متحف البحر الأحمر وباب البنط... الغوص في أعماق تاريخ مدينة جدة

يضم 1000 قطعة موزعة على 23 قاعة

مبنى باب البنط التاريخي تحول إلى مقر لمتحف البحر الأحمر (تصوير: غازي مهدي)
مبنى باب البنط التاريخي تحول إلى مقر لمتحف البحر الأحمر (تصوير: غازي مهدي)
TT

متحف البحر الأحمر وباب البنط... الغوص في أعماق تاريخ مدينة جدة

مبنى باب البنط التاريخي تحول إلى مقر لمتحف البحر الأحمر (تصوير: غازي مهدي)
مبنى باب البنط التاريخي تحول إلى مقر لمتحف البحر الأحمر (تصوير: غازي مهدي)

في جدة التاريخية يقف مبنى «باب البنط» شاهداً على العصور، يزهو بتاريخ قديم كان فيه الجسر الذي عبر منه الحجاج والزوار والتجار للأماكن المقدسة. شهد المبنى تحولات عبر السنين منذ أن كان مجرد هيكل خشبي في أواخر القرن الـ19، تحول إلى بوابة خرسانية في ثلاثينات القرن العشرين حتى التحول الأخير، الذي شهده، لمتحف عالمي للبحر الأحمر.

ببنائه المصنوع من الحجر المرجاني المستخدم في مباني جدة التاريخية والروشان الخشبي الذي يزين نوافذه يفتح المبنى في حلته الجديدة ذراعيه للزوار مرة أخرى ليأخذهم في رحلة تاريخية فنية شائقة.

مبنى باب البنط التاريخي تحول إلى مقر لمتحف البحر الأحمر (تصوير: غازي مهدي)

متحف للبحر الأحمر وموانيه

ننطلق في جولة تقودنا فيها إيمان زيدان مديرة المتحف، ونبدأ من ذلك التسجيل السينمائي لباب البنط في تاريخه القديم حيث كان مطلاً على البحر مباشرة، وكانت السفن ترسو على شاطئه ليتوافد الحجاج داخل المبنى لإتمام إجراءات دخولهم للأراضي المقدسة. في الشريط نفسه نصل للتصور المستقبلي لشكل المبنى بعد أن يعود لمواجهة البحر مرة أخرى في السنوات المقبلة.

من الصعب اختصار المتحف للزائر، فما يقدمه كثير، ويربو على الألف قطعة موزعة على 23 قاعة تتنوع ما بين الصور الأرشيفية والأفلام الوثائقية والقطع المتحفية والمقتنيات التي أعارها أصحابها للمتحف للمشاركة في عرض تاريخ مدينتهم جدة. ولعل النصيحة الأولى للزائر هي أن يتبع ما يجذبه أولاً، فهنا مزيج هائل من التاريخ والتوثيق والآثار والقطع الفنية العتيقة وصولاً إلى قطع فنية معاصرة. كل المحتويات ترسم لوحة غنية بالألوان والأصوات لمدينة جدة وشقيقاتها من المواني العربية على البحر الأحمر، هي بالاختصار سيمفونية لتاريخ لا يزال حياً.

باب البنط قديماً في صور أرشيفية (الشرق الأوسط)

باب البنط ومدينة جدة

لا يمكن إغفال الأثر الذي يتركه مبنى باب البنط في الزوار، فأهل المدينة يعرفونه على أنه مبنى قديم تجاوزه الزمن، وظل خاوياً لفترة طويلة، بعض الأجيال تعرفه من روايات الآباء والأمهات ممن عاشوا في حواري جدة التاريخية. سحر باب البنط يعود من تاريخ قديم شهد في مراحله توافد الحجاج والزوار عن طريق البحر، فقد كان البوابة للوصول للأراضي المقدسة، وكان أيضاً محطة للتجار والرحالة. نمضي في زيارتنا لنستكشف المبنى، وكل ما مر عليه بصفته المادية وأيضاً بوصفه رمزاً لمدينة جدة وجسر ربط الثقافات على سواحل البحر الأحمر.

خلال الجولة نتعرف إلى تفاصيل ترميم المبنى وفق أعلى معايير الاستدامة البيئية. وكان من المهم هنا الاستماع للمستشار المعماري الفرنسي فرانسوا شاتيلون. يقول الخبير: «لم يكن لدينا أي معلومات أو خرائط عن كيفية بناء هذا المكان للاهتداء بها في أثناء العمل». مشيراً إلى أن المبنى ضم عناصر مختلفة اختلفت في بعض جوانبها عن أسلوب البناء في باقي مباني جدة. يقول شاتيلون إن المبنى ليس أثراً قديماً بل هو «متحف جديد يتحدث عن طرق للتفكير بالمستقبل». ويضيف: «البعض يعتقد أن التراث هو الماضي، ولكنه في الحقيقة هو المستقبل... كل هذه القطع الحديثة وصلت هنا عبر الحوار مع الماضي فهي ترمز لاستمرارية الثقافة.

