الفكر الفلسفي المسيحي في متناول القارئ العربي

يُعَد من أهم المسارات الفلسفيّة في الغرب المعاصر

الفكر الفلسفي المسيحي في متناول القارئ العربي
TT

الفكر الفلسفي المسيحي في متناول القارئ العربي

الفكر الفلسفي المسيحي في متناول القارئ العربي

في سياق الاهتمام المتنامي في العالم العربي عموماً، وفي البلدان الخليجيّة خصوصاً، بتوسيع آفاق المعرفة الفلسفيّة واستكشاف التراث الفكري العالمي، تبرز «موسوعة الفلسفة الفرنسيّة المعاصرة»، التي تصدر مجلداتها العشرة تباعاً عن «دار صوفيا - الكويت»، لتشكل جسراً معرفيّاً ينير طريق القارئ العربي في واحد من أهم المسارات الفلسفيّة في الغرب المعاصر: الفلسفة المسيحيّة الحديثة. وهذا المسار يشكل محور المجلّد السابع من العشريّة، التي يشارك فيها باحثون متخصصون ويشرف عليها الباحث اللبناني مشير باسيل عون، إذ يقدّم المجلد للقراء، في سائر البلاد العربيّة، مدخلاً رصيناً إلى الفكر المسيحيّ الفلسفي، بعيداً عن الصور النمطيّة والقراءات السجاليّة، وبما ينسجم مع تطلّع القارئ العربي اليوم إلى فهم أعمق للآخر الدينيّ والثقافيّ.

يكتسب المجلّد السابع، الذي عرض للمرّة الأولى في معرض القاهرة الدولي للكتاب فبراير (شباط) الماضي، أهميّته من كونه يفتح نافذة على تيّار فكري ظلّ، رغم تأثيره الواسع في الفلسفة الأوروبيّة، مجهولاً أو ملتبساً لدى القارئ العربي. فالفلسفة المسيحيّة، كما تكشفها دراسات هذا الإصدار، ليست خطاباً وعظيّاً ولا دفاعاً مذهبيّاً، بل مشروع تفكير نقديّ يتداخل فيه العقل مع التجربة الروحيّة، ويتفاعل مع تحوّلات الفكر الغربي الكبرى في القرن العشرين: من الفينومينولوجيا إلى التفكيك، ومن الفلسفات الأنطولوجيّة إلى التأويلية.

وبذلك، يقدّم هذا العمل للقارئ العربي فرصة نادرة للتعرّف على كيفية إخضاع الإيمان المسيحيّ لمنهجية نقديّة فلسفيّة، وعلى تجربة فلاسفة سعوا إلى التوفيق بين العقل الحرّ والإيمان الروحيّ، وتقاليد المسيحيّة ومتطلبات الحداثة. وهذا الانفتاح المعرفي ليس مجرّد استعراض ثقافي، بل خطوة ضروريّة في بناء وعي فلسفيّ عربيّ قادر على الحوار مع الفكر العالمي، ومتحرّر من الانغلاقات العقائديّة التي تكبّل مسار النهضة الفكريّة.

وبفضل المجلّد السابع من العشريّة، يستطيع القارئ العربيّ أن يطّلع على الاجتهادات الفذّة التي أتى بها الفلاسفة الفرنسيّون المعاصرون في القرن العشرين، وقد انعقدت على التأمّل في مصائر المعنى المسيحيّ وشهادة الإيمان وحقائق العقيدة في قرائن التحوّلات الفكريّة الجسام التي اختبرها الفكر الفلسفيّ الغربيّ المعاصر. تجدر الإشارة، في البداية، إلى أنّ العشريّة الفلسفيّة الفريدة هذه تتناول حصيلة الإنتاج الفلسفيّ الفرنسيّ المعاصر في القرن العشرين حصراً، وتوزّعه على محاور جامعة أساسيّة: فلسفات البنيويّة والتفكيك والاختلاف (2021)، والفِنومِنولوجيا وتفرّعاتها والفِسارة الفلسفيّة (2022)، والفلسفات التفكّريّة والشخصانيّة والوجوديّة (2023)، وفلسفة تأريخ الفلسفة (2023)، والفلسفات الجماليّة (2025)، والفلسفات الهيغليّة والماركسيّة والفلسفات التاريخيّة التفكيكيّة (2026)، والفلسفات المسيحيّة (2025)، والفلسفات الاجتماعيّة والنفسيّة والتربويّة والأخلاقيّة (المجلّد الثامن)، والفلسفات السياسيّة والاقتصاديّة والقانونيّة والبيئيّة والإعلاميّة (المجلّد التاسع)، وفلسفات الطبيعة والعلوم والإبّيستِمولوجيا (المجلّد العاشر).

