مؤتمر دولي في الجزائر يناقش «تجريم الاستعمار» في أفريقيا

وزراء وخبراء يبحثون على مدى يومين تحديد آليات لجبر الضرر

مشاركون في «مؤتمر جرائم الاستعمار في أفريقيا» في الجزائر الأحد (الخارجية الجزائرية)
مشاركون في «مؤتمر جرائم الاستعمار في أفريقيا» في الجزائر الأحد (الخارجية الجزائرية)
TT

مؤتمر دولي في الجزائر يناقش «تجريم الاستعمار» في أفريقيا

مشاركون في «مؤتمر جرائم الاستعمار في أفريقيا» في الجزائر الأحد (الخارجية الجزائرية)
مشاركون في «مؤتمر جرائم الاستعمار في أفريقيا» في الجزائر الأحد (الخارجية الجزائرية)

أفاد وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، الأحد، بأن بلاده تعرضت خلال الاستعمار الفرنسي (1830 - 1962) إلى «إبادات ومجازر وحملات تهجير قسري»، تراوح عدد ضحاياها ما بين مليونين وثلاثة ملايين شخص، أي ما يمثل ثلث السكان آنذاك، لافتاً إلى أن صحراء الجزائر «ما زالت تحمل إلى اليوم ندوب التجارب النووية الفرنسية، التي خلّفت آثاراً مدمرة على الإنسان والبيئة».

 

وزير الخارجية أحمد عطاف في افتتاح المؤتمر الأحد (الخارجية الجزائرية)

 

وكان عطاف يتحدث بمناسبة افتتاح مؤتمر دولي حول «جرائم الاستعمار في القارة الأفريقية»، يستمر يومين في العاصمة الجزائر، ويجمع وزراء ومحامين ومؤرخين وخبراء أفارقة ومن منطقة الكاريبي، وآخرين من مختلف مناطق العالم، لإدانة جرائم الاستعمار، في محاكمة رمزية للدول الاستعمارية (فرنسا وبريطانيا وبلجيكا وألمانيا) التي احتلت القارة في القرنين التاسع عشر والعشرين.

«تصفية رواسب الاستعمار»

وقال عطاف إن «الوقت قد حان لتصفية رواسب الاستعمار بكل تجلياتها، كما حان وقت تصفية الاستعمار ذاته تصفية نهائية»، لافتاً إلى الصحراء وفلسطين. وأكد أن «لأفريقيا الحق في المطالبة بالاعتراف الصريح بجرائم الاستعمار، لأن الاعتراف هو أول خطوات معالجة رواسب حقبة دفعت الشعوب الأفريقية ثمناً باهظاً لها. ولأفريقيا الحق في تجريم الاستعمار تجريماً قانونياً دولياً لا لبس فيه». وأضاف: «كما جرّمت المجموعة الدولية العبودية والفصل العنصري، فقد حان الوقت لتجريم الاستعمار ذاته. ولأفريقيا الحق في التعويض العادل واستعادة الممتلكات المنهوبة، فالتعويض ليس مِنّة ولا صدقة، بل حق تكفله القوانين والأعراف الدولية».

وتابع عطاف أن «ما يجمعنا اليوم ليس مجرد شعار مرفوع، بل أمانة في أعناقنا جميعاً؛ أمانة لا بد من أدائها كاملة غير منقوصة.

 

صورة لأحد التفجيرات النووية الفرنسية في الجزائر عام 1961 (أرشيفية)

 

وشدد الوزير الجزائري على أن «الذاكرة الأفريقية ترفض النسيان. كيف تنسى ما خلّفه الاستعمار في الكونغو من إبادة واستعباد؟ وكيف تنسى إبادة شعب الباميليكي في الكاميرون وجرائم حرق القرى وقطع الرؤوس والتجارب بالغازات السامة؟ وكيف تنسى إبادة شعبي الهيريرو والناما في ناميبيا؟ وكيف تنسى القمع والقتل والتهجير في أنغولا وموزمبيق ومدغشقر وغيرها من ربوع أفريقيا التي طالتها يد المستعمِر الآثمة، أو بالأحرى يد (المستَدمِر) المتجبر؟».

