شرطة أستراليا توجه 59 اتهاماً للمشتبه به في هجوم سيدني

الفلبين تنفي استخدام أراضيها لتدريب «الإرهابيين» وترمب يدعو لمحاربة «قوى الشر الإرهابية»

أناس يقفون قرب باقات من الزهور الأربعاء تكريماً لضحايا حادثة إطلاق النار في شاطئ بونداي في سيدني (أ.ف.ب)
أناس يقفون قرب باقات من الزهور الأربعاء تكريماً لضحايا حادثة إطلاق النار في شاطئ بونداي في سيدني (أ.ف.ب)
TT

شرطة أستراليا توجه 59 اتهاماً للمشتبه به في هجوم سيدني

أناس يقفون قرب باقات من الزهور الأربعاء تكريماً لضحايا حادثة إطلاق النار في شاطئ بونداي في سيدني (أ.ف.ب)
أناس يقفون قرب باقات من الزهور الأربعاء تكريماً لضحايا حادثة إطلاق النار في شاطئ بونداي في سيدني (أ.ف.ب)

وجّهت الشرطة الأسترالية، الأربعاء، 59 اتهاماً للمشتبه بتنفيذه هجوماً على شاطئ بونداي بمدينة سيدني، وذلك بعد أسوأ عملية إطلاق نار جماعية تشهدها أستراليا منذ عقود.

وقالت شرطة نيو ساوث ويلز إن الشرطة ستتهم في المحكمة نافيد أكرم، ذا الأصول الهندية، الذي يحمل الجنسية الأسترالية، «بالقيام بسلوك تسبب بالقتل وبإصابات خطيرة، وبتعريض حياة أشخاص للخطر من أجل الدفاع عن قضية دينية وإثارة الخوف في المجتمع».

وإلى جانب تهمتي الإرهاب وقتل 15 شخصاً، تشمل الاتهامات 40 تهمة بالإيذاء بنية القتل، فيما يتعلق بسقوط جرحى ووضع عبوة ناسفة قرب مبنى. وأفادت الشرطة، في بيان، بأن المؤشرات الأولية تدل على أن الهجوم هجوم إرهابي مستوحى من تنظيم «داعش»، المدرج على قائمة الإرهاب في أستراليا.

وأقامت أستراليا أول جنازة لضحايا الحادث، وتجمعت حشود كبيرة لتأبين الحاخام إيلي شلانغر، الذي كان بين القتلى حين أطلق ساجد أكرم، الهندي المقيم في أستراليا، وابنه نافيد، النار على جمع من المحتفلين بعيد «حانوكا» اليهودي على الشاطئ الشهير، مساء الأحد.

من جهته، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيز، الأربعاء: «قلبي مع المجتمع اليوم وكل يوم». وأضاف، في تصريح لمحطة إذاعية محلية: «لكن اليوم سيكون بالغ الصعوبة مع بدء أولى الجنازات».

وكان قد قال، الثلاثاء، إن المسلحَين كانا مدفوعين بـ«آيديولوجية الكراهية»، مضيفاً أن نافيد أكرم (24 عاماً) لفت انتباه وكالة الاستخبارات الأسترالية عام 2019 «بسبب صلته بآخرين»؛ لكن لم يُعتبر تهديداً وشيكاً وقتها. وأضاف: «لقد حققوا معه، وحققوا مع أفراد أسرته، وحققوا مع محيطين به... ولكنه لم يُعتبر في ذلك الوقت شخصاً مثيراً للاهتمام».

وأطلق ساجد (50 عاماً) وابنه النار على الحشد المتجمع عند الشاطئ لمدة 10 دقائق، قبل أن تفتح الشرطة النار على ساجد وتقتله، في حين أصيب نافيد بالرصاص، ونُقل إلى المستشفى في حالة حرجة.

واتفق قادة أستراليا، الاثنين، على تشديد القوانين التي سمحت للأب بحيازة 6 أسلحة نارية.

