من السنتات إلى التريليونات... هل سلبتنا «سوق الظل» بياناتنا؟

رحلة داخل اقتصاد الخوارزميات من «أوافق» إلى «إمبراطوريات التكنولوجيا»

أصبح «اقتصاد الظل الرقمي» أمراً واقعاً من جمع البيانات ووسطاء بيعها إلى تدريب النماذج... إلى التزييف العميق والابتزاز والاحتيال (رويترز)
أصبح «اقتصاد الظل الرقمي» أمراً واقعاً من جمع البيانات ووسطاء بيعها إلى تدريب النماذج... إلى التزييف العميق والابتزاز والاحتيال (رويترز)
TT

من السنتات إلى التريليونات... هل سلبتنا «سوق الظل» بياناتنا؟

أصبح «اقتصاد الظل الرقمي» أمراً واقعاً من جمع البيانات ووسطاء بيعها إلى تدريب النماذج... إلى التزييف العميق والابتزاز والاحتيال (رويترز)
أصبح «اقتصاد الظل الرقمي» أمراً واقعاً من جمع البيانات ووسطاء بيعها إلى تدريب النماذج... إلى التزييف العميق والابتزاز والاحتيال (رويترز)

قبل نحو 12 عاماً، حين أدّت النجمة الأميركية سكارليت جوهانسون دور الصوت الأنثوي لنظام ذكاء اصطناعي في فيلم «هي» Her، لم يكن المشاهد يرى أكثر من حكاية رومانسية مستقبلية عن علاقة بين إنسان وآلة. لكن بعد أكثر من عقد، خرجت جوهانسون نفسها لتقول إن صوتاً «يشبهها بشكل مخيف» استُخدم في منتج تجاري للذكاء الاصطناعي، وإن أقرب المقربين منها لم يتمكنوا من التمييز بين الصوت الحقيقي والمستنسخ.

لم تكن الواقعة مجرد خلاف فني أو جدل حول حقوق الأداء الصوتي، بل علامة فارقة على واقع جديد، فالأصوات والوجوه والملامح البشرية لم تعد ملكاً حصرياً لأصحابها، بل تحولت مادةً قابلة للاستخلاص والتداول والتكرار، رغماً عن إرادتهم.

بعد أسابيع قليلة من هذه الواقعة، وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب قانوناً جديداً يستهدف الصور الحميمية المصنوعة بالذكاء الاصطناعي، ويلزم المنصات بإزالتها ويشدد العقوبات على تداولها. ولم يكن القانون موجّهاً للقطاع التقني بقدر ما كان اعترافاً سياسياً صريحاً بأن الضرر لم يعد نظرياً، وأن الذكاء الاصطناعي تجاوز حدود المختبرات إلى حياة الناس وسمعتهم وأمنهم الشخصي.

من هذه النقطة، يتفرع السؤال الأكبر: إذا كان الصوت والصورة والبيانات السلوكية قد أصبحت مادة خاماً لاقتصاد ضخم، فمن يملك الحق في تقرير مصيرها؟ ومن يحصد قيمتها؟ ومن يدفع ثمنها حين يُساءُ استخدامها؟

سعت «الشرق الأوسط» من خلال هذا التحقيق لتتبع خيوط ما يمكن تسميته «اقتصاد الظل الرقمي»؛ من جمع البيانات ووسطاء بيعها، إلى تدريب النماذج، إلى التزييف العميق والابتزاز والاحتيال، وصولاً إلى فراغ قانوني عالمي يجعل «ملكية الوجه والصوت» سؤالاً بلا إجابة.

تحوَّل اقتصاد الظل الرقمي مصدراً لتهديد البشر مع تداول بياناتهم في سوق سوداء (شاترستوك)

اقتصاد يتوحّش في الظل

ويرسم تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) الخلفية الكبرى لهذا التحول. ففي 43 اقتصاداً تمثل نحو 75 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ارتفعت التجارة الإلكترونية بين الشركات من 17 تريليون دولار عام 2016 إلى 27 تريليون دولار عام 2022، بنمو يناهز 60 في المائة خلال ست سنوات فقط.

لكن ما يتجاوز التجارة هو سيل البيانات الناتج من هذا التوسع. فالهواتف الذكية، والساعات، والسيارات، والكاميرات، والمنازل الذكية... وكل جهاز متصل بشبكة الإنترنت هو نقطة جمع محتملة لبيانات الموقع، والسلوك، والصورة، والصوت. وبينما يُسوَّق ذلك بوصفه «تخصيصاً» و«راحة» للمستخدم، يظهر لاعب أساسي بعيداً عن الأضواء، وهم: وسطاء البيانات (Data Brokers)، وهم أفراد وشركات تجمع معلومات هائلة عن الأفراد ثم تعيد بيعها في أسواق مغلقة أو شبه مغلقة.

تقديرات أبحاث السوق تشير إلى أن سوق وسطاء البيانات بلغ عام 2024 ما بين 250 و280 مليار دولار، مع توقعات بتجاوزه نصف تريليون دولار خلال أقل من عقد، وبمعدل نمو سنوي يتجاوز 7 في المائة، وذلك حسب تقارير منصات ومؤسسات مثل «غراند فيو ريسيرش» و«ماركت ريسيرش مونيتور» و«إس إن إس إنسايدر». لكن الأخطر هنا ليس حجم السوق... بل طريقة تسعير الإنسان داخلها.

