هل مات الناقد الأدبي؟

المنصّات الرقمية منحت الجميع حقّ التعبير عن رأيهم

هل مات الناقد الأدبي؟
TT

هل مات الناقد الأدبي؟

هل مات الناقد الأدبي؟

قرأنا كثيراً عن ميتات متعدّدة في تاريخ الفكر، وبالتخصيص في تاريخ الممارسة الأدبيّة؛ لكنّي أحسبُ أنّ موت الناقد الأدبي هي الميتة الأكثر تحقّقاً في عصرنا. هذه الميتة الناجزة تملك مسوّغاتها الكاملة، وليست محض تمنّيات منشودة أو رغبات متفلّتة. ربّما الكياسةُ وحدها هي التي دفعتني لأن أجعل العنوان بصيغة تساؤل يحتملُ التشكيك. أنا من جانبي لا أميلُ للتشكيك، بل لتعضيد فكرة موت الناقد الأدبي.

ربّما في دوائر صناعة الأدب الغربية بات واضحاً أنّ الناقد الأدبي مات، وإن لم يُصرّحْ بهذه الحقيقة، مثلما جرى التصريح بموت المؤلّف. المعضلة تكمنُ فينا؛ فالنقد الأدبي، كما يُمارَسُ في شكله التقليدي، ما زال يقاتِلُ من أجل الاحتفاظ بهالته السلطوية، كأنّما الزمن لم يتزحزحْ عن ستينات وسبعينات القرن الماضي، وكأنّما القرّاء لم يصبحوا شركاء كاملين في إنتاج المعنى، وكأنّما النصوص لم تتفلّتْ منذ زمن بعيد من يد الكاهن الذي يحتكرُ قراءتها وتفسيرها.

تقوم فكرةُ مداخلتي هذه على دحض القناعة الراسخة بأنّ الناقد الأدبي يمتلك سلطة مرجعية تُخوّلُهُ تحديد ما يُعدّ أدباً جيداً وما ليس كذلك. تلقّى القارئ العربيُّ، لعقود طويلة، خطاباً نقدياً يجعل من الناقد الأدبي حارساً للهيبة الأدبية، يستدعي معايير قديمة، ويُصدِرُ الأحكام، ويتصرّف كما لو أنّ ذائقته محمولةٌ على يقين معرفي لا يتزعزع. هذا الخطاب، إذا ما تعهّدناه بما يكفي من المُدارسة والتنقيب المعرفي، سننتهي إلى وضع اليد على هشاشته المؤكّدة؛ إذ يقوم على افتراضٍ غير معلن جوهرُهُ أنّ الناقد يمتلك موقعاً معرفياً أرفع من موقع القارئ العادي. هذا الافتراض ربما كان له شيءٌ من مقبولية في أزمان سابقة؛ لكنّه لم يَعُد اليوم مقبولاً في زمن انفجرت فيه سلطة المعنى، وتنوعّت فيه أشكال القراءة بذات المقادير التي تباينت فيها هذه الأشكال، وتراجع فيه مركز النص لصالح محيطه الذي غُيّبَ طويلاً.

يمكنُ عدّ الناقد الأدبي قارئاً بصوتٍ أعلى من القارئ العادي، وهذا الصوت العالي جاء من تمكين وسائل النشر وسلطة الذيوع الأكاديمي أو الصحافي. سيكون أمراً مشروعاً أن نتساءل: ما الذي يميّز الناقد الأدبي ويمنحُهُ عُلْوية ثقافية فوق القارئ؟ هل يمتلك أدوات قراءة تتمنّعُ عن أيُّ قارئ شغوف لا يحيدُ عن موارد الرصانة الفكرية؟ هل يحتكر الناقد الأدبيُّ مسافة من الفهم لا تُنالُ إلّا عبر طقسٍ سري؟ الجواب ببساطة: لا. الناقد الأدبيّ، مهما امتلك من معرفة، ليس سوى قارئ يشكّلُ رأيه تبعاً لمرجعياته الثقافية، وتربيته الجمالية، وميوله الشخصية، ومواقفه الآيديولوجية. رأيُ الناقد الأدبيّ ليس «حقيقة مكتشفة» بل «موقف مُنتَج أو مصنوع»، وإذا كان كذلك فلماذا نمنحه سلطة غير مسوّغة ليكون رقيباً ومبشّراً ونذيراً؟