هلب من سفينة غارقة في البحر الأحمر في مقدمة العرض (تصوير: غازي مهدي)

جسر بين الثقافات

يستقبل المتحف زواره بصالة يتوسطها هلب حديدي انتشل من سفينة غارقة في البحر الأحمر، على الجوانب غرف مفتوحة على الصالة الرئيسة كل منها تقدم قطعاً مختلفة تنتظم بحسب موضوع رئيسي، نتوقف عند قاعة تحمل عنوان «بحر حي ... تنوع بيولوجي مزدهر» هنا نرى عمل فيديو للفنان المغربي هشام برادة يعرض في ثلاثة صناديق زجاجية شفافة. تتشكل في كل شاشة مناظر طبيعية مائية نابضة بالحياة لتأخذنا للأعماق. ننتقل بعدها لستارة مرجانية الألوان صنعتها الفنانة أمينة أكزناي بالتعاون مع خبيرة الحرف الخشبية رنا طاشكندي وحرفيي البلد. ليس عملاً عادياً فهو يمثل البحر الأحمر عبر ألوان الشعب المرجانية كما يمثل عبر عناصره الخشبية المربوطة ببعضها صناعة الروشان الخشبية ومباني جدة القديمة.

ستارة مرجانية الألوان صنعتها الفنانة أمينة أكزناي بالتعاون مع خبيرة الحرف الخشبية رنا طاشكندي وحرفيي البلد (الشرق الأوسط)

نمر بسجادة ملونة للفنان محروس عبده وهو من حرفيي مركز رمسيس ويصا واصف للفنون بمصر، تصور مرجان وأسماك البحر الأحمر. بعدها نمر تحت عمل للفنانة منال الضويان بعنوان «نحن المرجان» مصنوع من الحبال القطنية المتدلية من السقف تتخللها قطع من الزجاج تصور الشعب المرجانية بلون شفاف يعكس هشاشتها وجمالها.

عمل للفنانة منال الضويان بعنوان «نحن المرجان» (الشرق الأوسط)

إلى الجانب نتوقف أيضاً عند عمل فني بديع مصنوع من الورق المقصوص بواسطة الليزر للفنان البريطاني روغان براون بعنوان «شبح المرجان»، يحاكي بتفاصيل غاية في الدقة تكوينات الشعب المرجانية، مازجاً الطبيعة والخيال في عمل إبداعي مدهش.

عمل للفنان البريطاني روغان براون بعنوان «شبح المرجان» (الشرق الأوسط)

نستمر في رحلتنا بين المعروضات التي تتجانس مع بعضها في رسم لوحة متنوعة للبحر الأحمر وثقافات المجتمعات المطلة عليه في قسم بعنوان «شعوب البحر الأحمر». نرى صورة التقطت من أحد المحال في الغردقة بمصر تسلمنا لقاعة أخرى بها عدد من القطع التي تعبر أيضاً عن روح المدن الساحلية، ونرى حائطاً كاملاً مخصصاً للأصداف والمحارات والقطع المرجانية من أعماق البحر الأحمر.

في الغرفة نفسها مسابح مصنوعة حباتها من المرجان الأسود، صنعها حرفيون تقليديون من جدة من أقدم العائلات المعروفة بهذه الحرفة، نقرأ على البطاقة التعريفية أنها من صنع أحمد الحلبي من جدة، تتحدث مديرة المتحف إيمان زيدان عن رمزيتها ومغزاها واستخدامها خصوصاً في مكة. تربط المسابح برهافة وجمال بين البحر الأحمر والشعائر الدينية .

أغاني البحر

خلال الجولة تصاحبنا الموسيقى النابعة من ثقافات مدن البحر الأحمر لتشكل خلفية صوتية لرحلتنا، تقول زيدان: «كل هذه المدن وشعوبها تشاركت في الثقافة، وفي الموسيقى، تسمعون موسيقى استخدمها الصيادون كانت تصاحبهم خلال رحلات الصيد في البحر».

تضافر الصور الفوتوغرافية عن بواخر الصيد مع الديكور في متحف البحر الأحمر (الشرق الأوسط)

من الموسيقى للديكور تتضافر عناصر العرض لتغمر الزائر في عوالم وثقافات البحر الأحمر، ففي غرفة جانبية يمكننا تخيل أننا في مقدمة مركب صيد، نسمع أغاني الصيادين بينما تطالعنا صور فوتوغرافية لسفن خشبية مختلفة التقطت في مواني باليمن وجدة وغيرهما من المدن الساحلية.

