أفلام «صنع في قطر» تراهن على الموضوعات الإنسانية والنماذج الملهمة

«فيلا 187» و«مشروع عائشة» و«العقيق: الزخم الافتراضي» من بينها

أفلام «صنع في قطر» راهنت على موضوعات إنسانية (مؤسسة الدوحة للأفلام)
أفلام «صنع في قطر» راهنت على موضوعات إنسانية (مؤسسة الدوحة للأفلام)
TT

أفلام «صنع في قطر» تراهن على الموضوعات الإنسانية والنماذج الملهمة

أفلام «صنع في قطر» راهنت على موضوعات إنسانية (مؤسسة الدوحة للأفلام)
أفلام «صنع في قطر» راهنت على موضوعات إنسانية (مؤسسة الدوحة للأفلام)

وثَّقت أفلام مسابقة «صنع في قطر»، موضوعات إنسانية وتجارب شخصية وبرامج توعوية ضمن أحداثها، جذبت انتباه الجمهور خلال فعاليات مهرجان «الدوحة السينمائي» 2025، ووفق صناع الأفلام فإن المنظومة السينمائية في قطر شهدت تحولات نوعية خلال السنوات الماضية، بفضل المبادرات التي تطلقها «مؤسسة الدوحة للأفلام»، ودعم عدد من صناع الأفلام من المواطنين والمقيمين.

في السياق، تحدث صناع شاركوا ضمن المسابقة عن القصة وكواليس تنفيذ أعمالهم تحت مظلة المؤسسة، بعد اعتماد عدد كبير منهم على سرد قصص متنوعة تعكس اهتمامهم بهذا الجانب بشكل بارز، مؤكدين أن المؤسسة، أتاحت لهم العديد من الفرص غير المسبوقة لتطوير مهاراتهم والوصول إلى جمهور عالمي.

ويشارك في مسابقة «صنع في قطر»، 9 أفلام هي «فيلا 187»، إخراج إيمان ميرغني، و«العقيق... الزخم الافتراضي»، إخراج محمد السويدي، وكمام المعاضيد، و«مسرح الأحلام» إخراج فاطمة الغانم، و«باب يذوب»، إخراج كريم عمارة، والذي شارك كعضو في لجنة تحكيم مهرجان «أجيال السينمائي» قبل 10 سنوات، و«فهد الغاضب»، إخراج جاستين كريمر، و«هل هذه علامة!»، إخراج ماريا جوزيف، وفيلم «قضاء وقدر» إخراج مريم المحمد، و«جريد النخل»، إخراج مهدي علي، و«يوم الجمعة»، إخراج هيا الكواري.

الكاتبة والمخرجة القطرية فاطمة الغانم، مخرجة فيلم «مسرح الأحلام»، والذي يحتفي بفريق كرة القدم النسائية في قطر، أكدت لـ«الشرق الأوسط»، أن «مشاركة المرأة في المجال الرياضي من القضايا التي تثير اهتماماً واسعاً في العالم العربي، حيث تتراوح التحديات بين القيود الاجتماعية والصور النمطية، وفي الوقت نفسه تبرز العديد من النماذج الملهمة التي تسعى لتحقيق التغيير الإيجابي».

الأفلام شهدت تنوعاً في موضوعاتها وراهنت على نماذج ملهمة (مؤسسة الدوحة للأفلام)

وأوضحت فاطمة أن دعم «مؤسسة الدوحة»، مكنها من طرح القضية التي تهدف لزيادة الاهتمام والوعي بأهمية مشاركة المرأة في الرياضة، مؤكدة أن لديها إحساس متزايد بأن المستقبل سيحمل فرصاً أكبر للرياضيات العربيات، خصوصاً مع تزايد الدعم من القيادات النسائية في المجالات المختلفة.

وتدور أحداث «مسرح الأحلام»، خلال فعاليات كأس العالم لكرة القدم، والتي أقيمت في قطر قبل 3 سنوات، حيث يستكشف الفيلم حكايات شخصية نسائية بهدف إظهار التحديات التي واجهها الفريق وقائدته، والثمن العاطفي الذي دفعوه، خصوصاً أنهن من أوائل النساء اللواتي كسرن المحظور للمطالبة بحقهن في ممارسة اللعبة.