القراءةُ ليست حقلاً يمكن لأحد أن يحتكر فيه «الصواب»، وكلّ محاولة لإضفاء صفة المرجعية المطلقة على الناقد الأدبيّ ليست سوى محاولة لإعادة إنتاج سلطة المثقف التقليدي، ذلك الذي كان يتكلّم باسم الآخرين، ويُفكّر نيابة عنهم، ويصادرُ الحقّ الطبيعي للقُرّاء في أن يفهموا النصوص برُؤاهم الخاصة.

*****

يموت الناقد الأدبي اليوم لأنّ شروط وجوده القديمة تفسّخت: تغيّرت الوسائط، وتغيّرت طرق تلقّي الأدب، وتحوّلت القراءة من نشاط نخبوي ضيّق إلى ممارسة يومية واسعة. منصّات التواصل الاجتماعي وحدها كفيلةٌ بخلخلة سلطة ناقد أدبي كان يُحسَبُ كلامُهُ كأنّه «القول الفصل». اليوم، منشورٌ على منصّة تواصل اجتماعي قد يوجّهُ دفّة الاهتمام الأدبي أكثر مما يفعله مقالٌ نقدي مطوّل في مجلة ثقافية. هذه حقيقة لا يصحّ، ولن نستطيع، أن نتغافلها.

يموت الناقد الأدبي أيضاً لأنّ النصوص ذاتها تغيّرت: لم تعُدْ تُنتَجُ لتُقرأ بعينٍ واحدة بل بعيون كلّ قارئ. الأدب المعاصر -وبخاصّة في عصر السرد المتشظّي إلى ألوان أدائية عصية على التوصيف الدقيق- لم يَعُدْ يحتمل قارئاً واحداً يقرّر معناه تحت سلطة النقد الأدبي؛ بل يفرض تعدّدَ القراءات، وتفكّكَ سلطة المؤلّف، و«ديمقراطية التأويل». لك -إنْ شئت- أن تنفر من هذا الوضع وأن لا تطيقه؛ لكن لن يفيدك نفورُك في تغيير مسار العجلة.

من المثير تاريخياً أن نشير إلى حقيقة مغيّبة: حين أعلن رولان بارت موت المؤلف، كان يُشير إلى تفكّك سلطة المؤلّف المركزية داخل النص: سلطة المعنى. الجيل النقدي القديم قاوم هذه الفكرة بشراسة، لا لأنّه كان متيّماً بعشق المؤلّف؛ بل لأنّه أدرك -وإنْ من غير تصريح- أنّ موت المؤلف يعني أيضاً تخلخل أساس سلطته؛ فالناقد الأدبي الذي كان يستند في قراءته إلى سلطة المؤلف واعتباره خالقاً مركزياً للنص، وجد نفسه (أعني الناقد الأدبي) ليس أكثر من قارئ آخر، لا يحقّ له ادعاءُ امتلاك الحقيقة، بل تقديم قراءة من بين أعداد هائلة من القراءات الممكنة. هنا صار الناقد الأدبي أسير مساءلة مُرْهِقَة: كيف يمكن للناقد الأدبي أن يمضي في تعزيز سلطته وهو يفقد الموقع الاعتباري الذي يُشرعنُ وجودَهُ؟ وإذا كان المؤلف -بهيبته ورمزيته- قد مات؛ فكيف يظلُّ حيّاً مَن كان يتحدّث باسمه أو يتربّع على عرش تأويله أو يدور في مدارات صنائعه الإبداعيّة؟

موتُ الناقد الأدبيّ ليس ظاهرة منفردة مستقلّة؛ بل هو الوجه الآخر المتعشّقُ عضوياً مع موت المؤلّف، وكلاهما جزء من حركة ثقافية واسعة تُعيدُ تعريف السلطة داخل النص الأدبي. النصّ لم يَعُدْ «موقعاً يُدارُ من الأعلى»، بل «فضاءٌ مفتوحٌ يشارك في تشكيله القرّاء».

