من التصيّد إلى الاختراق… كيف تتغير ملامح التهديدات السيبرانية في البنية الصناعية السعودية؟

الدفاع التنبؤي المعتمد على الذكاء الاصطناعي يمنح المملكة قدرة أكبر على رصد التهديدات مبكراً رغم استمرار الثغرات (شاترستوك)
الدفاع التنبؤي المعتمد على الذكاء الاصطناعي يمنح المملكة قدرة أكبر على رصد التهديدات مبكراً رغم استمرار الثغرات (شاترستوك)
TT

من التصيّد إلى الاختراق… كيف تتغير ملامح التهديدات السيبرانية في البنية الصناعية السعودية؟

الدفاع التنبؤي المعتمد على الذكاء الاصطناعي يمنح المملكة قدرة أكبر على رصد التهديدات مبكراً رغم استمرار الثغرات (شاترستوك)
الدفاع التنبؤي المعتمد على الذكاء الاصطناعي يمنح المملكة قدرة أكبر على رصد التهديدات مبكراً رغم استمرار الثغرات (شاترستوك)

تتغيّر خريطة الأمن السيبراني في البنية الصناعية السعودية بوتيرة أسرع من أي وقت مضى. فمع تقدّم المملكة في مشاريعها العملاقة وشبكاتها المترابطة ومدنها الذكية الناشئة، تتوسع معها بيئات التقنيات التشغيلية وأنظمة التحكم الصناعي، ويتسع معها سطح الهجوم بصورة غير مسبوقة.

لكن التهديد لم يعد مجرد زيادة في عدد الهجمات، بل بات أكثر تداخلاً وأكثر تلقائية، وأكثر امتزاجاً بين عالمَي تقنية المعلومات والتقنيات التشغيلية. وهذا التداخل أصبح التحدّي الحاسم الذي يرسم ملامح المرحلة المقبلة من حماية البنية التحتية الحيوية في السعودية.

كانت هذه الرسالة المحورية في حديث حسام صيداني، نائب رئيس شركة «أوبسوات» (OPSWAT) لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، على هامش مؤتمر «بلاك هات» الشرق الأوسط 2025 المنعقد في الرياض.

وحسب صيداني، تدخل المملكة مرحلة تتغير فيها طبيعة التهديدات بقدر ما يزداد حجمها، مدفوعةً بالبنية التحتية المترابطة، واعتماد آلاف المتعاقدين، والوتيرة المتسارعة لاعتماد الذكاء الاصطناعي من جانب المهاجمين كما المدافعين.

حسام صيداني نائب رئيس شركة «أوبسوات» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (أوبسوات)

الهجوم يبدأ من مناطق الثقة

يشير صيداني خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن وتيرة التحوّل الرقمي في السعودية تُنتج كفاءة كبيرة، لكنها تُنتج أيضاً نقاط ضعف جديدة. وأسرع التهديدات نمواً اليوم ينبع من التقارب المتزايد بين بيئات تقنية المعلومات والتقنيات التشغيلية، وهو ما يتقنه المهاجمون جيداً. وأول مظهر لهذا الاتجاه هو زيادة المسارات التي تبدأ في بيئات تقنية المعلومات قبل أن تتسلل إلى أنظمة التقنيات التشغيلية، خصوصاً عبر البريد الإلكتروني والملفات الملوّثة والوصول عن بُعد.

ويضيف أن «أجهزة أنظمة التحكم الصناعي في الشرق الأوسط، بما في ذلك السعودية، تواجه تهديدات عبر البريد الإلكتروني بمعدل يفوق المتوسط العالمي بـ1.8 مرة». يعكس هذا الرقم الحجم الكبير لعمليات التصيّد التي تستهدف المنطقة.

