بين الصفح عن الديك الرومي والموائد العامرة... هكذا يُمضي رؤساء أميركا عيد الشكر

أوعز دونالد ترمب بتخفيض أسعار مكونات مائدة عيد الشكر التي في طليعتها الديك الرومي (رويترز)
أوعز دونالد ترمب بتخفيض أسعار مكونات مائدة عيد الشكر التي في طليعتها الديك الرومي (رويترز)
TT

بين الصفح عن الديك الرومي والموائد العامرة... هكذا يُمضي رؤساء أميركا عيد الشكر

أوعز دونالد ترمب بتخفيض أسعار مكونات مائدة عيد الشكر التي في طليعتها الديك الرومي (رويترز)
أوعز دونالد ترمب بتخفيض أسعار مكونات مائدة عيد الشكر التي في طليعتها الديك الرومي (رويترز)

وفق الموقع الإلكتروني للبيت الأبيض، فإنّ عيد الشكر (Thanksgiving) في المقرّ الرئاسي الأميركي هو مناسبة هادئة بالنسبة إلى الرئيس وعائلته، يتخلّلها عشاء تقليدي على قائمته طبق الحبش أو الديك الرومي، والمحار من خليج تشيسابيك، وسمك الصخر من منطقة بوتوماك، والسلاحف من الشاطئ الشرقي، والتوت البري (كرانبيري) من كيب كود في ماساشوستس، إضافةً إلى فطيرتَي اليقطين والفاكهة المجففة.

الحبش أو الديك الرومي هو الطبق الأساسي على مائدة عيد الشكر (أ.ب)

ترمب يحب العيد في مارالاغو

خلال ولايته الرئاسية الأولى، نادراً ما أمضى دونالد ترمب عيد الشكر في البيت الأبيض. بقي هناك استثنائياً عام 2020 بالتزامن مع جائحة كورونا. لكنه يفضّل الانتقال والعائلة إلى منتجعه «مارالاغو» في بالم بيتش فلوريدا، حيث تقام مأدبة عشاء لا يقتصر حاضروها على أفراد العائلة، ولا تكتفي قائمة طعامها بالأطباق التقليدية.

وفق ترجيحات صحيفة «ذا بالم بيتش بوست» المحلّية، فإن ترمب لن يخالف التقليد هذه السنة، لا سيّما أن كل التحضيرات والتدابير الأمنية البرية والجوية في المدينة تشي بذلك. وإذا صدقت توقعات الصحيفة، فإنّ ترمب سيمضي عيد الشكر للمرة الرابعة كرئيس في مارالاغو.

ترمب خلال إحياء تقليد الصفح عن الديك الرومي عام 2018 (أ.ب)

في بادرة تجاه الشعب الأميركي، أعلن ترمب أن أطباق مائدة العيد ستطولها تخفيضات، وقد شمل ذلك أسعار الحبش والمكوّنات المرافقة له إضافةً إلى التوت البري، وفق صحيفة «ذا وول ستريت جورنال».

إلى جانب اهتماماته الاقتصادية، سيكون الرئيس منشغلاً هذه السنة بمتابعة مستجدّات خطة وقف الحرب في أوكرانيا التي يتزامن البتّ في شأنها مع احتفالية عيد الشكر. إلا أن التقاليد تقضي بأن يتناول طعام العشاء مع العائلة والأصدقاء وبأن يُمضي ساعتين من الوقت في اليوم التالي بممارسة رياضته المفضّلة، الغولف.

من عادات عيد الشكر الخاصة بترمب ممارسة لعبة الغولف المفضّلة لديه (أ.ف.ب)

بذخ وأوبرا ورقص في مارالاغو

عام 2017، واحتفالاً بسنته الأولى في سدّة الرئاسة الأميركية، أقام ترمب مأدبة حافلة في مارالاغو تميّزت بديكوراتها الذهبية وبثريّات الكريستال، وبالأنواع النادرة من الأسماك التي أضيفت إلى قائمة الطعام.

لم يختلف الأمر كثيراً في العام التالي، إذ نشر موقع «ذا هيل» الإخباري الأميركي حينذاك، أن العشاء الحاشد ترافق مع أداء موسيقي لمغنية أوبرا. أما الأطباق فقد طغت عليها ثمار البحر والأسماك واللحوم، إلى جانب الأطعمة التقليدية الخاصة بالمناسبة.