هل يعني موت الناقد الأدبي انتصار الرثاثة؟ سيدافع كثيرٌ من النُقّاد عن حصونهم، وهذا أمر متوقّع. سيدبّجون المقالات، ويُحاضرون، ويُسفّهون فكرة موتهم، وسيعتبرونها جزءاً من «انحطاط الذائقة العامّة». أعرف هذا تماماً. سيتحدّثون عن الفوضى، والانهيار، وسقوط المعايير؛ لكنّما العجلة دارت، وما مِنْ سبيلٍ لإيقافها. يبدو أمراً محتّماً أنّ الناقد الأدبيّ التقليدي يشرع في مقاربته الدفاعية من مواضعة، يراها راسخة، مفادُها أنّه كان دوماً المدافع الشرس عن الجودة الأدبية. التاريخ الأدبيّ مليء بالنقّاد الذين احتفوا بأعمال متواضعة وحاربوا نصوصاً عظيمة. هل آتي بأمثلة: الرفض النقدي الطويل لكافكا، واستقبال بودلير العاصف، والهجوم العنيف على نيتشه، والسخرية من شعراء الحداثة العرب في بداياتهم. ثمّ دارت الأيام دورتها وأعيد تقييمُ كلّ شيء.

لم يكن الناقد حارساً للجودة الأدبيّة، بقدر ما كان حارساً لذائقته الخاصة ولذيوع سطوته في الحلقات الثقافية. موت الناقد الأدبي لا يعني موت الذائقة، بل تحريرها. لا يعني سقوط معايير الجودة، بل تعدّدها. لا يعني شيوع الرثاثة، بل إزاحة الحاجز الذي كان يشكّلُ حائط صدّ أمام القرّاء يردعهم عن إثبات جدارتهم.

في هذا السياق، يمكن الإشارة إلى كتاب «The Death of the Critic» للكاتب البريطاني رونان ماكدونالد (Ronan McDonald)، وهو عمل حديث نسبيّاً، نُشِر عام 2007، وتُرجِمَ إلى العربية عام 2014. هذا الكتاب أعاد بقوة طرح السؤال حول جدوى النقد الأدبي التقليدي.

يرى ماكدونالد أنّ سلطة الناقد تتآكل في ظلّ تعدّد الأصوات الثقافية وتحوّل القرّاء إلى مستهلكين/ منتجين للمعنى، وهو ما ينسجم تماماً مع واقعنا العربي والعالمي اليوم.

فضلاً عن ذلك يقدّمُ ماكدونالد في كتابه هذا قراءة عميقة لتحوّلات المؤسسة النقدية الأدبية في العصر الحديث، موضحاً كيف تراجعت سلطة الناقد التقليدي لصالح أصوات القرّاء، ووسائط الإعلام الجديدة، والمنصّات الرقمية التي منحت الجميع حقّ التعبير عن رأيهم في النصوص الأدبية. يرى ماكدونالد أنّ النقد لم يَمُتْ بوصفه ممارسة فكرية؛ بل ماتت سلطته القديمة التي كانت تجعل منه مرجعية أولى للحُكْم على القيمة الأدبية. الكتاب يكشف تعاظم «ديمقراطية القراءة»، ويرصد صعود أشكال جديدة من التلقّي تُقصي الناقد الأدبي الكلاسيكي من موقعه الكهنوتي.

*****

المُشْتَغِل الثقافي (Cultural Worker) هو العنوان الأكثر مقبولية وملاءمة لعصرنا من عنوان الناقد الأدبي، ويبدو أكثر تلاؤماً مع تاريخ التطوّر الطبيعي والثقافي. المشتغل الثقافي يتحرّكُ في فضاء أوسع من حدود النص ومرجعياته الجمالية الكلاسيكية، ويمتدُّ في وسائله التشريحية إلى قراءة سياق إنتاج العمل الثقافي، لا الأدبي فحسب، وأنماط تلقّيه، وصِلاتِهِ بالبنى الاجتماعية والسياسية والمعرفية. فضلاً عن ذلك في استطاعة «المشتغل الثقافي» تقديمُ قراءة مركّبة، بعيداً عن مرجعيات سلطوية مفترضة أو متوقّعة، تعيدُ إطلاق حيوية الأدب كتيّار في الثقافة البشرية هو أبعد ما يمكن عن نمط التمارين الأكاديمية المعزولة عن الحراك العالمي في كلّ ألوانه.