تجيب زيدان عن سؤال عن الأغاني التي تصاحب خطواتنا في القاعات المختلفة، هل صنعت خصيصاً للمتحف؟ تقول «نعم، إنها مجموعة من الأغاني جمعت من فرق مختلفة من اليمن والسعودية ومصر، وكل البلدان التي تطل على البحر الأحمر، هي تشكيلة من الألحان والأغاني التي كانت تستخدم لتحفيز وإثارة همم الصيادين، تغنى عبر مراحل مختلفة من رحلة الصيد قبل، وفي أثناء الرحلة».

خرائط ومؤشرات قبلة

يضم المتحف عدداً ضخماً من الخرائط القديمة تمتزج مع القطع الأثرية والأعمال المعاصرة لرواية قصة البحر الأحمر وباب البنط، منها مؤشر قبلة وبوصلة من بلاد فارس تعود لعام 1900 ومؤشر قبلة آخر من الخشب يعود لأواخر القرن الثامن عشر. تبرز هنا خريطة العالم المتمركزة على شبه الجزيرة العربية مأخوذة من كتاب «المسالك والممالك» لأبي إسحاق الإصطخري.

مؤشر قبلة وبوصلة من الدولة العثمانية في القرن الـ18 (الشرق الأوسط)

صور فوتوغرافية ورسومات

ما يميز المتحف هو كم الصور الفوتوغرافية التاريخية والحديثة التي تتضافر فيما بينها لتقديم ثقافة البحر الأحمر وشعوبه من الأردن ومصر والسودان وجيبوتي. وإلى جانب صور البحر والصيادين والاستكشافات الأثرية هناك أيضاً مجموعة ضخمة من الصور عن مكة والمدينة تقدم لمحة نادرة عن الحرمين الشريفين، وتصور التفاصيل المعمارية. في هذا الجانب تساهم الرسومات المختلفة في تصوير الأماكن المقدسة بتفاصيلها حيث رسمت في أزمان ما قبل الكاميرا. ومن تلك الرسومات تبرز شهادات الحج التي كانت تمنح للحجاج للاحتفاظ بها كذكرى غالية من الأماكن المقدسة.

شهادات حج (الشرق الأوسط)

في قسم «جدة ملتقى الثقافات» نرى مجموعة من الصور للفنان البحريني فيصل سمرا التقطت خلال فترة الجائحة، تصور الحياة خلال تلك الفترة في جدة ومكة.

لفتة

في لفتة جميلة جمعت بين صورة من الماضي والحاضر، وقفت الشابة يارا بانا أمام صورة قديمة لجدها الراحل حسن بانا الذي كان يعمل مطوفاً للحجاج من منطقة شمال أفريقيا. تتحدث عن جدها، وعن عمله في الطوافة «كان يعمل مطوفاً، وكان يسافر كثيراً لتونس ولبنان ومصر... إنه أمر له وقع خاص، أن يكون لعائلتنا حضور هنا».

من كنز غارق إلى العرض المتحفي

في الطابق الثاني نمر على قسم يعرض بعض القطع التي عثرت عليها البعثة السعودية الإيطالية في حطام سفينة بالقرب من مدينة أملج السعودية. يقدم الاكتشاف عبر فيلم فيديو وعرض لبعض القطع التي انتشلها الفريق من الحطام.

فيلم لعملية انتشال قطع من سفينة غارقة بالقرب من أملج السعودية (الشرق الأوسط)

يصور الفيلم جانباً من رحلة الغواصين لانتشال قطع مختلفة من حطام السفينة. الجميل هنا هو أننا نرى عملية انتشال تلك القطع بلقطات مقربة ثم نراها أمامنا معروضة في الإطار المجاور للشاشة، وكأننا شهود على عملية إنقاذ تلك القطع الغارقة. تلك الصلة المدهشة بين السفينة الغارقة، وما حملته من قصص وحيوات مختلفة تمثلت في أكواب من البورسلين الصيني المزخرفة التي تعود لسلالة مينج عمرها نحو 3000 عام التي ربما كانت على القارب بغرض الاتجار بها: «تعرض للمرة الأولى هنا بالمتحف بعد ترميمها»، تعلق إيمان زيدان، نرى أيضاً بعض القطع الأخرى مثل الجرار والتماثيل الصغيرة.