ولم تشهد أستراليا حوادث إطلاق نار مماثلة منذ قتل مسلح 35 شخصاً في مدينة بورت آرثر السياحية عام 1996. وأدّت تلك الحادثة إلى حملة، تضمنت برنامجاً لإعادة شراء الأسلحة، وفرض قيود على الأسلحة نصف الآلية. لكن في السنوات الأخيرة، سجّلت أستراليا ارتفاعاً مطرداً في عدد الأسلحة النارية التي يملكها أفراد.

زيارة للفلبين

وتجري الشرطة تحقيقات لمعرفة ما إذا كان الأب وابنه قد التقيا متطرفين خلال زيارة قاما بها للفلبين، قبل أسابيع من الهجوم. وأكّدت إدارة الهجرة في مانيلا لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أنهما أمضيا معظم شهر نوفمبر (تشرين الثاني) في البلاد، وكانت دافاو وجهتهما النهائية.

ولهذه المنطقة، الواقعة في جزيرة مينداناو الجنوبية، تاريخ طويل من حركات التمرد والتطرف.

عناصر من الشرطة متجمعون الثلاثاء قرب شاطئ بونداي في سيدني الذي شهد واقعة إطلاق نار خلال احتفال اليهود بعيد حانوكا (رويترز)

لكن الفلبين نفت، الأربعاء، استخدام أراضيها لتدريب «إرهابيين». وقالت الناطقة باسم الرئاسة، كلير كاسترو، لدى تلاوتها بياناً صدر عن مجلس الأمن القومي: «لم يُقدَّم أي دليل لدعم المزاعم بأن البلاد استُخدمت لتدريب إرهابيين».

وأضافت: «لا يوجد أي تقرير معتمد أو تأكيد بأن أفراداً تورطوا في حادثة شاطئ بونداي تلقوا أي شكل من أشكال التدريب في الفلبين».

وكان مكتب الهجرة في الفلبين قد ذكر، الثلاثاء، أن المسلحَين المتهمَين بتنفيذ إطلاق النار الجماعي بشاطئ بونداي سافرا إلى الفلبين في أول نوفمبر على متن الرحلة «بي آر 212» التابعة لـ«الخطوط الجوية الفلبينية»، من سيدني إلى مانيلا، ومنها إلى مدينة دافاو.

وغادر الرجل وابنه الفلبين في 28 نوفمبر على الرحلة نفسها من دافاو عبر مانيلا إلى سيدني. ولم تتضح بعد الأنشطة التي قام بها الرجلان في الفلبين، أو ما إذا كانا قد سافرا إلى مكان آخر بعد الهبوط في دافاو.

وفي عام 2017، سيطر مسلحون متأثرون بفكر «داعش» على أجزاء من مدينة ماراوي في جنوب الفلبين، وتمكنوا من الاحتفاظ بها 5 أشهر، رغم عمليات برية وجوية ظل الجيش يشنّها.

وأدّى حصار ماراوي، الذي شكَّل أكبر معركة تشهدها البلاد منذ الحرب العالمية الثانية، إلى نزوح نحو 350 ألف شخص ومقتل أكثر من 1100، معظمهم من المسلحين.

«قوى الشر الإرهابية»

من جانبه، دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، إلى حرب دولية ضد «الإرهاب المتطرف»، وقال في حفل استقبال في البيت الأبيض بمناسبة عيد حانوكا: «يجب على كل الدول أن تتّحد ضد قوى الشر الإرهابية الراديكالية، ونحن نفعل ذلك».

واتفق الرئيس الأميركي مع توصيف السلطات الأسترالية للهجوم بأنه «هجوم إرهابي»، كما اتفق مع الوصف الإسرائيلي لما حدث بأنه «مظهر من مظاهر تصاعد معاداة السامية»، وقال: «هذا هجوم إرهابي شنيع معادٍ للسامية»، مشدداً على تكاتف جميع الدول «ضد قوى الشر الإسلامي الراديكالي».

وربط ترمب هجوم الشاطئ الأسترالي بهجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، التي شنّتها حركة «حماس» على بلدات إسرائيلية في غلاف غزة، قائلاً: «رأيت أشرطة تمنيت لو لم أرها»، ومحذراً من تكرار الهجمات الإرهابية.

وقال: «يجب أن تكونوا حذرين جداً، فأمور سيئة يمكن أن تحدث؛ رأيتم ما حدث في أستراليا وما حدث في السابع من أكتوبر».