ينطوي مجلّد الفلسفات المسيحيّة الفرنسيّة هذا على الدراسات المونوغرافيّة التي تناولت أبرز الفلاسفة الفرنسيّين الذين أعلنوا جهاراً انتماءهم الفكريّ إلى الخلفيّة الإيمانيّة المسيحيّة واستلهموا مبادئها وأصولها وقيَمها في بناء أنظومتهم الفلسفيّة المؤمنة. لذلك كان لا بدّ من الوقوف على طبيعة هذه الخلفيّة، والنظر في عناصر الخصوصيّة الفكريّة المسيحيّة التي وسمت أعمالهم. ذلك بأنّ بعضاً منهم انبرى يعلن إعلاناً صريحاً عن انتمائه المسيحيّ، وآثر بعضُهم الآخر الاكتفاء بالاختبار الإيمانيّ الشخصيّ الذاتيّ من غير الإفصاح عنه وربطه بمسار بناء الأنظومة الفلسفيّة الداخليّ الخاصّ.

من الموضوعات التي يعالجها المجلّد السابع هذا مسألةُ البُعد المسيحيّ الفكريّ الإيماني في أعمال الفلاسفة الفرنسيّين المسيحيّين المعاصرين، وقضيّةُ هويّة الفلسفة المسيحيّة. ذلك بأنّ السؤال الذي ما برح يقضّ مضاجع أهل الفكر إنّما يتحرّى إمكان الجمع بين الإيمان والعقل: هل يجوز أن نصف الفلسفة بالانتماء الدِّينيّ المسيحيّ؟ ما معنى أن تكون الفلسفة مسيحيّةً؟ وهل تُطيق الفلسفة أن تخضع للانتماء المسيحيّ؟ هل يصحّ الكلام على فلسفة مسيحيّة أو حتّى دينيّة على الإطلاق؟ هل نشأت حقّاً فلسفةٌ فرنسيّةٌ مسيحيّةٌ محض؟

وعليه، يمكن القول إنّ وظيفة هذا المجلّد أن يُعرّف الفلسفات الفرنسيّة المسيحيّة المعاصرة تعريفاً جامعاً شاملاً، بحيث يتّضح تنوّعُ مسالكها بتنوّع أصحاب النظريّات الفلسفيّة، وقد اجتهد المؤلِّفون المشاركون في تعيين مقام الإيمان المسيحيّ، سواءٌ في الوعي الفرديّ والجماعيّ أو في الأنظومة الثقافيّة السائدة. من أبرز الإشكاليّات التي تصدّت لها فصولُ هذا المجلّد تسويغُ قضايا المِتافيزياء الدِّينيّة في سياق الحدود التي ترسمها العقلانيّة النقديّة المعاصرة، لا سيّما في سياق ضوابط فلسفات اللغة والفلسفات التحليليّة وأيضاً الفِنومِنولوجيّة. وعلاوةً على ذلك، يجدر الالتفات إلى التفاعل الجدليّ بين الاتّجاهات الفلسفيّة الفرنسيّة المعاصرة التي يتنازعها حدّان: إمّا رفض إقحام الإيمان المسيحيّ في دائرة التفكّر الفلسفيّ، وإمّا تسويغ التفكّر النقديّ في قضايا المِتافيزياء الدِّينيّة بالاستناد إلى فرضيّة الرحابة الاختباريّة التي يتّصف بها الوعيُ الإنسانيُّ.

