حصاد 2025... «الحوسبة الكمومية» تتصدر المشهد وقفزات الذكاء الاصطناعي تتسارع

اكتشافات فضائية تعيد كتابة تاريخ الكواكب

الروبوت الجراحي الجديد يعتمد على نظام مبتكر يُثبّت على رأس المريض (جامعة يوتا)
الروبوت الجراحي الجديد يعتمد على نظام مبتكر يُثبّت على رأس المريض (جامعة يوتا)
TT

حصاد 2025... «الحوسبة الكمومية» تتصدر المشهد وقفزات الذكاء الاصطناعي تتسارع

الروبوت الجراحي الجديد يعتمد على نظام مبتكر يُثبّت على رأس المريض (جامعة يوتا)
الروبوت الجراحي الجديد يعتمد على نظام مبتكر يُثبّت على رأس المريض (جامعة يوتا)

شهد عام 2025 تطورات علمية بارزة، تصدّرها تقدم تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية، إلى جانب ابتكارات وتقنيات تعد بإمكانية تغيير جذري في حياتنا اليومية، بالإضافة لاكتشافات لافتة في مجالات الفضاء والفلك.

وأعلنت الأمم المتحدة 2025 سنة دولية للعلوم وتكنولوجيا الكم، احتفاءً بالذكرى المئوية الأولى لتطوير مبادئ ميكانيكا الكم، نظراً لما توفره هذه التكنولوجيا من قوة معالجة هائلة للبيانات مقارنة بالحواسيب التقليدية، مع تطبيقات واسعة في الطب والكيمياء وعلوم المواد.

وحظي هذا المجال بتكريم لائق هذا العام، حيث منحت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم جائزة نوبل في الفيزياء 2025 لثلاثة علماء كشفوا عن تطبيقات جديدة في فيزياء الكم، بما في ذلك تطوير دوائر كهربائية فائقة التوصيل تمثل قاعدة للحواسيب الكمومية، التي تمتلك القدرة على إجراء حسابات متوازية ومعالجة مجموعات ضخمة من البيانات بسرعة وكفاءة غير مسبوقتين، متجاوزة أقوى الحواسيب التقليدية بملايين المرات.

وتفتح هذه الإنجازات المجال أمام تقنيات مثل التشفير الكمومي وأجهزة الاستشعار الفائقة الدقة، مع توقعات بتحقيق التطبيقات التجارية للحوسبة الكمومية خلال السنوات الخمس المقبلة في مجالات علوم المواد والطب والطاقة، ما يمهد لثورة حقيقية في البحث العلمي والتكنولوجيا الحديثة.

قفزات الذكاء الاصطناعي

واصل الذكاء الاصطناعي نموه المتسارع في 2025، مع قفزات نوعية في نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) التي أصبحت أكثر وعياً بالسياق وقادرة على التفكير المعقد، واندماجها بسلاسة في الصناعات المختلفة بما في ذلك البحث العلمي والروبوتات، ما يسرّع الاكتشافات خصوصاً في الطب.

خلال 2025، أطلقت شركة «أوبن إيه آي» نموذج (GPT-5) الجديد، الذي يجمع بين سرعة الاستجابة والتفكير المنطقي العميق عبر نظام يختار تلقائياً أفضل نموذج لكل مهمة، مع تحسينات في البرمجة، وكتابة النصوص الإبداعية والرسمية، والاستشارات الصحية، إضافة إلى معالجة المدخلات المتعددة الوسائط بدقة عالية.

كما شهد العام تقدماً في دمج نماذج اللغة الكبيرة مع أنظمة الروبوتات، حيث يمكن للنماذج الصغيرة المدربة بالتعلم المعزز التحكم في الروبوتات بكفاءة، فيما أثبت نموذج محاكاة طوره باحثون بجامعة سري البريطانية قدرة الروبوتات الاجتماعية على التدرّب على التفاعل البشري في بيئات افتراضية، ما يمهد لتطوير روبوتات أكثر وعياً وقدرة على التفاعل في التعليم ورعاية المسنين وخدمة العملاء.

«ذكاء اصطناعي» في خدمة الصحة

وشهد العام تقدماً هائلاً في توظيف الذكاء الاصطناعي في الطب، مع ابتكارات وسائط ذكية تسهم في التشخيص المبكر، وتحسين جودة الرعاية الصحية، وإجراء عمليات دقيقة بأمان وفاعلية أكبر، ما يعكس دمج التكنولوجيا المتقدمة مع الطب لتحسين حياة المرضى وتقليل الأخطاء الطبية.

وطور باحثون في جامعة نورث وسترن نظام ذكاء اصطناعي متقدّماً قادراً على اكتشاف الأمراض المهددة للحياة خلال ثوانٍ عبر تحليل صور الأشعة، مع توليد تقارير دقيقة تصل إلى 95 في المائة وتسريع عمل أطباء الأشعة بنسبة تصل إلى 40 في المائة، لكن مع التأكيد على أنه يدعم الأطباء ولا يحلّ محلّهم.

وفي جامعة برلين، صمم فريق نموذجاً ذكياً لتشخيص أكثر من 170 نوعاً من السرطان بدقة تفوق 97 في المائة من خلال تحليل البصمة الوراثية للورم، ما يتيح تشخيصاً سريعاً وغير جراحي مع تفسير آلية اتخاذ القرار لتعزيز ثقة الأطباء.

كما طوّر باحثون في جامعة تكساس للعلوم الصحية تطبيقاً للكشف الفائق السرعة لأمراض شبكية العين المرتبطة بالسكري بدقة تتجاوز 99 في المائة وفي أقل من ثانية، وهذا يتيح فحوصات واسعة النطاق حتى في المناطق النائية.

