زهرة «سحرية» قلبت حياة المزارعين في الهند

محصول مُهمل يفتح باباً اقتصادياً غير محسوب

الزهرة الزرقاء حوّلت الفقر إلى فرصة (شاترستوك)
الزهرة الزرقاء حوّلت الفقر إلى فرصة (شاترستوك)
TT

زهرة «سحرية» قلبت حياة المزارعين في الهند

الزهرة الزرقاء حوّلت الفقر إلى فرصة (شاترستوك)
الزهرة الزرقاء حوّلت الفقر إلى فرصة (شاترستوك)

تقول نيلام براهما، التي تعيش في أنثايغولاو وهي قرية في ولاية آسام شمال شرقي الهند: «حتى قبل بضع سنوات، كانت زهرة (بازلاء الفراشة) أو (المازريون الهندي) مجرّد نبات متسلّق آخر في قريتي».

تنمو «بازلاء الفراشة»، المعروفة في الهند أيضاً باسم «أباراجيتا»، على شكل كَرمة، ولها زهرة زرقاء لافتة للنظر.

ذكرت «بي بي سي» أنه قبل نحو عامين، سمعت براهما أنّ النساء المحلّيات يكسبن المال من بيع الزهور التي يمكن تحويلها إلى شاي أو استخدامها على هيئة صبغة زرقاء اللون. وبالفعل، قرّرت الانضمام إليهن.

تقول براهما: «فاجأتني النتائج. عندما كسبت 50 دولاراً (37 جنيهاً إسترلينياً) من بيع الزهور المجفَّفة للمرّة الأولى، شعرت بالدهشة. وجعلني ذلك أؤمن بأنني أستطيع التحكّم في مستقبلي».

وتمخّضت التجربة عن إنشاء مشروع صغير.

وتضيف براهما: «تقدّمتُ بطلب للحصول على قرض صغير، واستثمرت في آلات تجفيف تعمل بالطاقة الشمسية. وساعدتني تلك الآلات على تجفيف الزهور بصورة أسرع، مع الحفاظ على لونها، وتلبية معايير الجودة التي يطلبها المشترون».

يُذكر أنّ تايلاند وإندونيسيا من أكبر منتجي زهرة «بازلاء الفراشة» ومُستهلكيها، في وقت يزداد فيه الطلب العالمي على هذه الزهرة، ما يجذب رواد الأعمال بالهند.

من جهتها، تقول مؤسِّسة شركة «تي إتش إس إمبيكس»، التي تُصدّر الأصباغ والمواد المضافة الطبيعية، فارشيكا ريدي: «إن الطلب العالمي على الملوّنات الطبيعية في ازدياد كبير».

ويكمن وراء هذا الطلب إقبال المستهلكين على المكونات الطبيعية، فضلاً عن الرقابة المشدَّدة في الولايات المتحدة وأوروبا على الأصباغ الغذائية الاصطناعية.

وقد وافقت «إدارة الغذاء والدواء» الأميركية، عام 2021، على زهرة «بازلاء الفراشة» لتكون مضافاً غذائياً.

ومع ذلك، وفي عام 2022، أثارت هيئة سلامة الأغذية الأوروبية مخاوف تتعلّق بسلامة استخدام هذه الزهرة.

ويُصنّف الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة زهرة «بازلاء الفراشة» على أنها غذاء «جديد»، ممّا يعني أنها لا تزال تحتاج إلى موافقة لاستخدامها على نطاق واسع. ومع ذلك، لا يزال رواد الأعمال الهنود يرون إمكانات في هذا المجال، ويرغبون في تطوير السوق الهندية.

تقول ريدي: «لا يزال هذا المحصول يُنظَر إليه على أنه نبات زينة أو نبات طبّي يُزرع في الحدائق الخلفية للمنازل، وليس سلعة تجارية»، ثم تضيف: «لا يوجد وعي منظّم بالسوق، ولا تصنيف حكومي، ولا آلية تسعير قياسية، ممّا يجعل المزارعين غير متأكدين من العائدات».