وكشف المخرج القطري فهد النهدي مخرج فيلم «مشروع عائشة»، أنه تأثر في سرد وإخراج الفيلم بأحداث شاهدها بعينه عندما كان يدرس في الجامعة: «هذه الواقعة ساهمت في إبراز تفاصيل عدة في العلاقة بين الأم وابنتها مع تفاصيل أخرى من الخيال».

ويروي فيلم «مشروع عائشة»، قصة أمل، جراحة الأعصاب، والتي تكاد تفقد ابنتها عائشة في حادث، ورغم النصائح الطبية، تقرر أمل الاعتناء بابنتها بنفسها، غير أن أساليبها المشكوك فيها أدت لنفور عائلتها منها، وتعرض عائشة لمصير أسوأ من الموت.

واعتبر النهدي، والذي يعمل في مجال الإخراج منذ 10 سنوات، أن ردود فعل الناس تمحورت حول جرأة الفكرة، وتفاصيل العلاقة بين الأم وابنتها، والمشاعر المختلفة عن المعتاد في مجتمعاتنا العربية، موضحاً شغفه بالتركيز على العلاقات المجتمعية، والمشاعر الإنسانية في أعماله.

بدوره قال المخرج القطري محمد السويدي، الذي يعمل مع مؤسسة الدوحة، منذ سنوات كفنان تحريك للرسوم ومحاضر، ويشارك في المسابقة بفيلم الأنيميشن «العقيق: الزخم الافتراضي»، إن فكرة الفيلم بدأت من رغبته في تقديم «البطل الخارق المحلي» عبر توليفة جديدة، مستوحاة من التراث والموارد الطبيعية في المنطقة، موضحاً أن هذا التوجه يعكس حرصه على بناء هوية فنية محلية تربط الأطفال والشباب بقصصهم وثقافتهم.

وأضاف السويدي لـ«الشرق الأوسط»، أن «شخصية البطل الشعبي المحلية موجودة منذ سنوات، لكن بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج وانتشار الأعمال المدبلجة والمستوردة، أصبحت المنافسة صعبة»، مؤكداً أن هذه النوعية من الأفلام مظلومة في عالمنا العربي.

ويحكي فيلم «العقيق: الزخم الافتراضي»، بعض التفاصيل التي ستحدث في المستقبل القريب، إذ تهدد مجموعة شريرة تعرف باسم «الترولز» مدينة خليجية بسلسلة من الهجمات العنيفة، والأفعال الإجرامية.

وتقول إيمان ميرغني، مخرجة الفيلم الوثائقي الشخصي «فيلا 187»، لـ«الشرق الأوسط»، إنها وثقت تفاصيل حياتها في المنزل الذي عاشت فيه أسرتها لسنوات، واستطاعت تقديم توليفة واقعية بين الثقافة المصرية والسودانية كونها من أب سوداني وأم مصرية، موضحة أن تجربتها الشخصية كان تأثيرها مباشراً على سرد الأحداث، وأن الهدف منها توثيق الذكريات العائلية في عمل فني.


مقالات ذات صلة

علي أصغري: «قليل من النور» يبحث سر التعلق بالحياة

يوميات الشرق صُوّرت بعض مشاهد الفيلم في تركيا بسبب ظروف الحرب (الشركة المنتجة)

علي أصغري: «قليل من النور» يبحث سر التعلق بالحياة

شهد الفيلم عرضه العالمي الأول في مهرجان «فينيسيا»، وفاز بجائزة «نجمة الجونة البرونزية للأفلام الروائية الطويلة» في دورته التاسعة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق لقطة من الفيلم السعودي «مسألة حياة أو موت» (الشرق الأوسط)

«بوابة الأفلام المحلية»... كيف تُقرأ اقتصاديات السينما السعودية؟

توفر المنصة حاسبة تقدّر عدد التذاكر والإيرادات اللازمة لاسترداد تكاليف الفيلم، بناءً على ميزانية الإنتاج والتسويق ومتوسط سعر التذكرة وعمولة الموزع.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق جمع الفيلم بين ممثلين عرب وصينيين (الشركة المنتجة)

المخرج الصيني ون موييه: «مطعم التنين» أنشودة للسلام وسط طبول الحرب

قال المخرج الصيني ون موييه إن ما جذبه إلى حكاية فيلمه «مرحباً بكم في مطعم التنين» هو وجود حياة تحاول الاستمرار داخل الحرب.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق صبري تراهن على ترسيخ مكانتها بطلةً سينمائيةً (حسابها على «فيسبوك»)

هل قدمت ياسمين صبري «أوراق اعتمادها» في أول بطولة سينمائية مطلقة؟

تخوض الفنانة المصرية ياسمين صبري أولى بطولاتها السينمائية المطلقة من خلال فيلم «نصيب».