بعض القطع التي عثر عليها في سفينة غارقة بالقرب من أملج السعودية (الشرق الأوسط)

المحمل والكسوة

لا يمكن لأي معرض يتناول بوابة الحرمين الشريفين أن يغفل ذكر الكسوة التي كانت ترسل من مصر وسوريا لمكة والمدينة مصحوبة بالاحتفالات والأغاني، وفي إحدى القاعات نرى نموذجاً للمحمل متصدراً قاعة تحفل بالصور الفوتوغرافية والرسومات والتسجيلات الصوتية للاحتفالات التي صاحبت رحلة المحمل للأماكن المقدسة.

محمل الكسوة (الشرق الأوسط)

نقطة أخيرة: زيارة المتحف تحتاج إلى وقت كاف للاستمتاع بالمعروضات ومشاهدة الأفلام والشرائط الوثائقية ثم زيارة المعرض المؤقت الذي يقام بمناسبة الافتتاح، وهو للفنان معاذ العوفي، ولنا معه لقاء آخر.


مقالات ذات صلة

نيويورك في قبو المنزل

يوميات الشرق يظهر حي مانهاتن السفلي بما يضمه من مبنى «وان وورلد تريد» وبرجي مركز التجارة العالمي (البرجين التوأمين) - في نموذج كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين وذلك في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)

نيويورك في قبو المنزل

سائق شاحنة يبني نيويورك مصغّرة تضم أكثر من 800 ألف مبنى، في مشروع بدأ كهواية وانتهى به المطاف داخل متحف المدينة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق لوحة بعنوان «يونغ وومان أت ذي ويل» للفنان الفرنسي بيار أوغست رينوار التي سُرقت من متحف رينوار في كاني سور مير بفرنسا - 8 سبتمبر 2026 (رويترز)

لصّان يسرقان لوحتين للرسام رينوار من متحف فرنسي

ذكرت السلطات المحلية أن لصّين سرقا لوحتين للرسام رينوار من متحف في كاني سور مير على الريفيرا الفرنسية، اليوم الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق يقوم ضباط الشرطة بدوريات أمام مدخل متحف رينوار بعد السرقة في مدينة كاني سور مير (أ.ف.ب)

بعد اللوفر... سرقة لوحات قيمتها تسعة ملايين يورو من متحف فرنسي

قال بريان ماسون رئيس بلدية مدينة كاني سور مير، حيث متحف رينوار على الريفيرا الفرنسية، في بيان على «فيسبوك» إن لصين سرقا ثلاث لوحات من المتحف.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق الرئيس الصيني يستمع لشرح أمام قناع الملك توت (رئاسة الجمهورية المصرية)

قناع توت الذهبي يأسر قلب الرئيس الصيني

أسر القناع الذهبي للملك «توت عنخ آمون» الرئيس الصيني شي جينبينغ، ليتوقف طويلاً أمام الفرعون الذهبي خلال جولته بالمتحف المصري الكبير.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
ثقافة وفنون تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)

الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

سيزور الملك تشارلز ملك بريطانيا والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الأربعاء، المعرض الذي يضم نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني.

«الشرق الأوسط» (لندن)

من أقصى الشراسة إلى أقصى الإنسانيّة... محمد نزار يذهب في «غرَق» إلى أعماق التمثيل

الممثل الأردني محمد نزار بشخصية «باسل» في فيلم «غرق» للمخرجة زين دريعي (صور الممثل)
الممثل الأردني محمد نزار بشخصية «باسل» في فيلم «غرق» للمخرجة زين دريعي (صور الممثل)
TT

من أقصى الشراسة إلى أقصى الإنسانيّة... محمد نزار يذهب في «غرَق» إلى أعماق التمثيل

الممثل الأردني محمد نزار بشخصية «باسل» في فيلم «غرق» للمخرجة زين دريعي (صور الممثل)
الممثل الأردني محمد نزار بشخصية «باسل» في فيلم «غرق» للمخرجة زين دريعي (صور الممثل)

تنوّعت تجارب الممثل الأردني محمد نزار ما بين أفلام ومسلسلات اكتسب فيها خبراتٍ كثيرة. ثم أتى فيلم «غرق – Sink» فأفردَ المساحة كاملةً لطاقاته التمثيليّة، وطواعيّة أدائه، من أقصى الإنسانية إلى أقصى التوحّش.