الميكروروبوت الطبي يتكون من كبسولة كروية صغيرة للغاية مصنوعة من غلاف جيلاتيني قابل للذوبان (المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا)

وفي المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيوريخ، ابتُكر ميكروروبوت طبي، عبارة عن كبسولة جيلاتينية دقيقة قادرة على التحرك داخل الأوعية الدموية والوصول إلى الجلطات الدماغية وإطلاق الدواء مباشرة في موقع الإصابة بدقة عالية، ما يقلل الجرعات والآثار الجانبية.

أما على صعيد الحوسبة العصبية، فقد ابتكر فريق دولي خلية عصبية اصطناعية تُعرف بـ«العصبون العابر»، قادرة على محاكاة وظائف دماغية متعددة مثل الرؤية والحركة والتخطيط، مع مرونة وإمكانية تعلم عالية، ما يمهد الطريق لتطوير شرائح إلكترونية تحاكي قشرة الدماغ البشري.

وفي مجال الجراحة، طوّر فريق صيني بالتعاون مع جامعتي إمبريال كوليدج لندن وغلاسكو روبوتاً جراحياً دقيقاً يمكنه التنقل داخل الجسم باستخدام نظام رؤية ذاتي بالكامل دون الحاجة لكاميرات أو مستشعرات خارجية.

ويعتمد الروبوت على أذرع مرنة وكاميرا صغيرة تتعقب علامات «AprilTag» مع خوارزمية تحكم تصحّح الحركة لحظياً، ما يوفر دقة واستقراراً يفوقان الأنظمة المجهرية التقليدية، ما يتيح إجراء عمليات دقيقة في المناطق الحساسة بأمان وموثوقية عالية.

البيئة والمناخ

شهد 2025 طفرة في الابتكارات البيئية التي تستهدف الحد من التلوث وتحسين كفاءة الطاقة وتعزيز الاستدامة من خلال مواد صديقة للبيئة، وخلايا شمسية عالية الأداء. وقد عكست هذه الابتكارات توجهاً عالمياً نحو تطوير تقنيات تخدم المناخ وتحد من البصمة البيئية للإنسان.

وتوصل فريق من جامعة طوكيو لمادة بلاستيكية صديقة للبيئة تتحلل في مياه البحر خلال ساعات قليلة، بينما تتحلل القطع الكبرى في التربة خلال نحو 200 ساعة، دون ترك أي ميكروبلاستيك. وتمتاز المادة بقوة البلاستيك التقليدي وإمكانية تلوينها، مع تفككها فور تعرضها للأملاح، ما يجعلها مناسبة لتطبيقات التغليف مع أثر بيئي شبه معدوم.

وفي سياق المواد المستدامة، طوّر باحثون من جامعة كيس ويسترن ريزيرف نوعاً جديداً من البلاستيك الإلكتروني الحيوي، وهو بوليمر مرن وخالٍ من الفلورين وقابل للتحلل، يمكن استخدامه في الأجهزة الطبية القابلة للارتداء، وأدوات الاستشعار، ونظارات الواقع المعزز، مع إمكانية ضبط خصائصه الإلكترونية حسب الحاجة.

كما ابتكر فريق دولي بقيادة جامعة «يونيفرسيتي كوليدج لندن» خلايا شمسية من البيروفسكايت تحقق كفاءة قياسية بلغت 37.6 في المائة تحت الإضاءة الداخلية - ستة أضعاف الخلايا التجارية - مع احتفاظها بـ92 في المائة من أدائها بعد 100 يوم. ويفتح هذا الابتكار الباب أمام تشغيل أجهزة إنترنت الأشياء والحساسات الداخلية دون بطاريات.

هيكل مقوس مصنوع من الخرسانة الجديدة استطاع تحمل وزنه وأحمال إضافية مع تشغيل مصباح معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (LED)

وفي مجال البناء المستدام، طور معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) نوعاً جديداً من الخرسانة المخزّنة للطاقة، عبر دمج الكربون الأسود النانوي والإلكتروليتات لتشكيل شبكة موصلة داخلية عززت القدرة التخزينية عشرة أضعاف. ويمكن لـ5 أمتار مكعبة من هذه الخرسانة تشغيل منزل كامل ليوم واحد، ما يتيح تطوير مبانٍ وطرق ذكية قادرة على تخزين الكهرباء وشحن السيارات.

كما ابتكر المعهد روبوتات طائرة بحجم الحشرات قادرة على التحليق 17 دقيقة بسرعة 35 سم/ثانية، باستخدام أجنحة مرنة ومحركات اصطناعية فائقة الخفة. وتهدف هذه الروبوتات إلى دعم التلقيح الميكانيكي لتعويض تراجع الملقحات الطبيعية وتحسين إنتاجية المحاصيل.

الطلاء الجديد يجعل الملابس القطنية مقاومة للاشتعال (جامعة تكساس إيه آند إم)

وفي مجال حماية الأقمشة، طور فريق من جامعة تكساس إيه آند إم طلاءً مبتكراً للقطن مقاوماً للاشتعال، يعتمد على طلاء البولي إلكتروليت القائم على الماء، ويتيح حماية آمنة وغير سامة مقارنة بالمواد التقليدية، عبر آلية تطبيق سريعة خطوة واحدة، ما يجعله مثالياً للملابس الصناعية والطبية.

الكون والفضاء

الاكتشافات الفلكية والبحوث الفضائية شهدت أيضاً تطورات لافتة، حيث نجح فريق بقيادة جامعة نيفادا الأميركية في تحليل أول عينات التربة والصخور التي جمعتها مركبة «بيرسيفيرانس» من سطح المريخ. وكشفت النتائج عن مؤشرات قوية لوجود مياه في الماضي ومعادن مثل الأوليفين والفوسفات، ما يعزّز فرضية وجود بيئات صالحة للحياة قبل مليارات السنين. وتُخزّن العينات تمهيداً لإعادتها إلى الأرض بين 2035 و2039 لدراسة أدق لتاريخه الجيولوجي والمناخي.

