متحف البحر الأحمر وباب البنط... الغوص في أعماق تاريخ مدينة جدة

يضم 1000 قطعة موزعة على 23 قاعة

مبنى باب البنط التاريخي تحول إلى مقر لمتحف البحر الأحمر (تصوير: غازي مهدي)
مبنى باب البنط التاريخي تحول إلى مقر لمتحف البحر الأحمر (تصوير: غازي مهدي)
TT

متحف البحر الأحمر وباب البنط... الغوص في أعماق تاريخ مدينة جدة

مبنى باب البنط التاريخي تحول إلى مقر لمتحف البحر الأحمر (تصوير: غازي مهدي)
مبنى باب البنط التاريخي تحول إلى مقر لمتحف البحر الأحمر (تصوير: غازي مهدي)

في جدة التاريخية يقف مبنى «باب البنط» شاهداً على العصور، يزهو بتاريخ قديم كان فيه الجسر الذي عبر منه الحجاج والزوار والتجار للأماكن المقدسة. شهد المبنى تحولات عبر السنين منذ أن كان مجرد هيكل خشبي في أواخر القرن الـ19، تحول إلى بوابة خرسانية في ثلاثينات القرن العشرين حتى التحول الأخير، الذي شهده، لمتحف عالمي للبحر الأحمر.

ببنائه المصنوع من الحجر المرجاني المستخدم في مباني جدة التاريخية والروشان الخشبي الذي يزين نوافذه يفتح المبنى في حلته الجديدة ذراعيه للزوار مرة أخرى ليأخذهم في رحلة تاريخية فنية شائقة.

مبنى باب البنط التاريخي تحول إلى مقر لمتحف البحر الأحمر (تصوير: غازي مهدي)

متحف للبحر الأحمر وموانيه

ننطلق في جولة تقودنا فيها إيمان زيدان مديرة المتحف، ونبدأ من ذلك التسجيل السينمائي لباب البنط في تاريخه القديم حيث كان مطلاً على البحر مباشرة، وكانت السفن ترسو على شاطئه ليتوافد الحجاج داخل المبنى لإتمام إجراءات دخولهم للأراضي المقدسة. في الشريط نفسه نصل للتصور المستقبلي لشكل المبنى بعد أن يعود لمواجهة البحر مرة أخرى في السنوات المقبلة.

من الصعب اختصار المتحف للزائر، فما يقدمه كثير، ويربو على الألف قطعة موزعة على 23 قاعة تتنوع ما بين الصور الأرشيفية والأفلام الوثائقية والقطع المتحفية والمقتنيات التي أعارها أصحابها للمتحف للمشاركة في عرض تاريخ مدينتهم جدة. ولعل النصيحة الأولى للزائر هي أن يتبع ما يجذبه أولاً، فهنا مزيج هائل من التاريخ والتوثيق والآثار والقطع الفنية العتيقة وصولاً إلى قطع فنية معاصرة. كل المحتويات ترسم لوحة غنية بالألوان والأصوات لمدينة جدة وشقيقاتها من المواني العربية على البحر الأحمر، هي بالاختصار سيمفونية لتاريخ لا يزال حياً.

باب البنط قديماً في صور أرشيفية (الشرق الأوسط)

باب البنط ومدينة جدة

لا يمكن إغفال الأثر الذي يتركه مبنى باب البنط في الزوار، فأهل المدينة يعرفونه على أنه مبنى قديم تجاوزه الزمن، وظل خاوياً لفترة طويلة، بعض الأجيال تعرفه من روايات الآباء والأمهات ممن عاشوا في حواري جدة التاريخية. سحر باب البنط يعود من تاريخ قديم شهد في مراحله توافد الحجاج والزوار عن طريق البحر، فقد كان البوابة للوصول للأراضي المقدسة، وكان أيضاً محطة للتجار والرحالة. نمضي في زيارتنا لنستكشف المبنى، وكل ما مر عليه بصفته المادية وأيضاً بوصفه رمزاً لمدينة جدة وجسر ربط الثقافات على سواحل البحر الأحمر.