ترمب متوسطاً زوجته ميلانيا وابنه بارون خلال عشاء عيد الشكر في مارالاغو عام 2018 (أ.ب)

كان عيد الشكر 2019 استثنائياً في سجلّ دونالد ترمب، إذ انتقل من مارالاغو إلى قاعدة باغرام الجويّة في أفغانستان ليفاجئ القوات الأميركية العاملة هناك. قدّم لهم أطباق الحبش وتناول الطعام معهم ثم التقط الصور التذكارية إلى جانبهم.

عام 2019 أمضى ترمب عيد الشكر إلى جانب القوات الأميركية العاملة في أفغانستان (أ.ف.ب)

خلال الوقت المستقطع ما بين ولايتيه الرئاسيتين، حافظ ترمب على إقامة عشاء عيد الشكر في منتجع مارالاغو الذي يضمّ 58 غرفة نوم ويتّسع لمئات المدعوّين. وفي عام 2024، بالتزامن مع حملته الانتخابية، تحوّل العشاء إلى ما يشبه التجمّع الرئاسي. ظهر ترمب إلى جانب صديقه إيلون ماسك وهما يرقصان على نغمات أغنية YMCA.

واشنطن يُطعم السجناء ووودرو يوفّر الطعام

تعود بدايات عيد الشكر، الذي يُحتفل به حصراً في الولايات المتحدة الأميركية وكندا، إلى عهد الرئيس المؤسس جورج واشنطن. ففي أكتوبر (تشرين الأول) 1789، أصدر واشنطن مرسوماً يحدّد كل آخر يوم خميس من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) عطلة عيد الشكر. جرى اقتباس الفكرة من تقاليد الفلاحين الذين كانوا يحتفلون منذ القرن الـ16 بنهاية موسم الحصاد، في تعبيرٍ عن الشكر والامتنان للمحاصيل الجيدة.

في عهد واشنطن، كانت المناسبة تكتسب معاني روحانية وإنسانية أكثر مما هي عليه في أيامنا هذه. ووفق موقع ورثة الرئيس الأميركي الأول، فهو أمضى النسخة الأولى من عيد الشكر عام 1789 ما بين الصلاة في كنيسة القديس بولس في نيويورك، وسجون المدينة؛ حيث قدّم الطعام للسجناء.

الرئيس الأميركي الأول جورج واشنطن راكعاً يصلي في عيد الشكر (موقع ورثة واشنطن)

عام 1863 وبالتزامن مع الحرب الأهلية الأميركية، دعا الرئيس أبراهام لينكولن الأمة إلى مداواة جراحها واستعادة السلام والوئام والهدوء في جميع أنحاء البلاد.

لطالما أرْخت الحروب بظلالها على احتفالية عيد الشكر، ففي عام 1917 بالتزامن مع الحرب العالمية الأولى، اتسمت المناسبة بالتقشف؛ حيث اقتصر عشاء الرئيس وودرو ويلسون على حساء كريمة المحار، وطبق الحبش، وفطيرة اليقطين. كانت السيدة الأولى آنذاك تحرص على الالتزام ببرنامج توفير الغذاء.

الصفح عن الديك الرومي

في عهد لينكولن، استُحدث تقليد الصفح عن طائر الحبش من قِبَل الرئيس. وتقول الحكاية التي لا تؤكدها المصادر كافةً، إن ابن لينكولن، تاد، توسط من أجل الديك الرومي الذي كان من المفترض ذبحه وطهوه وتقديمه على المائدة الرئاسية.

ما زال هذا التقليد سارياً في البيت الأبيض حتى أيامنا هذه، حيث يقدّم طائر إلى الرئيس كي يصفح عنه وينقذه من الذبح. وقد اكتسب هذا التقليد طابعاً رسمياً في عهد الرئيس جورج بوش الأب، عندما منح عام 1989 العفو الرئاسي رسمياً لديك رومي عيد الشكر.

في عهد جورج بوش الأب اكتسب الصفح عن الحبش طابعاً رسمياً (موقع البيت الأبيض)

قبله، أطلق عدد من الرؤساء مواقف إيجابية تجاه ذلك التصرف الرمزيّ. في عام 1949 قدّم الرئيس هاري ترومان العفو لديك روميّ أهداه إياه وفد من «المجلس الوطني الأميركي للبيض والدواجن». لاحقاً حرر الرئيس جون كينيدي ديكاً رومياً، تلاه ريتشارد نيكسون الذي أرسل الطائر المخصص للبيت الأبيض إلى حديقة حيوانات.