وتتعاون ريدي، اليوم، مع المزارعين سعياً إلى رفع معايير الإنتاج. وتتابع: «نعمل مع مجموعة محدّدة من المزارعين وعائلاتهم في ولاية أوتار براديش، بما في ذلك عدد كبير من المزارعات. لقد أبرمنا عقوداً رسمية، ونقدّم دعماً زراعياً شاملاً، بما فيه إرشادات حول أفضل الممارسات الزراعية، وإدارة الريّ، والتقنيات الخاصة بالمحاصيل».

وقد اجتذبت هذه الفرصة التجارية أنظار آخرين داخل الهند.

بدوره، يقول نيتش سينغ، الذي يعيش في ضواحي دلهي: «عندما تضع الزهرة في الماء الساخن، تتحوَّل إلى اللون الأزرق، وعندما تعصر الليمون عليها، تتحوّل إلى اللون الأرجواني. كان ذلك يبدو سحرياً».

ومثل ريدي، يعتقد سينغ أنّ للزهرة إمكانات أكبر بكثير في الهند. ويضيف سينغ: «كانت موجودة هنا منذ آلاف السنين، لكن لم يكن أحد يعلم أنها يمكن أن تصبح غذاءً نظيفاً وصحياً».


مقالات ذات صلة

برلين تغرق في البطاطا... مجاناً

يوميات الشرق البطاطا في قلب نقاش ألماني (شاترستوك)

برلين تغرق في البطاطا... مجاناً

تُوزّع مزرعة في ولاية سكسونيا الألمانية مخزوناً هائلاً من البطاطا مجاناً عقب موسم حصاد وفير على مستوى البلاد.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق ما نعيشه على السطح قد تكون الجينات كتبته في العمق (شاترستوك)

العلم يقترب من فكّ لغز طول العمر

يعتقد علماء حالياً أنهم ربما توصّلوا إلى مفتاح رئيسي لسرّ الحياة الطويلة، وهو ببساطة شديدة الجينات (المورثات).

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق فينوس خوري غاتا ابنة بشري بلدة جبران خليل جبران (وسائل التواصل)

رحيل الشاعرة فينوس خوري غاتا صاحبة كل سنة كتاب

عاشت الشاعرة والروائية اللبنانية الفرنكوفونية، فينوس خوري غاتا، حياةً صاخبةً مليئةً بالمتناقضات بين الفرح والألم، والحب والغربة.

سوسن الأبطح (بيروت)
تكنولوجيا إيلون ماسك يمسك بالشريحة الدماغية المبتكرة (أ.ف.ب)

«سحر وأمل جديد»... شريحة «نيورالينك» تمكّن مريض شلل من التحكم في أجهزته بعقله

قال أحد أوائل الأشخاص في المملكة المتحدة الذين استخدموا شريحة الدماغ التي طورتها  شركة «نيورالينك»، التي يمتلكها الملياردير إيلون ماسك، إنها «تبدو سحرية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق حين تصبح الشخصيات الوهمية رفيقة حياة (إنستغرام)

فرنسية خرِّيجة علوم سياسية تتزوَّج شخصية كرتونية يابانية

في خطوة لا تخلو من طرافة، قرَّرت شابة فرنسية تبلغ 24 عاماً أن تتزوّج «مامي»، وهي الشخصية المفضّلة لديها من سلسلة «مانغا» يابانية للرسوم المتحرِّكة...