الاتجاه الثاني يتمثل في تطور هجمات الفدية إلى هجمات متعددة المراحل تبدأ في شبكات تقنية المعلومات، ثم تتحرك بوعي نحو التقنيات التشغيلية لتعظيم الأثر التشغيلي. أما الاتجاه الثالث، فهو اتساع سطح المخاطر عبر سلسلة الإمداد، حيث تربط المشاريع العملاقة عشرات المقاولين والجهات التقنية بأنظمة حساسة؛ ما يخلق مسارات ثقة يمكن استغلالها بسهولة.

ويفيد صيداني بأن ما يجمع هذه الاتجاهات هو حقيقة أن «الخصوم يستغلون المسارات الموثوقة لتجاوز الدفاعات التقليدية»؛ ما يفرض على المؤسسات إعادة التفكير في الرؤية والحوكمة داخل شبكاتها الصناعية.

ملامح الهجوم الحديث

تبدو الهجمات على البنية التحتية اليوم مختلفة جذرياً عمّا كانت عليه قبل سنوات. فالمهاجمون يمزجون بين تقنيات عالم تقنية المعلومات وعالم التقنيات التشغيلية بسلاسة. يبدأ المهاجمون ببرمجيات خبيثة تقليدية للدخول إلى الشبكة، ثم ينتقلون إلى أدوات مخصصة للتحكم الصناعي للاقتراب من محطات الهندسة ووحدات التحكم.

وبعد دخولهم بيئة التقنيات التشغيلية، لا يتصرفون فوراً، بل يراقبون المشغلين ويدرسون منطق وحدات التحكم القابلة للبرمجة (PLC)، ويتتبعون أنماط الأمان لاختيار اللحظة الأكثر تأثيراً. ويقلّدون حركة المرور العادية لتجاوز أنظمة الكشف؛ ما يجعل أدوات التوقيعات التقليدية غير فعّالة.

وتتعقد الصورة أكثر مع دخول الذكاء الاصطناعي في ساحة الهجوم. ويحذّر صيداني من أنه «مع تسارع تطوير البرمجيات الخبيثة عبر الذكاء الاصطناعي، تصبح الهجمات الهجينة أكثر تلقائية ودقة، وأصعب بكثير في اكتشافها مبكراً».

خبراء: الذكاء الاصطناعي يعزز قدرات الكشف والتحليل دون استبدال الخبرة البشرية في اتخاذ القرارات التشغيلية الحساسة (شاترستوك)

الذكاء الاصطناعي والخبرة البشرية

تتعامل السعودية مع الذكاء الاصطناعي بصفته ركيزة وطنية للأمن السيبراني. ويقرّ صيداني بأن الذكاء الاصطناعي قادر على تغيير قواعد اللعبة عبر أتمتة مهام ضخمة الحجم، مثل تحليل تدفق الشبكات، واكتشاف المخاطر في الوقت الحقيقي وربط السجلات، وبناء خطوط سلوك قياسية للأصول الصناعية.

لكن ما لا يستطيع الذكاء الاصطناعي القيام به هو فهم السياق الفيزيائي - حسب صيداني - الذي يشرح بأن «مشغلي التقنيات التشغيلية يفهمون العواقب الفيزيائية وحدود السلامة وهوامش التشغيل، وهي تفاصيل لا يمكن للخوارزميات تفسيرها بالكامل».

أما الخطر الأكبر، فهو الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي في بيئات لا تحتمل الأخطاء. ولهذا؛ يؤكد صيداني «ضرورة ألا يمتلك الذكاء الاصطناعي سلطة مباشرة لإحداث تغييرات تشغيلية»، مشدداً على أن أنظمة التحكم التقليدية وأنظمة السلامة يجب أن تبقى صمامات الأمان النهائية.

ويتطلب ذلك قابلية تفسير عالية؛ إذ لا يمكن للمشغلين اتخاذ قرار دون فهم سبب إشعار الذكاء الاصطناعي. وتساعد التوائم الرقمية في اختبار النماذج قبل تركيبها فعلياً.