خلال الجولة نتعرف إلى تفاصيل ترميم المبنى وفق أعلى معايير الاستدامة البيئية. وكان من المهم هنا الاستماع للمستشار المعماري الفرنسي فرانسوا شاتيلون. يقول الخبير: «لم يكن لدينا أي معلومات أو خرائط عن كيفية بناء هذا المكان للاهتداء بها في أثناء العمل». مشيراً إلى أن المبنى ضم عناصر مختلفة اختلفت في بعض جوانبها عن أسلوب البناء في باقي مباني جدة. يقول شاتيلون إن المبنى ليس أثراً قديماً بل هو «متحف جديد يتحدث عن طرق للتفكير بالمستقبل». ويضيف: «البعض يعتقد أن التراث هو الماضي، ولكنه في الحقيقة هو المستقبل... كل هذه القطع الحديثة وصلت هنا عبر الحوار مع الماضي فهي ترمز لاستمرارية الثقافة.

هلب من سفينة غارقة في البحر الأحمر في مقدمة العرض (تصوير: غازي مهدي)

جسر بين الثقافات

يستقبل المتحف زواره بصالة يتوسطها هلب حديدي انتشل من سفينة غارقة في البحر الأحمر، على الجوانب غرف مفتوحة على الصالة الرئيسة كل منها تقدم قطعاً مختلفة تنتظم بحسب موضوع رئيسي، نتوقف عند قاعة تحمل عنوان «بحر حي ... تنوع بيولوجي مزدهر» هنا نرى عمل فيديو للفنان المغربي هشام برادة يعرض في ثلاثة صناديق زجاجية شفافة. تتشكل في كل شاشة مناظر طبيعية مائية نابضة بالحياة لتأخذنا للأعماق. ننتقل بعدها لستارة مرجانية الألوان صنعتها الفنانة أمينة أكزناي بالتعاون مع خبيرة الحرف الخشبية رنا طاشكندي وحرفيي البلد. ليس عملاً عادياً فهو يمثل البحر الأحمر عبر ألوان الشعب المرجانية كما يمثل عبر عناصره الخشبية المربوطة ببعضها صناعة الروشان الخشبية ومباني جدة القديمة.

ستارة مرجانية الألوان صنعتها الفنانة أمينة أكزناي بالتعاون مع خبيرة الحرف الخشبية رنا طاشكندي وحرفيي البلد (الشرق الأوسط)

نمر بسجادة ملونة للفنان محروس عبده وهو من حرفيي مركز رمسيس ويصا واصف للفنون بمصر، تصور مرجان وأسماك البحر الأحمر. بعدها نمر تحت عمل للفنانة منال الضويان بعنوان «نحن المرجان» مصنوع من الحبال القطنية المتدلية من السقف تتخللها قطع من الزجاج تصور الشعب المرجانية بلون شفاف يعكس هشاشتها وجمالها.

عمل للفنانة منال الضويان بعنوان «نحن المرجان» (الشرق الأوسط)

إلى الجانب نتوقف أيضاً عند عمل فني بديع مصنوع من الورق المقصوص بواسطة الليزر للفنان البريطاني روغان براون بعنوان «شبح المرجان»، يحاكي بتفاصيل غاية في الدقة تكوينات الشعب المرجانية، مازجاً الطبيعة والخيال في عمل إبداعي مدهش.

عمل للفنان البريطاني روغان براون بعنوان «شبح المرجان» (الشرق الأوسط)

نستمر في رحلتنا بين المعروضات التي تتجانس مع بعضها في رسم لوحة متنوعة للبحر الأحمر وثقافات المجتمعات المطلة عليه في قسم بعنوان «شعوب البحر الأحمر». نرى صورة التقطت من أحد المحال في الغردقة بمصر تسلمنا لقاعة أخرى بها عدد من القطع التي تعبر أيضاً عن روح المدن الساحلية، ونرى حائطاً كاملاً مخصصاً للأصداف والمحارات والقطع المرجانية من أعماق البحر الأحمر.

في الغرفة نفسها مسابح مصنوعة حباتها من المرجان الأسود، صنعها حرفيون تقليديون من جدة من أقدم العائلات المعروفة بهذه الحرفة، نقرأ على البطاقة التعريفية أنها من صنع أحمد الحلبي من جدة، تتحدث مديرة المتحف إيمان زيدان عن رمزيتها ومغزاها واستخدامها خصوصاً في مكة. تربط المسابح برهافة وجمال بين البحر الأحمر والشعائر الدينية .