«الشرق الأوسط» (باريس)

أحمد زاهر: «لعبة وقلبت بجد» جرس إنذار للأُسر ضدَّ مخاطر الألعاب الإلكترونية

في لقطة مع أسرته بمسلسل «لعبة وقلبت بجد» (الشركة المنتجة)
في لقطة مع أسرته بمسلسل «لعبة وقلبت بجد» (الشركة المنتجة)
TT

أحمد زاهر: «لعبة وقلبت بجد» جرس إنذار للأُسر ضدَّ مخاطر الألعاب الإلكترونية

في لقطة مع أسرته بمسلسل «لعبة وقلبت بجد» (الشركة المنتجة)
في لقطة مع أسرته بمسلسل «لعبة وقلبت بجد» (الشركة المنتجة)

أكد الفنان المصري أحمد زاهر أنّ مسلسل «لعبة وقلبت بجد» يُعد جرس إنذار للأسر للانتباه إلى أولادهم وما يمارسونه داخل غرفهم المغلقة، بعدما تحوَّلت الألعاب الإلكترونية إلى خطر حقيقي، لا يهدّد الأطفال وحدهم، وإنما يمتدّ إلى الأسرة والمجتمع.

وقال، في حواره مع «الشرق الأوسط»، إنه بصفته أباً لم يكن على علم بمخاطر هذه الألعاب، قبل قراءة سيناريو المسلسل الذي تحمَّس له بشدّة، وعدَّه فرصة لتقديم دور مختلف بعيداً عن أدوار الشرّ التي قدَّمها في السنوات الأخيرة. وأضاف: «نجاح العمل تمثَّل في قوة تأثيره على الأسرة والأولاد، وفي اهتمام مجلس الشيوخ بمناقشة قضيته، وأتمنّى حظر لعبة (روبلوكس) في مصر أسوةً بعدد من الدول العربية».

ويؤدّي أحمد زاهر في المسلسل شخصية «شريف»؛ رب الأسرة المكافح، الذي يكتشف تورّط طفله في مشكلة خطيرة تعرّضه للابتزاز، وعندما يحاول إنقاذه، ينكشف أمامه العالم الخفي للألعاب الإلكترونية. ويتكوَّن المسلسل من 30 حلقة، وحقَّق اهتماماً لافتاً، واحتلَّ قائمة الأكثر مشاهدة على منصة «وتش ات».

ويعترف زاهر بأنه في الواقع كان منشغلاً عن متابعة نوعية الألعاب التي يمارسها أطفاله، مشيراً إلى أنّ المسلسل دفعه إلى إعادة النظر في هذا الأمر. وقال: «عندما قرأتُ الفكرة قبل اكتمال كتابة السيناريو، شعرتُ بالقلق، وسألت بناتي إن كنَّ يلعبن لعبة (روبلوكس)، وعندما أكدن ذلك، أوقفتها فوراً. أذهلني أنني لم أكن مهتمّاً بمعرفة الألعاب التي يلعبنها، رغم أنني كنت دائماً قريباً منهن في تفاصيل حياتهن. هذا الغياب لم يكن غيابي وحدي، بل غيابنا جميعاً، فنحن نطمئنّ لأنّ أولادنا في البيت، لكننا لا ننتبه إلى أنهم في عزلة تامة عنّا، وهذه لم تعد ألعاباً بريئة، إذ قد تُقحم الأسرة كلّها في مآسٍ إنسانية».

ولم يكتفِ زاهر بقراءة السيناريو، بل واصل البحث بنفسه في عالم الألعاب الإلكترونية، ليكتشف ما وصفه بأمور «مخيفة». وقال: «سنخوض في هذا العالم بشكل أعمق في الحلقات المقبلة، ومع ذلك لم نقدّم سوى 30 في المائة ممّا يحدث فعلياً، لأنّ هناك أشياء أخطر لا يمكن عرضها أو التطرُّق إليها على شاشة التلفزيون».

وأشار إلى المناقشات المكثَّفة التي جمعته بالمخرج حاتم محمود وفريق العمل من الكُتّاب الشباب، موضحاً: «لا أحب المباشرة في الفنّ. نريد إيصال رسائل حقيقية، لكن من خلال دراما مشوّقة وممتعة، وهذا ما حرصنا عليه».