عودة التقسيم الفيزيائي

رغم حداثة التهديدات، يعود الاعتماد على أدوات كلاسيكية مثل «صمامات البيانات» (Data Diodes) إلى المشهد بقوة. فمع انتقال البيانات من بيئات التقنيات التشغيلية إلى السحابة للتحليلات، تحتاج المؤسسات إلى ضمان عدم عودة أي إشارة تحكم إلى الأنظمة الحساسة. وهنا توفّر صمامات البيانات طبقة حماية لا يمكن للبرمجيات وحدها توفيرها.

ويرى صيداني أن ذلك أصبح أكثر أهمية اليوم؛ لأن الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي تبحث عن أدق الثغرات. لذلك؛ يشكل العزل الفيزيائي مرساة أمان تمنع المخاطر التي قد تُدخلها التحولات الرقمية ذاتها.

أهمية المشاريع العملاقة

تشهد السعودية بيئات صناعية تُبنى من الصفر في مشاريع مثل «نيوم» و«البحر الأحمر» و«قديّة». ويصف صيداني هذه المشاريع بأنها تحمل إمكانيات هائلة لأمن «مُدمج من التصميم»، ولكنها في الوقت ذاته تُدخل مستويات عالية من التعقيد. أكبر ثغرة يلاحظها هي تعدد المقاولين والموردين، حيث يأتي كل طرف بممارساته وأجهزته وإجراءاته الخاصة؛ ما يخلق تفاوتاً في مستوى الحماية.

كما يحذر صيداني من الاعتقاد بأن الأنظمة الحديثة أكثر أماناً بطبيعتها، حيث تُنشأ الأنظمة المترابطة مثل التوائم الرقمية وأجهزة إنترنت الأشياء والمراقبة السحابية قبل اكتمال وضع معايير الأمن.

الهجمات الحديثة أصبحت هجينةً ومتعددة المراحل... تبدأ بالتصيّد والبرمجيات الخبيثة ثم تتقدّم نحو الأنظمة التشغيلية للسيطرة على المعدات (غيتي)

الدفاع التنبؤي

تستثمر السعودية بكثافة في الأمن التنبؤي، وهي خطوة تغيّر طريقة تعامل القطاعات الحيوية مع المخاطر. فالذكاء الاصطناعي قادر على رصد تغيّرات طفيفة تمثل بدايات هجوم. ويعدّ صيداني أن «الأمن التنبؤي لا يمنع كل الهجمات، لكنه يمنح المؤسسات وقتاً حيوياً لعزل التهديد والحد من أثره قبل أن يصل إلى التشغيل».

وينوّه أن المشاريع السعودية تتميز بثلاث سمات، هي الجرأة في التجربة، والتخطيط بعيد المدى والتركيز على بناء قدرات وطنية. وقد أسهم ذلك في وصول المملكة إلى المرتبة الأولى عالمياً في مؤشر الأمن السيبراني لعام 2025.

تقدم واضح... وثغرات مستمرة

شهدت السعودية تقدماً كبيراً في مجال رؤية الأصول وتجزئة الشبكات. لكن الأخطاء المتكررة تشمل عدم توحيد الضوابط الأساسية، مثل إدارة وسائط «USB» وتحديث الأجهزة المرتبطة بالتشغيل.

كما يظل الاعتماد على الثقة الداخلية مشكلة مستمرة؛ ما يتطلب تطبيق مبدأ انعدام الثقة بشكل صارم. ويؤكد صيداني على أهمية «تطبيق انعدام الثقة على كل من يدخل إلى شبكة التقنيات التشغيلية، مهما كان مصدره».

ويعتقد أن دمج التوأم الرقمي بالذكاء الاصطناعي سيكون التطور الأكثر تأثيراً في الأمن الصناعي. فهو يتيح محاكاة الهجمات وتوقّع تأثيراتها وصقل معايير السلوك دون المساس بالبيئة الحقيقية. ويعدّ أن «التوأمة الرقمية تتيح للذكاء الاصطناعي اختبار سيناريوهات التهديد والتنبؤ بآثارها دون تعريض البيئة الحقيقية لأي انقطاع».