أغاني البحر

خلال الجولة تصاحبنا الموسيقى النابعة من ثقافات مدن البحر الأحمر لتشكل خلفية صوتية لرحلتنا، تقول زيدان: «كل هذه المدن وشعوبها تشاركت في الثقافة، وفي الموسيقى، تسمعون موسيقى استخدمها الصيادون كانت تصاحبهم خلال رحلات الصيد في البحر».

تضافر الصور الفوتوغرافية عن بواخر الصيد مع الديكور في متحف البحر الأحمر (الشرق الأوسط)

من الموسيقى للديكور تتضافر عناصر العرض لتغمر الزائر في عوالم وثقافات البحر الأحمر، ففي غرفة جانبية يمكننا تخيل أننا في مقدمة مركب صيد، نسمع أغاني الصيادين بينما تطالعنا صور فوتوغرافية لسفن خشبية مختلفة التقطت في مواني باليمن وجدة وغيرهما من المدن الساحلية.

تجيب زيدان عن سؤال عن الأغاني التي تصاحب خطواتنا في القاعات المختلفة، هل صنعت خصيصاً للمتحف؟ تقول «نعم، إنها مجموعة من الأغاني جمعت من فرق مختلفة من اليمن والسعودية ومصر، وكل البلدان التي تطل على البحر الأحمر، هي تشكيلة من الألحان والأغاني التي كانت تستخدم لتحفيز وإثارة همم الصيادين، تغنى عبر مراحل مختلفة من رحلة الصيد قبل، وفي أثناء الرحلة».

خرائط ومؤشرات قبلة

يضم المتحف عدداً ضخماً من الخرائط القديمة تمتزج مع القطع الأثرية والأعمال المعاصرة لرواية قصة البحر الأحمر وباب البنط، منها مؤشر قبلة وبوصلة من بلاد فارس تعود لعام 1900 ومؤشر قبلة آخر من الخشب يعود لأواخر القرن الثامن عشر. تبرز هنا خريطة العالم المتمركزة على شبه الجزيرة العربية مأخوذة من كتاب «المسالك والممالك» لأبي إسحاق الإصطخري.

مؤشر قبلة وبوصلة من الدولة العثمانية في القرن الـ18 (الشرق الأوسط)

صور فوتوغرافية ورسومات

ما يميز المتحف هو كم الصور الفوتوغرافية التاريخية والحديثة التي تتضافر فيما بينها لتقديم ثقافة البحر الأحمر وشعوبه من الأردن ومصر والسودان وجيبوتي. وإلى جانب صور البحر والصيادين والاستكشافات الأثرية هناك أيضاً مجموعة ضخمة من الصور عن مكة والمدينة تقدم لمحة نادرة عن الحرمين الشريفين، وتصور التفاصيل المعمارية. في هذا الجانب تساهم الرسومات المختلفة في تصوير الأماكن المقدسة بتفاصيلها حيث رسمت في أزمان ما قبل الكاميرا. ومن تلك الرسومات تبرز شهادات الحج التي كانت تمنح للحجاج للاحتفاظ بها كذكرى غالية من الأماكن المقدسة.

شهادات حج (الشرق الأوسط)

في قسم «جدة ملتقى الثقافات» نرى مجموعة من الصور للفنان البحريني فيصل سمرا التقطت خلال فترة الجائحة، تصور الحياة خلال تلك الفترة في جدة ومكة.

لفتة

في لفتة جميلة جمعت بين صورة من الماضي والحاضر، وقفت الشابة يارا بانا أمام صورة قديمة لجدها الراحل حسن بانا الذي كان يعمل مطوفاً للحجاج من منطقة شمال أفريقيا. تتحدث عن جدها، وعن عمله في الطوافة «كان يعمل مطوفاً، وكان يسافر كثيراً لتونس ولبنان ومصر... إنه أمر له وقع خاص، أن يكون لعائلتنا حضور هنا».

من كنز غارق إلى العرض المتحفي

في الطابق الثاني نمر على قسم يعرض بعض القطع التي عثرت عليها البعثة السعودية الإيطالية في حطام سفينة بالقرب من مدينة أملج السعودية. يقدم الاكتشاف عبر فيلم فيديو وعرض لبعض القطع التي انتشلها الفريق من الحطام.