«الفلسفة المسيحيّة ليست خطاباً وعظيّاً ولا دفاعاً مذهبيّاً، بل مشروع تفكير نقديّ يتداخل فيه العقل مع التجربة الروحيّة»

من الخلاصات الخطيرة التي تُفضي إليها المقدّمة المسهبة التي وضعها مشير باسيل عون إعادةُ النظر في مفهوم الفلسفة المسيحيّة. ويقول عون: إذا قبلت المسيحيّة أن تحقّق دعوة المسيح الإخلائيّة على الصليب، فأخلت ذاتَها من قوامها التاريخيّ ومنظوريّتها المؤسّساتيّة وكثافتها العقائديّة، استطاعت أن تمنح العقلَ الفلسفيَّ الحرّيّةَ الضروريّةَ التي تتيح له أن يَنظر نظراً موضوعيّاً في الاختبار الجوّانيّ الروحيّ الإيمانيّ. حين تتحوّل المسيحيّةُ إلى خميرة الروح المنغلّة في تضاعيف الوعي الإنسانيّ، تستطيع الفلسفة أن تستلهم روحانيّة التضحية الذاتيّة والإخلاء الكيانيّ، فتتناول حقيقة المسيح في صميم جوهرها البذْليّ الأقصى. ومن ثمّ، لا قيام لفلسفةٍ مسيحيّةٍ معاصرةٍ ترفض التضحية بالذات من أجل نصرة العقل الحرّ الذي يتوق إلى الانعتاق من كلّ أصناف المنظوريّة التاريخيّة القاهرة. على قدر ما تتذكّر المسيحيّةُ أنّ المسيح أراد تحريرَ الناس من الدِّين - المؤسّسة والدِّين - العقيدة والدِّين - السلطان والدِّين - النظام، تتيح للعقل الفلسفيّ أن ينبسط في حقل الإيمان المسيحيّ يستصفي منه أبهى الفتوحات الروحيّة الراقية. ذلك بأنّ الفلسفة ترتاح إلى تدبّر حياة الخميرة الخفِرة المنحجبة المتواضعة، وتُنفِّرها الأجسامُ الصلبة، والعماراتُ الثقيلة، والبناءاتُ المرصوصة، والعقائديّاتُ المتطرّفةُ المتحجّرة، والتشريعاتُ القاهرة الخانقة. ما دامت الروح حقلَ الفلسفة المفضَّل، فإنّ مسيحيّة الروح أعذبُ على العقل الفلسفيّ من جميع أصناف المسيحيّة المتجبّرة التي اختبرها التاريخ، بحسب تعبير عون.

ومن ثمّ، تحتاج مجتمعات العالم العربيّ المعاصر إلى التفكرّ الفلسفيّ الحرّ هذا لكي تتحرّر من عقائديّتها المتصلّبة وتزمّتها الآيديولوجي المسرف. فالإيمان ينبغي أن يتحوّل في وعي الإنسان العربيّ المعاصر إلى اختبار جوّانيّ حرّ يحرّر الذات من أنانيّاتها الضيّقة وأحكامها الإقصائيّة، ويربطها بأفق روحيّ جليل يقوّم انحرافات الضمير ويهذّب الأخلاق رافعاً إيّاها إلى مصافّ القيَم الإنسانيّة السامية. ويقول عون: كلّما أعمل الإنسانُ عقلَه المستنير في أنظومته الدِّينيّة، اتّضح له أنّ التديّن الذي يسوّغ العنف والرياء والفساد إنّما ينتسب إلى ضروب العمى الآيديولوجي الذي يجب الانعتاق منه حتّى تستقيم الحياة الإنسانيّة في المجتمعات العربيّة المعاصرة.

إنّ المجلّد السابع من عشريّة الفلسفة الفرنسيّة المعاصرة لا يقدّم للقارئ العربي مادّة معرفيّة وحسب، بل يفتح أمامه فضاءً رحباً للتأمّل في إمكان قيام حوار جديد بين الإيمان والعقل، والتجربة الروحيّة والبحث الفلسفيّ. فالاطلاع على مسارات الفلسفة المسيحيّة المعاصرة يتيح للقارئ في العالم العربي، ولا سيّما في البلدان الخليجيّة التي تشهد نهضة علميّة وثقافيّة متسارعة، أن يكتشف كيف استطاع الفكر الغربيّ أن يعالج أسئلته الوجوديّة والدينيّة بجرأة نقديّة ومسؤوليّة روحيّة في آن واحد.