مقالات ذات صلة

السعودية تنفق أكثر من 8.5 مليار دولار لتطوير الخدمات الحكومية الرقمية

الاقتصاد ملتقى الحكومة الرقمية في نسخته الماضية بالرياض (هيئة الحكومة الرقمية)

السعودية تنفق أكثر من 8.5 مليار دولار لتطوير الخدمات الحكومية الرقمية

أنفقت السعودية أكثر من 31.9 مليار ريال (8.5 مليار دولار) خلال العام المنصرم على خدمات الاتصالات وتقنية المعلومات.

الاقتصاد العاصمة السعودية (واس)

نفاذ الإنترنت في منشآت السعودية يلامس 98 %... والذكاء الاصطناعي ينمو بـ20 %

أظهرت أحدث نتائج إحصاءات نفاذ واستخدام تقنيات المعلومات والاتصالات للمنشآت في السعودية تحولاً رقمياً شاملاً يعكس متانة البنية التحتية التقنية.

أوروبا الذكاء الاصطناعي في صلب النظام العالمي الجديد (رويترز)

وزير ألماني يواجه تدقيقاً بسبب استخدام الذكاء الاصطناعي في نصوص رسمية

واجه وزير الرقمنة الألماني، كارستن فيلدبرغر، تدقيقاً في وسائل الإعلام الألمانية بشأن الاستخدام المزعوم للذكاء الاصطناعي في إعداد النصوص الرسمية.

«الشرق الأوسط» (برلين)
تكنولوجيا مؤسس شركة «أمازون» جيف بيزوس (رويترز)

هل يهدد الذكاء الاصطناعي الوظائف؟ بيزوس يقدِّم رؤية مغايرة

رفض بيزوس المخاوف من أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى القضاء على الوظائف البشرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا يعتمد الابتكار على مكوّنات صغيرة تغيّر حساسيتها للضوء، بدلاً من الاعتماد على الكاميرات والخوارزميات فق (شاترستوك)

عيون ذكية تمنح السيارات ذاتية القيادة رؤية أقرب إلى الإنسان

يطور باحثون مستشعرات ضوئية تحاكي العين البشرية لمساعدة السيارات والروبوتات على الرؤية بدقة في ظروف الإضاءة الصعبة بشكل أسرع وأكثر

نسيم رمضان (لندن)

«أمازون» أبدت مخاوف حيال نماذج ذكاء اصطناعي من «أنثروبيك»

شعار شركة «أنثروبيك» (رويترز)
شعار شركة «أنثروبيك» (رويترز)
TT

«أمازون» أبدت مخاوف حيال نماذج ذكاء اصطناعي من «أنثروبيك»

شعار شركة «أنثروبيك» (رويترز)
شعار شركة «أنثروبيك» (رويترز)

قال مصدر مطلع لوكالة «رويترز» للأنباء إنَّ آندي جاسي الرئيس التنفيذي لشركة «أمازون» كان من بين قادة قطاع التكنولوجيا الذين عبَّروا خلال الأيام القليلة الماضية عن مخاوفهم لكبار مسؤولي إدارة الرئيس دونالد ترمب بشأن مخاطر أمنية في أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي تطوراً لدى شركة «أنثروبيك».

وتسلط مشاركة جاسي الضوء على الخطوة الاستثنائية التي اتخذتها «أنثروبيك»، الجمعة، بوقف أحدث نماذجها على مستوى العالم استجابةً لأوامر تتعلق بالأمن القومي صادرة عن إدارة ترمب.