ما الذي يبقى بعد موت الناقد الأدبي؟ يبقى القارئ الشغوف، ويبقى النصّ الخلّاق، ويبقى الاشتغال الثقافي الحيوي، ويبقى الحوار المفتوح الذي لا يحتاج رمزيّة كهنوتية سلطوية مغلقة كي تُشَرْعِنَهُ.


مقالات ذات صلة

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

ثقافة وفنون «أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

أصدرت «منشورات رامينا» في لندن الترجمة العربية لكتاب «أناهيتا وكَميفان» للمسرحي والكاتب الكردي هلكت إدريس عابد، بترجمة شمال آكريي

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون نبوءة جورج أورويل المخيفة

نبوءة جورج أورويل المخيفة

السيطرة على البشر وتوجيههم عن طريق التحكم في الخلايا العصبية والشرائح الذكية نبوءة رأيناها تتحقق في أفلام الخيال العلمي، بل قرأنا عنها في أدب وأفلام الديستوبيا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

كثيرة، منذ القرن التاسع عشر، هي الأعمال الأدبية العربية وكتب الرحلات والمذكرات التي تتمحور حول موسم الهجرة إلى الشمال، أوروبا أو القارة الأميركية الشمالية.

د. ماهر شفيق فريد
كتب رحلة باني نهضة الصين نحو المستقبل

رحلة باني نهضة الصين نحو المستقبل

صدر حديثاً للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة كتاب جديد بعنوان «شي جينبينغ: 101 قصة من الطفولة إلى القيادة العالمية»

«الشرق الأوسط» (بيروت)
كتب مستقبل القرار الطبي في زمن الذكاء الاصطناعي

مستقبل القرار الطبي في زمن الذكاء الاصطناعي

يقدم الكتاب مفهوم «السلطة السريرية» بوصفه إطاراً يحافظ على الدور القيادي للطبيب في اتخاذ القرار

«الشرق الأوسط» (لندن)

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية
TT

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

كثيرة، منذ القرن التاسع عشر، هي الأعمال الأدبية العربية وكتب الرحلات والمذكرات التي تتمحور حول موسم الهجرة إلى الشمال، أوروبا أو القارة الأميركية الشمالية. والأمثلة ليست بحاجة إلى تذكرة: رفاعة الطهطاوي، توفيق الحكيم، يحيى حقي، الطيب صالح، سهيل إدريس.. إلخ. لكن ماذا عن موسم الهجرة من الجنوب إلى الجنوب، من بلد عربي أفريقي أو آسيوي إلى دول الخليج؟

سؤال يجيب عنه كتاب صادر باللغة الإنجليزية هذا الصيف هو كتاب «الهجرة إلى الخليج في الرواية العربية» (Migration to the Gulf in the Arabic Novel) (مطبعة جامعة إدنبرة 2026، 271 صفحة) من تأليف نادين دقاق (Nadeen Dakkak) المحاضرة في قسم اللغة الإنجليزية والكتابة الإبداعية في جامعة إكستر البريطانية. والكتاب هو أحدث إصدارات سلسلة «دراسات إدنبرة في الأدب العربي الحديث» التي يشرف عليها الدكتور رشيد العناني. وقد صدر منها حتى الآن - اعتباراً من عام 2013 - أكثر من 30 كتاباً.

كان انبثاق النفط من رمال الصحراء - وما تبعه من تحديث متسارع الخطى - إيذاناً بتغيرات جيو - سياسية واجتماعية واقتصادية مهمة طالت الحياة في دول الخليج وجعلتها محط أنظار ومعقد آمال آلاف يحلمون بـ«عقد عمل» يعودون بعده إلى بلادهم وقد غدوا أقدر على مواجهة تكاليف العيش والضغوط الاقتصادية الواقعة عليهم وعلى من يعيلون.