«إحلال شعب محل شعب»

وأبرز عطاف أن «محنة الجزائر نموذج نادر في التاريخ؛ فالاستعمار الفرنسي في الجزائر لم يكن استعماراً استغلالياً، بل كان استعماراً استيطانياً كامل المعنى: استعمار أراد ضم وطنٍ إلى وطن، وإحلال شعب محل شعب، ومحو أمة بأكملها في مكوناتها ومؤسساتها وهويتها وثقافتها ودينها ولغتها. لقد كان أطول وأعنف مشروع استعماري استيطاني في التاريخ الحديث: مائة واثنان وثلاثون عاماً من الاستعمار، ومائة واثنان وثلاثون عاماً من المقاومة دون انقطاع، ومائة واثنان وثلاثون عاماً من الجرائم الاستعمارية بلا هدنة ولا رحمة».

وجاء قرار تنظيم «مؤتمر محاكمة الاستعمار» عقب مصادقة الجمعية العامة للاتحاد الأفريقي، في فبراير (شباط) الماضي، استجابة للمبادرة التي تقدّمت بها الجزائر لاحتضان مؤتمر يُعنى بتحقيق العدالة للأفارقة وللأشخاص المنحدرين من أصل أفريقي، من خلال وضع وتحديد آليات عملية وفعّالة لجبر الضرر الناجم عن الحقبة الاستعمارية.

ومعروف أن الجزائر تضع «الاعتراف بجرائم الاستعمار ودفع التعويض»، أحدَ شروط إقامة علاقات طبيعية مع فرنسا، خصوصاً ما تعلق بمخلفات التجارب النووية التي أجرتها في صحراء الجزائر بين 1962 و1966. ويُطلَق على هذا الملف «الذاكرة».

جانب من جلسات «مؤتمر جرائم الاستعمار في أفريقيا» في الجزائر الأحد (الخارجية الجزائرية)

"التحدث بصوت واحد"

ومن خلال احتضان هذا المؤتمر، الأول من نوعه في القارّة، تسعى الجزائر إلى الإسهام في تعزيز البنية الأفريقية للعدالة التاريخية، عبر توفير منصة حوار رفيعة المستوى ترمي إلى ترسيخ الاعتراف الدولي بالجرائم الاستعمارية، وتعزيز آليات ملموسة لجبر الضرر. وتتمثل أهداف مؤتمر الجزائر، حسبما جاء في الأوراق التي يبحثها الخبراء، في توحيد الموقف الأفريقي حول العدالة التاريخية والتعويضات واسترجاع الممتلكات الثقافية، وصون الذاكرة الجماعية. كما ستتناول الجلسات مختلف أبعاد الجرائم الاستعمارية: الإنسانية والثقافية والاقتصادية والبيئية والقانونية. ويرتكز النقاش على الصدمات العابرة للأجيال، ونهب وتدمير التراث الثقافي الأفريقي، واستغلال الموارد، والنماذج الاقتصادية غير العادلة الموروثة عن الاستعمار، إضافة إلى الآثار البيئية مثل التجارب النووية التي أُجريت على السكان المدنيين.

ومن المتوقَّع أيضاً أن يبحث المشاركون السبل القانونية لتعزيز تجريم الاستعمار، وإنشاء آلية أفريقية دائمة للتعويضات واسترجاع الممتلكات. ويُنتظر بالخصوص أن يعتمد المشاركون «إعلان الجزائر»، الذي سيُعرض على قمة الاتحاد الأفريقي في فبراير (شباط) 2026 لدراسته والمصادقة عليه. ومن المفترض أن تشكّل هذا الوثيقة مرجعاً قارياً بشأن الجرائم الاستعمارية والاعتراف بآثارها، ووضع استراتيجية أفريقية للعدالة وجبر الضرر.



«الوطني الليبي» ينفي سيطرة مجموعات مسلحة على شريط حدودي بالجنوب

قائد «الجيش الوطني» الليبي المشير خليفة حفتر (إعلام القيادة العامة)
قائد «الجيش الوطني» الليبي المشير خليفة حفتر (إعلام القيادة العامة)
TT

«الوطني الليبي» ينفي سيطرة مجموعات مسلحة على شريط حدودي بالجنوب

قائد «الجيش الوطني» الليبي المشير خليفة حفتر (إعلام القيادة العامة)
قائد «الجيش الوطني» الليبي المشير خليفة حفتر (إعلام القيادة العامة)

نفى مصدر عسكري ليبي مسؤول، تابع لـ«الجيش الوطني الليبي»، بقيادة المشير خليفة حفتر، ما تم تداوله عبر صفحات ليبية حول فرض مجموعات مسلحة سيطرتها على الشريط الحدودي بمنطقة جبل العوينات، ومحيط مطار معطن السارة، في جنوب شرقي البلاد.