وكانت شركة الذكاء الاصطناعي الناشئة، ومقرها سان فرانسيسكو، قد حذَّرت سابقاً من قدرات الاختراق التي يتمتع بها نموذجها «ميثوس»، وأحجمت عن طرحه على نطاق واسع. لكن «أنثروبيك» أطلقت قبل أيام نسخة للجمهور باسم «فابل» قالت إنِّها مُزوَّدة بإجراءات حماية للأمن الإلكتروني.

وقالت «أنثروبيك»، في منشور على مدونتها، إنَّ الحكومة أبلغتها بأنَّها تعتقد بوجود طريقة لتجاوز أحد إجراءات الحماية التي تحول دون استخدام النموذج في العثور على ثغرات تهدِّد الأمن الإلكتروني. وأضافت الشركة أنَّ إدارة ترمب أمرتها بمنع أي مواطنين أجانب، سواء كانوا داخل الولايات المتحدة أو خارجها، من استخدام أحدث نموذجين لديها وهما «فابل 5» و«ميثوس 5». ورداً على ذلك، قالت «أنثروبيك» إنها ستعطِّل الوصول إلى النموذجين عالمياً.

ولم تؤكد «أمازون» ما إذا كانت تحدَّثت إلى مسؤولين حكوميين بشأن نماذج «أنثروبيك». وقالت «أنثروبيك»، في منشور على مدونتها، إنَّ القيود الحكومية الأميركية جاءت في شكل ضوابط على التصدير.

وقال مستشار البيت الأبيض ديفيد ساكس، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي أمس (السبت)، إن المسؤولين أصدروا قرار فرض ضوابط التصدير «على مضض» بعد أن «رفض» داريو أمودي الرئيس التنفيذي لأنثروبيك «إصلاح ثغرة كسر الحماية أو سحب النموذج من التداول».

وأضاف ساكس، وهو الرئيس المشارك لمجلس ترمب لمستشاري العلوم والتكنولوجيا، وكان يشغل في السابق منصب مسؤول الذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض: «تأمل الإدارة الأميركية الآن أن تعالج (أنثروبيك) المشكلة المتعلقة بالسلامة، وأن تُرفع ضوابط التصدير وأن يُعاد طرح نموذج (فابل) للاستخدام العام».


هل يهدد الذكاء الاصطناعي الوظائف؟ بيزوس يقدِّم رؤية مغايرة

مؤسس شركة «أمازون» جيف بيزوس (رويترز)
مؤسس شركة «أمازون» جيف بيزوس (رويترز)
TT

هل يهدد الذكاء الاصطناعي الوظائف؟ بيزوس يقدِّم رؤية مغايرة

مؤسس شركة «أمازون» جيف بيزوس (رويترز)
مؤسس شركة «أمازون» جيف بيزوس (رويترز)

وسط الجدل المتزايد حول تأثير الذكاء الاصطناعي على مستقبل الوظائف، تتباين الآراء بين من يرى فيه تهديداً مباشراً لسوق العمل، ومن يعتبره فرصة لإعادة تشكيل الاقتصاد ورفع كفاءته.

وفي هذا السياق، يبرز رأي رجل الأعمال الأميركي جيف بيزوس، مؤسس شركة «أمازون»، الذي يقدّم رؤية مختلفة تقلّل من حدة المخاوف الشائعة بشأن إحلال الآلات محل البشر.

فقد رفض بيزوس المخاوف من أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى القضاء على الوظائف البشرية، وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت». وخلال حديثه عن مشروعه الجديد في مجال الذكاء الاصطناعي، المعروف باسم «بروميثيوس»، أشار إلى أن هذه التقنية قد تؤدي -على عكس المتوقع- إلى «نقص في الأيدي العاملة في الاقتصاد».

وأوضح بيزوس -الذي يشارك في قيادة هذا المشروع، في تصريح لصحيفة «وول ستريت جورنال»- أن الشركة تخطط لتطوير «مهندس عام اصطناعي» يمتلك القدرة على تصميم وتصنيع منتجات مادية معقدة، مثل محركات الطائرات النفاثة.