ولعلّ القيمة الأبرز لهذا العمل تكمن في قدرته على زحزحة التصوّرات الجامدة التي تربط بين الدين والانغلاق، إذ يكشف أن الإيمان، حين يتحرّر من ثقل المؤسّسة ومنطق السلطة، يصبح اختباراً حيّاً قادراً على إغناء البحث الفلسفيّ وتوسيع أفق الإنسان الأخلاقيّ والروحيّ. ومن هنا، يوفّر هذا المجلّد فرصة ثمينة للقارئ العربي كي يعيد التفكير في علاقته بنصوصه الدينيّة وبتراثه الفكريّ، بعيداً عن التشدّد الآيديولوجي والتفسيرات الموروثة التي تعيق نموّ العقل الحرّ.

إنّ الانخراط في هذا النوع من القراءات ليس رفاهاً ثقافيّاً، بل ضرورة معرفيّة للعبور نحو وعي فلسفيّ عربيّ أكثر نضجاً وانفتاحاً.


مقالات ذات صلة

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

كتب «الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش.

عمر البدوي (الرياض)
ثقافة وفنون دونا تارت

لماذا يكتب بعض الروائيين كثيراً ويتأخر آخرون؟

حين أصدرت أميلي نوتومب روايتها الجديدة «مراهقة الببغاء» في أغسطس (آب) الماضي، كانت تحتفل بصدور روايتها الخامسة والثلاثين منذ «نظافة القاتل» عام 1992.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

زاول العرب الصيد في الحقبة التي سبقت ظهور الإسلام، كما تؤكد الشواهد الأدبية التي تعود إلى تلك الحقبة.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون سنوات جبران الباريسية

سنوات جبران الباريسية

عاش جبران خليل جبران مرحلةً مفصليةً من حياته في العاصمة الفرنسية باريس. ففي الأول من يوليو (تموز) عام 1908، غادر مدينة بوسطن متوجهاً إلى باريس ليدرس الفنون،

شاكر نوري
ثقافة وفنون الدكة الأثرية - الإسكندرية القديمة

«إسكندرية فين؟»... كتاب يستعيد الوجه الأنثوي لعروس المتوسط

في كتابها «إسكندرية فين؟.. رحلة تناجرا» الصادر أخيراً عن دار العين للنشر بالقاهرة، لا تنطلق الكاتبة والباحثة المصرية ياسمين عبد الله، في بحثها عن مدينتها

منى أبو النصر (القاهرة)

مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
TT

مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)

قال المخرج حسام أبو دان، إن فيلماً درامياً فلسطينياً صُوّر بالكامل في غزة يهدف إلى إطلاع العالم على الصعوبات اليومية التي يواجهها الفلسطينيون، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويروي فيلم «غزة 13»، الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي يوم الثلاثاء، قصة رغد، وهي فتاة عمرها 13 عاماً بلغت حديثاً مرحلة البلوغ، وتحاول التأقلم مع الحياة برفقة والدها في قطاع غزة، سعياً إلى العثور على مساحة آمنة وسط حيرتها وحاجتها الماسة إلى الرعاية والدعم.

وقال المخرج أبو دان إن من المهم بالنسبة له أن تُروى القصة من منظور شخص عاش تجربة الحياة في غزة.

وأضاف في مقابلة مع «رويترز»: «كنت أقول دائماً إن الناس يمكنهم أن يرووا قصتك، لكن عندما ترويها أنت بطريقتك الخاصة وبلغتك الخاصة، يصبح الأمر مختلفاً. وهذا مهم جداً».

قُتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، معظمهم مدنيون، في الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي دمّر أجزاء واسعة من القطاع، وتسبب في أزمة جوع ونزوح جميع سكان غزة داخل القطاع.

واندلعت الحرب عقب الهجوم الذي شنته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون.

وقال المخرج الفلسطيني إن التصوير استغرق 12 يوماً واعتمد على طاقم صغير بسبب قيود لوجستية.

وأضاف: «عادة ما يكون طاقم التصوير كبيراً، لكننا تعمدنا إبقاء طاقمنا صغيراً جداً حتى نتمكن جميعاً من التنقل في سيارة واحدة والتحرك بسهولة».

ولم يتمكن أبو دان، الذي تحدث إلى «رويترز» من منزله في غزة، من السفر إلى تورونتو لحضور المهرجان بسبب استمرار القيود المفروضة على السفر الدولي.

ورغم أنه كان يتمنى المشاركة شخصياً في الاحتفال بالفيلم، قال إنه فخور بصنع فيلم ذي مغزى.