عالج موضوع الهجرة، خلال سبعينات القرن الماضي وثمانيناته، كتاب مصريون وفلسطينيون، أو فلسطينيون أردنيون، ولبنانيون، وأريتري. من هذه الأعمال خماسية «مدن الملح» لعبد الرحمن منيف، «رسالة البصائر في المصائر» لجمال الغيطاني، «اهبطوا مصر» و«صمت الرمل» لمحمد عبد السلام العمري، ثلاثية «أطفال بلا دموع» لعلاء الديب، «مسك الغزال» وأقصوصتان من المجموعة القصصية «وردة الصحراء» لحنان الشيخ، «بيع نفس بشرية» لمحمد المنسي قنديل وغيرها.

من الأعمال التي يتوقف عندها كتاب نادين دقاق رواية «براري الحمى» (1985) لإبراهيم نصر الله وهي عن مدرس شاب يعمل في بلد عربي بعقد مؤقت. ونحن نراه ممدداً في فراشه في حالة هلاس متولد من الحمى عقب لدغة بعوضة. إنها رؤية كافكاوية ناجمة عن شعور بالعجز والاضطهاد.

وهناك رواية إبراهيم عبد المجيد «البلدة الأخرى» (1991) وبطلها خريج قسم فلسفة يعمل في وظيفة إدارية بإحدى الشركات في بلدة عربية. تروى الأحداث بضمير المتكلم على لسانه. وإذ يفدحه الشعور بركود حياته يحاول كتابة يوميات ويصبح مدمناً على برامج تافهة ومسلسلات أميركية على شاشات التلفزيون. ولكن عودته إلى مصر بعد عام من الاغتراب لا تنبئ بما هو أفضل. ويعدد الدكتور محمد بدوي تقنيات الروائي هنا، وهي التشويق ولغة السرد التي تركز على تفاصيل دون أخرى ومنظور المراقب للأحداث.

و«سمراوية» (2012) رواية للقاص الأريتري حاجي جابر تصور حيرة الجيل الثاني من المهاجرين. إن عمر يلتقي في مقهى بأسمرة فتاة تدعى سمراوية، ويقع في حبها من أول نظرة. وتتحرك الرواية في نقطة وسط بين الخيال والواقع مجسدة اقتلاع الأريتري من أرضه. فوالد عمر وأجداده يضطرون إلى الهجرة من بلدهم عقب الصراعات السياسية العنيفة في حرب استقلال أريتريا عن إثيوبيا. والحكي في الرواية لا يتخذ شكل خط مستقيم وإنما يمثل تنقلاً بين الطفولة والرشد وسفراً عبر عدة مدن.

وفي خلفية هذه الأعمال تتخايل رواية الأديب الفلسطيني غسان كنفاني «رجال في الشمس» (1962) التي تعزف نغمة مأسوية، إذ تصور محنة الاقتلاع من الوطن السليب والحلم الذي يتحول إلى كابوس وذلك من خلال ثلاثة فلسطينيين يحاولون الوصول إلى الكويت عبر صحراء العراق فيكون مآلهم الموت اختناقاً داخل صهريج الشاحنة التي تقلهم في وقدة القيظ.

وإذا كان من الممكن أن نعتبر روايات الهجرة إلى الخليج جنساً أدبياً قائماً بذاته - وإن يكن على نطاق محدود - فما هو المستقبل الذي ينتظر هذا الجنس الأدبي؟ تختم نادين دقاق كتابها بأن تقول: من الصعب أن نرجم بالظنون عن المستقبل المنظور، وهل سيشهد مزيداً من الإضافات إلى هذا الجنس، ولكن المؤشرات تومئ لأن الاتجاه نحو التعددية قد يكون الاتجاه الغالب على المدى الطويل، بما يعكس التعدد على أرض الواقع وتشابك خيوطه. تشهد بهذا كثير من الكتابات في المجلات الأدبية الصادرة في دول الخليج ومدونات الفضاء الإلكتروني.