وبيّن أن الهدف الأساسي من هذا التوجه يتمثل في «تمكين المهندسين، وتيسير عملية الابتكار وتسريعها، بحيث تتمكن فرق أصغر من إنجاز أعمال أكبر بكثير خلال فترات زمنية أقصر».

كما رفض بيزوس النظرة المتشائمة تجاه الذكاء الاصطناعي، معتبراً أن هذا التشاؤم لا سيما بين فئة الشباب: «مخالف للواقع». وأقرّ في الوقت نفسه بأن هذه التقنية ستقلل الحاجة إلى بعض الوظائف الحالية، ولكنها في المقابل ستفتح آفاقاً أوسع لفرص جديدة، وتسهم في رفع مستويات الإنتاجية.

وأشار إلى أن عدد فرص العمل قد يزداد إذا أصبح الابتكار بفضل الذكاء الاصطناعي أكثر سهولة وأقل تكلفة وأسرع تنفيذاً. وأضاف موضحاً: «رغم أن الحاجة إلى العمالة قد تنخفض بمقدار عشرة أضعاف، فإن هذه التقنية ستخلق فرصاً تزيد على ذلك بعشرة أضعاف».

وفي سياق متصل، توقَّع بيزوس تحولات اجتماعية واقتصادية، من بينها ظهور نمط جديد للأسر ذات الدخلين؛ حيث قد يختار أحد الأفراد الخروج من سوق العمل نتيجة الارتفاع الكبير في الإنتاجية.

ورغم هذه الرؤية المتفائلة، لا تزال المخاوف قائمة لدى شريحة واسعة من الناس. فقد أظهر استطلاع حديث أجرته «رويترز/ إيبسوس» أن أكثر من نصف المشاركين أعربوا عن قلقهم من فقدان وظائفهم أو وظائف أحد أفراد أسرهم بسبب الذكاء الاصطناعي.

وحسب نتائج الاستطلاع، فإن 53 في المائة من المشاركين، البالغ عددهم 4 آلاف و531 شخصاً، عبَّروا عن هذا القلق، في حين لم يبدِ 37 في المائة منهم المخاوف نفسها، ما يعكس استمرار حالة الانقسام في الرأي العام تجاه هذه التقنية ومستقبلها.


«أديداس» تكشف عن تقنية لتبريد ملابس وأحذية اللاعبين في مونديال 2026

يهدف نظام «كلايماكول سيستم» لمساعدة اللاعبين على مواجهة الحرارة والرطوبة في مونديال 2026 (أديداس)
يهدف نظام «كلايماكول سيستم» لمساعدة اللاعبين على مواجهة الحرارة والرطوبة في مونديال 2026 (أديداس)
TT

«أديداس» تكشف عن تقنية لتبريد ملابس وأحذية اللاعبين في مونديال 2026

يهدف نظام «كلايماكول سيستم» لمساعدة اللاعبين على مواجهة الحرارة والرطوبة في مونديال 2026 (أديداس)
يهدف نظام «كلايماكول سيستم» لمساعدة اللاعبين على مواجهة الحرارة والرطوبة في مونديال 2026 (أديداس)

في كأس العالم 2026، التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك خلال الصيف، تتحول درجات الحرارة والرطوبة إلى تحدٍّ تقني ورياضي في آن واحد. وفي هذا السياق، كشفت «أديداس» عن نظام جديد باسم «كلايماكول سيستم» (CLIMACOOL SYSTEM) صُمم لمساعدة اللاعبين على التعامل مع الظروف الحارة والرطبة المتوقعة في عدد من المدن المضيفة.

الفكرة لا تتعلق بقميص رياضي جديد أو خامة أكثر تهوية فقط. ما تطرحه «أديداس» منظومة تبريد متكاملة تُستخدم قبل المباراة أو أثناء فترات التوقف، وتهدف إلى خفض حرارة الجسم الأساسية وتحسين قدرة اللاعب على تحمل الحرارة. بهذا المعنى، يدخل التبريد إلى عالم كرة القدم بوصفه جزءاً من إعداد الأداء، لا مجرد تفصيل جانبي في ملابس اللاعبين.