ووصف المصدر العسكري ذاته، الذي رفض الكشف عن هويته، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» هذه الأنباء بأنها «مزاعم عارية عن الصحة»، مدرجاً إياها في إطار «حملات تضليل ممنهجة، تقودها جهات معادية ومرتزقة بهدف إرباك الرأي العام، وتشويه حقيقة الأوضاع الأمنية في الجنوب الليبي». مشدداً على أن «الحدود الليبية الجنوبية تخضع بشكل كامل لسيطرة وحدات الجيش الوطني الليبي»، وموضحاً أن القوات المنتشرة في المنطقة تواصل تنفيذ مهامها في تأمين المنافذ، ومكافحة التهريب والجريمة المنظمة العابرة للحدود.

وأضاف المصدر أن «الوضع الميداني مستقر وتحت السيطرة»، مؤكداً جاهزية القوات للتعامل مع أي تحركات تهدد الأمن والاستقرار في الجنوب.

وكانت ما تسمي نفسها «غرفة عمليات تحرير الجنوب الليبي» قد زعمت في وقت سابق أنها أغلقت جميع المنافذ البرية في الجنوب، حسب وصفها، في إطار إجراءات لمكافحة التهريب والجريمة المنظمة العابرة للحدود.

وتحدثت الغرفة، في بيان تداولته بعض وسائل إعلام محلية، عن رصد ما قالت إنها معلومات ميدانية واستخباراتية، تتحدث عن «بعض الخروق الأمنية، وارتفاع وتيرة النشاط الإجرامي في الجنوب الشرقي، خصوصاً قرب المثلث الحدودي بين ليبيا وتشاد والسودان». مضيفة أنها عززت وحدات الدوريات العسكرية بقوات إضافية بهدف تأمين الشريط الحدودي، لا سيما في محيط جبل العوينات ومطار معطن السارة العسكري، ومشيرة إلى ملاحقة المركبات المخالفة لتعليماتها. كما جددت الغرفة تنويهها بأن المنافذ البرية الجنوبية مع السودان وتشاد والنيجر ما زالت مغلقة.

غير أن مصدراً عسكرياً آخر شكك فيما يصدر عن هذه الغرفة، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إنها «ليست غرفة نظامية تتبع الإجراءات والقوانين العسكرية». مبرزاً أنها «لا تملك مقراً معروفاً، ولا يُلاحظ لها وجود فعلي على الأرض في الجنوب»، وعدَّ أنها «عبارة عن وحدات متبعثرة تنشط في الصحراء. ولا نعرف لها جهة أو قيادة تتبعها».

رئيس أركان «الجيش الوطني» الليبي الفريق أول خالد حفتر خلال تفقده معبر التوم الحدودي الأربعاء الماضي (إعلام القيادة العامة)

وتصاعدت وتيرة القلق الليبي عقب الهجوم، الذي طال منفذ التوم، ونقطتَي وادي بوغرارة والسلفادور في الجنوب الليبي نهاية الشهر الماضي، والذي نُسب إلى مجموعات وصفتها القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» بأنها «عناصر مسلحة إرهابية»، وسرعان ما استعادت السيطرة على المعبر خلال وقت وجيز.

وسبق أن حذر الفريق خالد حفتر، رئيس أركان «الجيش الوطني» الليبي ونجل قائده العام المشير خليفة حفتر، من تنامي النشاطات الإجرامية والتهديدات الإرهابية، التي تجتاح الفضاء الإقليمي، مشدداً على أن الفشل الأمني في أي دولة «يمثل تهديداً مباشراً لأمن محيطها بالكامل»، وذلك خلال مؤتمر لرؤساء أركان دول حوض المتوسط وجنوب الصحراء في بنغازي، الثلاثاء.

ويأتي هذا القلق المتزايد وسط وقع انقسام عسكري ليبي مستمر بين قوات «الجيش الوطني» بقيادة حفتر، التي تسيطر على شرق البلاد وأجزاء واسعة من جنوبها، في مقابل قوات وتشكيلات مسلحة تابعة لحكومة الوحدة الوطنية في غرب البلاد.

النمروش في جلسة مباحثات مع الأدميرال كريستوف لوكاس قائد الأسطول الفرنسي بالبحر المتوسط (رئاسة الأركان في غرب ليبيا)

في غضون ذلك، أجرى رئيس أركان القوات التابعة لحكومة الوحدة في غرب البلاد، الفريق صلاح الدين النمروش، مباحثات مع الأدميرال كريستوف لوكاس، قائد الأسطول الفرنسي في منطقة البحر الأبيض المتوسط، في أول زيارة رسمية يقوم بها القائد الفرنسي إلى ليبيا.