ما من كتاب واحد يمكنه أن يغطي كل ما يمكن أن يقال في موضوعه. وليس من العدل أن نطالب نادين دقاق بأن تذكر كل ما كتب عن الخليج. ولكني افتقدت عملاً واحداً أحسب أنه لا يمكن إغفاله في هذا السياق، حيث إنه يقع من موضوع المؤلفة في الصميم. إنه رواية «الخليج» للروائي المصري محمد جبريل. بطل الرواية رؤوف العشري صحافي يعمل في منطقة الخليج إبان الغزو العراقي للكويت. وتنتقل بنا المشاهد بين الكويت ومسقط والإسكندرية، فللمكان حضور بارز في هذا العمل، حيث تتجاور نقائض الحداثة والتراث، وتنهض أحدث مخترعات الغرب التكنولوجية في مواجهة قيم تقليدية تراثية تحكم دوافع السلوك وأنماط العيش. وفيما عدا هذا النقص ليس لدى إلا الثناء على كتاب يجمع - مثل سائر كتب السلسلة التي تضمه - بين دقة البحث العلمي ونفاذ البصر النقدي وإتقان الإخراج الطباعي.


رحلة باني نهضة الصين نحو المستقبل

شي جينبينغ
شي جينبينغ
TT

رحلة باني نهضة الصين نحو المستقبل

شي جينبينغ
شي جينبينغ

صدر حديثاً للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة كتاب جديد بعنوان «شي جينبينغ: 101 قصة من الطفولة إلى القيادة العالمية»، يحمل عنواناً فرعياً هو «رحلة الإنسان والقائد وباني نهضة الصين نحو المستقبل»، ويقدّم سيرة فكرية وإنسانية للرئيس الصيني شي جينبينغ من خلال مائة قصة وقصة، تجمع بين السرد الأدبي والتوثيق التاريخي والتحليل السياسي.

لا يقدّم الكتاب سيرة تقليدية تكتفي بتسجيل المحطات الزمنية أو استعراض الإنجازات، بل يسعى إلى الاقتراب من التجربة الإنسانية التي أسهمت في تكوين شخصية شي جينبينغ، وتتبع العوامل المختلفة التي رافقت انتقاله من طفولة اتسمت بالتحديات، إلى تجربة قاسية في الريف الصيني، ثم إلى مواقع المسؤولية، وصولاً إلى قيادة الصين في مرحلة تشهد تحولات واسعة.

ينطلق قميحة من أن الكتابة عن القادة الكبار ليست أمراً يسيراً؛ لأنها تتطلب محاولة لفهم روح التجربة الإنسانية والظروف التي صنعتها. ويرى أن الكتابة عن شي جينبينغ تضع الكاتب أمام تحديين متلازمين: تحدي الفهم وتحدي الإنصاف، ولا سيما أن تجربته القيادية نشأت في سياق صيني خاص، يختلف في جذوره الفكرية والتاريخية والسياسية عن النماذج الغربية السائدة.

ومن هنا، يعود الكتاب إلى البدايات الأولى في حياة شي جينبينغ، وإلى البيئة العائلية التي نشأ فيها والقيم التي تلقاها، قبل أن يتوقف عند تجربة إبعاده في سنوات شبابه إلى قرية ليانغجياخه الريفية. وهناك واجه الفقر والعمل الشاق وقسوة الظروف الطبيعية والاجتماعية، واختبر بصورة مباشرة تفاصيل حياة المزارعين وتطلعات الفئات الأكثر احتياجاً.

وتكشف القصص كيف أسهمت سنوات الطفولة والشباب في بناء إرادة قوية مكّنت شي جينبينغ من مواجهة الصعوبات والاستمرار في مسيرته السياسية. كما تتناول انخراطه المبكر في العمل العام، وبدايات مسيرته داخل الحزب الشيوعي الصيني، والتجارب الإدارية التي خاضها في المناطق المحلية، حيث تعرّف عن قرب إلى تحديات التنمية والفقر والبنية التحتية والتعليم والإدارة العامة.

ويتابع الكتاب انتقال شي جينبينغ بين مواقع المسؤولية في عدد من المقاطعات الصينية، مستعرضاً كيف تطورت رؤيته للإدارة والإصلاح من خلال العمل الميداني والتواصل المباشر مع المزارعين والحرفيين وأصحاب المشاريع الصغيرة.

ويقول المؤلف إن الكتاب، رغم تركيزه على سيرة قائد، لا ينظر إلى القيادة بوصفها فعلاً فردياً معزولاً، ولا إلى التاريخ بصفته صناعة شخص واحد. فالتجربة التي يتناولها نشأت داخل إطار جماعي واسع، كان فيه الحزب الشيوعي الصيني القوة التنظيمية والفكرية التي رافقت مسيرة التحديث، في حين كان الشعب الصيني شريكاً فاعلاً في البناء والتحول، لا مجرد متلقٍ للسياسات.