الكوكب المُكتشف تبلغ كتلته ضِعف كتلة الأرض في مدار أوسع من مدار زحل حول نجمه (جامعة ولاية أوهايو)

وتمكن باحثون من المرصد الأوروبي الجنوبي في تشيلي من رسم أول خريطة ثلاثية الأبعاد لغلاف جوي لكوكب خارجي هو الكوكب الحار فائق الحجم (WASP-121b (تايلوس)، موضحين حركة الرياح العاتية ونقل عناصر كالصوديوم والحديد والهيدروجين بين طبقاته، بما يقدّم نموذجاً متطوراً لفهم التوزيع الحراري والكيميائي في أغلفة الكواكب العملاقة.

كما أعلن علماء من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا اكتشاف كوكب صخري بحجم عطارد، شديد القرب من نجمه. الكوكب المسمى (BD 05 4868 Ab) يدور خلال 30.5 ساعة فقط، وتصل حرارته إلى 1600 درجة مئوية، ما يؤدي إلى تبخر المعادن وتكوّن ذيل يمتد 9 ملايين كيلومتر. ويخسر الكوكب كتلة تعادل جبل إيفرست في كل دورة، في مسار تفكك قد ينتهي باختفائه خلال مليون إلى مليونَي عام.

الخطوط الداكنة تظهر على جوانب المنحدرات والتلال على سطح المريخ (جامعة براون)

وفي اكتشاف آخر، رصد فريق دولي بقيادة جامعة ولاية أوهايو كوكباً خارجياً من فئة الأرض الفائقة باسم (OGLE-2016-BLG-0007) بكتلة تبلغ ضعف كتلة الأرض ويدور في مدار واسع يتجاوز مدار زحل، باستخدام تقنية العدسات الدقيقة الجاذبية، ما يكشف عن تنوع الأنظمة الكوكبية واحتمالات وجود عوالم باردة شبيهة بالأرض.

وكشف باحثون من جامعتي براون وبرن عن أن «الخطوط الداكنة» على منحدرات المريخ ليست ناتجة عن تدفق المياه، بل عن انهيارات ترابية جافة مصدرها الرياح والاصطدامات. واعتمد الفريق على تحليل 86 ألف صورة عالية الدقة بخوارزميات تعلم آلي، مكوّناً قاعدة بيانات تضم أكثر من 500 ألف خط، لتأكيد دور العمليات الجافة في تشكيل مظهر السطح المريخي.

كما سجّل تلسكوب «دانيال ك. إينوي» الشمسي أول رصد عالي الدقة لانفجار شمسي ضخم من الفئة (X)، كاشفاً عن حلقات إكليلية بعرض 48 كيلومتراً وهياكل دقيقة لا تتجاوز 21 كيلومتراً، وهو أدق تصوير لهذه الظواهر حتى الآن، ما يساعد في فهم آليات إعادة الاتصال المغناطيسي وتحسين التنبؤ بالطقس الفضائي.

وتمكن فريق من جامعة هاواي من تفسير ظاهرة «الأمطار الشمسية»، موضحين أن تغير نسب عناصر مثل الحديد في الهالة الشمسية يسرّع تبريد البلازما ويقود إلى تكاثفها وسقوطها نحو السطح خلال دقائق، ما يسهم في بناء نماذج أكثر دقة لسلوك الشمس في أثناء الانفجارات.

وفي خطوة واعدة للبحث عن حياة خارج الأرض، أعلن فريق بقيادة جامعتي بنسلفانيا وكاليفورنيا عن اكتشاف كوكب جديد محتمل الصلاحية للحياة باسم (GJ 251 c)، يقع على بُعد 18 سنة ضوئية ويصنف من «الأراضي الفائقة» داخل المنطقة الصالحة للسكن حول نجم قزم أحمر. وجاء الاكتشاف عبر تتبع الاهتزازات الطفيفة في ضوء النجم باستخدام مطيافات عالية الدقة ونماذج تحليلية متقدمة.

كما رصد فريق دولي بقيادة جامعة كمبريدج وجود كوكب غازي عملاق داخل قرص كوكبي أولي حول النجم الشاب (MP Mus)، بحجم يتراوح بين 3 و10 أضعاف المشتري، بالاعتماد على مزيج من ملاحظات مرصد «ألما» وبيانات مرصد «غايا». وكشف الرصد عن فجوات وحلقات في القرص ناتجة عن تأثير الكوكب، وهو الاكتشاف الأول من نوعه لكوكب يُرصد بطريقة غير مباشرة داخل قرص نشوء كوكبي.

ابتكارات جديدة

الابتكارات العلمية والتقنية شهدت طفرة لافتة، فقد نجح فريق دولي بقيادة الباحث المصري محمد ثروت حسن من جامعة أريزونا، وبالتعاون مع «كالتيك» وجامعة ميونيخ، في ابتكار أسرع ترانزستور فوتوني في العالم بتردد 1.6 بيتاهيرتز، يعتمد على بنية «غرافين – سيليكون – غرافين»، ويعمل بنبضات ليزر فائقة السرعة لتغيير حالته خلال 630 أتوثانية. ويعمل الترانزستور في الظروف العادية وينفذ بوابات منطقية رقمية، ما يجعله نواة محتملة لمعالجات ضوئية أسرع بمليون مرة من الحالية، مع تطبيقات واسعة في الذكاء الاصطناعي وتصميم الأدوية والطاقة.

المصريان محمد ثروت حسن قائد الفريق البحثي ومحمد يحيى الباحث الأول للدراسة يحملان أسرع ترانزستور ضوئي (الفريق البحثي)

وطوّر باحثون من جامعة يوتا روبوتاً جراحياً متقدماً لعمليات شبكية العين يتمتع بدقة ميكرومترية تفوق القدرات البشرية، عبر نظام لتثبيت الرأس والعينين و«واجهة لمسية» تحول حركات الجراح إلى حركات دقيقة جداً داخل العين مع تعويض الارتجاف. وأظهرت التجارب قدرته على تنفيذ إجراءات حساسة مثل الحقن تحت الشبكية مع تقليل الأخطاء، ما يمهّد لدمج الروبوتات في الجراحات العينية الدقيقة.