السوري الذي أنقذ العشرات

أما السوري أحمد الأحمد (44 عاماً)، الذي أصيب بطلقات عدة خلال انتزاعه سلاح أحد المهاجمين، تفادياً لإصابة ومقتل آخرين، فقد توالت التعهدات بمساعدته مادياً.

لقطة من فيديو على حساب رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز على «إكس» تُظهره وهو يلتقي السوري أحمد الأحمد الذي انتزع سلاح أحد المهاجمين خلال هجوم شاطئ بونداي في مستشفى بسيدني (أ.ف.ب)

وجذبت صفحة لجمع الأموال أنشأها أستراليون لم يلتقوا الأحمد قط تبرعات من نحو 40 ألف شخص، حيث تبرعوا بـ2.3 مليون دولار أسترالي (1.5 مليون دولار أميركي)، بحلول مساء الثلاثاء. ومِن بين الداعمين الملياردير مدير صندوق التحوط وليام أكمان، الذي تعهّد بتقديم 99 ألف دولار أسترالي.

وقالت مديرة الإعلام في جمعية «الأستراليون من أجل سوريا»، التي زارت الأحمد في المستشفى في ساعة متأخرة من يوم الاثنين، إنه خضع لجراحة، ومن المقرر إجراء مزيد من العمليات الجراحية.

من جهة أخرى، أُعلن إلغاء احتفالات ليلة رأس السنة التي كانت مقررة على شاطئ بونداي إثر الهجوم الدامي.

وقال منظمو الاحتفالات، في بيان، الأربعاء، إن القرار اتُخذ بالتشاور مع المجلس المحلي.


مقالات ذات صلة

باكستان تتهم أفغانستان بخلق ظروف «مشابهة أو أسوأ» مما كانت قبل هجمات 11 سبتمبر

آسيا الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري (أ.ف.ب) p-circle

باكستان تتهم أفغانستان بخلق ظروف «مشابهة أو أسوأ» مما كانت قبل هجمات 11 سبتمبر

حذّر رئيس باكستان من أن حكومة «طالبان» في أفغانستان خلقت ظروفاً «مشابهة أو أسوأ» من تلك التي سبقت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 الإرهابية التي استهدفت أميركا.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
العالم برينتون تارانت (أرشيفية - أ.ب)

«الإرهابي المدان» في مجزرة كرايستشيرش يطلب إلغاء اعترافه وإعادة محاكمته

تقوم السلطات في ولينجتون بنيوزيلندا حاليا، باتخاذ «ترتيبات استثنائية»، بينما يستعد «الإرهابي المدان» في مجزرة كرايستشيرش، للمثول أمام محكمة الاستئناف.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
الخليج الكويت صنفت 8 مستشفيات لبنانية على قوائم الإرهاب (كونا)

الكويت تُدرج 8 مستشفيات لبنانيّة على قائمة الإرهاب

قررت «لجنة تنفيذ قرارات مجلس الأمن الصادرة بموجب الفصل السابع»، في الكويت، الأحد، إدراج 8 مستشفيات لبنانية على قوائم الإرهاب.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
شمال افريقيا الزبير البكوش مرتدياً ملابس الكشافة (صورة متداولة على صفحات ليبية)

الليبي «الزبير البكوش»... من حبال الكشافة إلى العنف المسلح

تمثل حياة المتهم الليبي الزبير البكوش الموقوف في الولايات المتحدة للاشتباه بتورطه في الهجوم على القنصلية الأميركية بمدينة بنغازي عام 2012، نموذجاً حياً للتناقض.

علاء حموده (القاهرة)
أوروبا جندي يقف حارساً في قرية وورو بولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي (أ.ب)

الولايات المتحدة قلقة إزاء توسّع الإرهاب في منطقة الساحل وغرب أفريقيا

الولايات المتحدة قلقة إزاء توسّع الإرهاب في منطقة الساحل وغرب أفريقيا... وفريق عسكري أميركي في نيجيريا لدعمها في مواجهة الإرهاب.

الشيخ محمد (نواكشوط)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