وعلى هذا الأساس، يقدّم المؤلف مسيرة الصين بوصفها نتيجة تفاعل مستمر بين القيادة والرؤية، وبين التنظيم الحزبي والإرادة الشعبية.

ولا تتوقف القصص عند سيرة شي جينبينغ، بل تنتقل إلى دراسة أبرز ملامح فكره في الحكم وإدارة الدولة، وفي مقدمتها مفهوم الحلم الصيني والنهضة الوطنية والازدهار المشترك والعدالة الاجتماعية. كما تتناول رؤيته لتحديث الحوكمة، وتعزيز الانضباط داخل الحزب، ومكافحة الفساد.

ويرصد الكتاب حرص شي جينبينغ على الجمع بين عناصر من الفكر الصيني التقليدي ومتطلبات الدولة الحديثة. ففي خطابه السياسي تبرز مفاهيم مستمدة من التراث الحضاري الصيني، مثل الانسجام والمسؤولية الأخلاقية واحترام المعرفة وأولوية المصلحة العامة، إلى جانب مقاربات حديثة في الإدارة والاقتصاد والتكنولوجيا والتخطيط الاستراتيجي.

ويضيء المؤلف على العلاقة بين حكمة التراث الصيني وروح الثورة ومقتضيات العصر، موضحاً كيف حافظت القيادة الصينية على عناصر الهوية الثقافية الوطنية، بالتوازي مع الانفتاح على الابتكار العلمي والتكنولوجي وتطوير أدوات الحوكمة.

ويخصص الكتاب مساحة واسعة للتحولات التي شهدتها الصين في العصر الجديد، وفي مقدمتها مكافحة الفقر وتحسين الأوضاع المعيشية، وتنمية المناطق الريفية، وتحديث البنية التحتية، ودعم التعليم والبحث العلمي، وتعزيز الابتكار والتحول الرقمي، وتطوير الصناعات والتكنولوجيا والطاقة النظيفة.

كما يتناول تجربة الصين في تحقيق قدر أكبر من التوازن بين المدن والأرياف، ودعم المشاريع المحلية، وتحديث الزراعة والصناعة، وتعزيز الأمن الغذائي، وإدارة الموارد الطبيعية، والمحافظة على البيئة. ويربط الكتاب هذه التحولات بفكرة أساسية مفادها أن التنمية لا ينبغي أن تُقاس بحجم الاقتصاد وحده، بل بقدرتها على تحسين حياة الناس وتوسيع فرصهم وتعزيز شعورهم بالأمان والاستقرار.

ويتوقف قميحة عند التحول الذي قاد الصين من «ورشة عمل عملاقة» إلى قوة علمية وتكنولوجية ومختبر لتجربة تنموية وحضارية تسعى إلى تقديم رؤيتها الخاصة للعالم. ولا يتعامل الكتاب مع هذه التجربة بوصفها نموذجاً يجب استنساخه، بل بوصفها مساراً تشكل خارج النموذج الغربي التقليدي ويستحق أن يُقرأ ويُفهم ضمن سياقه التاريخي والثقافي.

ويتناول الكتاب كذلك المكانة المتنامية للصين، وكيف انتقلت في ظل قيادة شي جينبينغ إلى دور أكثر حضوراً في مناقشة مستقبل النظام العالمي. ويعرض في هذا السياق المبادرات الخمس الكبرى التي طرحها الرئيس الصيني، وهي مبادرة الحزام والطريق، ومبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية، ومبادرة الحوكمة العالمية.

ومن خلال هذه المبادرات، يبرز الكتاب رؤية شي جينبينغ إلى مستقبل الصين ودورها الدولي، ليس بوصفها دولة تبحث عن تنميتها الخاصة فقط، بل قوة تدعو إلى التعاون والمنفعة المتبادلة وتقاسم فرص التنمية مع العالم، ولا سيما مع دول الجنوب العالمي.