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق «كل رجال الرئيس» (وورنر برذرز)

50 عاماً على «كل رجال الرئيس»

50 سنة مرّت على الفيلم الذي يبدو، حين مشاهدته اليوم، شاهداً على حرص هوليوود وقتها على إنتاج أعمال سياسية مرتبطة مباشرة بأحداث واقعية.

محمد رُضا (لندن)

علي أصغري: «قليل من النور» يبحث سر التعلق بالحياة

صُوّرت بعض مشاهد الفيلم في تركيا بسبب ظروف الحرب (الشركة المنتجة)
صُوّرت بعض مشاهد الفيلم في تركيا بسبب ظروف الحرب (الشركة المنتجة)
TT

علي أصغري: «قليل من النور» يبحث سر التعلق بالحياة

صُوّرت بعض مشاهد الفيلم في تركيا بسبب ظروف الحرب (الشركة المنتجة)
صُوّرت بعض مشاهد الفيلم في تركيا بسبب ظروف الحرب (الشركة المنتجة)

قال المخرج الإيراني علي أصغري إنه وجد فكرة فيلمه «قليل من النور» (A Bit of Light) في مشاهد الحياة اليومية التي تستمر تحت القصف، حين يواصل الناس أعمالهم ورعاية أسرهم رغم الخوف والإرهاق، عادّاً أن هذا التجاور بين الحياة والموت دفعه إلى البحث عما يجعل الإنسان يتمسّك بوجوده.

وأضاف أصغري، في حواره مع «الشرق الأوسط»، أن الفكرة بدأت خلال الحرب مع إسرائيل في يونيو (حزيران) 2025، حين تأثر بمشاهدة أشخاص يواصلون حياتهم في بلد يتعرّض للهجمات. وكان السؤال الذي يشغله هو ما الذي يربط هؤلاء بالحياة وسط ظروف تُثقلهم بالخوف، وكيف يمكن للسينما الاقتراب من قدرتهم على الاستمرار من خلال تجربة إنسان واحد.

وتبلورت الشخصية الرئيسية بعد أحاديث أجراها مع أشخاص من خلفيات اجتماعية مختلفة، بينهم طبيب تعامل مع مصابي أحداث يناير (كانون الثاني) في إيران. وقال إن الحديث معه منحه مدخلاً إلى الحكاية؛ فقد كانت لديه فكرة عن الحياة بجوار المأساة، لكنه احتاج إلى شخصية تتجسد فيها، فوجدها في طبيب يفكر في إنهاء حياته، فيما يظل معنياً بحياة الآخرين.

ويتتبع الفيلم رحلة الطبيب «آرش»، الذي يتعرض للاعتقال وتُغلق عيادته بسبب علاجه مصابين في الاحتجاجات، فيفقد ثقته بالمستقبل ويقرر إنهاء حياته. ويقضي يوماً في زيارة والدته وأشقائه استعداداً لغيابه، لكن لقاءاته معهم تعيد فتح ما ظن أنه حسمه، وتضعه أمام روابط ومسؤوليات يصعب الانفصال عنها بمجرد اتخاذ قرار.

وشهد «قليل من النور» عرضه العالمي الأول ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان «فينيسيا»، قبل أن يفوز بـ«نجمة الجونة البرونزية للأفلام الروائية الطويلة» في الدورة التاسعة من المهرجان المصري الذي اختتمت فعالياته أخيراً.

وأوضح أصغري أن «اختيار الطبيب ارتبط بكون الأطباء شهوداً مباشرين على ما جرى، في وقت جعل فيه انقطاع الإنترنت معرفة الأحداث أكثر صعوبة بالنسبة إلى الآخرين. فقد استقبلوا المصابين وشاهدوا القتلى، وتعاملوا مع آثار العنف عن قرب، وهو ما حمّلهم أعباء نفسية إلى جانب مسؤولياتهم المهنية. وأردت من خلال الشخصية تقديم تحية إليهم ورصد ما عانوه خلال تلك الفترة».