وفي جامعة بنسلفانيا، ابتكر الباحثون جهازاً باسم (BlinkWise) يحول النظارات العادية إلى أداة ذكية تراقب صحة المستخدم عبر تتبع حركات الرمش باستخدام موجات راديوية فائقـة الدقة، من دون كاميرات. ويضم الجهاز شريحة ذكاء اصطناعي منخفضة الطاقة تحفظ الخصوصية، وتتيح مراقبة علامات الإرهاق وجفاف العين والنعاس، ما يجعله مناسباً للوقاية من الحوادث ومتابعة الصحة اليومية.

كما ابتكر فريق من جامعة واشنطن جهازاً قادراً على كشف فيروس إنفلونزا الطيور (H5N1) في الهواء خلال أقل من خمس دقائق، مستفيداً من وحدة لالتقاط الهواء ومستشعر كهربائي – كيميائي يتعرف على بروتينات الفيروس حتى عند تركيزات منخفضة. ويمتاز الجهاز بإمكانية تعديله لكشف مسببات أمراض أخرى وتصميمه المحمول المنخفض التكلفة، ما يجعله خياراً عملياً لمراقبة الأوبئة.

وتمكن باحثون من جامعتي آلتو وفايرويت من تطوير هيدروجيل ذاتي الالتئام يجمع بين الصلابة والمرونة ويستعيد 80 – 90 في المائة من بنيته خلال أربع ساعات، ويكتمل الترميم خلال 24 ساعة، بفضل صفائح نانوية فائقة الرقة. ويوفر الهيدروجيل تطبيقات واسعة تشمل الجلد الاصطناعي للروبوتات، وإصلاح الأنسجة، وعلاج الجروح المزمنة، وتوصيل الأدوية.

كبسولة ذكية لقياس المؤشرات الحيوية مباشرة من داخل الجهاز الهضمي (معهد كاليفورنيا للتقنية)

كما ابتكر فريق من معهد كاليفورنيا للتقنية (كالتيك) كبسولة ذكية يبلغ قطرها 7 مليمترات وطولها 25 مليمتراً فقط، تحمل اسم (PillTrek) لقياس المؤشرات الحيوية مباشرة من داخل الجهاز الهضمي، بما يشمل الحموضة والحرارة والغلوكوز والنواقل العصبية مثل السيروتونين، من دون عمليات جراحية. وتتيح الدقة العالية وإمكانية تخصيص المستشعرات تشخيصاً أفضل للأمراض المزمنة والالتهابية وللمراحل المبكرة لاضطرابات الجهاز الهضمي.

جهاز ليزر مبتكر لتدمير البعوض (المهندس الصيني جيم وونغ)

وقدم المهندس الصيني جيم وونغ جهاز (Photon Matrix) الذي يعمل كـ«قبة ليزرية» للقضاء على البعوض والحشرات بدقة عالية باستخدام الليدار والرؤية الحاسوبية لرسم خرائط ثلاثية الأبعاد آنية، قبل إطلاق نبضة ليزر مركزة نحو الهدف. ويضمن النظام الأمان عبر تعرّف حجم وسرعة الكائنات وإيقاف الليزر تلقائياً، ما يقدّم حلاً فعالاً لمكافحة الحشرات الناقلة للأمراض.

وأخيراً، طوّر باحثون من جامعة العلوم والتكنولوجيا في الصين عدسات لاصقة مبتكرة تمنح رؤية في الظلام وحتى مع غلق العينين من دون أي مصدر طاقة، باستخدام جسيمات نانوية تحول الأشعة تحت الحمراء القريبة إلى أطوال موجية مرئية (800 – 1600 نانومتر). وأثبتت التجارب على البشر والفئران قدرة العدسات على التقاط الضوء تحت الأحمر مع خفض التداخل، ما يفتح آفاقاً لعمليات الإنقاذ والطوارئ ونقل المعلومات ومساعدة المصابين بعمى الألوان.


مقالات ذات صلة

رئيس «دافوس»: الخليج مؤهّل لدور رئيسي في منظومة الذكاء الاصطناعي

خاص رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي بورغه برنده لدى حضوره إحدى جلسات «منتدى دافوس الصيفي» في مدينة تيانجين الصينية يونيو 2025 (أ.ف.ب)

رئيس «دافوس»: الخليج مؤهّل لدور رئيسي في منظومة الذكاء الاصطناعي

قال رئيس «دافوس» لـ«الشرق الأوسط» إن العالم يمُرّ بلحظة مفصلية في تطوير الذكاء الاصطناعي المسؤول، مشدداً على ضرورة إرساء أطر أخلاقية وتنظيمية.

نجلاء حبريري (دافوس)
الاقتصاد شعار صندوق النقد الدولي بمقره الرئيسي في واشنطن (رويترز)

صندوق النقد الدولي يرفع توقعات النمو العالمي لعام 2026 إلى 3.3 %

رفع صندوق النقد الدولي مجدداً توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي لعام 2026، يوم الاثنين، في الوقت الذي تتكيف فيه الشركات والاقتصادات مع التعريفات الجمركية الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد تعرض شاشة البيانات المالية أداء مؤشر «كوسبي» في قاعة التداول ببنك هانا في سيول (إ.ب.أ)

مستويات قياسية للأسهم الكورية بدعم من طفرة السيارات والذكاء الاصطناعي

سجلت الأسهم الكورية الجنوبية مستويات قياسية جديدة، خلال تعاملات يوم الاثنين، مدفوعة بارتفاع قوي في أسهم شركات صناعة السيارات.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد شعار المنتدى الاقتصادي العالمي في مكان انعقاده بدافوس السويسرية (رويترز)

السعودية في دافوس... مشاركة مرتقبة في نقاشات الاقتصاد العالمي والتحولات الجيوسياسية

يستعد الوفد السعودي للمشاركة في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي 2026 من خلال حضور واسع في عدد من الجلسات الحوارية.