الرئيس الأميركي السابق جو بايدن يصفح عن الديك الرومي في البيت الأبيض (رويترز)

أما باراك أوباما، وخلال احتفالية الصفح عام 2009، فعفا عن طائر حبش اسمُه Courage، أي شجاعة. ومازح الصحافيين حينذاك قائلاً: «أخبَروني أن الرئيسين آيزنهاور وجونسون أكلا الديك الرومي. اليوم يسرّني الإعلان أنه وبفضل تدخّلات ابنتيّ ماليا وساشا، سينجو Courage من مصيره المريع والشهيّ».

مع العلم بأن الرئيس أوباما وعائلته أمضوا معظم إجازات عيد الشكر وهم يؤدّون أعمالاً تطوّعية في ملاجئ المسنّين، وفي تقديم الطعام للمعوزين.

خلال ولايته الرئاسية قام باراك أوباما بأعمال تطوّعية لمساعدة المعوزين (أ.ف.ب)

إلى جانب الصفح عن الديك الرومي والقيام بأعمال خيرية، من التقاليد الخاصة بعيد الشكر على أجندة الرؤساء الأميركيين، تخصيص وقت للقوات العسكرية العاملة خارج أراضي الوطن، لا سيما أولئك الذين يخدمون في مناطق النزاع. يقدّم الرؤساء الشكر والامتنان لهؤلاء، أكان من خلال زيارتهم في العراق وأفغانستان وسواها من البلاد وتناول العشاء برفقتهم، أو من خلال التواصل معهم هاتفياً.


مقالات ذات صلة

الكونغرس في عام ترمب الأول... جمود تشريعي وانقسامات حزبية

تحليل إخباري عام من شبه الجمود التشريعي مرّ على الكونغرس (أ.ب)

الكونغرس في عام ترمب الأول... جمود تشريعي وانقسامات حزبية

جلس المُشرّعون على مقعد المتفرج، وسط محاولات خجولة للقيام بواجباتهم التشريعية، وفي ظلّ شلل تسبّبت به الانقسامات العميقة بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري.

رنا أبتر (واشنطن)
تحليل إخباري السيناتور تيد كروز ووزير التجارة هاورد لاتنيك يحيطان بالرئيس دونالد ترمب وهو يعرض أمراً تنفيذياً مرتبطاً بالذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

تحليل إخباري من الفوضى إلى السيطرة... كيف أعاد ترمب تشكيل البيت الأبيض في 2025؟

لم يكتفِ الرئيس دونالد ترمب بتعزيز السلطة التنفيذية على حساب السلطتين التشريعية والقضائية، بل أحدث تحولات جذرية في هيكلة البيت الأبيض وأدواته.

هبة القدسي (واشنطن)
تحليل إخباري عناصر «أيس» استخدموا الغاز المسيل للدموع في موقع إطلاق نار شمالي مينيابولس يوم 14 يناير (د.ب.أ)

تحليل إخباري ترمب يُهدّد مينيسوتا بإعلان «قانون التمرد»

تشهد ولاية مينيسوتا مواجهات عنيفة ومتواصلة بين عناصر إدارة الهجرة والجمارك الأميركية ومحتجّين، ما دفع الرئيس الأميركي إلى التهديد باللجوء إلى «قانون التمرد».

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض تتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرفة برادي للإحاطات الإعلامية بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن 15 يناير 2026 (أ.ف.ب)

البيت الأبيض: وجود قوات أوروبية في غرينلاند لن يؤثر على موقف ترمب

أعلن البيت الأبيض أن وجود قوات أوروبية في غرينلاند لن يغير موقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن الجزيرة، ولن يؤثر على هدفه بالاستحواذ عليها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

وزيرا خارجية الدنمارك وغرينلاند يرفضان تهديدات ترمب

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن، الأربعاء، إنّ هناك «خلافاً جوهرياً» بين الدنمارك والولايات المتحدة بشأن غرينلاند، وذلك بعد اجتماع في البيت الأبيض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

وداعاً «كلود»... سان فرانسيسكو تحزن على تمساحها الأبيض المحبوب

التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
TT

وداعاً «كلود»... سان فرانسيسكو تحزن على تمساحها الأبيض المحبوب

التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)

لم يكن «كلود» كثير الكلام، وكان بالكاد يتحرّك، ولم يرتدِ قط أزياء لإغراء جمهوره، لكن يوم الأحد تجمّع المئات في سان فرانسيسكو للاحتفال بحياة التمساح الأبيض المحبوب في المدينة وإرثه.