وفي واحدة من أكثر الإشارات فجاجة على رخص «الهوية الرقمية»، توثق جلسة استماع رسمية منشورة على موقع الكونغرس الأميركي، أن صناعة وسطاء البيانات «قد تبيع أي معلومات عن أي شخص - مهما كانت حساسة - مقابل 7.9 سنتات للاسم الواحد»، مع مثال صادم عن قوائم لضحايا اعتداءات جنسية جرى الاتجار بها بالسعر نفسه.

وفي جلسة أخرى حول ملكية البيانات، نُشرت كذلك على الموقع الرسمي للكونغرس، جرى الاستشهاد بتقديرات نقلتها صحيفة «فاينانشيال تايمز» تفيد بأن «القيمة المالية» لبعض قوائم البيانات قد تكون أقل من بنس واحد للفرد، مثل قوائم مشتري السيارات بنحو 0.0021 دولار للاسم، وقوائم صحية بنحو 0.26 دولار للاسم.

هذه السنتات القليلة، عند تجميع مليارات السجلات وإعادة تدويرها عبر طبقات من الوسطاء، تتحول مليارات الدولارات. وعندما تنتقل البيانات من «سجل تسويقي» إلى «هوية قابلة للاستغلال» في السوق الإجرامية (انتحال، أو اختراق، أو ابتزاز، أو تزوير صوت وفيديو) تقفز قيمتها أضعافاً مضاعفة، حسب مصادر من «الإنتربول».

أصبح «اقتصاد الظل الرقمي» أمراً واقعاً من جمع البيانات ووسطاء بيعها إلى تدريب النماذج... إلى التزييف العميق والابتزاز والاحتيال (رويترز)

«الخدمة المجانية»... الوهم الأكبر

يختصر عاصم جلال، استشاري العلوم الإدارية وتكنولوجيا المعلومات في شركة «جي آند كيه» (G&K)، التحول الذي شهدته البيانات الشخصية خلال العقدين الأخيرين في عبارة واحدة: «المنصات لا تمنحك خدمة مجانية... بل تشتري منك معلوماتك».

ويشرح جلال، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن انتهاك وتجارة البيانات لم تعد أثراً جانبياً للتكنولوجيا، بل أصبحت بوابة أساسية للتسويق وصناعة القرار الاقتصادي؛ إذ تسمح للشركات بفهم أنماط الشراء والاهتمامات والسلوكيات اليومية للمستخدمين، ومن ثم استهدافهم بدقة أو حتى إعادة تصميم المنتج نفسه ليتلاءم مع هذه الأنماط.

وفي هذا النموذج، لا تكون القيمة في الاشتراك أو في عدد المستخدمين الظاهر فقط، بل في قدرتهم على توليد بيانات مستمرة. المستخدم يتصفح، يضغط، يشاهد، يتوقف، يعيد المحاولة، وكل حركة تُسجل وتُحلل وتُعاد صياغتها في صورة ملف رقمي متكامل. وهكذا تقوم معادلة غير معلنة: خدمة تبدو مجانية، مقابل تبرع دائم بالمعلومات.

هذه المعادلة هي ما يسميه هشام الناطور، المتخصص في التطوير التكنولوجي وتقنيات الذكاء الاصطناعي، جوهر الاقتصاد الرقمي الحديث. فـ«شركة بلا مستخدمين قيمتها صفر»، ليس لأن التكنولوجيا بلا قيمة، بل لأن البيانات هي الوقود الحقيقي.

ويصف الناطور لـ«الشرق الأوسط» المشهد بـ«حرب الخوارزميات»، حيث تتنافس الشركات على امتلاك نماذج أذكى وأسرع وأكثر قدرة على فهم الإنسان والتنبؤ بسلوكه؛ لأن من يسبق في جمع البيانات وتحليلها يسبق في الأرباح والهيمنة.

كتلة عربية ضخمة تترقب قوة تشريعية

ويُظهر هذا التحول مفارقة لافتة في المنطقة العربية. فحسب دراسات نُشرت في وسائل دولية متخصصة، يقترب عدد مستخدمي الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي في الدول العربية من حجم الاتحاد الأوروبي، مع معدلات نمو أعلى. أي أن المنطقة تمثل كتلة رقمية ضخمة من حيث العدد والتفاعل.

غير أن عاصم جلال يرى أن هذه الكتلة تفتقر إلى عنصر الحسم الحقيقي، وهو التشريع الموحد. فالشركات العملاقة لا تتأثر بعدد المستخدمين بقدر ما تتأثر بالقوانين والغرامات والقيود القابلة للتنفيذ. ويشير إلى أن الاتحاد الأوروبي، رغم تفاوت لغاته وثقافاته، استطاع فرض قواعد صارمة لحماية البيانات، جعلت الشركات تعدّل سياساتها أو تواجه عقوبات بمئات الملايين من اليوروات.

في المقابل، تعمل معظم الدول العربية بتشريعات متفرقة ومحدودة التأثير؛ ما يجعل الوزن الاقتصادي للمستخدمين غير مترجم إلى نفوذ فعلي. ويؤكد جلال أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، كما تفعل بعض دول الخليج، يظل مهماً اقتصادياً، لكنه غير كافٍ لحماية المستهلك إذا لم يواكبه إطار قانوني جماعي يضغط على مصالح الشركات.