واستعرض النمروش، خلال مباحثاته في طرابلس مع المسؤول العسكري الفرنسي عدداً من القضايا ذات الاهتمام المشترك، إلى جانب مناقشة مجالات التعاون الثنائي بين البلدين، بما يخدم الأمن والاستقرار في منطقة البحر الأبيض المتوسط، حسب بيان رئاسة الأركان.

وعدّ النمروش هذه الزيارة تعدّ انعكاساً «لأهمية التواصل والتنسيق بين المؤسستين العسكريتين الليبية والفرنسية، وتعزز مسارات التعاون المشترك».


الدبيبة يبحث مع مسؤول بقوة «أفريكوم» الشراكة مع أميركا لدعم الاستقرار

رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة (الوحدة)
رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة (الوحدة)
TT

الدبيبة يبحث مع مسؤول بقوة «أفريكوم» الشراكة مع أميركا لدعم الاستقرار

رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة (الوحدة)
رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة (الوحدة)

بحث رئيس حكومة الوحدة الوطنية وزير الدفاع في ليبيا، عبد الحميد الدبيبة، اليوم الأربعاء، في طرابلس، مع نائب قائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، الفريق أول جون دبليو برينان، آفاق تعزيز التعاون العسكري والأمني بين البلدين، وتطوير برامج التدريب والتأهيل، ودعم جهود توحيد المؤسسة العسكرية، إلى جانب مناقشة التنسيق المشترك في مجالات تبادل المعلومات وبناء القدرات، حسب ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وشارك في اللقاء الذي حضره القائم بالأعمال بسفارة الأميركية لدى ليبيا، جيرمي بيرنت، وكيل وزارة الدفاع، ومدير إدارة الاستخبارات العسكرية، وفقاً لوكالة الأنباء الليبية «وال».

ونقل المكتب الإعلامي للحكومة عن الدبيبة تأكيده خلال اللقاء على أهمية الشراكة مع الولايات المتحدة في دعم الاستقرار، وتعزيز جاهزية المؤسسات العسكرية النظامية، مشدداً على ضرورة أن يتركز التعاون على نقل الخبرات، ورفع الكفاءة الفنية بما يخدم سيادة الدولة وأمنها.

وحسب المكتب، فقد أعرب نائب قائد «أفريكوم» عن استعداد بلاده لمواصلة العمل المشترك مع وزارة الدفاع، وتوسيع مجالات الدعم الفني والتدريبي، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في ليبيا والمنطقة.


تصنيف ليبيا بين أكثر 5 دول فساداً في العالم يفجر غضب الليبيين

رئيس جهاز ديوان المحاسبة الليبي خالد شكشك متحدثاً خلال ملتقى في مدينة جنزور الأربعاء (إدارة الإعلام بالحرس البلدي)
رئيس جهاز ديوان المحاسبة الليبي خالد شكشك متحدثاً خلال ملتقى في مدينة جنزور الأربعاء (إدارة الإعلام بالحرس البلدي)
TT

تصنيف ليبيا بين أكثر 5 دول فساداً في العالم يفجر غضب الليبيين

رئيس جهاز ديوان المحاسبة الليبي خالد شكشك متحدثاً خلال ملتقى في مدينة جنزور الأربعاء (إدارة الإعلام بالحرس البلدي)
رئيس جهاز ديوان المحاسبة الليبي خالد شكشك متحدثاً خلال ملتقى في مدينة جنزور الأربعاء (إدارة الإعلام بالحرس البلدي)

عمَّت أجواء من المرارة والغضب الواسع بين شرائح كبيرة من الليبيين، بعد تصنيف بلادهم ضمن أكثر خمس دول فساداً في العالم، وفق تقديرات منظمة الشفافية الدولية الصادرة مؤخراً.

ورغم أن الفساد في ليبيا لم يعد أمراً مفاجئاً للمواطنين، فإن هذا التصنيف أثار نقاشاً واسعاً على صفحات التواصل الاجتماعي، بين إعلاميين ونشطاء مدنيين، مؤكدين أن المؤشر «كشف عن حقيقة مُرّة عاشها الليبيون سنوات طويلة: دولة بلا حسم، وفساد متفشٍّ تحت غطاء الفوضى وغياب القرار».

وتشير البيانات إلى أن تصنيف ليبيا في مؤشر مدركات الفساد تراجع في أحدث تصنيف إلى المرتبة 177 من أصل 182 دولة في 2025، بعد أن كان في المرتبة 173 من 180 دولة عام 2024، مما يعكس استمرار تفاقم مستويات الفساد وغياب أي تحسن ملموس خلال العامين الأخيرين.