الفنان أحمد زاهر يُحذّر من «العزلة الإلكترونية» (حسابه على «فيسبوك»)

وعَدَّ زاهر شخصية «شريف» تجربة جديدة مقارنة بأدواره السابقة، قائلاً: «قدَّمت مؤخراً شخصيات شريرة كثيرة، واعتقد البعض أنني لا أجيد سوى هذا النوع من الأدوار، لكن هذا العمل يطرح قضية تمسُّ كلّ أسرة مصرية وعربية، وتتعلَّق بأولادنا ومستقبلهم».

وتحدَّث عن المَشاهد التي فقد فيها «شريف» زوجته وطفله، معترفاً بأنها كانت مُرهقة نفسياً، وقال: «مَشاهد موت الأم والطفل كانت قاسية، لأنني أتأثَّر كثيراً فيما أقدمه. لم أبكِ كما هو متوقَّع، وكان ذلك أداء مختلفاً بالنسبة إليّ، لكن انهيار (شريف) جاء حين أغلق غرفته وبكى أمام والدته، لأنه كان مصدوماً وغير قادر على التصديق».

وأشار إلى أنَّ المسلسل تناول قضايا متعدّدة، من بينها التنمُّر الذي تعرَّض له الطفل بسبب إصابته بالسكري، وحادث السير الذي تسبَّب فيه سائق مدمن مخدرات، لافتاً إلى وجود وقائع مُشابهة في الواقع، خصوصاً فيما يتعلَّق بسائقي سيارات المدارس.

وعن مشاركة ابنته منى زاهر في العمل، أوضح أنها جاءت بعد مناقشات مع فريق الإنتاج والإخراج لتحقيق الصدقية، مؤكداً أنه طلب الجلوس معها لتقييم ملاءمتها للدور قبل اختيارها. وقال: «منى كانت تتمنَّى العمل معي، مثل شقيقتيها ملك وليلى، لكنني لا أتمنّى أن تدخل ابنتي الرابعة نور مجال التمثيل... (كفاية أترك واحدة في البيت)».

وأعرب زاهر عن سعادته بنجاح المسلسل وتأثيره، مشيراً إلى أنه، رغم عرضه خارج الموسم الرمضاني، حقَّق مليار مشاهدة عبر منصات التواصل الاجتماعي لقناة «دي إم سي» ومنصة «وتش ات». وأضاف: «أتطلَّع إلى صدور قرار رسمي بحظر لعبة (روبلوكس)، خصوصاً مع اهتمام مجلس الشيوخ بالقضية، كما حدث في دول مثل تركيا، وقطر، والأردن، ليكون العمل قد حقَّق هدفه في تنبيه الآباء والأمهات إلى خطورة ما يواجهه أولادهم، فالمشكلة لا تقتصر على لعبة واحدة، لأنها تمتدّ إلى عالم أخطر بكثير».


«رحلة في الذاكرة»... معرض ينطلق من المولد الشعبي إلى الحلم المعاصر

استلهام الفلكلور في تجربة تشكيلية إنسانية (الشرق الأوسط)
استلهام الفلكلور في تجربة تشكيلية إنسانية (الشرق الأوسط)
TT

«رحلة في الذاكرة»... معرض ينطلق من المولد الشعبي إلى الحلم المعاصر

استلهام الفلكلور في تجربة تشكيلية إنسانية (الشرق الأوسط)
استلهام الفلكلور في تجربة تشكيلية إنسانية (الشرق الأوسط)

يفتح الفنان المصري، زكريا القاضي، في معرضه الجديد «رحلة في الذاكرة» الأبواب الواسعة على الذاكرة المصرية، ليس بوصفها أرشيفاً للماضي فقط، بل كرحلة إنسانية ممتدة بلا نهاية.

ومن خلال نحو 55 لوحة يستضيفها «غاليري ضي» يستلهم القاضي التراث والفن الشعبي؛ حيث تتجلى الخصوصية المصرية من خلال الرموز والعناصر المستلهمة من إرثه الثقافي، وتبدو اللوحات كمساحات قصصية مفتوحة تسرد لنا أكثر من حكاية.