أصبح «اقتصاد الظل الرقمي» أمراً واقعاً من جمع البيانات ووسطاء بيعها إلى تدريب النماذج... إلى التزييف العميق والابتزاز والاحتيال (رويترز)

عقد إذعان عالمي

في قلب هذه المعادلة يقبع زر صغير في كل موقع أو تطبيق نستخدمه مكتوب عليه: «أوافق»، وهو ما يمثل بوابة الفخ العملاق. ويرى جلال أن ما يحدث ليس موافقة حرة بالمعنى القانوني، بل «عقد إذعان» شبيه بالعقود المرتبطة بالخدمات الأساسية، حيث لا يملك المستخدم خيار التفاوض أو الرفض الحقيقي. فإما أن يوافق على شروط طويلة ومعقدة، أو يُحرَم من الخدمة بالكامل.

الدكتور محمد عزام، عضو مجلس إدارة الجمعية الدولية لإدارة التكنولوجيا، يذهب أبعد من ذلك، عادَّاً أن التكنولوجيا فرضت «عقداً اجتماعياً رقمياً جديداً» بين الأفراد من جهة، والدول والشركات من جهة أخرى. عقد غير متكافئ، يتبرع فيه المستخدم ببياناته مقابل دخول عالم رقمي بات ضرورياً للحياة والعمل والتعليم.

ويذهب عزام في حديثه إلى «الشرق الأوسط» إلى توصيف أكثر حدة، عادَّاً أن منصات التكنولوجيا الكبرى تحولت «إمبراطوريات العصر الحديث»، حيث يرى أن السيطرة لم تعد بيد الحكومات التقليدية، بل بيد شركات تمتلك البيانات.

أصبح «اقتصاد الظل الرقمي» أمراً واقعاً من جمع البيانات ووسطاء بيعها إلى تدريب النماذج... إلى التزييف العميق والابتزاز والاحتيال (رويترز)

اللاعب الخفي

وإذا كانت المنصات الكبرى تجمع البيانات علناً، فإن وسطاء البيانات يعملون في الظل. ويشرح أشرف العمايرة، خبير تكنولوجيا المعلومات، أن هؤلاء الوسطاء يجمعون كميات ضخمة من البيانات من مصادر متعددة، ثم يعيدون بيعها لمعلنين وشركات وجهات أخرى، غالباً دون علم المستخدم أو قدرته على الاعتراض.

وتكمن الخطورة، بحسب العمايرة في حديثه مع «الشرق الأوسط»، في أن المستخدم يعرف المنصة التي يتعامل معها، لكنه لا يعرف الوسيط الذي اشترى بياناته لاحقاً، ولا الغرض الذي ستُستخدم فيه. وفي ظل غياب رقابة فعالة، قد تنتقل هذه البيانات من الاستخدام التجاري إلى السياسي أو الأمني، أو حتى إلى الجريمة المنظمة.

بينما يؤكد هشام الناطور من جهته أن المشكلة ليست في الأرقام الزهيدة مقابل البيانات الفردية، بل في الأثر التراكمي. فالصورة أو الصوت أو الموقع الجغرافي الذي لا يساوي شيئاً منفرداً، يصبح كنزاً حين يُدمج مع آلاف الإشارات الأخرى، ويُستخدم لتوجيه إعلان، أو تدريب نموذج، أو بناء ملف سلوكي شديد الدقة.

الذكاء الاصطناعي يلتهم الماضي

وتقدّر دراسات دولية أن حجم البيانات العالمية تجاوز 150 زيتابايت (وحدة قياس رقمية هائلة تعادل تريليون غيغابايت) في عام 2024، وهي كمية هائلة تراكمت على مدار أكثر من عقدين. هذه البيانات أصبحت المادة الأساسية لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، التي باتت اليوم تقدم خدمات طبية وتعليمية وتحليلية عالية الدقة. ويؤكد الخبراء أن الذكاء الاصطناعي لم يعد يكتفي بالنصوص، بل أصبحت الوجوه والأصوات المدخل الجديد للقيمة وللخطر معاً.

وفي طبقة أعمق من القصة، تشير تقارير دولية إلى أن 98 في المائة من محتوى «التزييف العميق» المتداول إباحي، وأن 99 في المائة من الضحايا نساء، مع نمو تجاوز 550 في المائة بين عامي 2019 و2023، وفق دراسات «ديب تريس» و«هوم سيكيوريتي هيروز».

وفي يناير (كانون الثاني) 2024، تحولت تايلور سويفت مثالاً صارخاً عندما انتشرت صور مزيفة لها على نطاق واسع؛ ما دفع منصة «إكس» إلى تقييد البحث مؤقتاً عن اسمها.

لكن الدكتور محمد عزام يحذّر من أن السؤال الأخلاقي والقانوني لم يُحسم بعد: هل يملك الفرد حق الاعتراض على استخدام بياناته التاريخية؟ وهل يحق للمنصات الاستفادة من محتوى أُنتج في سياق اجتماعي أو إعلامي سابق دون مقابل؟

ويشير إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يخلق جرائم جديدة، بل منح الجرائم القديمة أدوات أسرع وأكثر تأثيراً، من الانتحال وسرقة الهوية، إلى التزييف العميق والابتزاز.

البيانات والتنظيم؟

في هذا المشهد المعقد، يتغير سلوك المستخدمين أنفسهم. ويرى أشرف العمايرة أن كثيرين باتوا يفضلون المنصات التي يشعرون بأنها أكثر أماناً أو أقل تدخلاً، حتى لو كان هذا الشعور جزئياً أو غير مدعوم بضمانات حقيقية. ويضرب مثالاً بتغير أنماط الاستخدام في أوقات الأزمات السياسية، حيث يبتعد المستخدمون عن منصات بعينها خوفاً من التتبع أو المحاسبة.