وتوقف عند المفارقة التي تحكم علاقة بطله بمهنته، فهو مسؤول عن إنقاذ الآخرين، لكنه يفقد الرغبة في مواصلة حياته، موضحاً أن «هذه المفارقة كانت مهمة في بناء الشخصية». وأكد أن قرارها لا يصدر عن سبب منفرد، وإنما عن تداخل ضغوط اجتماعية مع ما شهدته من أحداث وما تعرضت له من اعتقال وقمع، حتى تفقد قدرتها على تصور مستقبل يمكن احتماله.

المخرج الإيراني علي أصغري (الشركة المنتجة)

وبدأ اختيار أفراد العائلة بالممثل ميثاق زارع، الذي يعرفه أصغري ويقدّر تجربته المسرحية والسينمائية، قبل أن يضطر إلى تغيير بعض اختياراته بعد اندلاع الحرب وتعذّر انتقال عدد من الممثلين إلى تركيا، والاستعانة بآخرين للأدوار المساعدة.

وكشف أصغري عن أن الفريق بدأ التصوير قبل اندلاع الحرب بأيام، وكان يتوقع حدوث تصعيد، لكنه لم يكن يعرف متى سيقع. ومع بدء الهجمات، أصبح استمرار التصوير متعذراً لأسباب أمنية، فتوقف العمل، ثم نُقل تصوير المشاهد الداخلية إلى تركيا، في حين صُوّرت المشاهد الخارجية في إيران.

وعن انعكاس تجربته مع القيود المفروضة على صناعة الأفلام في شخصية الطبيب، قال أصغري إن العمل يتناول القيود، لكنه يعكس أيضاً حاجته الشخصية إلى استعادة الصلة بتفاصيل حياته اليومية، بعدما جعله الانشغال بأخبار الحروب والمآسي يغفل لحظات جميلة قريبة منه، مثل علاقته بأسرته ووالدته ومساعدة الآخرين.

وعن استجابة الجمهور، أبدى أصغري تأثره بالرسائل التي تلقاها من مصريين بعد عرض الفيلم في «الجونة»، مرجعاً تفاعلهم مع الحكاية إلى مساحات ثقافية مشتركة، خصوصاً ما يتعلق بمكانة الأسرة والأم، رغم اختلاف الظروف التي يعيشونها عن واقع شخصيات الفيلم.

أما خطوته المقبلة فقال إنه لا يعرف بعد طبيعة المشروع الذي سيعمل عليه أو مكان تصويره، لأن الظروف في إيران تتغير يومياً، وتجعل التخطيط للأشهر المقبلة أمراً صعباً. وأكد أن استمرار التهديد بالحرب يزيد هذا الغموض، ولذلك يحاول إنجاز أفلامه حين يشعر بأنه مستعد لها.


فرَق الصحة المصرية تستعين بـ«الباعة الجائلين» للإعلان عن حملة تطعيم

ممرضة مصرية تستعين بعربة «كارو» للوصول لقرية تستهدفها حملة التطعيم ضد الحصبة (وحدة طب الأسرة بالكفر الشرقي بكفر الشيخ)
ممرضة مصرية تستعين بعربة «كارو» للوصول لقرية تستهدفها حملة التطعيم ضد الحصبة (وحدة طب الأسرة بالكفر الشرقي بكفر الشيخ)
TT

فرَق الصحة المصرية تستعين بـ«الباعة الجائلين» للإعلان عن حملة تطعيم

ممرضة مصرية تستعين بعربة «كارو» للوصول لقرية تستهدفها حملة التطعيم ضد الحصبة (وحدة طب الأسرة بالكفر الشرقي بكفر الشيخ)
ممرضة مصرية تستعين بعربة «كارو» للوصول لقرية تستهدفها حملة التطعيم ضد الحصبة (وحدة طب الأسرة بالكفر الشرقي بكفر الشيخ)

شهدت الحملة القومية للتطعيم ضد الحصبة والحصبة الألمانية في مصر مشاهد غير مألوفة؛ حيث فضلت بعض الفرق الميدانية التابعة لوزارة الصحة في عدد من المحافظات الإعلان عن الحملة عبر العودة إلى أدوات تقليدية، من مكبرات صوت الباعة الجائلين إلى التنقل بالعربات «الكارو»، للوصول إلى أكبر عدد من الأهالي، وبلوغ المناطق المستهدفة في القرى، والأحياء السكنية.