وبوجود فرقة نحاسية على طراز نيو أورلينز، وخبز أبيض مُنكَّه بطول 8 أقدام على شكل تمساح، وجلسة حكايات قدّمها مؤدّو «دراغ كوين»، وحتى شارع يحمل اسمه رسمياً «كلود ذا أليغاتور واي»، جاء هذا التكريم فريداً من نوعه، وفق «بي بي سي».

من المؤكّد أن هذا الزاحف فاز بمحبة ملايين القلوب عندما كان على قيد الحياة، لكنه اشتهر أيضاً بحادثة سرق فيها حذاء باليه لفتاة تبلغ 12 عاماً.

يتذكّر بارت شيبرد، من أكاديمية كاليفورنيا للعلوم التي كانت موطن «كلود» لمدة 17 عاماً قبل نفوقه في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أنّ التمساح الأبيض، البالغ طوله 10 أقدام ويزن 300 رطل، وله عيون وردية وبصر ضعيف، سرق ذات مرة حذاء الباليه الخاص بالفتاة ثم التهمه.

قال شيبرد لجمهور من معجبي «كلود» في «غولدن غيت بارك»: «إن استخراج حذاء من تمساح ليس بالأمر اليسير».

استلزم الأمر كثيراً من التخدير، وأدوات متخصّصة، وعدداً من الأطباء البيطريين والموظفين لاستخراج الحذاء من داخل «كلود»، وهي مهمّة أُنجزت بنجاح، رغم انطلاق إنذار الحريق في جميع أنحاء المبنى خلال ذلك الوقت، وفق شيبرد.

من جهتها، قالت مديرة الاتصالات في الأكاديمية جانيت بيتش: «كان من المشجّع حقاً رؤية سان فرانسيسكو تخرج للاحتفال بهذه الأيقونة المحبوبة في أرجاء المدينة كافّة».

وأضافت أنّ أحد أسباب محبة الناس لـ«كلود» هو أنه «يجسّد ما نعدّه مثالاً حقيقياً لسان فرانسيسكو، وهو ليس فقط قبول الناس على اختلافاتهم، وإنما الترحيب بهم».

وأوضحت أنّ البهاق الذي كان يعانيه «كلود»، وهو أمر نادر جداً في التماسيح، منح رؤية واضحة للأشخاص الذين يشعرون بأنهم منبوذون بعض الشيء.

ثم قالت: «ها هو هذا الحيوان الرائع الذي يختلف بعض الشيء عن بقية أفراد جنسه، لكنه محبوب ومقدَّر وله قيمة».

وكتبت الأكاديمية على موقعها الإلكتروني أن «كلود» قد «أسعد وألهم قلوب أكثر من 22 مليون زائر، وأظهر لنا قوة الحيوانات السفيرة في ربط الناس بالطبيعة والعلوم».

وكان هذا الزاحف الذي نفق بسبب سرطان الكبد عن 30 عاماً، قد وُلد عام 1995 في مزرعة تماسيح في لويزيانا، قبل أن يأتي للعيش في معرض المستنقعات التابع للأكاديمية عام 2008.

ومنذ نفوقه، تلقّت الأكاديمية آلاف الرسائل من معجبي «كلود»، يكتبون فيها عن مدى أهمية هذا التمساح بالنسبة إليهم.

كتب أحد زوار كلود في رسالة: «شكراً لك على إلهامك لعدد من الصغار على مرّ السنوات. لقد ذكّرتنا بأن اختلافاتنا هي ما تجعلنا فريدين ومميّزين، وأنها شيء يستحق الاحتفاء به».

وكتب آخر: «ستبقى في قلبي إلى الأبد. سأفتقدك كثيراً وأشكرك على كونك جزءاً من طفولتي».

بدورها، قالت الطبيبة البيطرية الرئيسية في الأكاديمية، لانا كرول، إنّ «كلود» كان «الأكثر هدوءاً» من بين جميع التماسيح التي عملت معها.