وعلق الناشط المدني سراج البوعيشي على التصنيف، معتبراً أنه لا يمثل مجرد «صدمة»، بل هو «كشف رسمي عن حقيقة مُرّة عاشها الليبيون سنوات طويلة: مؤسسات مخترَقة، وفساد تمدّد تحت غطاء الفوضى وغياب القرار»، ليعكس بذلك إحساس المجتمع المدني بالواقع الصعب الذي تعيشه البلاد.

الدبيبة ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة خلال احتفال اليوم العالمي للفساد في طرابلس ديسمبر الماضي (المجلس الأعلى للدولة)

وسارع رئيس ديوان المحاسبة، خالد شكشك، إلى التعليق على التصنيف، عازياً السبب إلى «الانقسام السياسي، وتهريب المحروقات والبشر، والانفلات الأمني». وأقر خلال ملتقى في جنزور (غرب طرابلس)، الأربعاء، بأن ليبيا تفتقر إلى الشفافية، ولا تمتلك إطاراً واضحاً لمعالجة هذه الظاهرة، مشيراً إلى أن الديوان أطلق «استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد وللاستجابة لهذه التحديات».

إلا أن الإعلامي الليبي، خليل الحاسي، رأى أن الجهود الرسمية لا تزال محدودة، مشيراً إلى «غياب فاعلية منظومة مكافحة الفساد وأجهزتها ومؤسساتها المعنية، من البرلمان والرقابة الإدارية، إلى مكتب النائب العام وديوان المحاسبة»، مؤكداً في منشور عبر صفحته الرسمية على «فيسبوك» أن «المؤشر لا يُدين الحكومات فقط، بل يُحمِّل المسؤولية أولاً للجهات السيادية الكبرى، المكلفة بمواجهة الفساد ومحاسبة السلطة».

وفي الوقت الذي تحاول فيه الحكومة تأكيد جهودها، رصدت صفحات ليبية مهتمة بمكافحة الفساد، المفارقة بين هذا التصنيف الدولي، واحتفالات حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، باليوم العالمي لمكافحة الفساد في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حيث أكدت الحكومة التزامها بمحاربة الفساد، دون أن يلمس المواطنون تحسناً حقيقياً على أرض الواقع.

ومنذ مطلع الأسبوع، كشفت النيابة العامة عن وقائع تزوير الهوية الوطنية، كما تقرر حبس مسؤول في مستشفى غريان المركزي التعليمي (غرب). فيما أعلن النائب العام الصديق الصور، ضبط واعتقال موظفين ومسؤولين حاليين وسابقين في حكومة الوحدة الوطنية بتهم فساد، في خطوة أثارت شكوكاً واسعة بين الليبيين حول إمكانية التصدّي للفساد بشكل فعلي.

وسبق أن أعلن رئيس «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة، قبل أكثر من عام، «استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد»، وجدد خلال احتفال باليوم العالمي لمكافحة الفساد في ديسمبر الماضي، تأكيد أهمية دراسة مواطن الخلل في الأنظمة الإدارية، ومراجعة الإجراءات التي تسهم في انتشار الفساد، مع العمل على صياغة مقترحات لتعديلها، واعتماد معايير جديدة لاختيار القيادات الإدارية.

النائب العام الليبي الصديق الصور (مكتب النائب العام)

ويرى الدكتور مصطفى بن حكومة، الباحث والأكاديمي في التنمية المستدامة، أن استمرار تفاقم الفساد يعكس «غياب بيئة الحوكمة الفاعلة»، وعزا ذلك في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى عدة أسباب رئيسية، منها ضعف الدولة الموحدة، والمؤسسات التنفيذية المتماسكة، وغياب التطبيق الصارم للقوانين، والاعتماد الكبير على الاقتصاد الريعي النفطي، إلى جانب تفاقم نفوذ الجماعات المسلحة وشبكات التهريب، وضعف الشفافية والرقابة المجتمعية.

وتعيش ليبيا على وقع انقسام سياسي بين حكومتين، إحداهما في غرب البلاد برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والأخرى في شرق البلاد وجنوبها برئاسة أسامة حماد، مما يعقد -حسب مراقبين- جهود مكافحة الفساد، ويعوق بناء مؤسسات قوية وقادرة على فرض الرقابة، ويجعل الصدمة الدولية التي أحدثها تصنيف «منظمة الشفافية الدولية» قابلة للتكرار، ما دام تعزيز الحوكمة والمساءلة والشفافية في البلاد لم يتم.