فيلم لعملية انتشال قطع من سفينة غارقة بالقرب من أملج السعودية (الشرق الأوسط)

يصور الفيلم جانباً من رحلة الغواصين لانتشال قطع مختلفة من حطام السفينة. الجميل هنا هو أننا نرى عملية انتشال تلك القطع بلقطات مقربة ثم نراها أمامنا معروضة في الإطار المجاور للشاشة، وكأننا شهود على عملية إنقاذ تلك القطع الغارقة. تلك الصلة المدهشة بين السفينة الغارقة، وما حملته من قصص وحيوات مختلفة تمثلت في أكواب من البورسلين الصيني المزخرفة التي تعود لسلالة مينج عمرها نحو 3000 عام التي ربما كانت على القارب بغرض الاتجار بها: «تعرض للمرة الأولى هنا بالمتحف بعد ترميمها»، تعلق إيمان زيدان، نرى أيضاً بعض القطع الأخرى مثل الجرار والتماثيل الصغيرة.

بعض القطع التي عثر عليها في سفينة غارقة بالقرب من أملج السعودية (الشرق الأوسط)

المحمل والكسوة

لا يمكن لأي معرض يتناول بوابة الحرمين الشريفين أن يغفل ذكر الكسوة التي كانت ترسل من مصر وسوريا لمكة والمدينة مصحوبة بالاحتفالات والأغاني، وفي إحدى القاعات نرى نموذجاً للمحمل متصدراً قاعة تحفل بالصور الفوتوغرافية والرسومات والتسجيلات الصوتية للاحتفالات التي صاحبت رحلة المحمل للأماكن المقدسة.

محمل الكسوة (الشرق الأوسط)

نقطة أخيرة: زيارة المتحف تحتاج إلى وقت كاف للاستمتاع بالمعروضات ومشاهدة الأفلام والشرائط الوثائقية ثم زيارة المعرض المؤقت الذي يقام بمناسبة الافتتاح، وهو للفنان معاذ العوفي، ولنا معه لقاء آخر.


مقالات ذات صلة

موجة استياء بعد رفع أسعار تذاكر متحف «اللوفر» لغير الأوروبيين

يوميات الشرق يقف السياح خلف الحواجز التي تمنع الوصول إلى فناء متحف اللوفر الرئيسي - فناء نابليون (أ.ف.ب)

موجة استياء بعد رفع أسعار تذاكر متحف «اللوفر» لغير الأوروبيين

هل ينبغي أن يدفع السياح الأجانب رسوماً أعلى لدخول المتاحف الممولة من الدولة مقارنة بالسكان المحليين؟ أم أن الفن يجب أن يكون متاحاً للجميع دون تمييز؟

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق متحف فاروق حسني يفتح أبوابه لمحبي الفنون التشكيلية (مؤسسة فاروق حسني)

متحف فاروق حسني بمصر يراهن على «حكمة اللون» و«سر التشكيل»

مراهناً على «حكمة اللون» و«سر التشكيل»، افتتح وزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني، مساء السبت، متحفاً فنياً يحمل اسمه في حي الزمالك الراقي بقلب القاهرة.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
يوميات الشرق مخطوط نادر (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر تحتفي بمقتنيات نادرة توثّق تطور أدوات الكتابة عبر العصور

تمتلك المتاحف المصرية مقتنيات متنوعة ونادرة تؤرخ لتطور الكتابة والتعليم عبر العصور المختلفة ضمن احتفال وزارة السياحة والآثار المصرية بـ«اليوم الدولي للتعليم».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
أوروبا خلال العمل على تحصين النافذة التي استُخدمت لسرقة مجوهرات من متحف اللوفر (أ.ب)

«اللوفر» يحصّن نافذة استُخدمت في سرقة مجوهرات

عزّز متحف اللوفر في باريس إجراءات الأمن عبر تركيب شبكة حماية على نافذة زجاجية استُخدمت في عملية سرقة مجوهرات في 19 أكتوبر (تشرين الأول).