وفي موازاة صورة القائد وصانع السياسات، يقترب الكتاب من شي الإنسان، من خلال قصص تتناول علاقته بالشعب وأسرته، وزياراته الميدانية، وشغفه بالقراءة والتاريخ، وطريقته في التواصل مع المواطنين والمسؤولين.

وتعتمد القصص على وقائع موثقة وخطابات رسمية وشهادات. وقد أعاد المؤلف صياغة هذه المادة بأسلوب قصصي وتأملي، محافظاً على التوازن بين جاذبية السرد الأدبي ومتطلبات الدقة التوثيقية.


«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية

«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية
TT

«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية

«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية

صدر العدد السادس عشر- من مجلة «الأديب الثقافية»، وقد تضمّن موضوعات عدة، منها: محور «التحولات الرقمية ما بعد المعلوماتية »، ابتداءً من إنترنت الأشياء، وصولاً إلى «الروبوت المفكر»، ومروراً بالمعلوماتية الفائقة ما بعد الافتراضية، بما في ذلك التحديات الجديدة في طور المجتمع الخامس، ومجتمع السايبر، واتجاهات المستقبل في التحوّلات الرقمية، والبودكاست في الخطاب الرقمي المعاصر، ومن بحوث هذا المحور:

«العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية العربية المعاصرة» للدكتورة وسن عبد المنعم ياسين، و«ما بعد الافتراضية: رقمنة الأدب وتشكيل الوعي الجديد» للدكتورة إيمان عبد دخيل، و«الحداثة السائلة وسلطة التأويل في عصر الذكاء الاصطناعي» للدكتورة أوراد محمد كاظم، و«السرد البصري وتحولات المعنى الرقمي» للدكتور عمر رعد أسعد، و«أزمات البحث عن الذات في زمن الحب السائل» للدكتورة إنصاف سلمان، و«الروبوت المفكر - الرقمنة بوصفها بنية مفكرنة» للناقد عباس عبد جاسم.

وفي حقل «بحوث» قدّمت الدكتورة سنا صباح علي أستاذة الفلسفة المعاصرة في جامعة البصرة دراسة عن «جدل الفضاء والمعنى في العمارة المعاصرة عند جان بودريارد»، وكتب الباحث المغربي حمزة بومليك عن «ضفاف النظر، لغة بصرية مشتركة في البحر المتوسط»، وقدّم الناقد الدكتور سمير الخليل «رؤية في مصطلح - ما وراء التجنيس - الميتاتجنيس»، وبحث الدكتور علي محمد ياسين في «الحداثة الشعرية -والخروج على سلطة النموذج - بنية التعليق في الجملة الشعرية»، وقدّمت الباحثة الدكتورة تبارك عمار حسن العزاوي دراسة عن «أنطولوجيا النص وتحولات الوعي» واتخذت من «الوعي الشقي» محوراً لدراستها الأنطولوجية.

وفي حقل «حوار» حاور الدكتور أحمد ضياء - المُنَظِّرة النسوية والأستاذة الجامعية التونسية الدكتورة آمال قرامي.

وتضمن حقل «قراءات» قراءة للدكتورة إنصاف سلمان لكتاب «الذات والدواة» للمفكر والروائي المغربي سعيد بنسعيد العلوي.

وكتب الناقد الدكتور حاتم الصكر عن «عطايا الماضي المستقبلية» من خلال قراءة في ديوان «ألواح الطين وأسرار القصيدة» للشاعرة العراقية المغتربة دنيا ميخائيل.

وقدَّم الدكتور قيس عمر محمد قراءة في «المرجعيات الثقافية» لرواية «يوليانا» لنزار عبد الستار.

وقدَّمت الدكتورة رغد محمد جمال البياتي «قراءة في النسق المتعالي» لكتاب «اللامفكر فيه في الفكر النقدي».

وفي حقل «نقطة ابتداء» كتبت الشاعرة والكاتبة العراقية المغتربة أمل الجبوري عن «أبي البركات البغدادي وفوكو - هل أزمتنا أزمة معرفة أم أزمة ضمير؟».

تصدر «الأديب الثقافية» عن «مركز تنوير للبحوث والدراسات التنموية» بطبعتين ورقية وإلكترونية.