متحف البحر الأحمر وباب البنط... الغوص في أعماق تاريخ مدينة جدة

يضم 1000 قطعة موزعة على 23 قاعة

مبنى باب البنط التاريخي تحول إلى مقر لمتحف البحر الأحمر (تصوير: غازي مهدي)
مبنى باب البنط التاريخي تحول إلى مقر لمتحف البحر الأحمر (تصوير: غازي مهدي)
TT

متحف البحر الأحمر وباب البنط... الغوص في أعماق تاريخ مدينة جدة

مبنى باب البنط التاريخي تحول إلى مقر لمتحف البحر الأحمر (تصوير: غازي مهدي)
مبنى باب البنط التاريخي تحول إلى مقر لمتحف البحر الأحمر (تصوير: غازي مهدي)

في جدة التاريخية يقف مبنى «باب البنط» شاهداً على العصور، يزهو بتاريخ قديم كان فيه الجسر الذي عبر منه الحجاج والزوار والتجار للأماكن المقدسة. شهد المبنى تحولات عبر السنين منذ أن كان مجرد هيكل خشبي في أواخر القرن الـ19، تحول إلى بوابة خرسانية في ثلاثينات القرن العشرين حتى التحول الأخير، الذي شهده، لمتحف عالمي للبحر الأحمر.

ببنائه المصنوع من الحجر المرجاني المستخدم في مباني جدة التاريخية والروشان الخشبي الذي يزين نوافذه يفتح المبنى في حلته الجديدة ذراعيه للزوار مرة أخرى ليأخذهم في رحلة تاريخية فنية شائقة.

مبنى باب البنط التاريخي تحول إلى مقر لمتحف البحر الأحمر (تصوير: غازي مهدي)

متحف للبحر الأحمر وموانيه

ننطلق في جولة تقودنا فيها إيمان زيدان مديرة المتحف، ونبدأ من ذلك التسجيل السينمائي لباب البنط في تاريخه القديم حيث كان مطلاً على البحر مباشرة، وكانت السفن ترسو على شاطئه ليتوافد الحجاج داخل المبنى لإتمام إجراءات دخولهم للأراضي المقدسة. في الشريط نفسه نصل للتصور المستقبلي لشكل المبنى بعد أن يعود لمواجهة البحر مرة أخرى في السنوات المقبلة.

من الصعب اختصار المتحف للزائر، فما يقدمه كثير، ويربو على الألف قطعة موزعة على 23 قاعة تتنوع ما بين الصور الأرشيفية والأفلام الوثائقية والقطع المتحفية والمقتنيات التي أعارها أصحابها للمتحف للمشاركة في عرض تاريخ مدينتهم جدة. ولعل النصيحة الأولى للزائر هي أن يتبع ما يجذبه أولاً، فهنا مزيج هائل من التاريخ والتوثيق والآثار والقطع الفنية العتيقة وصولاً إلى قطع فنية معاصرة. كل المحتويات ترسم لوحة غنية بالألوان والأصوات لمدينة جدة وشقيقاتها من المواني العربية على البحر الأحمر، هي بالاختصار سيمفونية لتاريخ لا يزال حياً.

باب البنط قديماً في صور أرشيفية (الشرق الأوسط)

باب البنط ومدينة جدة

لا يمكن إغفال الأثر الذي يتركه مبنى باب البنط في الزوار، فأهل المدينة يعرفونه على أنه مبنى قديم تجاوزه الزمن، وظل خاوياً لفترة طويلة، بعض الأجيال تعرفه من روايات الآباء والأمهات ممن عاشوا في حواري جدة التاريخية. سحر باب البنط يعود من تاريخ قديم شهد في مراحله توافد الحجاج والزوار عن طريق البحر، فقد كان البوابة للوصول للأراضي المقدسة، وكان أيضاً محطة للتجار والرحالة. نمضي في زيارتنا لنستكشف المبنى، وكل ما مر عليه بصفته المادية وأيضاً بوصفه رمزاً لمدينة جدة وجسر ربط الثقافات على سواحل البحر الأحمر.

خلال الجولة نتعرف إلى تفاصيل ترميم المبنى وفق أعلى معايير الاستدامة البيئية. وكان من المهم هنا الاستماع للمستشار المعماري الفرنسي فرانسوا شاتيلون. يقول الخبير: «لم يكن لدينا أي معلومات أو خرائط عن كيفية بناء هذا المكان للاهتداء بها في أثناء العمل». مشيراً إلى أن المبنى ضم عناصر مختلفة اختلفت في بعض جوانبها عن أسلوب البناء في باقي مباني جدة. يقول شاتيلون إن المبنى ليس أثراً قديماً بل هو «متحف جديد يتحدث عن طرق للتفكير بالمستقبل». ويضيف: «البعض يعتقد أن التراث هو الماضي، ولكنه في الحقيقة هو المستقبل... كل هذه القطع الحديثة وصلت هنا عبر الحوار مع الماضي فهي ترمز لاستمرارية الثقافة.