لكن هذا التحول الفردي لا يكفي، ما لم يُدعَم بإطار قانوني ورقابي قادر على فرض قواعد واضحة. فالقوة الحقيقية، كما يرى الخبراء، لم تعد في جمع البيانات وحده، بل في القدرة على تنظيمها وحمايتها ومحاسبة من يسيء استخدامها.

تحوَّل اقتصاد الظل الرقمي مصدراً لتهديد البشر مع تداول بياناتهم في سوق سوداء (غيتي)

من يملك وجوهنا؟

وفي نهاية المطاف، قد تُباع صورتك أو عينة من صوتك أو جزء من سلوكك اليومي بسنتات معدودة. لكن هذه السنتات، حين تُجمع من مليارات البشر، وحين تُعاد معالجتها داخل نماذج الذكاء الاصطناعي، تتحول تريليونات الدولارات من القيمة الاقتصادية.

لكن الثمن الحقيقي لتلك التجارة لا يُقاس بالمال وحده؛ فقد يكون سمعة تُدمَّر، أو وظيفة تُفقد، أو قراراً يُتخذ عنك لأن خوارزمية تعلمت من بياناتك دون علمك.

وفي عصر يمكن فيه نسخ الوجه والصوت كما تُنسخ الملفات، لم يعد السؤال: كيف نحمي الخصوصية؟ بل كيف نحمي الإنسان ذاته من أن يتحول بنداً صغيراً في ميزانية اقتصاد الظل الرقمي؟


مقالات ذات صلة

«اتحاد الشغل» التونسي يدعو إلى التظاهر لـ«تصحيح المسار»

شمال افريقيا مظاهرة سابقة نظمها «اتحاد الشغل» التونسي في العاصمة احتجاجاً على تردي الأوضاع الاقتصادية (الاتحاد)

«اتحاد الشغل» التونسي يدعو إلى التظاهر لـ«تصحيح المسار»

دعا «اتحاد الشغل» لمظاهرات مكثفة بعد غد السبت، احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتدني الخدمات العامة، وللمطالبة بالحريات.

«الشرق الأوسط» (تونس)
الاقتصاد شاحنات تحمل الفحم في ميناء البضائع بمدينة ليانينغانغ الصينية (أ.ف.ب)

صندوق النقد يدعو الصين إلى تحفيز مالي أكبر

دعا صندوق النقد الدولي الصين لتوسيع إجراءات التحفيز المالي بصورة ملموسة، محذراً من أن ثاني أكبر اقتصاد في العالم لا يزال يواجه خطر الانزلاق إلى الانكماش السعري

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

بنك اليابان يمهد لمزيد من رفع الفائدة

تزداد مؤشرات احتمال استمرار بنك اليابان بتشديد سياسته النقدية خلال الأشهر المقبلة، بعدما حذرت عضو مجلس إدارته جونكو كويدا من المبالغة في الحذر بشأن رفع الفائدة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد سيارات صينية معدة للتصدير في ميناء تايساتغ شرق الصين (أ.ف.ب)

أوروبا تصعّد ضغوطها التجارية على الصين

تدخل العلاقات التجارية بين الصين والاتحاد الأوروبي مرحلة جديدة من المفاوضات المعقدة، مع اجتماع قادة الدول الأوروبية السبع والعشرين في بروكسل

«الشرق الأوسط» (بروكسل - بكين)
الاقتصاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب في لقاء الشهر الماضي مع رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في نيويورك (أ.ف.ب)

اليابان تستثمر 21 مليار دولار في صناعة الرقائق الأميركية

تعتزم اليابان استثمار ما يصل إلى 21 مليار دولار لإنشاء مصنعين لأشباه الموصلات في ولاية نيويورك الأميركية، ضمن شراكة مع الحكومة الأميركية.

«الشرق الأوسط» (طوكيو - نيويورك)

أسهم الذكاء الاصطناعي تقود خسائر «وول ستريت» وسط تقلبات عالمية حادة

أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)
أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

أسهم الذكاء الاصطناعي تقود خسائر «وول ستريت» وسط تقلبات عالمية حادة

أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)
أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)

شهدت «وول ستريت»، يوم الخميس، موجةً جديدةً من عمليات بيع أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، في أعقاب تقلبات واسعة النطاق في الأسواق العالمية أثارت مخاوف بشأن استدامة «حمى» الذكاء الاصطناعي.

وانخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.5 في المائة، مُسجِّلاً تراجعاً للمرة السادسة خلال الأيام الـ7 التي أعقبت وصوله إلى مستوى قياسي. وأدى ضعف أسهم الذكاء الاصطناعي إلى هبوط مؤشر «ناسداك» المركب بنسبة 1.2 في المائة، ليسجِّل أكبر خسارة بين المؤشرات الرئيسية، في حين أظهرت قطاعات أخرى من سوق الأسهم مزيداً من الصمود. وفي الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، ارتفع مؤشر «داو جونز» الصناعي بمقدار 251 نقطة، أو بنسبة 0.5 في المائة، كما سجَّلت غالبية الأسهم الأميركية مكاسب.

وتزامنت هذه التقلبات مع صدور تقرير أظهر تسارع التضخم في الولايات المتحدة بوتيرة تجاوزت توقعات الاقتصاديِّين. ويُعزى استمرار ارتفاع الأسعار جزئياً إلى مواصلة المستهلكين الإنفاق رغم زيادة التكاليف، إذ أظهر تقرير منفصل، صدر يوم الخميس، أن إيرادات تجار التجزئة الأميركيِّين خلال الشهر الماضي تجاوزت توقعات المحللين.