وقال: «ربما يعتقد كثيرون أن غزة لم يعد لديها ما تقدّمه، لذا علينا أن نذكرهم باستمرار بأننا نستحق الحياة ولدينا أحلام ولدينا كل شيء. كل ما نريده حقاً هو أن نعيش حياة طبيعية، تماماً كما يعيش الآخرون في العالم».


لماذا يكتب بعض الروائيين كثيراً ويتأخر آخرون؟

دونا تارت
دونا تارت
TT

لماذا يكتب بعض الروائيين كثيراً ويتأخر آخرون؟

دونا تارت
دونا تارت

حين أصدرت أميلي نوتومب روايتها الجديدة «مراهقة الببغاء» في أغسطس (آب) الماضي، كانت تحتفل بصدور روايتها الخامسة والثلاثين منذ «نظافة القاتل» عام 1992. غير أن المفارقة الأهم في تجربتها لا تكمن في الرقم وحده، بل في تصريحها لوسائل الإعلام بأنها تكتب نحو ثلاث روايات سنوياً، ثم تعود إلى مخطوطاتها فتختار واحدة منها للنشر، وتضع الأخريات جانباً. وقد أدهشت الكاتبة المعروفة كثيرين حين كشفت عن طقوسها في الكتابة؛ ففي مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» في أغسطس الماضي، قالت نوتومب إنها تستيقظ في الرابعة صباحاً، وتشرب الشاي المركّز، ثم تكتب أربع ساعات متواصلة قبل أن يبدأ يومها العادي، وهي الوتيرة التي تحافظ عليها كل أيام الأسبوع. تجربة نوتومب تطرح سؤالاً يتجاوز خصوصيتها: كيف يستطيع بعض الكتّاب إنتاج أعمال كثيرة، والحفاظ في الوقت نفسه على مستوى أدبي جيد، في حين يحتاج آخرون إلى أعوام طويلة قبل نشر رواية جديدة؟ هل يرتبط الأمر بالنوع الأدبي؟ أم بانضباط الكاتب؟ أم أن الإلهام، ذلك العنصر الغامض، لا يزال صاحب الكلمة الأخيرة؟

ستيفن كنغ

تقدّم تجارب الكتّاب غزيري الإنتاج جواباً أولياً: الكاتب لا ينتظر الإلهام دائماً، بل يصنع له موعداً. يكشف ستيفن كينغ، في كتابه «عن الكتابة: مذكرات حرفة»، عن أنه يضع لنفسه هدفاً يومياً يقارب ألفي كلمة، أي نحو عشر صفحات، ويعمل من أربع إلى ست ساعات يومياً. ويقول: «إن من يريد أن يكتب عليه أن يقرأ كثيراً ويكتب كثيراً». يرفض كاتب روايات الرعب والتشويق الأميركي أن يترك العمل رهينة المزاج، فهو يحوّل الكتابة عادةً تشبه القراءة أو المشي: فعل يومي لا يحتاج في كل مرة إلى قرار جديد. كما يفضّل إنجاز المسودة الأولى بوتيرة منتظمة، ثم الابتعاد عنها فترة قبل العودة إلى المراجعة؛ فالمسودة الأولى، في نظره، ليست موضع الكمال، بل مساحة لاكتشاف الرواية. أما أونوريه دو بلزاك، أحد أعمدة الأدب الفرنسي في القرن التاسع عشر، فكان يستيقظ في منتصف الليل ليجلس إلى مكتبه ساعات طويلة. وقد ارتبط اسمه بأسطورة شرب خمسين فنجاناً من القهوة يومياً، والمؤكد أن بلزاك كان يكتب بإيقاع قاسٍ، حتى إنّ مشروعه الروائي الضخم «الكوميديا الإنسانية» تطلّب منه إنتاجاً متواصلاً أرهق جسده وأضرّ بصحته.

إمبرتو إيكو

وكان إسحاق أسيموف مثالاً آخر على تحويل الكتابة عملاً يومياً منتظماً. فقد نُسب إليه نحو 477 كتاباً بين التأليف والتحرير والمشاركة، وكان يكتب أو يراجع طوال ساعات طويلة. وتحدث عن متوسط يومي بلغ ألف كلمة في مرحلة، ثم ارتفع إلى نحو 1700 كلمة في مرحلة لاحقة. ولم يكن سرّه في انتظار لحظة استثنائية، بل في قدرته على مواصلة العمل حتى في الأيام العادية، حين لا يبدو الإلهام قريباً.