هلب من سفينة غارقة في البحر الأحمر في مقدمة العرض (تصوير: غازي مهدي)

جسر بين الثقافات

يستقبل المتحف زواره بصالة يتوسطها هلب حديدي انتشل من سفينة غارقة في البحر الأحمر، على الجوانب غرف مفتوحة على الصالة الرئيسة كل منها تقدم قطعاً مختلفة تنتظم بحسب موضوع رئيسي، نتوقف عند قاعة تحمل عنوان «بحر حي ... تنوع بيولوجي مزدهر» هنا نرى عمل فيديو للفنان المغربي هشام برادة يعرض في ثلاثة صناديق زجاجية شفافة. تتشكل في كل شاشة مناظر طبيعية مائية نابضة بالحياة لتأخذنا للأعماق. ننتقل بعدها لستارة مرجانية الألوان صنعتها الفنانة أمينة أكزناي بالتعاون مع خبيرة الحرف الخشبية رنا طاشكندي وحرفيي البلد. ليس عملاً عادياً فهو يمثل البحر الأحمر عبر ألوان الشعب المرجانية كما يمثل عبر عناصره الخشبية المربوطة ببعضها صناعة الروشان الخشبية ومباني جدة القديمة.

ستارة مرجانية الألوان صنعتها الفنانة أمينة أكزناي بالتعاون مع خبيرة الحرف الخشبية رنا طاشكندي وحرفيي البلد (الشرق الأوسط)

نمر بسجادة ملونة للفنان محروس عبده وهو من حرفيي مركز رمسيس ويصا واصف للفنون بمصر، تصور مرجان وأسماك البحر الأحمر. بعدها نمر تحت عمل للفنانة منال الضويان بعنوان «نحن المرجان» مصنوع من الحبال القطنية المتدلية من السقف تتخللها قطع من الزجاج تصور الشعب المرجانية بلون شفاف يعكس هشاشتها وجمالها.

عمل للفنانة منال الضويان بعنوان «نحن المرجان» (الشرق الأوسط)

إلى الجانب نتوقف أيضاً عند عمل فني بديع مصنوع من الورق المقصوص بواسطة الليزر للفنان البريطاني روغان براون بعنوان «شبح المرجان»، يحاكي بتفاصيل غاية في الدقة تكوينات الشعب المرجانية، مازجاً الطبيعة والخيال في عمل إبداعي مدهش.

عمل للفنان البريطاني روغان براون بعنوان «شبح المرجان» (الشرق الأوسط)

نستمر في رحلتنا بين المعروضات التي تتجانس مع بعضها في رسم لوحة متنوعة للبحر الأحمر وثقافات المجتمعات المطلة عليه في قسم بعنوان «شعوب البحر الأحمر». نرى صورة التقطت من أحد المحال في الغردقة بمصر تسلمنا لقاعة أخرى بها عدد من القطع التي تعبر أيضاً عن روح المدن الساحلية، ونرى حائطاً كاملاً مخصصاً للأصداف والمحارات والقطع المرجانية من أعماق البحر الأحمر.

في الغرفة نفسها مسابح مصنوعة حباتها من المرجان الأسود، صنعها حرفيون تقليديون من جدة من أقدم العائلات المعروفة بهذه الحرفة، نقرأ على البطاقة التعريفية أنها من صنع أحمد الحلبي من جدة، تتحدث مديرة المتحف إيمان زيدان عن رمزيتها ومغزاها واستخدامها خصوصاً في مكة. تربط المسابح برهافة وجمال بين البحر الأحمر والشعائر الدينية .

أغاني البحر

خلال الجولة تصاحبنا الموسيقى النابعة من ثقافات مدن البحر الأحمر لتشكل خلفية صوتية لرحلتنا، تقول زيدان: «كل هذه المدن وشعوبها تشاركت في الثقافة، وفي الموسيقى، تسمعون موسيقى استخدمها الصيادون كانت تصاحبهم خلال رحلات الصيد في البحر».