وبدأت وزارة الصحة والسكان المصرية الحملة القومية المجانية للتطعيم ضد الحصبة والحصبة الألمانية يوم 25 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وتنتهي يوم 15 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، وتستهدف نحو 21 مليون طفل من عمر 9 شهور وحتى 10 سنوات، من المصريين وغير المصريين، لحمايتهم من المرض ومضاعفاته، ولتعزيز المناعة ضده.

وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي في مصر مقاطع فيديو ولقطات توثق بعضاً من الوقائع واللقطات التي شهدتها الحملة، وتشير إلى اللجوء إلى الأدوات التقليدية للإعلان عنها، كان أبرزها في محافظة البحيرة، حيث لجأ أحد مندوبي الإدارة الصحية بمدينة رشيد لاستخدام مكبر صوت مثبّت على «تروسيكل» يخص أحد الباعة الجائلين، لكي يعلن عن التطعيم ضد مرض الحصبة، وأهميته، ويحث المواطنين على التطعيم.

مراقب صحي بمدينة رشيد يستعين بمكبر صوت أحد الباعة الجائلين للترويج لحملة التطعيم (الإدارة الصحية برشيد)

وهو الأسلوب الذي لجأ إليه أيضاً مراقب صحي بمركز دكرنس بمحافظة الدقهلية، حيث استعان بميكروفون بائع متجول مثبت على سيارته النصف نقل، للإعلان عن انطلاق الحملة في أحد الشوارع الجانبية بالقرية، ويوجه رسالته للأهالي لحثهم على تطعيم أطفالهم، في محاولة للوصول لهم بالطريقة التقليدية البسيطة.

وفي السياق ذاته، تم تداول لقطات لإحدى الممرضات بوحدة طب الأسرة بالكفر الشرقي بمحافظة كفر الشيخ، خلال مشاركتها في أعمال التطعيم، وهي تستقل عربة «كارو» (يجرها حمار) برفقة مستلزمات التطعيم، لتسهيل الوصول إلى إحدى القرى المستهدفة، وهو المشهد الذي لقي تفاعلاً كبيراً، وثناء على بطلته.

وفي محافظات أخرى، لجأت مديريات الصحة لإذاعة التنبيهات الخاصة بمواعيد وأماكن وجود فرق التطعيم عبر ميكروفونات المساجد الكبرى، ومن خلال الرسائل التوعوية خلال خطب الجمعة، والدروس الدينية.

وترى الدكتورة سهير عثمان، أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة، أن الاستعانة بمكبرات الصوت والباعة الجائلين وعربات الكارو في الترويج للحملة يعكس جانباً لأحد أهم مبادئ الاتصال الجماهيري، وهو أن فاعلية الرسالة لا تتوقف على مضمونها فقط، بل ترتبط أيضاً باختيار الوسيلة الأكثر قدرة على الوصول إلى الجمهور المستهدف.

وأوضحت، لـ«الشرق الأوسط»، أن الوسيلة الأحدث ليست بالضرورة الأكثر تأثيراً، إذ تظل النداءات المباشرة ومكبرات الصوت في القرى والمناطق الشعبية أكثر قدرة على جذب الانتباه، والوصول للمواطنين مقارنة بالمنشورات، والحملات الرقمية، معتبرة أن «ما جرى يمثل نموذجاً للاتصال المتوافق مع السياق الاجتماعي والثقافي للجمهور، وطبيعة البيئة التي يعيش فيها».

وتؤكد عثمان أن «إعلام الشارع» لا يزال يحتفظ بقدرة كبيرة على التأثير في السلوك، لأنه لا يقتصر على نقل المعلومات فقط، بل يسهم في خلق حالة من الانتباه، والتفاعل المباشر مع الرسالة الإعلامية، مشيرة إلى أن هذا النوع من التواصل يستمد قوته من حضوره داخل الحياة اليومية للناس، واعتماده على أدوات مألوفة في البيئة الاجتماعية.