وخلال ذلك يشعر المتلقي وكأنه يتجول داخل مولد شعبي أو احتفال جماعي؛ حيث تتقاطع الوجوه، وتتعدد «الحواديت»، وتتجاور المشاهد.

مشاهد وتفاصيل متنوعة وغنية يستدعيها الفنان من ذاكرته التي يعدّها «رحلة لها بداية من دون نهاية؛ فما دام المرء على قيد الحياة تبقى هذه الرحلة مستمرة» وفق تعبيره. ويقول القاضي لـ«الشرق الأوسط»: «هي رحلة تتكثف فيها اللحظات، وتومض المحطات، وتلح الصور الشعبية والتراثية على الوعي؛ لتخرج في صياغات بصرية نابضة بالحياة، وتحث عليها، من خلال محاولة استعادتها في أرض الواقع».

لوحات مشبعة باللون والحكاية والحنين (الشرق الأوسط)

وتشكل اللوحات في مجموعها سردية بصرية عن الإنسان المصري، الذي يتمتع بطبقات حضارية متراكمة، كما وصفه المفكر الراحل جمال حمدان، وجاء القاضي ليقدم محاولة تشكيلية لصهر هذا الإرث المتعدد في بوتقة معاصرة تؤكد أن الاستلهام هو الطريق إلى الخصوصية.

وعلى الرغم من أن التراث موضوع أثير لدى الفنان، فإن تناوله له في هذا المعرض جاء مختلفاً عن تجاربه السابقة، وهو ما يُرجِعه إلى «اختلاف الفكرة نفسها؛ فقد استحضرتُ محطات كثيرة من حياتي كانت مخفية؛ لأن المرء عندما يكبر يصبح في حالة تأمل داخلي أكثر مما كان، كما أنه يميل إلى تحليل وتوضيح ما يدور حوله من مشكلات حياتية».

ويتابع: «باختصار هي حالة من (النوستالجيا) للعادات والتقاليد ودفء العلاقات والتجمعات في عالم معاصر يتجه أكثر فأكثر إلى العزلة، ولذلك فإن المحور الأساسي لأعمالي يحمل بُعداً عميقاً للجانب الإنساني».

يفسر ذلك تجاور وتحاور الشخوص في لوحاته وكأنهم متلاصقون، بينما تحيط بهم العناصر والأشكال المستلهمة من الفن الشعبي، وهو ما يفسره قائلاً: «ذلك هو ما تربَّينا عليه في مصر: (الجار للجار) و(الصديق رفيق الدرب)، فقد كنا في حالة تلاحم، وكان كل منا يشعر بمشكلات الآخر، ويحاول أن يجد حلولاً لها. الآن اختلف الأمر».

المهرج مثقل بالتجربة ولا يبعث على الضحك (الشرق الأوسط)

ولا يقتصر الجانب الإنساني على الحنين وحده، بل يبرز كذلك أحوال البسطاء والمهمشين، ويتناول معاناة الإنسان اليومية في سعيه وراء لقمة العيش.

من هنا يظهر «البلياتشو» على سبيل المثال في بعض التكوينات لا كمهرج باعث على الضحك، إنما ككائن حزين، مثقل بالتجربة، فيما يتحول مركب الورق، تلك المفردة الطفولية الحالمة، إلى رمز للسفر الداخلي، يقول: «إنه حلم الهروب من الواقع إلى فضاء أكثر رحابة».

وإذا كان من الواضح لزائر المعرض أن تجربة الفنان زكريا القاضي تنطلق من خصوصية مصرية واعية، بوصفها فضاءه الثقافي والوجداني الأول، فكذلك من اللافت أنه حين يقدم رؤيته الفنية القائمة على استلهام التراث يفعل ذلك ليس بوصفه إطاراً محلياً مغلقاً، بل مدخل للتعبير عن قضايا إنسانية أوسع؛ حيث تمتد اللوحات لتلامس الإنسان في جوهره، وهمومه المشتركة.