تضافر الصور الفوتوغرافية عن بواخر الصيد مع الديكور في متحف البحر الأحمر (الشرق الأوسط)

من الموسيقى للديكور تتضافر عناصر العرض لتغمر الزائر في عوالم وثقافات البحر الأحمر، ففي غرفة جانبية يمكننا تخيل أننا في مقدمة مركب صيد، نسمع أغاني الصيادين بينما تطالعنا صور فوتوغرافية لسفن خشبية مختلفة التقطت في مواني باليمن وجدة وغيرهما من المدن الساحلية.

تجيب زيدان عن سؤال عن الأغاني التي تصاحب خطواتنا في القاعات المختلفة، هل صنعت خصيصاً للمتحف؟ تقول «نعم، إنها مجموعة من الأغاني جمعت من فرق مختلفة من اليمن والسعودية ومصر، وكل البلدان التي تطل على البحر الأحمر، هي تشكيلة من الألحان والأغاني التي كانت تستخدم لتحفيز وإثارة همم الصيادين، تغنى عبر مراحل مختلفة من رحلة الصيد قبل، وفي أثناء الرحلة».

خرائط ومؤشرات قبلة

يضم المتحف عدداً ضخماً من الخرائط القديمة تمتزج مع القطع الأثرية والأعمال المعاصرة لرواية قصة البحر الأحمر وباب البنط، منها مؤشر قبلة وبوصلة من بلاد فارس تعود لعام 1900 ومؤشر قبلة آخر من الخشب يعود لأواخر القرن الثامن عشر. تبرز هنا خريطة العالم المتمركزة على شبه الجزيرة العربية مأخوذة من كتاب «المسالك والممالك» لأبي إسحاق الإصطخري.

مؤشر قبلة وبوصلة من الدولة العثمانية في القرن الـ18 (الشرق الأوسط)

صور فوتوغرافية ورسومات

ما يميز المتحف هو كم الصور الفوتوغرافية التاريخية والحديثة التي تتضافر فيما بينها لتقديم ثقافة البحر الأحمر وشعوبه من الأردن ومصر والسودان وجيبوتي. وإلى جانب صور البحر والصيادين والاستكشافات الأثرية هناك أيضاً مجموعة ضخمة من الصور عن مكة والمدينة تقدم لمحة نادرة عن الحرمين الشريفين، وتصور التفاصيل المعمارية. في هذا الجانب تساهم الرسومات المختلفة في تصوير الأماكن المقدسة بتفاصيلها حيث رسمت في أزمان ما قبل الكاميرا. ومن تلك الرسومات تبرز شهادات الحج التي كانت تمنح للحجاج للاحتفاظ بها كذكرى غالية من الأماكن المقدسة.

شهادات حج (الشرق الأوسط)

في قسم «جدة ملتقى الثقافات» نرى مجموعة من الصور للفنان البحريني فيصل سمرا التقطت خلال فترة الجائحة، تصور الحياة خلال تلك الفترة في جدة ومكة.

لفتة

في لفتة جميلة جمعت بين صورة من الماضي والحاضر، وقفت الشابة يارا بانا أمام صورة قديمة لجدها الراحل حسن بانا الذي كان يعمل مطوفاً للحجاج من منطقة شمال أفريقيا. تتحدث عن جدها، وعن عمله في الطوافة «كان يعمل مطوفاً، وكان يسافر كثيراً لتونس ولبنان ومصر... إنه أمر له وقع خاص، أن يكون لعائلتنا حضور هنا».

من كنز غارق إلى العرض المتحفي

في الطابق الثاني نمر على قسم يعرض بعض القطع التي عثرت عليها البعثة السعودية الإيطالية في حطام سفينة بالقرب من مدينة أملج السعودية. يقدم الاكتشاف عبر فيلم فيديو وعرض لبعض القطع التي انتشلها الفريق من الحطام.

فيلم لعملية انتشال قطع من سفينة غارقة بالقرب من أملج السعودية (الشرق الأوسط)

يصور الفيلم جانباً من رحلة الغواصين لانتشال قطع مختلفة من حطام السفينة. الجميل هنا هو أننا نرى عملية انتشال تلك القطع بلقطات مقربة ثم نراها أمامنا معروضة في الإطار المجاور للشاشة، وكأننا شهود على عملية إنقاذ تلك القطع الغارقة. تلك الصلة المدهشة بين السفينة الغارقة، وما حملته من قصص وحيوات مختلفة تمثلت في أكواب من البورسلين الصيني المزخرفة التي تعود لسلالة مينج عمرها نحو 3000 عام التي ربما كانت على القارب بغرض الاتجار بها: «تعرض للمرة الأولى هنا بالمتحف بعد ترميمها»، تعلق إيمان زيدان، نرى أيضاً بعض القطع الأخرى مثل الجرار والتماثيل الصغيرة.

