياغة مفاهيم الذات والهوية والعلاقة بالآخر.

وهو بهذا المعنى مشروع ثقافي ومعرفي يتقاطع فيه الأدبي بالسياسي والجمالي بالآيديولوجي، دون أن يختزل في خطاب احتجاجي مباشر، بل يراهن على إنتاج جماليات بديلة قادرة على خلخلة السائد وإعادة تعريف الممكن.

المالكي: «ينهض الأدب النسوي بوصفه خطاباً نقدياً مزدوج الوظيفة فهو من جهة يعيد مساءلة التقاليد الأدبية السائدة ومن جهة أخرى يعمل على تفكيك آليات الإقصاء والتهميش التي طالت الصوت الأنثوي»

وفي حديثها عن السياق التاريخي لبروز الأدب النسوي، قالت المالكي: «تعود البدايات الأولى للأدب النسوي، في السياق الغربي إلى القرن التاسع عشر، متزامنة مع صعود الحركات المطالبة بحقوق المرأة في التعليم والعمل والتمثيل الثقافي، وقد مثلت كتابات (جين أوستن) و(الأخوات برونتي) مرحلة تأسيسية عبّرت فيها المرأة عن ذاتها داخل شروط اجتماعية صارمة، لكنها استطاعت عبر التخيل، تمرير نقد اجتماعي حاد للعلاقات الطبقية والجندرية. ومع القرن العشرين انتقل الأدب النسوي إلى مرحلة أكثر وعياً بذاته، خاصة مع كتابات (فرجينيا وولف) التي ربطت الإبداع بالاستقلال الاقتصادي والذهني»، مؤكدة أن الكتابة ليست فعلاً جمالياً محضاً، بل ممارسة مشروطة ببنى السلطة. ثم تطور هذا الأدب مع الموجات النسوية المتعاقبة، لتغدو موضوعات الجسد والذاكرة والهوية واللاوعي مركزية في السرد والشعر.

أما في السياق العربي فقد تداخل تشكل الأدب النسوي مع مشاريع النهضة والتحرير الوطني حيث وجدت المرأة نفسها داخل فضاء مزدوج من المقاومة؛ مقاومة الاستعمار الخارجي، ومقاومة البنى الأبوية الداخلية، وهكذا أصبحت الكتابة النسوية فعل وعي وممانعة، وسعياً لإعادة امتلاك الذات عبر اللغة.

حفل العدد الجديد بجملة من التحقيقات والمقالات الأدبية والثقافية والحوارات والنصوص الشعرية

مقالات ثقافية

وفي صلة قريبة من هذا الملف، وضمن حوارات العدد، أجرت رئيسة تحرير المجلة، الشاعرة روضة الحاج، حواراً مع الشاعرة مليكة العاصمي، التي تعدّ رائدة الشعر النسوي في المغرب، سلّط الضوء على تجربتها الشعرية، وعلى مسيرة الشعر النسوي بالمغرب بشكل عام.

أما الحوار الثاني فقد أُجري مع الدكتور حسين الجزائري، وهو شخصية فريدة وعالم من علماء الطب بالعالم الإسلامي، أسس أول كلية للطب بالمملكة العربية السعودية، وكان أول من نادى بإلحاق الفتيات بكلية الطب، تولى وزارة الصحة ثم أصبح مديراً لمكتب الصحة العالمي لإقليم شرق المتوسط لثلاثين عاماً... أجرى الحوار السفير خالد فتح الرحمن، مدير مركز الحوار الحضاري بـ«الإيسيسكو».

كما احتفى العدد الجديد بافتتاح المكتب الإقليمي لـ«الإيسيسكو» بالشارقة، بحضور الشيخ الدكتور سلطان القاسمي حاكم الشارقة، ومدير عام «الإيسيسكو» الدكتور سالم بن محمد المالك، ليصبح هذا المركز منارة إشعاع ثقافي وحضاري لكل محيطه.

ومن بين مواد العدد، مقال عن الذكاء الاصطناعي بوصفه خطاباً سلطوياً، وجهود «الإيسيسكو» في مجال التراث والأدب الصوفي، ومقال عن السفر عبر الزمن، وآخر عن شاعرة الهند كملا ثريا، كما يتضمن العدد مقالاً في الصفحة الأخيرة، للدكتور عبد العزيز السبيل، الأمين العام لجائزة الملك فيصل العالمية.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.