وبالنسبة إلى أسهم الذكاء الاصطناعي، بدأت موجة الهبوط الحادة في «وول ستريت» يوم الأربعاء، قبل أن تمتد تداعياتها إلى الأسواق الآسيوية، حيث تراجع مؤشر «كوسبي» في كوريا الجنوبية بنسبة 7.6 في المائة، ومؤشر «نيكي 225» في اليابان بنسبة 4.9 في المائة، لتعود هذه التقلبات وتلقي بظلالها على الأسواق الأميركية.

وتشكِّل هذه التطورات أحدث حلقة في سلسلة من التقلبات الحادة التي تشهدها أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، والتي قادت أداء الأسواق لسنوات. وتضخ الشركات استثمارات ضخمة في هذا المجال، أملاً في زيادة أرباحها وتعزيز الإنتاجية. غير أن إنشاء مراكز البيانات وتوفير رقائق الذكاء الاصطناعي يتطلبان تكاليف باهظة، ما دفع كثيراً من الشركات إلى اللجوء إلى الاقتراض لتمويل هذه الاستثمارات.

ومع وصول عوائد السندات في الأسواق العالمية إلى مستويات مرتفعة لم تشهدها منذ سنوات، تزداد المخاوف بشأن قدرة الشركات على مواصلة هذا الإنفاق المتسارع. فقد راكمت شركات كثيرة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي ديوناً كبيرة في إطار سعيها إلى تحقيق طموحاتها التوسعية، في حين تتعرَّض أسهمها لضغوط متزايدة بفعل أعباء التمويل.

وفي هذا السياق، تراجع سهم شركة «كور ويف» المتخصصة في توفير قدرات الحوسبة السحابية للذكاء الاصطناعي، بنسبة 7 في المائة، بعد هبوطه بنسبة 15.5 في المائة في الجلسة السابقة. وكانت الشركة قد أعلنت خلال الصيف أنها ستسدد ديوناً مستحقة بقيمة 4.41 مليار دولار خلال النصف الثاني من العام الحالي، إضافة إلى 6.18 مليار دولار في عام 2027. وحتى 30 يونيو (حزيران)، كانت الشركة تمتلك سيولةً نقديةً تزيد على 5.5 مليار دولار.

كما تجعل العوائد المرتفعة في سوق السندات المستثمرين أقل استعداداً، بوجه عام، لدفع أسعار مرتفعة مقابل الأسهم، لا سيما تلك التي تُتداول عند مستويات تقييم عالية.

وتراجع سهم «إنفيديا» الشركة المتخصصة في تصنيع رقائق الذكاء الاصطناعي، بنسبة 3.1 في المائة، ليكون أكبر عامل ضغط على مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». وكانت الشركة قد استفادت من طفرة الذكاء الاصطناعي لتصبح الأعلى قيمة سوقية في «وول ستريت»، في حين حقَّق سهمها مكاسب بنحو 1415 في المائة منذ نهاية عام 2022 وحتى بداية تعاملات يوم الخميس.

وجاءت هذه الخسائر رغم إعلان إحدى الشركات الرائدة في قطاع الذكاء الاصطناعي، التي تُعد نتائجها مؤشراً على أداء القطاع، أرباحاً قوية. فقد أعلنت شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات (تي إس إم سي) نتائج فصلية تجاوزت توقعات المحللين، بينما قال المدير المالي للشركة، ويندل هوانغ، إن التوقعات تشير إلى استمرار قوة الطلب خلال الأشهر الـ3 الأخيرة من عام 2026.

ورغم هذه النتائج، فإن سهم الشركة المدرج في الولايات المتحدة انخفض بنسبة 4.4 في المائة.

وكانت شركة أخرى محورية في قطاع الذكاء الاصطناعي قد أعلنت، يوم الأربعاء، نتائج قوية للأرباح، لكنها لم تنجح بدورها في استعادة حماسة المستثمرين تجاه القطاع. وقال كريستوف فوكيه، الرئيس التنفيذي لشركة «إيه إس إم إل» الهولندية، إن الطلب المدفوع بالذكاء الاصطناعي قوي للغاية، إلى درجة أن بعض العملاء يتحدثون عن تقديم طلبيات تمتد حتى عامي 2029 و2030.

في المقابل، تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية في تعاملات يوم الخميس، في إشارة إلى ارتفاع أسعار السندات مع إقبال المستثمرين على شرائها. وتُعدُّ سندات الخزانة من الأصول الاستثمارية الأكثر أماناً نسبياً، نظراً إلى انخفاض مخاطر تعثر الحكومة الأميركية عن السداد، وغالباً ما يزداد الإقبال عليها في أوقات القلق والاضطرابات في الأسواق.

وانخفض العائد على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات إلى 5.05 في المائة، مقارنة بـ5.19 في المائة في وقت متأخر من يوم الأربعاء. وكانت العوائد قد تجاوزت 5.30 في المائة في وقت سابق من الشهر الحالي، مسجِّلة أعلى مستوياتها منذ عام 2002، وسط مخاوف من ارتفاع التضخم، ومؤشرات على استمرار قوة الاقتصاد الأميركي، إلى جانب عوامل أخرى.

وجاء تراجع العوائد رغم صدور بيانات اقتصادية أميركية أقوى من المتوقع، وهي بيانات من شأنها عادةً أن تدفع العوائد إلى الارتفاع. فإلى جانب بيانات مبيعات التجزئة، أظهر تقرير آخر أن عدد الأميركيين الذين تقدموا بطلبات للحصول على إعانات البطالة خلال الأسبوع الماضي جاء أقل من توقعات الاقتصاديين، ما قد يشير إلى تراجع وتيرة تسريح العمال في البلاد.