تأتي التقنية في بطولة واسعة تُقام صيفاً في 16 مدينة، ما يجعل الحرارة والرطوبة جزءاً من تحديات الأداء والسلامة (أديداس)

نظام بثلاث قطع

يتكوّن نظام «كلايماكول سيستم» من ثلاث قطع رئيسية، هي سترة تبريد، وجاكيت عازل، وغطاء تبريد للحذاء. بحسب «أديداس»، صُممت هذه القطع للعمل معاً؛ خصوصاً السترة والجاكيت، لتوفير تبريد للجزء العلوي من الجسم.

السترة تُرتدى فوق قميص اللاعب، وتحتوي على جل خاص يتم تجميده قبل الاستخدام. وعندما يرتديها اللاعب، يبدأ الجل في الذوبان تدريجياً، ناقلاً تأثير التبريد إلى مناطق مثل الجذع والبطن والظهر. هذه المناطق مهمة لأنها ترتبط بحرارة الجسم الأساسية، وليس فقط بالإحساس السطحي بالبرودة.

أما الجاكيت العازل، فيُستخدم مع السترة للحفاظ على تأثير التبريد لفترة أطول؛ فبدلاً من أن تضيع البرودة سريعاً في الهواء المحيط، يعمل الجاكيت كغلاف يساعد على حبس الهواء البارد حول الجزء العلوي من الجسم. وتقول «أديداس» إن الجمع بين القطعتين يمنح النظام فاعلية أكبر من استخدام السترة وحدها.

القطعة الثالثة هي غطاء تبريد للحذاء، وهو مخصص للقدمين. قد يبدو ذلك تفصيلاً صغيراً، لكنه مهم في رياضة تعتمد على الركض المستمر، والتوقف المفاجئ، والاحتكاك داخل الحذاء. فارتفاع حرارة القدمين قد يؤثر في الراحة والإحساس بالحذاء؛ خصوصاً في المباريات التي تُلعب تحت حرارة مرتفعة أو رطوبة عالية.

يعكس النظام تحول الطقس من عامل خارجي إلى خصم رياضي يحتاج إلى أدوات وتقنيات وخطط خاصة (أديداس)

لماذا مونديال 2026؟

تأتي هذه التقنية في توقيت حساس ستكون فيه كأس العالم 2026 الأكبر في تاريخ البطولة، مع 48 منتخباً و104 مباريات، موزعة على 16 مدينة في ثلاث دول. هذا الاتساع الجغرافي يعني اختلافاً كبيراً في الظروف المناخية بين مدينة وأخرى. بعض الملاعب قد تكون أكثر اعتدالاً، بينما قد تشهد مدن أخرى حرارة ورطوبة مرتفعة؛ خصوصاً في أجزاء من الولايات المتحدة والمكسيك.

وقد حذرت تقارير حديثة من أن البطولة قد تتحول إلى اختبار كبير لقدرة كرة القدم على التعامل مع الحرارة. وأشارت «رويترز» إلى أن الحرارة والرطوبة؛ خصوصاً عند قياسهما بمؤشر يأخذ في الاعتبار الشمس والرياح والرطوبة، قد تؤثران في أداء اللاعبين وسلامتهم في عدد من المدن المضيفة. ولا يتعلق الأمر بدرجة الحرارة وحدها، لأن الرطوبة العالية قد تجعل الجسم أقل قدرة على تبريد نفسه عبر التعرق.