في فيلمها الروائي الطويل الأول، تؤَنسِن المخرجة الأردنية زين دريعي الإصابة النفسية، ويُجاريها نزار في مبتغاها من خلال شخصية «باسل». يبدو الشاب منذ انطلاقة الفيلم مختلفاً عن أترابه، وصاحبَ ذكاءٍ خارق، إلّا أنه عرضةٌ للتنمّر، والإهانة في مدرسته. وعندما يتقوقع في بيته وغرفته، يتّضح أكثر غرقُه في حالةٍ نفسيّة تأخذه من البهجة إلى السوداويّة في لحظات. ومحمد نزار يجاري الحالات كلّها بلغةِ جسده، وعينَيه، ونبرة صوته، وانفعالاته، وصمته، مالئاً الشاشة بأداءٍ آسر.

ليس من السهل الوصول إلى هذا المستوى من الأداء المُقنِع في أول تجربة سينمائية طويلة بدورٍ رئيس، إلّا أنّ نزار استعان بكل ما راكمَ من خبرات، وبموهبةٍ فطريّة واضحة. «مع (باسل) لم أضع نفسي تحت الضغط، ولم أبالغ، بل استمتعت بالتمثيل، وحاولت خدمة القصة قدر المستطاع»، يقول الممثل الشاب في حوار مع «الشرق الأوسط».

هذا الأداء الحقيقي وغير المصطنع استقاه نزار من متابعته عن كثب لكبار السينما العالمية، وصقلَه من خلال دراسته فنون المسرح في لندن. «كل ذلك، إضافةً إلى تجاربي السابقة في الأفلام القصيرة، والمسلسلات، جعلني أدخل التصوير وأنا أشعر بالجاهزيّة لفيلم طويل، وشخصية مركّبة ومعقّدة مثل (باسل). بعد أن تَكاملَ شكلي الخارجي مع صورته، صرت أشعر بأنني هو حتى قبل انطلاق التصوير».

تخصص نزار بالفنون المسرحيّة في لندن (صور الممثل)

عام 2021 فاتحت المخرجة زين دريعي الممثل محمد نزار بمشروع فيلمها، لكنّ التصوير لم ينطلق سوى في 2024. هذا الوقت المستقطع الطويل سيفٌ ذو حدَّين، فهو ربما يقتل الحماسة، أو أنه قد يعمّق التحضير. ذهب نزار إلى الاحتمال الثاني: «قرأت كمية كبيرة من الكتب عن اضطراب الفصام، وقصدت مع زين الطبيب النفسي المعالج للشخص الذي استُلهمَ منه جزء من قصة الفيلم». تلاقتِ الأعراض التي اطّلع عليها نزار مع تصرّفات شخصية «باسل» في نص الفيلم، مع العلم بأنّ المخرجة تعمّدت عدم تسمية الاضطراب، ولا تحديد إطاره النفسي.

وهي تشير في هذا السياق لـ«الشرق الأوسط» إلى أنها أرادت من خلال تغييب التشخيص الطبي والتصنيف النفسي «أن يختبر الجمهور الحالة ذاتها من الحيرة، وعدم اليقين التي تواجهها والدة (باسل) حيال ما يجري مع ابنها». وتضيف دريعي أنّ فيلمها «لا يتمحور في جوهره حول تحديد نوع الاضطراب، بقَدر ما يدور حول ما يحلّ بالعائلة -وتحديداً الأمّ- عندما تبدأ حالة الابن البكر بالتدهور».

المخرجة زين دريعي متوسطة الممثلَين محمد نزار وكلارا خوري في مهرجان تورونتو للأفلام (صور الممثل)

أهمّ ما في «غرق – Sink» أنه يسعى من البداية حتى النهاية إلى نزع وصمة العار عن المرض النفسي. فالشخص المصاب باضطراب هو إنسانٌ قبل أي شيء، ومحاطٌ بعائلة تقلق عليه، وغالباً ما تعجز عن التعامل مع حالته.

في الأوقات التي تتراجع فيها الأعراض المتراوحة بين العزلة والغضب العنيف، نرى «باسل» شقيقاً لطيفاً يلاعب أخته الصغيرة، ويمازح أخاه. أما علاقته بأمّه، فعصريّة إلى درجة الخروج عن المألوف، إذ يبدوان كصديقَين لصيقَين حيناً، ولدودَين أحياناً، لا سيّما أنّ «ناديا» (الممثلة كلارا خوري) تجنّد نفسها لاحتواء ابنها، واحتضانه بحِنكة، وحبّ.

وعن تجربته إلى جانب كلارا خوري يقول نزار إنّ تمثيلهما كان بمعظمه «وليد اللحظة في مواقع التصوير». بدا التناغم واضحاً بينهما، وقد جسّدت الممثلة الفلسطينية شخصيتها ببراعة، «وهذا ساعدني على الارتقاء بمستوى أدائي، وضاعف مسؤوليتي»، وفق تعبير نزار.