«الشرق الأوسط» (دافوس)
الاقتصاد خطوط نقل طاقة تمر عبر محطة فرعية على طول شبكة الكهرباء في ميامي (أ.ف.ب)

خطة ترمب لمواجهة أزمة الطاقة: شركات الذكاء الاصطناعي «ستدفع الثمن»

أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة استراتيجية تُلزم شركات التكنولوجيا الكبرى بتحمل تكاليف بناء محطات طاقة جديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟
TT

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟

لطالما حيّر هذا السؤال العلماءَ والأطباء: لماذا يُصاب بعض الأشخاص بأمراض مرتبطة بالتقدم في السن في وقت أبكر من غيرهم حتى عندما تبدو أنماط حياتهم متشابهة؟

اختلال الحمض النووي والشيخوخة

• دراسة جينية واسعة. تشير دراسة جينية واسعة النطاق إلى أن جزءاً مهماً من الإجابة قد يكون مخبوءاً في أعماق حمضنا النووي نفسه. فحسب نتائج الدراسة تلعب الجينات دوراً محورياً في تحديد سرعة عدم استقرار بعض أجزاء الحمض النووي مع التقدم في العمر، وهي عملية صامتة قد ترفع خطر الإصابة بأمراض خطيرة على المدى الطويل.

الدراسة التي قادها باحثون من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس ومعهد برود وكلية الطب بجامعة هارفارد في الولايات المتحدة ونُشرت في مجلة Nature بتاريخ 7 يناير (كانون الثاني) 2026 حلّلت بيانات وراثية لأكثر من 900 ألف شخص، ما يجعلها واحدة من أوسع الدراسات التي أُجريت حتى اليوم لفهم التغيرات الجينية المرتبطة بالشيخوخة. وكشف الباحثون أن بعض الاختلافات الجينية قد تُسرّع أو تُبطئ تمدد تسلسلات وراثية متكررة في الحمض النووي بما يصل إلى أربعة أضعاف وهو تفاوت كبير يكفي للتأثير في خطر الإصابة بالأمراض على امتداد حياة الإنسان.

• ما هي تكرارات الحمض النووي، وما أهميتها؟ يتكوّن جزء كبير من الجينوم البشري من تسلسلات قصيرة من الحمض النووي تتكرر مرات عديدة تُعرف باسم تكرارات الحمض النووي DNA repeats وتبقى هذه التكرارات مستقرة نسبياً لدى معظم الناس لكن في بعض الحالات تبدأ بالازدياد طولاً مع مرور الوقت، وهي عملية تُسمى تمدّد التكرارات repeat expansion، وعندما يتجاوز هذا التمدد حداً معيناً فإنه قد يعطّل الوظائف الطبيعية للخلايا ويؤدي إلى ظهور أمراض خطيرة.

اضطرابات وراثية

وقد تعرف العلماء اليوم على أكثر من 60 اضطراباً وراثياً ناتجاً عن تمدد تكرارات الحمض النووي من بينها أمراض مدمّرة مثل داء هنتنغتون Huntington’s disease (هو مرض تنكسي عصبي مميت وعادة ما يكون وراثياً). والحثل العضلي التوتري myotonic dystrophy (مجموعة من الاضطرابات الوراثية التي تسبب فقدان العضلات وضعفها التدريجي) وبعض أشكال التصلّب الجانبي الضموري amyotrophic lateral sclerosis (ALS).

ورغم معرفة العلماء منذ سنوات بأن تكرارات الحمض النووي قد تزداد طولاً مع الزمن فإن مدى انتشار هذه الظاهرة في الجينوم البشري والعوامل الجينية التي تتحكم بها لم يكن مفهوماً بالكامل حتى الآن. وتوضح الدكتورة مارغو هوجويل، الباحثة الرئيسية في الدراسة من قسم علم الوراثة في كلية الطب بمستشفى بريغهام والنساء وكلية الطب بجامعة هارفارد الأميركية، أن النتائج تُظهر أن تمدد التكرارات ليس حدثاً نادراً يقتصر على عدد محدود من الأمراض بل هو سمة شائعة ترافق التقدم في العمر لدى البشر.

• أدوات تحليلية لبيانات ضخمة. وقد اعتمد الباحثون في دراستهم على بيانات التسلسل الكامل للجينوم من مصدرين ضخمين نحو 490 ألف مشارك من بنك المملكة المتحدة الحيوي UK Biobank وأكثر من 414 ألف مشارك من برنامج All of Us البحثي في الولايات المتحدة. وقد أتاح هذا الحجم الهائل من البيانات فرصة فريدة لرصد كيفية تغيّر الحمض النووي مع العمر لدى مجموعات بشرية واسعة ومتنوعة.

وطوّر الفريق أدوات حسابية جديدة قادرة على قياس أطوال تكرارات الحمض النووي باستخدام بيانات التسلسل الجيني القياسية. وتم تحليل أكثر من 356 ألف موقع لتكرارات متعددة الأشكال في الجينوم مع تتبّع تغيّر أطوالها مع التقدم في العمر في خلايا الدم وتحديد المتغيرات الجينية التي تؤثر في سرعة هذا التمدد. كما بحث القائمون على الدراسة عن روابط بين تمدد التكرارات وآلاف الحالات المرضية، ما قاد إلى اكتشافات جديدة وغير متوقعة.

• الجينات واستقرار الحمض النووي. من أبرز نتائج الدراسة أن للعوامل الوراثية تأثيراً قوياً في معدل تمدد التكرارات. فقد حدد الباحثون 29 موقعاً جينياً تؤثر فيها المتغيرات الموروثة في سرعة هذا التمدد؛ بحيث قد يصل الفرق بين الأفراد الأعلى والأدنى خطراً وراثياً إلى أربعة أضعاف.