«الشرق الأوسط» (باريس )

وداعاً «كلود»... سان فرانسيسكو تحزن على تمساحها الأبيض المحبوب

التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
TT

وداعاً «كلود»... سان فرانسيسكو تحزن على تمساحها الأبيض المحبوب

التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)

لم يكن «كلود» كثير الكلام، وكان بالكاد يتحرّك، ولم يرتدِ قط أزياء لإغراء جمهوره، لكن يوم الأحد تجمّع المئات في سان فرانسيسكو للاحتفال بحياة التمساح الأبيض المحبوب في المدينة وإرثه.

وبوجود فرقة نحاسية على طراز نيو أورلينز، وخبز أبيض مُنكَّه بطول 8 أقدام على شكل تمساح، وجلسة حكايات قدّمها مؤدّو «دراغ كوين»، وحتى شارع يحمل اسمه رسمياً «كلود ذا أليغاتور واي»، جاء هذا التكريم فريداً من نوعه، وفق «بي بي سي».

من المؤكّد أن هذا الزاحف فاز بمحبة ملايين القلوب عندما كان على قيد الحياة، لكنه اشتهر أيضاً بحادثة سرق فيها حذاء باليه لفتاة تبلغ 12 عاماً.

يتذكّر بارت شيبرد، من أكاديمية كاليفورنيا للعلوم التي كانت موطن «كلود» لمدة 17 عاماً قبل نفوقه في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أنّ التمساح الأبيض، البالغ طوله 10 أقدام ويزن 300 رطل، وله عيون وردية وبصر ضعيف، سرق ذات مرة حذاء الباليه الخاص بالفتاة ثم التهمه.

قال شيبرد لجمهور من معجبي «كلود» في «غولدن غيت بارك»: «إن استخراج حذاء من تمساح ليس بالأمر اليسير».

استلزم الأمر كثيراً من التخدير، وأدوات متخصّصة، وعدداً من الأطباء البيطريين والموظفين لاستخراج الحذاء من داخل «كلود»، وهي مهمّة أُنجزت بنجاح، رغم انطلاق إنذار الحريق في جميع أنحاء المبنى خلال ذلك الوقت، وفق شيبرد.

من جهتها، قالت مديرة الاتصالات في الأكاديمية جانيت بيتش: «كان من المشجّع حقاً رؤية سان فرانسيسكو تخرج للاحتفال بهذه الأيقونة المحبوبة في أرجاء المدينة كافّة».

وأضافت أنّ أحد أسباب محبة الناس لـ«كلود» هو أنه «يجسّد ما نعدّه مثالاً حقيقياً لسان فرانسيسكو، وهو ليس فقط قبول الناس على اختلافاتهم، وإنما الترحيب بهم».

وأوضحت أنّ البهاق الذي كان يعانيه «كلود»، وهو أمر نادر جداً في التماسيح، منح رؤية واضحة للأشخاص الذين يشعرون بأنهم منبوذون بعض الشيء.

ثم قالت: «ها هو هذا الحيوان الرائع الذي يختلف بعض الشيء عن بقية أفراد جنسه، لكنه محبوب ومقدَّر وله قيمة».

وكتبت الأكاديمية على موقعها الإلكتروني أن «كلود» قد «أسعد وألهم قلوب أكثر من 22 مليون زائر، وأظهر لنا قوة الحيوانات السفيرة في ربط الناس بالطبيعة والعلوم».

وكان هذا الزاحف الذي نفق بسبب سرطان الكبد عن 30 عاماً، قد وُلد عام 1995 في مزرعة تماسيح في لويزيانا، قبل أن يأتي للعيش في معرض المستنقعات التابع للأكاديمية عام 2008.

ومنذ نفوقه، تلقّت الأكاديمية آلاف الرسائل من معجبي «كلود»، يكتبون فيها عن مدى أهمية هذا التمساح بالنسبة إليهم.

كتب أحد زوار كلود في رسالة: «شكراً لك على إلهامك لعدد من الصغار على مرّ السنوات. لقد ذكّرتنا بأن اختلافاتنا هي ما تجعلنا فريدين ومميّزين، وأنها شيء يستحق الاحتفاء به».

وكتب آخر: «ستبقى في قلبي إلى الأبد. سأفتقدك كثيراً وأشكرك على كونك جزءاً من طفولتي».