بعض القطع التي عثر عليها في سفينة غارقة بالقرب من أملج السعودية (الشرق الأوسط)

المحمل والكسوة

لا يمكن لأي معرض يتناول بوابة الحرمين الشريفين أن يغفل ذكر الكسوة التي كانت ترسل من مصر وسوريا لمكة والمدينة مصحوبة بالاحتفالات والأغاني، وفي إحدى القاعات نرى نموذجاً للمحمل متصدراً قاعة تحفل بالصور الفوتوغرافية والرسومات والتسجيلات الصوتية للاحتفالات التي صاحبت رحلة المحمل للأماكن المقدسة.

محمل الكسوة (الشرق الأوسط)

نقطة أخيرة: زيارة المتحف تحتاج إلى وقت كاف للاستمتاع بالمعروضات ومشاهدة الأفلام والشرائط الوثائقية ثم زيارة المعرض المؤقت الذي يقام بمناسبة الافتتاح، وهو للفنان معاذ العوفي، ولنا معه لقاء آخر.


مقالات ذات صلة

«المجيبون»... تماثيل «الأوشابتي» تروي أسرار الحياة الأبدية في المتحف المصري

يوميات الشرق تماثيل الأوشابتي عرفت بوظيفة روحية في المقابر المصرية القديمة (المتحف المصري)

«المجيبون»... تماثيل «الأوشابتي» تروي أسرار الحياة الأبدية في المتحف المصري

«أن يكون لك خادم مخلص في الحياة الأخرى»... هذا بالضبط ما فكّر فيه المصري القديم عندما صنع هذه التماثيل الصغيرة.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق توابيت نادرة في المتحف المصري (المتحف المصري بالتحرير)

«خبيئة» المتحف المصري تبرز مقتنيات «ساحرة» للملوك والكهنة

كل حين يبرز المتحف المصري بميدان التحرير (وسط القاهرة) مقتنياته الثمينة من الآثار المصرية في عروض متحفية استثنائية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق يقف السياح خلف الحواجز التي تمنع الوصول إلى فناء متحف اللوفر الرئيسي - فناء نابليون (أ.ف.ب)

موجة استياء بعد رفع أسعار تذاكر متحف «اللوفر» لغير الأوروبيين

هل ينبغي أن يدفع السياح الأجانب رسوماً أعلى لدخول المتاحف الممولة من الدولة مقارنة بالسكان المحليين؟ أم أن الفن يجب أن يكون متاحاً للجميع دون تمييز؟

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق متحف فاروق حسني يفتح أبوابه لمحبي الفنون التشكيلية (مؤسسة فاروق حسني)

متحف فاروق حسني بمصر يراهن على «حكمة اللون» و«سر التشكيل»

مراهناً على «حكمة اللون» و«سر التشكيل»، افتتح وزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني، مساء السبت، متحفاً فنياً يحمل اسمه في حي الزمالك الراقي بقلب القاهرة.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
يوميات الشرق مخطوط نادر (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر تحتفي بمقتنيات نادرة توثّق تطور أدوات الكتابة عبر العصور

تمتلك المتاحف المصرية مقتنيات متنوعة ونادرة تؤرخ لتطور الكتابة والتعليم عبر العصور المختلفة ضمن احتفال وزارة السياحة والآثار المصرية بـ«اليوم الدولي للتعليم».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)

أكد فهد الجلاجل وزير الصحة السعودي، الثلاثاء، أن «نموذج الرعاية الصحية» في المملكة انتقل من مرحلة التصميم إلى التطبيق الفعلي، وبات اليوم يحظى باهتمام جهات عدة داخل البلاد وخارجها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أعقب رعايته وحضوره «ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026» في الرياض، أوضح الوزير أن النموذج بدأ تطبيقه وإجراء الكثير من المسارات وصولاً إلى اسمه الحالي، وأصبح ينفّذ في 20 تجمّعاً صحياً بالمملكة، وتتبنّاه الكثير من الجهات، وأخرى استفسرت عن تفاصيله بهدف تبنّيه في دول أخرى.

وأضاف الجلاجل أن الهدف الأساسي من النموذج يتمثل في خدمة المواطن ورفع جودة الخدمات، مشيراً إلى ارتباطه المباشر بمستهدفات «رؤية السعودية 2030»، مردفاً أنه يهدف «لتقديم الخدمات بأفضل جودة لرفع متوسط عمر الإنسان في المملكة، ورفع السنوات الصحية للمواطن وتقديم أفضل خدمه له».

شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)

وأعرب الوزير عن عدم ممانعة بلاده في استفادة أي دولة من تجارب «نموذج الرعاية الصحية السعودي»، غير أن الهدف الأساسي هو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» عبر مجتمع حيوي ووطن طموح، وإيصال الخدمات للمواطنين بشكل أفضل.

وحول وجود 7 مستشفيات سعودية ضمن تصنيف «براند فاينانس»، منها 4 ضمن أفضل 100 مستشفى عالميّاً، نوَّه الجلاجل بأن ما تحقق حتى الآن يُمثِّل مرحلة ضمن مسار مستمر من التطوير، لافتاً إلى أن طموحات المملكة هي تحقيق الريادة العالمية في عدد من التخصصات الطبية.

وتطرق الوزير إلى مسعى السعودية في أكثر من مدينة طبية ومستشفى تخصصي للريادة العالمية، وحققت أكثر من إنجاز في إجراء عمليات تعدّ الأولى عالمياً، مشدداً على أن «هذا الإنجاز سيتواصل، وسنرى المستشفيات السعودية تحقق نجاحات أكثر».

شهد الملتقى حضور نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين (وزارة الصحة)

وفي سياق متصل، قال الجلاجل إن التحول الصحي في السعودية لا يقتصر على الجوانب الطبية فقط، بل يشمل تكاملاً واسعاً بين مختلف القطاعات الحكومية.

وتعليقاً على سؤال «الشرق الأوسط» حول أبرز الإجراءات الصحية التي ساهمت في تقليل نسب وفيات الحوادث المرورية، قال الوزير إنها «ليست إجراءات صحية في حقيقتها ولكنها تكاملية، وأحد أهداف هذا التحول الصحي و(رؤية المملكة) هو أن تتكامل جميع القطاعات».

وتابع الجلاجل: «اليوم هناك لجنة السلامة المرورية فيها كل الجهات الحكومية، ابتداءً من وزارات (الداخلية، النقل، البلديات، التعليم) لوضع خطة شمولية، والكل اليوم يتناغم في هذا لإيصال هذه الرسالة»، مستدركاً: «قد يكون دور القطاع الصحي هو تخفيض الوفيات ورئاسة هذه اللجنة، لكن الدور الحقيقي والمؤثر هو للجهات كافة والشركاء الذين تعاونوا في إيصال هذه الخدمات، وكل جهة من الجهات قامت بدورها، ولدينا قائمة من الإجراءات التي قامت بها للحفاظ على صحة المواطن».

ناقشت الجلسات العلمية سبل الابتكار في المنظومة الصحية (تصوير: تركي العقيلي)

وتعليقاً على قرار مجلس الوزراء تشكيل لجنة دائمة تعنى بكل ما يتصل بمادة «الأسبستوس» ومتابعة حظرها، أبان الوزير أن بلاده تتعامل مع المخاطر الصحية بشكل استباقي عبر سياسات واستراتيجيات واضحة، وتعمل على درئها، مؤكداً: «أي خطر نرصده على المواطنين، فإن الحكومة تعمل على إيجاد الأدوات اللازمة لدرئه، والاستمرار في زيادة جودة الحياة».

وخلال كلمته اليوم في الملتقى، كشف الجلاجل عن انخفاض عدد السنوات التي يعيشها المواطن السعودي في المرض بمقدار 3 سنوات، مضيفاً أن نموذج الرعاية الصحية ساهم في أن يصبح متوسط العمر المتوقع في المملكة 79.7.

وأشار الوزير إلى انخفاض وفيات «حوادث الطرق» بنسبة 60 في المائة، و«الأمراض المزمنة» 40 في المائة، و«الأمراض المعدية» 50 في المائة، و«الوفيات الناجمة عن الإصابات» 30 في المائة، مشدداً على أن ما تحقَّق حتى اليوم في القطاع هو «ثمرة عمل جماعي، ورسالة واضحة بأن التحول الصحي في السعودية يسير بثبات وسنواصل على هذا النهج».

جانب من جلسة حوارية على هامش ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026 في الرياض الثلاثاء (وزارة الصحة)

وشهدت أعمال الملتقى، الذي تنظمه «الصحة القابضة» بنسخته الثالثة، الثلاثاء، حضورَ نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين، وإقامةَ عدة جلسات علمية ناقشت سبل الابتكار في المنظومة الصحية، واستعراضَ أحدث الدراسات والأبحاث؛ لتعزيز صحة المجتمع والوقاية من الأمراض؛ تحقيقاً لمستهدفات برامج «رؤية 2030».


بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.


«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».