وتنتمي دانييل ستيل إلى الفئة نفسها من الكتّاب الذين جعلوا الاستمرار نظاماً للحياة؛ إذ قالت في مقابلة مع دار «بنغوين راندوم هاوس» إنها تعمل دائماً، ولا تحتمل الابتعاد عن الكتابة أكثر من أسبوعين. غير أن «العمل» عندها لا يعني الكتابة المتصلة فحسب، بل يشمل التخطيط، والمراجعة، والقراءة، والتواصل مع المحررين والناشرين.

يرى الكتّاب غزيرو الإنتاج أن على الكاتب ألا ينتظر الإلهام دائماً... بل يصنع له موعداً

وبينما يمضي بعض الكتّاب في الكتابة بوتيرة غزيرة ومنتظمة، يفضّل آخرون التمهل أعواماً قبل أن يعودوا إلى القرّاء بعمل جديد. وهذا يكشف عن أن الإبداع لا يخضع لإيقاع واحد، ولا يقاس دائماً بسرعة الإنتاج أو كثرة العناوين. تقدّم الكاتبة الأميركية دونا تارت نموذجاً معاكساً. فقد احتاجت إلى نحو عشر سنوات لكتابة «التاريخ السّري»، ثم إلى عقد آخر تقريباً لإنجاز «الصديق الصغير». وفي مقابلاتها، أوضحت أنها تحب أن تمضي وقتاً طويلاً مع المشروع الواحد، وأنها لا ترى في طول المدة عبئاً أو دليلاً على العجز. حيث تكتب تارت ببطء، وتعيد النظر في التفاصيل، وقد تحذف مشاهد كاملة بعد أسابيع من العمل إذا اكتشفت أنها لا تخدم البناء العام للرواية. ولعل هذا البطء لا يعود إلى ضعف الانضباط، بل إلى انضباط مختلف: حماية النص من الاستعجال. فالكاتب السريع يحمي ساعات الكتابة من المقاطعة، في حين يحمي الكاتب البطيء حق العمل في أن يتشكل بعيداً عن ضغط السوق. كلاهما منضبط، لكن كل واحد منهما يعرّف الانضباط بطريقة مختلفة. هناك أعمال لا يمكن إنجازها بسرعة، لا لأن الكاتب أبطأ من غيره، بل لأن موضوعها يحتاج إلى بحث طويل واحتكاك بالعالم. فالكاتب الذي يتناول حقبة تاريخية أو شخصية سياسية أو مجتمعاً بعيداً لا يستطيع أن يكتفي بلمعة أولى أو بمعلومات متناثرة.

أمبرتو إيكو مثال بارز على ذلك. فقد قال الكاتب والمفكر الإيطالي في حوار مع مجلة «باريس ريفيو» إن رواية «اسم الوردة» احتاجت إلى عامين من الكتابة، لكنه كان يمتلك قبل ذلك سنوات من التخصص في تاريخ العصور الوسطى ومئات الملفات والملاحظات. أما رواية «بندول فوكو»، فقد استغرقت منه ثمانية أعوام في البحث والكتابة. لم يكتفِ فيها إيكو بقراءة الكتب، بل بحث في المخطوطات والعمارة وأسماء الرهبان وتفاصيل الأديرة والطقوس الدينية.