بدورها، قالت الطبيبة البيطرية الرئيسية في الأكاديمية، لانا كرول، إنّ «كلود» كان «الأكثر هدوءاً» من بين جميع التماسيح التي عملت معها.

وختمت: «أستطيع القول بثقة إنني لن ألتقي تمساحاً آخر مثل (كلود) في حياتي. سأفتقده بشدة».


لماذا نتهرَّب من أداء المَهمَّات الصعبة؟

الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
TT

لماذا نتهرَّب من أداء المَهمَّات الصعبة؟

الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)

لا يحبّذ أحد أن يفعل الأشياء أو المَهمّات التي لا تروق له. فكثيرون منا يحاولون تأجيل أداء المَهمّات الثقيلة على النفس، مثل تنفيذ تكليف صعب في إطار الوظيفة، أو بذل مجهود بدني شاق، أو خوض مناقشة مضنية. ولعلّ السبب الذي يدفعنا إلى التسويف عندما نجابه هذه النوعية من المَهمّات لا يتعلّق –فحسب- بافتقار العزيمة أو الإرادة الحقيقية للتحرُّك، وإنما ثمة أسباب علمية يمكن تفسيرها في إطار علوم الطبيعة المعنيّة بدراسة الجهاز العصبي للجسم.

ويرى العلماء أنّ الحافز هو القوّة التي تحرّك الكائنات الحيّة للإتيان بسلوكيات معيّنة لتحقيق أهداف تصبّ في مصلحتها. وفي الحياة اليومية، تتأثّر هذه السلوكيات بمؤثّرات أخرى قويّة، مثل الشعور بالنفور من عمل ما.

ورغم أنّ النظريات الكلاسيكية في مجال علم النفس تؤكّد أهمية «الهدف» في تعزيز الحافز لدى الإنسان، فإنّ بحوثاً حديثة تعتمد على نماذج حسابية ترى أنّ التحرك للإتيان بسلوك بعينه يتأثّر بآليات أخرى بعيدة عن قيمة الهدف في ذاته، ولا سيما في المواقف السلبية التي قد يترتّب عليها أن يتكبّد الشخص تكلفة إضافية نظير هذا السلوك، مثل المجهود الزائد، سواءً أكان عضلياً أم ذهنياً أم نفسياً، وهو ما قد يدفعه إلى التأجيل أو التسويف أو التأخّر في تنفيذ المهمة المطلوبة منه.

وفي إطار دراسة نقلتها «وكالة الأنباء الألمانية» عن الدورية العلمية «البيولوجيا المعاصرة»، المعنيّة بالبحوث العلمية في مجال الأحياء، توصّل فريق بحثي ياباني إلى وجود دائرة عصبية في أمخاخ قرود المكاك تؤدّي دور «مكابح التحفيز»، وأنّ هذا الاكتشاف قد يضيء على الأسباب التي تدفع البعض إلى التردّد قبل اتخاذ قرارات معيّنة.

ويقول الباحث كين إيشي أميموري -وهو أستاذ مساعد في معهد البحوث المتقدّمة في مجال بيولوجيا الإنسان، التابع لجامعة كيوتو اليابانية، وأحد المشاركين في الدراسة- في تصريحات نقلها موقع علمي: «استطعنا الربط بين مسار عصبي معيّن داخل المخ وبين تقييد التحفيز لدى البشر، عندما يواجهون مَهمّات لا يفضّلون القيام بها في الحياة اليومية».

وخلال الدراسة، كان الباحثون يكلّفون القرود بأداء مَهمّات معيّنة، مع إعطائها مكافآت في حال إنجاز العمل، إلى جانب توجيه نفثة مزعجة من الهواء إلى وجوهها. ولاحظ الفريق البحثي أنّ القرود تستغرق وقتاً أطول في أداء المَهمّات التي يترتّب عليها التعرّض لنفثة الهواء. وأُجريت سلسلة التجارب في أماكن معزولة صوتياً ومظلمة، لتقليل تأثير الضوضاء الخارجية والمؤثّرات البصرية في النتائج. ودرَّب الباحثون القرود على إمعان النظر في مكعّبات تظهر في منتصف شاشة، وكلّما زادت مدّة نظر القرود إلى الأشكال التي تظهر على الشاشة، والتي تختلف من تجربة إلى أخرى، ازداد حجم المكافأة التي تحصل عليها. وبعد حصول القرد على المكافأة التي تتباين ما بين الماء ومشروبات رياضية محلَّاة، كانت تُوجَّه نفثة من الهواء إلى وجه القرد وفق قراراته خلال التجربة. وفي المرّات التي كان يمتنع فيها عن خوض التجربة، كان الباحثون يحرصون على إعطائه مكافأة أقلّ قيمة، حتى لا يفقد اهتمامه بالمشاركة من الأساس.