باسل وأمه في أحد أقوى مشاهد الفيلم (صور الممثل)

منذ البداية كان محمد نزار مُدركاً البُعد الإنساني للشخصية، والذي أرادت المخرجة تظهيره على الشاشة. «أتى الإنسان في هذا الدور قبل الحالة النفسية، أي إنني بدأت بتركيب الشخصية الإنسانية، ثم أنزلتُ عليها المرض لاحقاً»، يشرح الممثل.

حتى في أشرس لحظات النوبات، يبقى «باسل» ذاك الطفل العفويّ، وصاحب المخيّلة الواسعة. رغم طبقات سميكة من الغضب، والمزاجيّة، والضياع، وغرقِه التدريجيّ في عالمه المُظلم، تُداهمُه العاطفة الصادقة في لحظةٍ مفاجئة لا سيّما تجاه والدته.

«لم أكن أريد على الإطلاق أن أنزلق به إلى التركيبة الدرامية التي غالباً ما تُعطى للقتَلة المتسلسلين على الشاشة على أساس أنهم مصابون بمرض نفسي، فهو ليس منهم رغم أنه ينحو باتجاه العنف في بعض الأحيان»، يوضح نزار الذي عرف كيف لا يقطع الخيط الرفيع بين الشراسة في الأداء والمبالغة في التمثيل.

الشراسة في الأداء لم تتحوّل لحظةً إلى مبالغة في التمثيل (صور الممثل)

يتجلّى الأداء الشرِس في مشاهد تستحضر حيواناتٍ يوضع «باسل» على تَماسٍ معها، وهو في هذه الزاوية تحديداً استعان بتقنيّات مسرح الحيوان التي اكتسبَها خلال دراسته في بريطانيا.

لا شكّ في أنّ مغامرة «غرق – Sink» شكّلت نقطة تحوّل في مسيرة الممثل الشاب. فصحيح أنّ محمد نزار ترك بصمة في كل عمل شارك فيه سابقاً، من الفيلم الأميركي «ماء الورد» (2013) مروراً بفيلم «غزة مونامور»، وليس انتهاءً بمسلسل «مدرسة الروابي للبنات» على «نتفليكس»، إلّا أنّ إطلالته في الفيلم الجديد مختلفة عن كلّ ما سبق شكلاً، ومضموناً.

محمد نزار بشخصية «عمر» في مسلسل «مدرسة الروابي للبنات» (صور الممثل)

لا يقتصر التحوّل الذي اختبره نزار على مسيرته الفنية فحسب، بل انسحب على وعيه النفسي، والمجتمعي. «أنا بعد (باسل) لست كما قبله»، يقرّ الممثل في حديثه. «زاد منسوب التعاطف مع الآخر لديّ»، يقول نزار الذي شارك على طريقته في رفع وصمة العار عن المرض النفسي في مجتمعاتٍ ما زالت تتعامل معه كفزّاعة.


طفلة صينية عمرها 6 سنوات تحل مكعب «روبيك» بأقل من 5 ثوانٍ (فيديو)

سجّلت ليان يونتشي في حل مكعب «روبيك» زمناً بلغ 4.52 و4.27 ثانية وذلك بعد حل المكعب خمس مرات (رويترز)
سجّلت ليان يونتشي في حل مكعب «روبيك» زمناً بلغ 4.52 و4.27 ثانية وذلك بعد حل المكعب خمس مرات (رويترز)
TT

طفلة صينية عمرها 6 سنوات تحل مكعب «روبيك» بأقل من 5 ثوانٍ (فيديو)

سجّلت ليان يونتشي في حل مكعب «روبيك» زمناً بلغ 4.52 و4.27 ثانية وذلك بعد حل المكعب خمس مرات (رويترز)
سجّلت ليان يونتشي في حل مكعب «روبيك» زمناً بلغ 4.52 و4.27 ثانية وذلك بعد حل المكعب خمس مرات (رويترز)

سجلت طفلة صينية تبلغ من العمر 6 سنوات رقماً قياسياً عالمياً جديداً للسيدات في حل مكعب «روبيك» (مقاس 3×3) في زمن يزيد قليلاً على أربع ثوانٍ.

وحطمت الطفلة ليان يونتشي -وهي متسابقة شابة في مجال حل المكعبات بسرعة- الرقم القياسي العالمي للسيدات في متوسط ​​زمن الحل لـ«مكعب 3×3» مرتين هذا الشهر، وذلك خلال مسابقتين معتمدتين من قِبَل «الرابطة العالمية للمكعب» (World Cube Association) في مدينتي ووهان وقوانغتشو، وفقاً لما ذكرته هيئة الإذاعة والتلفزيون الصينية.