وفي الأسواق العالمية، تكبَّدت الأسهم الكورية الجنوبية أكبر الخسائر، إذ هبط مؤشر «كوسبي»، الذي تهيمن على أدائه شركتا الرقائق الإلكترونية «سامسونغ للإلكترونيات» و«إس كيه هاينكس» مُسجِّلاً أسوأ أداء يومي له منذ يوليو (تموز). وبذلك، يكون المؤشر قد تراجع بنسبة 39 في المائة مقارنة بمستواه القياسي المُسجَّل في يونيو الماضي.


الهند تتجاوز اليابان في 2027 وسط تباطؤ النمو الآسيوي

عامل يسير في موقع بناء مركز بيانات تابع لشركة «أمازون» بالهند (رويترز)
عامل يسير في موقع بناء مركز بيانات تابع لشركة «أمازون» بالهند (رويترز)
TT

الهند تتجاوز اليابان في 2027 وسط تباطؤ النمو الآسيوي

عامل يسير في موقع بناء مركز بيانات تابع لشركة «أمازون» بالهند (رويترز)
عامل يسير في موقع بناء مركز بيانات تابع لشركة «أمازون» بالهند (رويترز)

من المتوقع أن تتجاوز الهند اليابان لتصبح رابع أكبر اقتصاد بالعالم في 2027، مع بلوغ ناتجها المحلي الإجمالي الاسمي 4.52 تريليون دولار، في تحول يعكس تفاوت مسارات النمو بين أكبر اقتصادات آسيا، وسط ضغوط كثيرة من ارتفاع أسعار الطاقة، والتوترات المالية العالمية، ومخاطر تصحيح طفرة الذكاء الاصطناعي.

وتأتي هذه التوقعات في وقت رجّح صندوق النقد الدولي تباطؤ نمو اقتصادات آسيا والمحيط الهادئ إلى 4.4 في المائة في 2027، مقارنة بـ4.8 في المائة بالعام الحالي و5 في المائة خلال 2025، رغم رفع تقديراته للعامين الحالي والمقبل مقارنة بتوقعاته الصادرة في أبريل (نيسان).

وفق توقعات الصندوق، ستتراجع اليابان إلى المرتبة السادسة عالمياً في 2027، خلف الهند والمملكة المتحدة، بعدما تحتفظ بالمركز الرابع خلال العام الحالي. وتستفيد الهند من زخم نمو قوي، إذ رفع الصندوق توقعاته لنمو اقتصادها في 2026 إلى 7 في المائة، بينما يُتوقع أن يتباطأ نمو الاقتصاد الياباني إلى 0.7 في المائة، تحت ضغط ارتفاع تكاليف الطاقة والتضخم والتحديات الديمغرافية.

وقال مدير إدارة آسيا والمحيط الهادئ في الصندوق، كريشنا سرينيفاسان، إن الهند دخلت صدمة أسعار الطاقة المرتبطة بالحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران من موقع قوي، بفضل متانة أساسياتها الاقتصادية والانضباط المالي ووفرة الاحتياطيات، ما ساعدها على التعامل مع تداعيات الصدمة.

في المقابل، تواجه اليابان ضغوطاً كثيرة من ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الواردات، في ظل تراجع الين الذي سجل أدنى مستوياته أمام الدولار خلال 40 عاماً في الصيف، إلى جانب شيخوخة السكان التي تثقل النشاط الاقتصادي. كما أسهم استمرار ارتفاع أسعار المستهلكين منذ ربيع 2022 في زيادة الضغوط التضخمية، ودفع بنك اليابان إلى رفع أسعار الفائدة إلى أعلى مستوياتها في ثلاثة عقود.

مخاطر الطاقة والذكاء الاصطناعي

وعلى مستوى المنطقة، أشار الصندوق إلى أن توقعات النمو لا تزال محاطة بمخاطر تميل إلى الجانب السلبي، في مقدمتها احتمال إطالة أمد الصراع في الشرق الأوسط، بما قد يبقي أسعار السلع الأولية مرتفعة، ويزيد الضغوط على الاقتصادات المستوردة للطاقة.

وفي المقابل، أسهمت الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في دعم اقتصادات آسيوية متقدمة، إذ يُتوقع أن يرتفع نموها إلى 3.2 في المائة في 2026، مقابل 2.5 في المائة في العام الماضي. لكن الصندوق حذّر من أن أي تصحيح في طفرة الاستثمار في هذه التقنيات قد يضغط على النمو العالمي، مع تعرض آسيا لمخاطر أكبر نتيجة انكشافها على سلاسل إنتاج التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

وتظهر التوقعات تفاوتاً إضافياً بين الاقتصادات المتقدمة والناشئة في المنطقة؛ إذ يُرجح أن يتباطأ نمو الاقتصادات الآسيوية الناشئة إلى 5.1 في المائة في 2026، من 5.6 في المائة في 2025، متأثراً بارتفاع تكاليف الطاقة.

عوائد السندات تضغط على المالية العامة

وحذّر الصندوق من أن استمرار ارتفاع عوائد السندات العالمية أو حدوث اضطرابات في أسواق الدين لدى الاقتصادات الكبرى، بما فيها الولايات المتحدة وبريطانيا ومنطقة اليورو واليابان، قد ينتقل إلى الأسواق الآسيوية، رافعاً تكاليف الاقتراض ومفاقماً الضغوط على المالية العامة.