وكان اللافت أن العديد من هذه المتغيرات تقع في جينات مسؤولة عن إصلاح الحمض النووي، وهي الآليات التي تحافظ عادةً على سلامة المادة الوراثية. إلا أن التأثير لم يكن موحداً ففي بعض الحالات كانت المتغيرات نفسها تُثبّت بعض التكرارات بينما تزيد من عدم استقرار تكرارات أخرى. ويشير ذلك إلى أن إصلاح الحمض النووي عملية معقدة قد تؤدي إلى نتائج مختلفة تبعاً للسياق الجيني ونوع الخلية.

• اكتشاف خطر مرضي جديد وآفاق علاجية. ومن أكثر النتائج إثارة اكتشاف تمدد تكرارات في جين يُعرف باسم GLS. ورغم أن هذا التمدد نادر نسبياً، إذ يصيب نحو 0.03 في المائة من السكان فقد ارتبط بزيادة خطر الإصابة بمرض كلوي شديد بمقدار 14 مرة وبزيادة خطر أمراض الكبد بنحو ثلاثة أضعاف. ولم يكن هذا الارتباط معروفاً من قبل، ما يشير إلى احتمال وجود اضطرابات أخرى ناتجة عن تمدد التكرارات ما تزال مخفية في قواعد البيانات الجينية.

ولا تقتصر أهمية هذه النتائج على الفهم العلمي فحسب، بل تمتد إلى تطوير العلاجات. فبما أن تمدد التكرارات يحدث تدريجياً مع الزمن، فإن إبطاء هذه العملية قد يؤخر ظهور المرض أو يخفف حدته. وتفتح هذه الدراسة الباب أمام استخدام قياسات تكرارات الحمض النووي في الدم كمؤشرات حيوية لتقييم فاعلية العلاجات المستقبلية وتقريب الطب خطوة إضافية نحو التدخل المبكر في مسارات الشيخوخة الجزيئية نفسها.


روبوتات اجتماعية تعزز فاعلية العلاج النفسي

الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)
الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)
TT

روبوتات اجتماعية تعزز فاعلية العلاج النفسي

الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)
الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)

مع الطفرة اللافتة للذكاء الاصطناعي، تزايد الاهتمام بتوظيف هذه التكنولوجيا في المجال النفسي، لا سيما الروبوتات الاجتماعية التي تتميز بقدرتها على التفاعل مع البشر بطريقة آمنة. ويُعد دمج هذه الروبوتات في التدخلات النفسية، خصوصاً للأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، من الاتجاهات الحديثة الهادفة إلى تعزيز التعلم الاجتماعي، وتنمية المهارات التفاعلية، وزيادة انخراط الأطفال في الجلسات العلاجية.

وسلّطت دراسة دولية بقيادة جامعة لينشوبينغ السويدية الضوء على أحدث التجارب السريرية في هذا المجال، مستهدفة تقييم فعالية الروبوتات الاجتماعية مقارنة بالطرق العلاجية التقليدية، بهدف تقديم إطار واضح لتوظيف هذه التكنولوجيا بشكل فعّال ومستدام في الممارسات العلاجية.

روبوتات للمصابين بالتوحد

وأظهرت الدراسة، التي أُجريت على أطفال مصابين بالتوحد باستخدام روبوت محمول مناسب للاستخدام في المنزل أو المدرسة، أن العلاج بمساعدة الروبوتات يحقق نتائج تعادل العلاج النفسي التقليدي، مع ميزة إضافية تمثلت في زيادة ملحوظة في مستوى انخراط الأطفال وانتباههم، ونُشرت النتائج، بعدد 24 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، من دورية «Science Robotics».

وتؤكد النتائج فاعلية الروبوتات في تنمية قدرات التقليد والانتباه المشترك وتبادل الأدوار، إلى جانب تعزيز اهتمام الأطفال وتقليل فقدان التركيز أثناء جلسات التدريب، ما يسهم في تحسين جودة التجربة العلاجية ورفع مستوى فاعليتها.

يقول الدكتور توم زيمكه، أستاذ النظم المعرفية في مختبر الإدراك والتفاعل بجامعة لينشوبينغ، والباحث الرئيسي في الدراسة، إن الهدف الأساسي من البحث كان تقييم منهجية العلاج بمساعدة الروبوتات للأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، من خلال تجربتين سريريتين.

وأوضح زيمكه في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «التجربة الأولى أُجريت في بيئة مختبرية محكومة بدقة، بينما تم في الثانية اختبار نسخة أبسط وقابلة للنقل من هذا العلاج داخل المدارس، مشيراً إلى أن النتائج كانت واعدة في الحالتين».

وأضاف: «نتائج التجربة الأولى أظهرت أن العلاج بمساعدة الروبوتات حقق فعالية مماثلة للعلاج التقليدي، مع زيادة ملحوظة في مستوى تفاعل الأطفال، في حين بيّنت الثانية أن النسخة المبسطة من العلاج الروبوتي كانت بكفاءة العلاج التقليدي نفسها، ما يبرز إمكانات استخدام تقنيات محمولة ومنخفضة التكلفة في البيئات المدرسية أو المنزلية».

ووفقاً لزيمكه، فإن التدخلات النفسية المعتمدة على الروبوتات تسهم في تقليل العبء الواقع على المعالجين البشر بشكل ملحوظ، من خلال أتمتة بعض المهام العلاجية المتكررة وتوفير دعم منظم ومستمر لجلسات العلاج، بما يتيح للمعالجين التركيز بصورة أكبر على الجوانب التحليلية والإنسانية للتدخل العلاجي. كما تتميز هذه التدخلات بقدرتها العالية على جذب انتباه الأطفال وتحفيزهم على التفاعل، بفضل طابعها التفاعلي والتقني، ما يعزز المشاركة الفاعلة ويحسن استجابة الأطفال للعلاج.