وسجلت الطفلة متوسط ​​أزمنة بلغ 4.52 ثانية و4.27 ثانية، وذلك بعد إتمامها حل مكعب «روبيك» خمس مرات في كل مرة، وفق تقرير لوكالة «أسوشييتد برس».

وأضافت هيئة الإذاعة والتلفزيون الصينية أن ليان -التي تنحدر من مدينة تشنغدو- تُعد «أول متسابقة تحقق متوسط ​​زمن يقل عن 4.5 ثانية» في هذه الرياضة.

وأظهر مقطع فيديو نشرته القناة الطفلة الصغيرة وهي تضع شريطاً أحمر بنقشة المربعات (الجينغهام) على رأسها، فيما كانت تدير وتحرك مكعب روبيك ببراعة ومهارة.

بعد حل اللغز، تضع ليان -الملقبة بـ«تشي تشي»- المكعب على الطاولة، وتصفق بيديها ثم ترفع قبضتها في الهواء تعبيراً عن الحماس.

تعرفت ليان على مكعب «روبيك» لأول مرة بعد انضمامها إلى فصل تدريبي في طفولتها، وكان ذلك واحداً من أنشطة متعددة شملت أيضاً دروساً في الرقص والموسيقى، وذلك حسبما صرّحت والدتها لين يانغ شي لوسائل إعلام محلية.

وقالت الأم لصحيفة «ريد ستار نيوز» في مدينة تشنغدو إنها أدركت «تدريجياً» أن حل مكعب «روبيك» يُعد «نشاطاً ممتازاً لتعزيز القدرات الشاملة للطفل»، ولذا وجهت اهتمامها نحو هذا المجال.

وأوضحت لين أن ابنتها أتقنت الآن أكثر من 1300 خوارزمية لحل مكعب «روبيك»، وهي تتدرب يومياً لمدة تتراوح بين ساعتين وثلاث ساعات.

وأظهرت صور نشرتها صحيفة «ريد ستار نيوز» الجوائز التي حصدتها ليان معروضةً على أحد الأرفف في منزلها.

وقالت لين: «إن حل مكعب (روبيك) يعزّز التركيز والذاكرة والتفكير المنطقي والإدراك المكاني، كما يساعد في تنمية عقلية سليمة تجاه الفوز والخسارة». وأضافت: «الأمر لا يقتصر على حفظ الصيغ بشكل أعمى، بل يعتمد على استخدام التفكير المنطقي لإيجاد الحلول المثلى».


«دنيا»... رحلة في عالم الأمهات المثقل بالتضحيات

ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)
ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)
TT

«دنيا»... رحلة في عالم الأمهات المثقل بالتضحيات

ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)
ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)

تغوص مسرحية «دنيا» على خشبة «دوار الشمس» ببيروت، لكاتبها ومخرجها زياد نجَّار، داخل أعماق الأمومة والتضحيات التي ترافقها، فتُشرِّح مشاعر مكبوتة لدى نساء نسين أنفسهن من أجل سعادة أبنائهن. وتؤدي ندى أبو فرحات دور «المايسترو» الذي يجمع حكايات نساء كثيرات في مقطوعة إنسانية واحدة، تلامس كل مُشاهد وفق تجربته الخاصة.

عالم «دنيا»؛ المرأة التي ضاعت بين تناقضات تجربتها والخيبات التي واجهتها، يطرحه نجّار في قالب حديث، متنقلاً بين الافتراضي والواقعي، ومستعيناً بالموسيقى بوصفها عنصراً درامياً، وصولاً إلى رقصة المذبوح من الألم، التي توقظها كلمة «موم (أمي)» بالإنجليزية، وفق قاموس الجيل الجديد. وانطلاقاً من هذا التعبير البسيط، الذي حلّ مكان كلمة «ماما» التقليدية، يدرك المشاهد أن الحكاية تطوله هو أيضاً.

ويُبقي العمل على قيم الحب والتضحية التي لم تتغيّر لدى الأمهات، من جيل الجدات حتى اليوم، ويبرزها في قالب مسرحي تتحكّم أبو فرحات في مساره، فيما ترافقها نغمات البيانو التي يعزفها نجّار مباشرة على الخشبة. وتواكب الموسيقى تقلّبات الشخصية وثورتها على ذاتها؛ فيرتفع صوت الأم ليتحوّل ضجيجاً مضنياً في مَشاهد القلق، وينساب بهدوء في لحظات أخرى.