وعن طريق علوم الكيمياء الوراثية، استخدم الباحثون مواد دوائية معيّنة للتحكّم في خلايا محدّدة في أمخاخ القرود، من أجل كبح المسارات العصبية التي تربط بين جزأين من المخ، وهما «المخطّط البطني» و«الجسم البطني الشاحب»، وكلاهما يقع في منطقة العقد القاعدية بالدماغ، ويلعب دوراً رئيسياً في آليات التحفيز والمكافآت لدى الحيوانات التي تنتمي إلى عائلة الرئيسيات.

وتوصَّل الباحثون -بعد دراسات تشريحية على المخ- إلى أنّ المخطّط البطني يبعث بإشارات عصبية ترتبط بآليات الحافز والمكافأة إلى الجسم البطني الشاحب، وأنّ التدخّل في المسارات العصبية بين الجزأين يترتّب عليه تغيّرات سلوكية تتعلّق بفتور أو تعزيز الإرادة نحو القيام بمَهمّات معيّنة.

واختبر الباحثون في إطار التجربة ما إذا كان من الممكن وقف الشعور بالنفور أو الرغبة في التسويف تجاه عمل ما، عن طريق تعطيل هذا المسار العصبي. ونجحوا -باستخدام أدوية بعينها- في تعطيل تلك الإشارات العصبية خلال تكليف القرود بأداء مَهمّات معيّنة لا ترغب في تنفيذها. ووجدوا أنه في حال تعطيل عمل الدائرة العصبية، تُبدي القرود تردّداً أقلّ في أداء المَهمّات المطلوبة منها، بما في ذلك التي يترتّب عليها التعرّض لنفثة هواء مزعجة. وبمعنى آخر، نجح الفريق البحثي في تعطيل تلك المكابح التي تؤثّر في التحفيز لدى الحيوانات.

ويقول الباحث أميموري: «نأمل أن تسهم هذه الدراسة في تعزيز فهمنا لمفهوم الحافز، في المجتمعات العصرية التي تنطوي على صعوبات». ويأمل الفريق البحثي أن تساعد هذه النتائج يوماً ما في ابتكار أدوية لبعض المشكلات النفسية والعقلية المرتبطة بالتحفيز، مثل الاكتئاب والفصام. ويرى أميموري ضرورة التعامل بحذر مع آليات التدخّل التي تستهدف إضعاف «مكابح التحفيز»؛ لأن هذا التدخّل قد يأتي بنتائج عكسية، مثل دفع الشخص إلى الاتجاه المعاكس، وتحفيزه على القيام بأفعال غير آمنة تنطوي على خطورة.


«فاجعة بنها» تجدد مطالبات مصرية بالتصدي لحوادث تسرب الغاز

جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
TT

«فاجعة بنها» تجدد مطالبات مصرية بالتصدي لحوادث تسرب الغاز

جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)

جددت فاجعة وفاة 5 أشقاء نتيجة انفجار سخان الغاز وحدوث تسريب بمنزل في إحدى قرى مدينة بنها (شمال القاهرة)، الحديث عن ضرورة التصدي لحوادث تسرب الغاز، في وقت شُيّع فيه الأشقاء الخمسة في جنازة حاشدة، الأحد، بعد تصريح النيابة بدفن الجثامين عقب الانتهاء من التحقيقات في الواقعة.

وحظيت عائلة الأشقاء الخمسة بتعاطف كبير بعد وقت قصير من الإعلان عن الحادث الذي عرف إعلامياً بـ«فاجعة بنها»، بعدما انفجر سخان الغاز خلال استحمام إحدى الفتيات بالمنزل وانفجار السخان بها، بينما توفي باقي الأشقاء نتيجة الاختناق بالغاز.