وتزيد مستويات الدين العام واحتياجات التمويل المرتفعة في أجزاء من المنطقة من مخاطر تشديد الأوضاع المالية، بما قد يرفع أعباء خدمة الدين ويحد من قدرة الحكومات على زيادة الإنفاق لمواجهة الصدمات.

وفي هذا السياق، دعا سرينيفاسان البنوك المركزية إلى مواصلة إعطاء الأولوية لاستقرار الأسعار، والتواصل بوضوح بشأن توجهات السياسة النقدية، والاستعداد لتشديدها عندما تكون توقعات التضخم أقل رسوخاً أو الضغوط التضخمية أكثر استمراراً، مع الحفاظ على استقلالية البنوك المركزية.

كما شدد على محدودية الحيز المالي في ظل بقاء الدين العام أعلى من مستويات ما قبل جائحة «كوفيد - 19»، داعياً إلى اعتماد تدابير دعم مؤقتة ومحددة للفئات الأكثر تضرراً، بدلاً من الدعم الشامل لأسعار الوقود أو فرض قيود على الأسعار، لما قد يترتب على هذه الإجراءات من تكاليف مالية مرتفعة.


ارتفاع تكلفة التأمين ضد التعثر يثير مخاوف بشأن استثمارات الذكاء الاصطناعي

اختصار «الذكاء الاصطناعي» خلال مؤتمر «فيفاتك» للتكنولوجيا في باريس 18 يونيو 2026 (رويترز)
اختصار «الذكاء الاصطناعي» خلال مؤتمر «فيفاتك» للتكنولوجيا في باريس 18 يونيو 2026 (رويترز)
TT

ارتفاع تكلفة التأمين ضد التعثر يثير مخاوف بشأن استثمارات الذكاء الاصطناعي

اختصار «الذكاء الاصطناعي» خلال مؤتمر «فيفاتك» للتكنولوجيا في باريس 18 يونيو 2026 (رويترز)
اختصار «الذكاء الاصطناعي» خلال مؤتمر «فيفاتك» للتكنولوجيا في باريس 18 يونيو 2026 (رويترز)

بلغت تكلفة التأمين ضد مخاطر التخلف المحتمل عن سداد الديون لدى شركات التكنولوجيا الأميركية مستويات قياسية، في أحدث مؤشر على تنامي الضغوط الائتمانية المرتبطة بما يُعرف بـ«استثمارات الذكاء الاصطناعي»، ولا سيما مراكز البيانات التي تعتمد على إيرادات مستقبلية.

ورغم أن أسهم الشركات التي تقود طفرة الذكاء الاصطناعي لا تزال من بين أكبر الرابحين في أسواق الأسهم العالمية هذا العام، فإن كثيراً منها شهد تراجعاً حاداً خلال الأسابيع القليلة الماضية، مع إعادة المستثمرين تقييم تكلفة رأس المال في ظل ارتفاع أسعار الفائدة والتضخم، وفق «رويترز».

كما تساور بعض المستثمرين والمحللين الشكوك بشأن توقيت تحقيق عوائد على الاستثمارات التي تُضخ بمليارات الدولارات في مراكز البيانات والقدرات الحاسوبية وغيرها من البنى التحتية، بل حتى بشأن احتمالات تحقيق هذه العوائد من الأساس.

وفي الوقت نفسه، ارتفع الطلب على عقود مقايضة التخلف عن سداد الائتمان، وهي أدوات توفر حماية من مخاطر التعثر المالي واكتسبت أهمية كبيرة خلال الأزمة المالية في عام 2008، حتى بالنسبة إلى شركات كبرى مثل «أبل» و«أمازون» و«مايكروسوفت».

أما الشركات المنافسة لهذه المؤسسات أو مورّدوها أو عملاؤها، ممن يتحملون أعباء ديون أكبر، فقد ارتفعت تكلفة هذه العقود لديهم بوتيرة أسرع.

ما عقود مقايضة التخلف عن سداد الائتمان؟

هي أدوات مالية مشتقة توفر حماية من مخاطر عجز الجهة المُصدرة للسندات، سواء كانت شركة أو حكومة، عن الوفاء بالتزاماتها المالية.

ويتوقع مستثمرو السندات الحصول على مدفوعات الفائدة واسترداد أصل المبلغ عند الاستحقاق، لكنهم يواجهون احتمال عدم سداد هذه المستحقات.

ويساعد شراء عقود مقايضة التخلف عن سداد الائتمان المستثمرين على التحوط من هذه المخاطر؛ إذ تعمل فعلياً كنوع من التأمين ضد التخلف عن السداد أو وقوع أحداث ائتمانية أخرى. فعلى سبيل المثال، إذا انخفضت قيمة سند ما لأي سبب، فقد يلجأ المستثمر إلى زيادة حيازته من هذه العقود لتعويض جزء من الخسائر.

وتجدر الإشارة إلى أن أياً من الشركات التي ارتفعت تكلفة عقود مقايضة التخلف عن سداد الائتمان الخاصة بها مؤخراً لم تتخلف عن سداد التزاماتها، ولم تشر إلى احتمال حدوث ذلك.

هل هذه سوق ضخمة؟

وفقاً للجمعية الدولية للمقايضات والمشتقات (ISDA)، يبلغ حجم سوق عقود مقايضة التخلف عن سداد الائتمان المرتبطة بجهة واحدة (Single-name CDS)، التي تغطي سندات مُصدر واحد، نحو 9 تريليونات دولار. وتشير بيانات بنك التسويات الدولية إلى أن هذا الحجم يمثل جزءاً صغيراً من أسواق السندات العالمية، التي تتجاوز قيمة أوراقها المالية القائمة 150 تريليون دولار.