وكان يعرف أن الرواية التاريخية لا تقنع بمجرد الحكاية؛ إنها تحتاج إلى بنية معرفية تمنح الخيال قوة الحقيقة. وقد لا تظهر كل هذه المعرفة على سطح النص، لكنها تمنحه كثافته ومصداقيته. وينطبق الأمر نفسه على البريطانية هيلاري مانتل في ثلاثيتها عن توماس كرومويل؛ فهي لم تكتفِ بقراءة المصادر التاريخية، بل استعانت بالمؤرخين وأمناء الأرشيف المختصين في حكم آل تيودور، وعملت على وثائق ومراسلات وملاحظات بحثية. وفي مقابلة مع «تايمز هاير إديوكيشن»، تحدثت عن العلاقة التكاملية بين الروائي والمؤرخ، وعن أهمية دراسة التفاصيل السياسية والاجتماعية. أما الروائي الأميركي جيمس ميشينر، فقد احتاج إلى عامين من البحث قبل كتابة روايته التاريخية «تشيسابيك»؛ إذ انتقل إلى المنطقة التي تتناولها الرواية، وتحدث إلى سكانها، وقرأ مئات الكتب، ثم أمضى عامين آخرين في الكتابة. لم يكن الزمن هنا علامة على بطء شخصي، بل كان جزءاً من أمانة المشروع الأدبي. قد تكتب نوتومب ثلاث روايات في السنة، وقد ينتظر قارئ تارت عشر سنوات، وقد يملأ كينغ آلاف الصفحات وفق حصته اليومية، لكن لا توجد وصفة واحدة للكتابة الجيدة. هناك فقط علاقة خاصة بين الكاتب والزمن: بعضهم يحوّل الزمن عادةً، وبعضهم يحوّله بحثاً، وبعضهم يحوّله صمتاً طويلاً.


صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي
لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي
TT

صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي
لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي

زاول العرب الصيد في الحقبة التي سبقت ظهور الإسلام، كما تؤكد الشواهد الأدبية التي تعود إلى تلك الحقبة. وتطوّرت هذه الممارسة بشكل كبير في كنف الأسرة الأموية، وباتت لها طقوس وتقاليد خاصة بها، أشار الرواة إليها في العديد من الأخبار والروايات. أسوة بالغساسنة، شيد أسياد هذه الأسرة القصور والمشاتي في أطراف بوادي الشام وغور الأردن للاستراحة والاستجمام والصيد واللهو، وتميّزت هذه المنشآت بفنها المعماري الذي مزج بين طرز الروم والفرس، كما تميّزت بحللها التزيينية التصويرية. يحوي هذا الميراث صوراً تشهد لانتشار فنون الصيد في ذلك العهد، أشهرها تلك التي تزيّن بعضاً من جدران قصير عمرة في غور الأردن. إلى جانب هذه اللوحات الجدارية، تبرز لوحة أرضية من الحجم الكبير، تصور فارساً يصطاد الغزلان، مصدرها قصر الحير الغربي، جنوب غرب تدمر، في البادية السورية.

عُثر على هذه اللوحة خلال أعمال المسح التي كشفت عن القصر في خريف عام 1936، وتمّ نقلها في العام التالي إلى متحف دمشق الوطني حيث جرى تثبيتها في جناح خصّص بأكمله لهذا الموقع الأثري الأموي. وقد أُنجزت على قاعدة من الملاط الجصِّي الجاف، ومساحتها شبه مربّعة، طولها 5 أمتار، وعرضها 4.85 متر. يحد هذا اللوح إطار زخرفي عريض يتبع التقليد الساساني، وقوامه سلسلة متناسقة تعتمد شكل المُعين الرباعي الأضلع، تعلوها أزهار محوّرة هندسياً على شكل أنجم. يجمع هذا العمل التشكيلي بين لوحتين مستطيلتين، تعلو إحداهما الأخرى، ويفصل بينهما شريطان أفقيان سطّرا باللون الأحمر، يتوسّطهما شريط أسود. تحضر في الأعلى لوحة تجمع بين عازف عود وعازف مزمار، وتقابلها اللوحة التي تصور فارساً يصطاد الغزلان. وتشير التقارير إلى لوحة ثالثة مهشّمة ضاع أثرها، تحتلّ القسم الأسفل من التأليف.

يظهر هذا الفارس في وضعية جانبية ممتطياً جواده، وسط مساحة مجرّدة تخلو من أي عنصر تصويري يشير إلى أبعاد الفضاء المنظور. الحركة حية في الظاهر، غير أنّها ثابتة، ويسودها الجمود والسكون. الحصان أسود، وقائمتاه الأماميتان مرفوعتان نحو الأمام، أما قائمتاه الخلفيتان فممتدتان إلى الخلف، ويعلو ظهره سرج أبيض، يربطه شريط رفيع يلتف حول العنق ومؤخرة الظهر، كما يحيط بأنفه لجام. مفاصل بدنه ورأسه محدّدة بدقة، وأنفه مطوّق بلجام عريض. يعتلي صهوة هذا الجواد فارس أمرد، يرفع بيده اليمنى سهماً، وبيده اليسرى قوس النشاب. الوجه نصف جانبي، وبنيته دائرية، وملامحه مرسومة بخط أسود. العينان شاخصتان إلى الأمام، وهما على شكل لوزتين عريضتين، يعلوهما حاجبان مقوّسان منفصلان. الأنف قصير ومختزل، والثغر منمنم، قوامه شق صغير يفصل بين شفتين ممحوتين. يعلو الرأس شعر أسود كثيف يتكون من كتلتين متراصتين، يحيط بهما إكليل يزينه شريط عريض معقود، يتطاير طرفاه أفقياً من الخلف.