وأكدت أن الاتصال الرقمي، رغم اتساع انتشاره، فإنه لا يمكن أن يكون بديلاً كاملاً للتواصل المباشر، خصوصاً في البيئات الشعبية، والريفية، التي لا يزال للاتصال الشفهي والعلاقات الاجتماعية فيها دور مؤثر في تداول المعلومات، وتشكيل السلوك.

أما الدكتور حمدي عرفة، أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية، فإنه يرى أن مشاهد استخدام مكبرات الصوت وعربات الكارو والتروسيكلات للإعلان عن الحملات والمبادرات المجتمعية تكشف عن حقيقة مهمة في علم الإدارة المحلية، وهي أن الإدارة الناجحة لا تقتصر على إصدار القرارات من المكاتب، أو نشر البيانات عبر المنصات الإلكترونية، وإنما تبدأ من فهم طبيعة السكان، وثقافتهم، وسلوكهم، واحتياجاتهم اليومية، والنزول إلى الشارع، والقرية، والحي، للتواصل معهم بصورة مباشرة.

جانب من فعاليات الحملة القومية للتطعيم ضد الحصبة والحصبة الألمانية بإحدى المدارس (مديرية الشؤون الصحية بكفر الشيخ)

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «استخدام مكبرات الصوت وعربات الكارو والتروسيكلات ليس عودة إلى الوراء، وإنما توظيف لوسائل بسيطة للوصول إلى أهداف تنموية حديثة، شريطة أن تكون جزءاً من منظومة متكاملة تجمع بين التكنولوجيا والتواصل الميداني»، مؤكداً أن «الإدارة التي تفهم المواطن تستطيع الوصول إليه، والإدارة التي تصل إليه تستطيع بناء الثقة معه، والثقة المجتمعية تمثل أحد أهم مقومات نجاح التنمية المحلية».

وأشار إلى أن هناك فجوة في الاتصال الحكومي لا تزال قائمة في بعض المناطق، حيث لا يتابع جميع المواطنين صفحات المحافظات، أو المواقع الإلكترونية، خصوصاً في القرى والمناطق الأكثر احتياجاً، وهو ما يجعل استخدام وسائل الاتصال التقليدية وسيلة مكملة للتكنولوجيا الحديثة، وليس بديلاً عنها.


«حكايات من خزانة الوطن»... معرض يكرّس أرشيفاً بصرياً للروح المصرية

من لوحات المعرض (الشرق الأوسط)
من لوحات المعرض (الشرق الأوسط)
TT

«حكايات من خزانة الوطن»... معرض يكرّس أرشيفاً بصرياً للروح المصرية

من لوحات المعرض (الشرق الأوسط)
من لوحات المعرض (الشرق الأوسط)

تحت عنوان «حكايات من خزانة الوطن»، افتتح معرض استعادي للفنان والناقد التشكيلي المصري الراحل عز الدين نجيب، يضم أعمالاً فنية تكرس لأرشيف بصري للروح المصرية عبر مفردات مختلفة من ملامح البسطاء والأماكن المميزة مثل واحة سيوة وطبيعة البيوت والعادات والتقاليد المصرية وتنوع البيئة المصرية.

المعرض الذي ينظمه قطاع الفنون التشكيلية بقاعة «الباب سليم» بساحة دار الأوبرا المصرية يستمر حتى 7 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي ويضم 35 لوحة من أعمال الفنان التي تعكس رؤيته للشخصية المصرية بكل ما تنطوي عليه من تفرد وأصالة. ووفق منسقة المعرض، نسرين عز الدين نجيب ابنة الفنان الراحل، فالمعرض يعكس المرحلة الأخيرة من أعمال نجيب التي أنجزها بين 2005 و2018.

جانب من معرض عز الدين نجيب (قطاع الفنون التشكيلية)

وتضيف نسرين لـ«الشرق الأوسط»: «عنوان المعرض مستلهم من أسلوب الفنان الذي كان مهموماً دائماً بالوطن، سواء وهو يكتب أو يرسم كان مهموماً بمصر وأهلها، وأغلب اللوحات تعبر عن البيئة المصرية وحياة البسطاء، هذه هي السمة الغالبة على لوحات المعرض».