تكوينات تحاور التراث وتفتح أفقاً معاصراً (الشرق الأوسط)

وتحضر الحيوانات والطيور، بما لها من دلالات رمزية متجذرة في الوعي الجمعي؛ فالثور على سبيل المثال يحيل إلى الصراع والقوة، والحمام إلى السلام، والحصان إلى النبل والفروسية، في حين تأتي هذه العناصر مندمجة داخل التكوين، متجاوزة إطارها الزخرفي كضرورات جمالية وفكرية تخدم بنية العمل ومعناه.

يولي الفنان اهتماماً خاصاً بسطح اللوحة، الذي يصفه بأنه شريك في الحوار الإبداعي؛ إذ يتعامل معه كمساحة مشحونة بطاقة كامنة، تفرض أحياناً مسارها الخاص على الفكرة. وتساهم خشونة السطح واستخدام السكين في بناء كتل لونية كثيفة، تنقل الإحساس الإنساني مباشرة، وتختصر كثيراً من الشرح، ليصبح الملمس واللون لغة قائمة بذاتها.

ورغم ما تحمله بعض الأعمال من شجن وحزن، فإن طاقة اللون تبقى محتفظة بقدر من الإيجابية والأمل، في انسجام مع رؤية فنية لا تعتمد على منظور تقليدي أو مصدر إضاءة واحد، بل تستلهم الإرث الحضاري المصري؛ حيث الإضاءة تنبع من قلب اللوحة نفسها، لا من خارجها.

الفنان المصري زكريا القاضي (الشرق الأوسط)

ولا يتوقف تأثر القاضي بالحضارة المصرية القديمة وحدها، إنما يستوقفنا تمتع اللوحات بكثافة تفاصيلها وخلفياتها الغنية التي تستحوذ على عين المتلقي، في سمة تذكِّر بتقاليد الفنان الشعبي المصري، وبالفن الإسلامي على السواء، حيث لا يترك الفراغ بلا معنى.

ففي الإرث الفني الإسلامي البصري يصبح امتلاء السطح بالزخارف والتفاصيل انعكاساً لحالة روحية متصلة بالتصوف، وبفكرة الذكر المستمر، حيث لا مساحة للصمت أو الخواء.

وبينما ينشغل الفنان الشعبي بزخم سردي داخلي يدفعه إلى ملء كل جزء من اللوحة، بوصفه عنصراً ضرورياً في استكمال الحكاية البصرية. وهكذا أيضاً يبدو السطح التشكيلي لدى القاضي مشغولاً بالكامل، إلى حد أن كل جزء أو «تفصيلة» فيه يمكن أن تُقرأ كعمل مستقل، في تعبير صادق عن مخزون بصري ووجداني متراكم، يتغذى بوضوح على تأثيرات الفن الإسلامي والشعبي ويعيد صياغتهما في رؤية معاصرة.


التسويف ليس علامة على «الكسل أو ضعف الإرادة»… كيف تحاربه؟

الأسلوب الأمثل للتغلب على التسويف هو استكشاف جذور هذه العادة (بيكسلز)
الأسلوب الأمثل للتغلب على التسويف هو استكشاف جذور هذه العادة (بيكسلز)
TT

التسويف ليس علامة على «الكسل أو ضعف الإرادة»… كيف تحاربه؟

الأسلوب الأمثل للتغلب على التسويف هو استكشاف جذور هذه العادة (بيكسلز)
الأسلوب الأمثل للتغلب على التسويف هو استكشاف جذور هذه العادة (بيكسلز)

كشفت عالمة الأعصاب الدكتورة آن لور لو كونف أن التسويف، أي عادة تأجيل أو إرجاء المهام والقرارات إلى وقت لاحق، أو حتى اللحظة الأخيرة، يُثقل كاهل الكثيرين منا بأعباء عاطفية ونفسية. وتضيف: «لقد تربينا على ربط التسويف بالكسل وضعف الإرادة، ولذا عندما نُسوّف، نبدأ بلوم أنفسنا لعدم إنجاز ما كنا قد تعهدنا به»، وفقاً لشبكة «سي إن بي سي».