وأشار إلى أن هذا النوع من العلاج لا يحقق نتائج مماثلة للعلاج التقليدي فحسب، بل يتفوق عليه في قدرته على إشراك الأطفال وتحفيزهم على التفاعل المستمر، إلى جانب إتاحة إمكانية نقل هذه التقنيات من البيئات البحثية إلى الواقع العملي في المدارس أو المنازل، عبر نماذج مبسطة ومحمولة ومنخفضة التكلفة، ما يوسع نطاق التدخلات النفسية ويحسن فرص الوصول إلى العلاج.

العلاج بمساعدة الروبوتات حقق فعالية مماثلة للعلاج التقليدي للتوحد (جامعة لينشوبينغ)

تخفيف الضغوط

تُستخدم الروبوتات الاجتماعية بوصفها أداة داعمة للتفاعل الاجتماعي وتقديم الدعم العاطفي، بما يسهم في تقليل الشعور بالوحدة والعزلة لدى مقدّمي الرعاية، لا سيما من يعتنون بكبار السن أو الأشخاص ذوي الإعاقة. وقد أظهرت دراسات حديثة أن التفاعل المنتظم مع هذه الروبوتات يمكن أن يحسّن المزاج ويخفف من مستويات التوتر والإرهاق النفسي المرتبط بأعباء الرعاية المستمرة.

وفي هذا السياق، أجرى باحثون بجامعة موناش في أستراليا تجربة اعتمدت على محادثات منتظمة بين مقدّمي الرعاية وروبوت اجتماعي مثل «بيبر» (Pepper). وكشفت النتائج أن التفاعل مع الروبوت مرتين أسبوعياً على مدار خمسة أسابيع أتاح مساحة آمنة للتعبير عن المشاعر، وأسهم في تقليل الشعور بالوحدة والإجهاد، وتحسين الحالة المزاجية للمشاركين.

وأظهرت الدراسة أن هذا النوع من الدعم النفسي المستمر يساعد مقدّمي الرعاية على تنظيم عواطفهم والتعامل بشكل أفضل مع الضغوط اليومية، ما يعكس إمكانات الروبوتات الاجتماعية باعتبارها وسيلة مساندة فعالة لتخفيف الأعباء النفسية والعاطفية المصاحبة لدور الرعاية.

دعم الأطفال

تشير مراجعات بحثية إلى أن الروبوتات الاجتماعية يمكن أن تلعب دوراً داعماً في تخفيف التوتر والقلق لدى الأطفال أثناء الإجراءات الطبية المؤلمة، ما يسهم في تحسين تجربتهم النفسية داخل المستشفيات.

وفي دراسة أجرتها جامعة سنغافورة الوطنية، جرى تحليل بيانات لأطفال تتراوح أعمارهم بين عام واحد و12 عاماً خضعوا لإجراءات طبية وتلقوا تدخلات باستخدام روبوتات اجتماعية. وأظهرت النتائج أن هذه الروبوتات كانت فعالة في خفض مستويات التوتر والانزعاج، وأسهمت في تقليل القلق لدى الأطفال المرضى أثناء العلاج. وخلصت الدراسة إلى أن إدماج الروبوتات الاجتماعية في بروتوكولات رعاية الأطفال يمكن أن يعزز الرفاهية النفسية، ويجعل التجربة الطبية أقل إجهاداً للأطفال وأولياء أمورهم.

رعاية كبار السن

أظهرت دراسة أُجريت في مستشفى بروكا بفرنسا أن إدماج الروبوتات الاجتماعية في رعاية كبار السن، خاصة المصابين باضطرابات معرفية عصبية مثل الخرف، يحقق فوائد واضحة في تحسين التفاعل الاجتماعي والمزاج. وتُستخدم هذه الروبوتات، سواء الشبيهة بالبشر مثل «ناو» (NAO) أو الشبيهة بالحيوانات الأليفة مثل «بارو» (PARO)، لدعم التفاعل الاجتماعي وتنشيط القدرات الذهنية والجسدية، وتقديم معلومات صحية، فضلاً عن دورها بوصفها وسيطاً بين المستفيدين والمعالجين. وقد أثبتت هذه التقنيات فعاليتها في تحسين الرفاهية النفسية لدى كبار السن، لا سيما في بيئات الرعاية طويلة الأمد، مما يعزز مكانتها باعتبارها أدوات مساندة بأنظمة الرعاية الصحية والاجتماعية الحديثة.


عام 2026... حين يخطئ الذكاء الاصطناعي في الطب

عام 2026... حين يخطئ الذكاء الاصطناعي في الطب
TT

عام 2026... حين يخطئ الذكاء الاصطناعي في الطب

عام 2026... حين يخطئ الذكاء الاصطناعي في الطب

لم يعد الذكاء الاصطناعي في الطب فكرةً مؤجَّلة تُناقَش في المؤتمرات أو تُحصر في أدبيات الخيال العلمي، بل أصبح جزءاً حيّاً من الممارسة اليومية داخل المستشفيات الحديثة... خوارزميات تُحلّل الصور الشعاعية، تقرأ تخطيط القلب، تُراجع السجلات الطبية، وتُقدّم اقتراحات تشخيصية أولية خلال ثوانٍ. غير أن سؤالاً جوهرياً ظلّ طويلاً خارج دائرة الضوء حتى مطلع عام 2026: ماذا يحدث عندما يخطئ الذكاء الاصطناعي... طبياً؟

هذا السؤال أعادته إلى الواجهة دراسة علمية حديثة، نُشرت في 2 يناير (كانون الثاني) 2026، على منصة مستودع أبحاث الذكاء الاصطناعي والعلوم الحاسوبية arXiv، أعدّها فريق بحثي مشترك من Stanford University وHarvard University، وحملت عنواناً لافتاً: «أولاً... لا تُلحق ضرراً: نحو نماذج ذكاء اصطناعي آمنة سريرياً في الطب».