الحركة ثابتة، وخيط الرسم يسود على الصياغة اللونية المختزلة. أصابع اليدين ظاهرة ومجسّدة بدقة. السهم أحمر ورفيع، قوس النشاب عريض، وموشّح بلون يميل إلى الأخضر الفاتح. الصدر نصف جانبي كما الوجه، أما الساق فجانبية. اللباس قوامه ثوب طويل، يعلوه حزام معقود حول الخصر، يتدلّى منه وشاح عريض أخضر يتطاير في الأفق فوق ظهر الحصان. القسم الأسفل من هذا الرداء مفتوح، وشقّه يكشف عن سروال فضفاض، يتكوّن من قطعتين متصلتين.

صيغت القطعة العليا باللون الأحمر الأرجواني وصيغت القطعة السفلى باللون الأخضر اللازوردي، وبدا طرفها معقوداً حول عَقِب القدم. الحذاء ظاهر، وهو بسيط ويخلو من أي تفاصيل. يحيط بالخصر حزام ثان، يتدلّى منه نِجَاد مستطيل عريض. يصوّب الصياد سهمه في اتجاه غزال يركض إلى الأمام، مديراً برأسه إلى الخلف، وكأنّه يحدّق بالفارس المتربّص به. ويظهر في طرف اللوحة الأسفل غزال آخر، تهاوى أرضاً، وأغمض عينيه.

تتبع هذه اللوحة الطراز الساساني، كما يشهد لباس الفارس بتفاصيله المختلفة، والأسلوب الفني المتبع في صياغة الرسم والحلة اللونية. وهذا الطراز معروف في سوريا، وحاضر في ميراث دورا أوروبوس، المدينة الأثرية التي تقع في بادية الشام، نواحي دير الزور، وتُعرف اليوم باسم الصالحية. تعلو هذه اللوحة لوحة أخرى بدت مشوّهة عند اكتشاف هذا الأثر، وضاع أثرها لاحقاً. تمثّل هذه اللوحة كذلك مشهد صيد، كما يشهد رسم توثيقي أنجز عند اكتشافها، وفيه يظهر كلب من النوع السلوقي يقفز في اتجاه طريدة يصعب تحديد هويّتها، إلى جوار خادم يسير وهو يجرّ من خلفه أيلاً يعلو رأسه قرنان كبيران.

في كتابه «تاريخ التمدّن الإسلامي»، أشار جرجي زيدان إلى تطوّر فنون الصيد، وقال: «كان الصيد معروفاً في الجاهلية، ولكنه كان قاصراً على صيد غزال أو طائر بالنبل أو الفخ، فلما تمدّن العرب بعد الإسلام وخالطوا الفرس والروم، توسعوا في طرائق الصيد والقنص، فاتّخذوا الجوارح من الطير، وهي الباز والشاهين والعقاب والصقر يعلمونها صيد الطيور، وغالوا في اقتناء الكلاب والفهود ونحوها، يستعينون بها على صيد الخنازير والغزلان وحمر الوحش». تعكس لوحة قصر الحير الغربي هذا التطور، كما تعكس الأثر الساساني في هذا الميدان.

يظهر الصياد بهيئة فارس يمارس هذا النشاط الذي وُصف بأنه «لذة»، كما يشهد قول امرئ القيس: «كأني لم أركب جواداً للذة/ ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال». ويظهر الكلب السلوقي الذي ذاع صيته في الصيد والقنص، كما يشهد قول الشاعر الأموي القطامي: «ومعهم ضوار من سلوق كأنها/ حصن تجول تجرر الأرسان».