وتؤكد لو كونف، مؤلفة كتاب «تجارب صغيرة: كيف تعيش بحرية في عالم مهووس بالأهداف»، أن هذه المشاعر السلبية تجعل من الصعب علينا العودة إلى المسار الصحيح. وترى أن التسويف، من وجهة نظرها، لا ينبغي أن يكون مصدراً للخجل، فهو «مجرد إشارة من الدماغ تُنبئ بأن شيئاً ما لا يسير على ما يُرام في الوقت الراهن». وتتابع: «بدلاً من تجاهل هذه الإشارة، وبدلاً من محاولة الاستمرار رغم كل شيء ولوم أنفسنا، ما رأيك لو استمعنا إليها فقط؟».

استكشاف جذور التسويف

تقول لو كونف إن الأسلوب الأمثل هو استكشاف جذور عادة التسويف، وتقدم استراتيجيتها للتغلب عليه:

تحديد المشكلة

ابتكرت لو كونف نظام «التحقق الثلاثي» الذي يساعد على تقييم سبب تجنبك لمهمة معينة، سواء كانت المشكلة نابعة من:

العقل: إذا كان التسويف نابعاً من العقل، فهذا يعني «أنه على المستوى العقلاني، لست مقتنعاً تماماً بضرورة العمل على تلك المهمة من الأساس».

القلب: إذا كانت المشكلة نابعة من القلب، فهذا يشير إلى مشاعرك، أي إنك «على المستوى العاطفي، لا تشعر بأن هذا الأمر سيكون ممتعاً أو محفزاً».

الفعل: إذا كانت المشكلة نابعة من جانبك العملي، فهذا يعني «أنك عملياً لا تؤمن بامتلاكك الأدوات أو المهارات أو شبكة الدعم المناسبة لإنجاز المهمة».

وتضيف لو كونف: «بمجرد تحديد سبب تجنبك لمهمة ما، يمكنك إيجاد طرق منهجية للتغلب على هذا العائق».

تقييم المهمة

للتغلب على المشاكل النفسية، تنصح لو كونف بالتوقف قليلاً وتقييم ما لا يبدو مناسباً في العمل. على سبيل المثال، إذا كنت تتباطأ في إنجاز مهمة معينة لأنك غير متأكد من توافقها مع الأهداف الاستراتيجية لمشروعك، «يمكنك إعادة النظر في المهمة وإعادة تعريفها لمعرفة ما إذا كان هذا هو النهج الأمثل»، كما توضح لو كونف.

جعل المهام أكثر متعة

بالنسبة للمهام التي تتجنبها لأنها لا تبدو مثيرة أو محفزة بما فيه الكفاية، تنصح لو كونف بجعل بيئة العمل ممتعة. وتضيف: «ربما يمكنك دعوة زميلك المفضل للعمل معاً لفترة قصيرة، أو الذهاب إلى مقهاك المفضل لإنجاز المهمة».

الحصول على الدعم

إذا كنت تميل إلى التسويف عندما تشعر بالإرهاق أو بعدم الاستعداد، تنصح لو كونف بالتواصل مع أصدقاء أو زملاء تثق بهم للحصول على المشورة. تقول: «أنصح الناس دائماً برفع أيديهم وطلب المساعدة. قد يشمل هذا الدعم التدريب والتوجيه، أو حتى طلب رعاية شركتك لدورة تدريبية عبر الإنترنت، أياً كان ما تحتاجه لتشعر بأن لديك الموارد اللازمة لإنجاز العمل».

التغلب على شعور الخجل المصاحب للتسويف

تضيف لو كونف أن نظام التحقق الثلاثي يساعد على تجاوز الشعور بالخجل المصاحب للتسويف. وتتابع: «الأمر يتعلق بالانتقال من ذلك الشعور المبهم بالخوف ولوم الذات لعدم قيامك بما يجب عليك فعله، إلى التصرف بشكل أقرب إلى العالم، أو المحقق، والنظر إلى الأمر على أنه لغز يجب حله».