تحكي «دنيا» قصص نساء كرّسن حياتهن لتربية أبنائهن، وحلمن بمستقبلهم على حساب أحلامهن الخاصة. نساء تأثرن بتربية أمهاتهن وانتقدنها، معتقِدات أنهن يؤدّين أدوارهن على طريقتهن المنفتحة، فركّزن على تزويد أبنائهن بالقوة والاستقلالية لمواجهة مشكلات الحياة ومصاعبها.

في «دنيا» قدمت ندى أبو فرحات أحد أهم أدوارها المسرحية (مسرح دوار الشمس)

وفجأة؛ يجدن أن ذلك المسار الطويل انتهى إلى مغادرة الأبناء البيت. هنا تبدأ رحلتهن مع الذات، فيستعدن شريط حياة لم يعشنها، بل قدّمنها هدية لأبنائهن. فالبيت الذي كان يشهد نقاشات وجدالاً بين الأم وابنتها أصابه الصمت، وتحول سماعُ كلمة «موم» شوقاً ضاغطاً وحاجة ملحّة، بعدما كانت تشكّل مصدر انزعاج لكثرة تردادها على ألسنة أولاد متطلِّبين.

«أولادكم ليسوا لكم»... مقولة جبران خليل جبران؛ تصبح قاسية عندما تتحوّل حقيقةً تعيشها الأمهات. ويعكس عنوانُ العمل دنيا الأمِّ وعالَمَها، بما ينطوي عليه من تقلّبات وتناقضات يصعب اختصارها في عرض مدته 60 دقيقة. ولذلك جاء النص مركّزاً وتفاعلياً؛ إذ حاول نجّار، بالتعاون مع أبو فرحات، الإحاطة بالقصة من خلال تفاصيل تجعلها أقرب إلى الواقع.

وتتناول المسرحية تجربة الأمومة شكلاً ومضموناً، كما تتطرّق إلى وسائل التواصل الاجتماعي ومتابعة جيل المؤثرين الجديد. فالأبناء يصدّقون المؤثرة «فلالوبا» على «تيك توك» أكثر مما يصدّقون أمّاً رافقتهم في أحلامهم وتحدياتهم. كذلك يظهر قلق الأمهات من «سباع» جائعة قد يصادفها أبناؤهن في علاقاتهم العاطفية، وكيف يعيد التاريخ نفسه من خلال حجج يتسلّح بها الأبناء للقاء الآخر، سبق أن استخدمتها الأم في زمن الصبا.

ويتأثر الأهل أيضاً بأبنائهم، ولكن على طريقتهم الخاصة. وعندما يفقدون وسيلة التواصل معهم بسبب انشغال الأبناء بالمحادثات الإلكترونية، يصبح «تشيت شات» مع الذات، كما يسمّيه العمل، خياراً بديلاً لهم.

وتنجح ندى أبو فرحات، خلال أكثر من مشهد، في الانتقال من حالة إنسانية إلى أخرى. فتتحوّل من أم تتذمّر من علاقتها بابنتها، إلى أخرى حنون وعاطفية، تسأل عن أحوالها بلهفة وهي تناديها: «يا حياة قلبي وينك تقبريني». وتكشف هذه الانتقالات عن تنوّع أدائها وقدرتها على تجسيد حالات أمومة مختلفة.

دنيا تحتفي بالحياة على طريقتها (مسرح دوار الشمس)

وتقدّم المسرحية صوراً بلاغية عدّة في إطار عمل إنساني يحمل رسالة مباشرة ويتناول الموضوع بجرأة. وتتجدّد شخصية «دنيا» وهي ترتدي عباءة الحرية حيناً، وعباءة البحث عن الذات والتفاني حيناً آخر.

وتبرز قدرات أبو فرحات الأدائية عندما ترقص الفلامنغو والفالس، فتترك لنفسها العنان، كأنها تستعيد أياماً أضاعتها في رعاية الآخرين. لكنها تعود إلى الواقع حين تصغي إلى ابنتها المنكسرة، التي لجأت إليها لمواجهة مشكلة عاطفية كبيرة.

ويعزّز أسلوبُ زياد نجّار الإخراجي الأثرَ البصري والسمعي للعمل، عبر لغة مسرحية تجمع بين الأداء والحركة والموسيقى والصورة، فيما صمّمت تمارا حاوي اللوحات الكوريغرافية.

وفي نهاية العمل، الذي تستمر عروضه حتى 27 سبتمبر (أيلول) الحالي، تحتفي «دنيا» بنفسها وبكل امرأة سارت في طريقها... فقد واجهت التحديات انطلاقاً من حدسها وخبرتها وحبها أبناءها، وإن كان ذلك على حساب نفسها وأحلامها، لتصبح نموذجاً لأمهات كثيرات في بلادنا.