وتُعد العقود المرتبطة بالديون الحكومية الأكبر ضمن سوق مقايضات التخلف عن سداد الائتمان.

ووفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن مؤسسة «ديبوزيتوري ترست آند كليرينغ كوربوريشن» بلغ متوسط التداول اليومي في سوق هذه العقود ككل 16 مليار دولار خلال الربع الثاني، مقارنة بـ13 مليار دولار في الفترة نفسها من العام السابق.

ومع ذلك، قد تظل أحجام التداول اليومية محدودة، حتى بالنسبة إلى عقود الشركات الكبرى، وقد تقتصر أحياناً على أرقام أحادية. وهذا يعني أن صفقات صغيرة نسبياً قد تؤثر في الأسعار بدرجة غير متناسبة مع حجمها.

من يشتري عقود مقايضة التخلف عن سداد الائتمان؟

عادةً ما يشتري مستثمرو السندات هذه العقود من خلال وسيط، غالباً ما يكون بنكاً استثمارياً، يتولى بدوره ترتيب الحماية مع مؤسسة مالية توفرها. وتُصنف هذه الصفقات ضمن المعاملات التي تتم خارج البورصة (over-the-counter)، أي أنها لا تمر عبر غرفة مقاصة مركزية.

وتشارك صناديق التحوط أيضاً في هذه السوق، إذ تبيع عقود مقايضة التخلف عن سداد الائتمان إلى مستثمرين يسعون إلى التحوط من مخاطر محددة.

ويدفع المشتري رسوماً دورية تُعرف باسم «القسط» (premium) إلى البائع، الذي يتحمل في المقابل مخاطر وقوع حدث ائتماني، مثل التخلف عن السداد.

وتُسعّر هذه العقود بناءً على ما يُعرف بـ«الهامش الائتماني» (credit spread)، وهو عدد نقاط الأساس (basis points) التي يتقاضاها بائع العقد من المشتري مقابل توفير الحماية. وكلما ارتفعت المخاطر المتصورة لوقوع حدث ائتماني، اتسع الهامش.

فعلى سبيل المثال، إذا بلغ هامش عقد مقايضة التخلف عن سداد الائتمان 100 نقطة أساس، فهذا يعني أن تكلفة التأمين تبلغ دولاراً واحداً سنوياً لكل 100 دولار من الديون المشمولة بالحماية.

ما الذي يحدث في سوق هذه العقود لدى شركات التكنولوجيا؟

تُظهر بيانات «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس» أن تكلفة عقود مقايضة التخلف عن سداد الائتمان الخاصة بشركة «كور ويف» وهي شركة لتشغيل مراكز البيانات مثقلة بالديون وتقع في قلب الاضطرابات الحالية، تجاوزت 1000 نقطة أساس.

وتشير هذه الأسعار إلى ارتفاع احتمال التعثر الضمني في السداد إلى نحو 63 في المائة خلال السنوات الخمس المقبلة، مقارنة بنحو 30 في المائة قبل عام.

وتعكس تحركات أسعار هذه العقود في قطاع التكنولوجيا قلق المستثمرين بشأن سرعة تحول الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي إلى أرباح، ومدى قدرة الشركات المثقلة بالديون على تحقيق عوائد كافية بالسرعة المطلوبة لتغطية تكاليف الفوائد المتنامية.

كما جرى تداول عقود مقايضة مخاطر الائتمان الخاصة بشركة «أوراكل» عند نحو 300 نقطة أساس، وهو مستوى أعلى بكثير من مستويات العقود لدى شركات أخرى مرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وارتفعت هذه العقود الخاصة بشركة «إنفيديا» بشكل حاد خلال الأسابيع الأخيرة إلى نحو 90 نقطة أساس، في حين بلغت نحو 104 نقاط أساس لدى شركة «ميتا».

وللمقارنة، يُتداول مؤشر عقود مقايضة مخاطر الائتمان للجهات المصنفة ضمن فئة الدرجة الاستثمارية عند نحو 60 نقطة أساس.

ما الذي يؤدي إلى صرف تعويضات عقود مقايضة مخاطر الائتمان؟

يُصرف التعويض بموجب هذه العقود عند وقوع حدث ائتماني محدد، قد يشمل الإفلاس أو عجز الجهة المُصدرة عن سداد مستحقات السندات.

وعندما تزداد المخاوف بشأن الجدارة الائتمانية للجهة المُصدرة، يرتفع الطلب عادةً على الحماية، ما يؤدي إلى اتساع هوامش عقود مقايضة مخاطر الائتمان.

إذا كانت هذه العقود توفر التأمين فأين تكمن المشكلة؟

توفر عقود مقايضة مخاطر الائتمان وسيلة للتحوط أمام حاملي السندات. لكن ارتفاع المخاطر المتوقعة يزيد تكلفة الحماية، ما قد يدفع المستثمرين إلى بيع السندات، ويرفع تكاليف الاقتراض على الجهات المُصدرة.

وقد تؤدي هذه التطورات إلى تفاقم المخاوف بشأن الجدارة الائتمانية، بما يخلق حلقة مفرغة تزداد فيها تكاليف الاقتراض مع ارتفاع المخاطر، الأمر الذي يزيد بدوره الضغوط المالية على الشركات.