ويعدّ عز الدين نجيب (1940 - 2023) من أهم الفنانين ونقاد الفن التشكيلي المصري وهو من جيل الستينات واهتم كثيراً برسم مشاهد من الشارع المصري والبيئات المختلفة، كما كانت له كتابات أدبية في القصة والرواية، بالإضافة لشهرته الواسعة في نقد الفن التشكيلي، واهتمامه بالحرف التقليدية والتراثية التي أصدر عنها موسوعة كاملة مصورة.

ويقدم المعرض الاستعادي رؤية بصرية فريدة تعكس براعة الفنان الراحل في تحويل المرئي إلى حلم، والواقع إلى أسطورة رمزية تشكيلية تُخلّد ما كان مهددا بالاختفاء، ليصنع بذلك أرشيفا شعوريا وبصريا يستلهم الروح المصرية الخالصة وعمق هويتها.

ويصف نقيب الفنانين التشكيليين بمصر، النحات طارق الكومي، أعمال عز الدين نجيب ومعرضه الاستعادي الذي حضر افتتاحه بأنه «حالة بصرية فريدة من نوعها، وبعض الأعمال كانت مفاجأة للحضور والجمهور من محبي الفنون الجميلة حيث لم يتم عرضها من قبل».

الفنان محمود حامد رئيس قطاع الفنون التشكيلية ونسرين عز الدين نجيب خلال افتتاح المعرض (قطاع الفنون التشكيلية)

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «مثل هذا المعرض مهم جداً لاستعادة مراحل تجربة الفنان الكبير عز الدين نجيب، ومن المهم للطلبة ودارسي الفنون زيارة هذا المعرض لفهم مراحل التجربة الفنية للفنان الراحل، وأتمنى إقامة معرض متنقل لأعمال الفنان في مكتبات الثقافة الجماهيرية أو مكتبة القاهرة»، مشيراً إلى اهتمام الفنان الراحل بالهوية الوطنية والبيئات المصرية الساحرة مثل منازل سيوة وغيرها من الأماكن التي تعبر عن مصر.

ويأتي المعرض في هذا التوقيت تحية وفاء مستحقة لمسيرة إبداعية امتدت لأكثر من ستة عقود، جسد خلالها الراحل عز الدين نجيب حالة استثنائية فريدة في المشهد الثقافي المعاصر؛ فلم يقتصر دوره على بصمته الخاصة بصفته فناناً تشكيلياً، بل امتد ليكون مفكراً وناقداً غاص في جذور الهوية عبر مؤلفاته وموسوعاته، وأديباً أثرى المكتبة العربية بروايات مثل «نداء الواحة» و«أيام العز»، فضلاً عن «دوره الريادي بوصفه مؤسساً ميدانياً أرسى دعائم الثقافة الجماهيرية وتراث الحرف التقليدية»، وفق بيان لقطاع الفنون التشكيلية.

الفنان فريد فاضل بجوار بورتريه لعز الدين نجيب (قطاع الفنون التشكيلية)

ويرى الناقد التشكيلي المصري، هشام قنديل، أن الفنان الراحل عز الدين نجيب أبدع في تكوين مساحة، بل ساحة فنية كبرى لها لوحاتها وقصائدها مليئة بخيال مبدع وروح فياضة بثراء الأركان والأشكال كل علي حدة.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «اكتشفت مبكراً أن نجيب يتوحد أحياناً بالفن فيصعب التحاور البسيط معه لأنه يتوحد باللون حتى يخفي فيه آلامه وهمومه وما أكثرها في سنوات شبابه».

من لوحات عز الدين نجيب (الشرق الأوسط)

«فهو يتجول تارة في درجات الزرقة وأخرى في السواد حيث يختفي في المعتقل وثالثة في درجات البياض، وهو يتمسك بالفن ثابت كالشجر وكنخيل سيوة الذي عشقه ومن ثم لا تستميله شهرة أو بريق خادع، بل يظل في أعماله ومسيرته الفنية صامداً كالحجر لا يتبدل ولا يتغير»، مؤكداً أن معرضه الاستعادي يوضح أن «عز الدين نجيب سيظل قبضة من تراب مصر... عشق هائم كالسحاب وكارتحال الأزاهير في العطر واللون».