لذلك، يصبح التبريد جزءاً من منظومة أوسع تشمل جدولة المباريات وفترات الترطيب والجاهزية الطبية وتجهيزات الملاعب وخطط الفرق في التدريب والاستشفاء. وقد أعلنت «فيفا» إجراءات مرتبطة بالترطيب والمشجعين، من بينها السماح للمشجعين في ملاعب الولايات المتحدة وكندا بإدخال زجاجة ماء بلاستيكية مغلقة واحدة، ضمن ضوابط محددة، إلى جانب إجراءات في المدن المضيفة، مثل نقاط الترطيب ومناطق الرذاذ وخيام التبريد.

من الأداء إلى السلامة

في الرياضة الاحترافية، لا تكون الحرارة مجرد مسألة راحة. ارتفاع حرارة الجسم قد يؤثر في سرعة القرار والقدرة على الركض وجودة التمرير والاستجابة البدنية وحتى احتمالات الإصابة أو الإرهاق. لذلك، تبحث الفرق دائماً عن طرق لإدارة الحرارة قبل وأثناء وبعد المباراة.

تقنية «أديداس» الجديدة تندرج ضمن هذا التفكير، حيث إنها لا تعد بمنع الإجهاد الحراري بالكامل، ولا تلغي الحاجة إلى إجراءات طبية وتنظيمية أوسع. لكنها تقدم وسيلة إضافية يمكن استخدامها ضمن بروتوكولات الفرق لمساعدة اللاعبين على خفض الحرارة قبل الدخول إلى الملعب أو خلال الاستراحة أو أثناء وجودهم على مقاعد البدلاء.

ففي بطولة قصيرة ومكثفة مثل كأس العالم، لا يقتصر التحدي على مباراة واحدة. قد يخوض اللاعبون مباريات متقاربة، ويتنقلون بين مدن مختلفة، ويتدربون في ظروف متغيرة. وأي وسيلة تساعد في إدارة الإجهاد الحراري قد تصبح جزءاً من التفاصيل الصغيرة التي تبحث عنها المنتخبات لتحسين الأداء وتقليل المخاطر.

يتكوّن النظام من سترة تبريد وجاكيت عازل وغطاء للحذاء، تعمل معاً لتبريد الجسم والقدمين (أديداس)

التكنولوجيا التي لا تظهر على الشاشة

غالباً ما ترتبط تكنولوجيا كرة القدم في ذهن الجمهور بحكم الفيديو، أو الكرات المزودة بشرائح، أو الكاميرات التي ترصد التسلل. لكن مونديال 2026 يوضح أن الابتكار قد يكون أقل ظهوراً وأكثر التصاقاً بجسد اللاعب نفسه؛ فسترة التبريد أو غطاء الحذاء لن يغيّرا شكل المباراة على الشاشة مباشرة، لكنهما قد يؤثران في كيفية استعداد اللاعب، ومتى يستعيد جزءاً من طاقته، وكيف يتحمل ظروفاً مناخية قاسية.

هذه ليست المرة الأولى التي تدخل فيها التكنولوجيا إلى تجهيزات اللاعبين، لكنها تأتي في سياق مختلف. فمع اتساع الحديث عن تغير المناخ والحرارة في الرياضة، لم يعد التعامل مع الطقس مجرد شأن لوجستي. أصبح جزءاً من هندسة الأداء والسلامة.

الحرارة كخصم جديد

القصة الأوسع أن كأس العالم 2026 قد تضع كرة القدم أمام تحدٍّ يتجاوز الملاعب والتذاكر والبث التلفزيوني. فالتوسع الجغرافي للبطولة، وتعدد المدن، واللعب في الصيف، كلها عوامل تجعل الحرارة جزءاً من حسابات البطولة. وفي مواجهة ذلك، لا تكفي الاستعدادات التقليدية وحدها.

يعكس نظام «CLIMACOOL SYSTEM» من «أديداس» هذا التحول ليس لأنه يقدم حلاً سحرياً، لكنه يشير إلى اتجاه واضح: كرة القدم بدأت تتعامل مع الحرارة كخصم يحتاج إلى أدوات وتقنيات وخطط، تماماً كما تتعامل مع اللياقة والتغذية والتحليل البدني.