الأشقاء الذين يقيمون في الشقة بمفردهم لسفر والدَيهم للعمل بالخارج، تتراوح أعمارهم بين 8 و15 عاماً فيما كانت ترعاهم خالتهم المقيمة بالعقار نفسه، والتي أبلغت عن الحادث وتعرضت للاختناق ونقلت للمستشفى لتلقي العلاج.

وهذه ليست الواقعة الأولى التي يؤدي فيها انفجار الغاز بالمنازل لوفيات وإصابات، فسبق أن انهار عقار في منطقة إمبابة بالجيزة الشهر الماضي، بعد انفجار غاز، مما أدى لوفاة شخص وسقوط 3 مصابين آخرين، بينما توفي شقيقان الأسبوع الماضي، بعد تسرب الغاز داخل المنزل خلال نومهما بمنطقة أبو النمرس، فيما توفي شخصان آخران بعدها بساعات قليلة نتيجة تسرب غاز في المنزل بمنطقة العمرانية بالجيزة أيضاً.

سخانات مياه تعمل بالغاز تسببت في حدوث فواجع بمصر (الشرق الأوسط)

وأطلقت «الشركة القابضة للغازات الطبيعية» المسؤولة بشكل أساسي عن توصيل الغاز الطبيعي في الجزء الأكبر من المنازل الشهر الماضي، حملة إرشادية متضمنة إرشادات لتجنب عمليات التسريب، مع التأكيد على أن مواسير شبكات الغاز الطبيعي المنفذة من جانب الشركات المختلفة، تطابق اشتراطات الأمان والمواصفات القياسية، بما يجعلها تتحمل ضغوط تشغيلية كبيرة.

وحذرت الحملة التي تضمنت فيديوهات ومنشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من العبث أو التعديل في المواسير بالاستعانة بأشخاص غير مؤهلين، بالإضافة إلى ترك الموقد وشعلة الغاز سهواً مفتوحين دون اشتعال، مؤكدة أن التسريب ينتج عنه تجمع خليط من الهواء مع الغاز في المكان، وإذ وجدت شرارة أو مصدر اشتعال تحدث موجة انفجارية لحظية تختلف شدتها حسب كمية الغاز المسرب.

آثار انفجار الغاز على المنازل المحيطة بالمنزل المنهار في إمبابة - محافظة الجيزة

وطالب عضو مجلس النواب (البرلمان) عمرو درويش عبر حسابه على «إكس»، شركات الغاز، بتركيب «جهاز ذاتي الغلق نتيجة استشعار خطورة تسرب الغاز»، مؤكداً اعتزامه التقدم بطلب إحاطة لإلزام الوزارات المعنية بتركيب هذه المنظمات عند تركيب العدادات المنزلية والخدمية، للحد من تسرب الغاز سواء في المنازل أو الأماكن العامة، مع تحويل الأمر ليكون بشكل إلزامي.

وأكد خبير الحماية المدنية أيمن سيد الأهل، لـ«الشرق الأوسط»، ضرورة العمل من أجل نشر ثقافة الوعي بالمخاطر، للتعامل مع أخطار حوادث الغاز التي تحدث عادة بسبب غياب منافذ التهوية السليمة، واستخدام وصلات أو قطع غيار غير مطابقة للمواصفات، مشيراً إلى أن هذا الأمر يتطلب إنشاء هيئة وطنية للسلامة تتواصل مع مختلف الجهات وتضع المعايير اللازمة، لضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث.

وأضاف أن احتمالات الوفاة تزيد عند حدوث التسريب أثناء النوم لعدم شعور النائمين بتسريب الغاز، مما يؤدي إلى حدوث عملية استنشاق تزيد من ترجيح حالات الوفاة على خلفية تشديد إغلاق النوافذ، خصوصاً في فصل الشتاء وعدم وجود مجال لخروج الغاز المسرب خارج المنزل.

وأوضح أن لجوء بعض الفنيين لاستخدام وصلات وقطع غير مطابقة للمواصفات لانخفاض سعرها، أحد أسباب المشكلة بشكل أساسي، معتبراً أن التساهل لتوفير مبالغ مالية محدودة قد يؤدي إلى كارثة تودي بحياة عائلات بأكملها.