وتُعدّ هذه الدراسة من أوائل الأبحاث التي لا تكتفي بتقييم أداء الذكاء الاصطناعي من حيث الدقة أو سَعة المعرفة، بل تتقدّم خطوة أبعد لتطرح سؤال الأمان السريري نفسه: هل تبقى هذه النماذج آمنة بالفعل عندما تُستخدم في قرارات طبية قد تمس حياة المرضى مباشرة؟

من الاختبار النظري إلى الواقع السريري

• تقييم النماذج : اعتمد الباحثون في دراستهم على تقييم 31 نموذجاً متقدماً من نماذج الذكاء الاصطناعي الطبية، كان معظمها من فئة النماذج اللغوية الكبيرة، وذلك عبر 100 حالة سريرية حقيقية شملت عشرة تخصصات طبية مختلفة. ولم يكن الهدف اختبار «ذكاء» النموذج أو سَعة معرفته النظرية، بل قياس احتمال إلحاقه ضرراً بالمريض إذا استُخدم أداةً لدعم القرار الطبي في الممارسة الفعلية.

ولتحقيق هذا الهدف، طوّر الفريق البحثي مقياساً جديداً لسلامة الذكاء الاصطناعي في الطب يركّز على تقدير المخاطر السريرية المحتملة بدل الاكتفاء بمؤشرات الأداء التقنية الشائعة، التي كثيراً ما تعجز عن التقاط تبعات القرار الطبي في السياق الحقيقي.

• نتيجة صادمة :وكانت النتيجة التي أثارت الانتباه واضحة وصادمة في آنٍ واحد: نحو 22 في المائة من التوصيات التي قدّمتها النماذج احتوت على أخطار سريرية محتملة؛ أي أن واحدة تقريباً من كل خمس توصيات قد تُعرّض المريض لأذى فعلي، إذا طُبّقت دون مراجعة بشرية دقيقة.

غير أن المفارقة الأهم لم تكن في الأخطاء الصريحة، بل فيما لم يُقَل. فقد أظهرت الدراسة أن عدداً كبيراً من النماذج أخفق في اقتراح فحوص أساسية أو إجراءات تشخيصية حاسمة، كان من شأنها تغيير مسار العلاج أو منع مضاعفات خطيرة.

في الطب، يُعد هذا النوع من الخطأ أخطر من الخطأ المباشر؛ لأنه لا يُلاحَظ بسهولة، ولا يثير الشكوك فوراً، وقد يمرّ في صمت... إلى أن تظهر نتائجه متأخرة على جسد المريض.

• لماذا يخطئ الذكاء الاصطناعي رغم «تفوقه»؟ تُظهر الدراسة أن الأداء المرتفع في اختبارات الذكاء أو المعرفة الطبية لا يترجَم بالضرورة إلى أداءٍ آمنٍ سريرياً. فقد بيّنت النتائج أن بعض النماذج التي حققت درجات ممتازة في اختبارات معيارية معروفة لم تكن أكثر أماناً من غيرها عند التعامل مع حالات سريرية حقيقية، بل وقعت أحياناً في أخطاء ذات أثر محتمل على حياة المرضى.

ويرى الباحثون أن جوهر المشكلة لا يكمن في نقص المعلومات، بل في غياب ما يمكن تسميته «القلق الطبي». فالذكاء الاصطناعي لا يشعر بثقل المسؤولية، ولا يدرك أن إغفال فحص بسيط قد يعني تأخير تشخيص سرطان، أو تفويت نافذة زمنية حاسمة لإنقاذ حياة. إنه يُجيد الإجابة... لكنه لا يعرف معنى العواقب.

أداة دعم... وليست طبيباً بديلاً

لا تدعو الدراسة إلى إقصاء الذكاء الاصطناعي من الممارسة الطبية، بل على العكس، تؤكد قيمته المتزايدة بصفته أداة دعم فعّالة تساعد الأطباء على تنظيم كمّ هائل من المعلومات وتسريع عمليات التحليل والاستدلال، لكنها تشدّد، في الوقت نفسه، على ضرورة إبقاء الإنسان في الحلقة النهائية لاتخاذ القرار الطبي.

فالطبيب لا يقرأ البيانات فحسب، بل يفسّر السياق الإكلينيكي، ويُقدّر المخاطر الفردية، ويتحمّل المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن قراره. وهي عناصر جوهرية لا تزال خارج نطاق الخوارزميات، مهما بلغت درجة تطورها أو دقّة مُخرجاتها.

في عام 2026، يقف الذكاء الاصطناعي الطبي عند مرحلة مفصلية، فالإمكانات التقنية تتقدّم بوتيرة متسارعة، بينما لا تزال السلامة السريرية تتطلّب معايير أدق، وتشريعات أوضح، وتدريباً مهنياً يضمن توظيف هذه الأدوات دون أن تتحوّل، من حيث لا نريد، إلى مصدر خطر غير مقصود.

ولا تُغلق هذه الدراسة الباب أمام الذكاء الاصطناعي في الطب، لكنها تضع عند عتبته لافتة تحذير علمية واضحة: السرعة ليست بديلاً عن السلامة، والدقّة الحسابية ليست مرادفاً للحكمة الطبية. ففي الطب، كما في الحياة، لا يكفي أن نعرف أكثر... بل أن نقرّر بحذرٍ إنساني.

يعيد هذا البحث طرح قاعدة طبية ضاربة في التاريخ، لكن بصيغة رقمية معاصرة: أولاً... لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، رغم قدرته على تغيير ملامح الطب وتسريع القرار السريري، ينبغي ألا يُمنح حصانة أخلاقية، ولا أن يُترك خارج دائرة المحاسبة. والسرعة ليست بديلاً عن السلامة، والدقة الحسابية لا تُغني عن الحكمة الطبية التي تُدرك العواقب قبل النتائج.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُساعده الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحلّ محلّ الضمير.