وختمت: «أستطيع القول بثقة إنني لن ألتقي تمساحاً آخر مثل (كلود) في حياتي. سأفتقده بشدة».


لماذا نتهرَّب من أداء المَهمَّات الصعبة؟

الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
TT

لماذا نتهرَّب من أداء المَهمَّات الصعبة؟

الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)

لا يحبّذ أحد أن يفعل الأشياء أو المَهمّات التي لا تروق له. فكثيرون منا يحاولون تأجيل أداء المَهمّات الثقيلة على النفس، مثل تنفيذ تكليف صعب في إطار الوظيفة، أو بذل مجهود بدني شاق، أو خوض مناقشة مضنية. ولعلّ السبب الذي يدفعنا إلى التسويف عندما نجابه هذه النوعية من المَهمّات لا يتعلّق –فحسب- بافتقار العزيمة أو الإرادة الحقيقية للتحرُّك، وإنما ثمة أسباب علمية يمكن تفسيرها في إطار علوم الطبيعة المعنيّة بدراسة الجهاز العصبي للجسم.

ويرى العلماء أنّ الحافز هو القوّة التي تحرّك الكائنات الحيّة للإتيان بسلوكيات معيّنة لتحقيق أهداف تصبّ في مصلحتها. وفي الحياة اليومية، تتأثّر هذه السلوكيات بمؤثّرات أخرى قويّة، مثل الشعور بالنفور من عمل ما.

ورغم أنّ النظريات الكلاسيكية في مجال علم النفس تؤكّد أهمية «الهدف» في تعزيز الحافز لدى الإنسان، فإنّ بحوثاً حديثة تعتمد على نماذج حسابية ترى أنّ التحرك للإتيان بسلوك بعينه يتأثّر بآليات أخرى بعيدة عن قيمة الهدف في ذاته، ولا سيما في المواقف السلبية التي قد يترتّب عليها أن يتكبّد الشخص تكلفة إضافية نظير هذا السلوك، مثل المجهود الزائد، سواءً أكان عضلياً أم ذهنياً أم نفسياً، وهو ما قد يدفعه إلى التأجيل أو التسويف أو التأخّر في تنفيذ المهمة المطلوبة منه.

وفي إطار دراسة نقلتها «وكالة الأنباء الألمانية» عن الدورية العلمية «البيولوجيا المعاصرة»، المعنيّة بالبحوث العلمية في مجال الأحياء، توصّل فريق بحثي ياباني إلى وجود دائرة عصبية في أمخاخ قرود المكاك تؤدّي دور «مكابح التحفيز»، وأنّ هذا الاكتشاف قد يضيء على الأسباب التي تدفع البعض إلى التردّد قبل اتخاذ قرارات معيّنة.

ويقول الباحث كين إيشي أميموري -وهو أستاذ مساعد في معهد البحوث المتقدّمة في مجال بيولوجيا الإنسان، التابع لجامعة كيوتو اليابانية، وأحد المشاركين في الدراسة- في تصريحات نقلها موقع علمي: «استطعنا الربط بين مسار عصبي معيّن داخل المخ وبين تقييد التحفيز لدى البشر، عندما يواجهون مَهمّات لا يفضّلون القيام بها في الحياة اليومية».

وخلال الدراسة، كان الباحثون يكلّفون القرود بأداء مَهمّات معيّنة، مع إعطائها مكافآت في حال إنجاز العمل، إلى جانب توجيه نفثة مزعجة من الهواء إلى وجوهها. ولاحظ الفريق البحثي أنّ القرود تستغرق وقتاً أطول في أداء المَهمّات التي يترتّب عليها التعرّض لنفثة الهواء. وأُجريت سلسلة التجارب في أماكن معزولة صوتياً ومظلمة، لتقليل تأثير الضوضاء الخارجية والمؤثّرات البصرية في النتائج. ودرَّب الباحثون القرود على إمعان النظر في مكعّبات تظهر في منتصف شاشة، وكلّما زادت مدّة نظر القرود إلى الأشكال التي تظهر على الشاشة، والتي تختلف من تجربة إلى أخرى، ازداد حجم المكافأة التي تحصل عليها. وبعد حصول القرد على المكافأة التي تتباين ما بين الماء ومشروبات رياضية محلَّاة، كانت تُوجَّه نفثة من الهواء إلى وجه القرد وفق قراراته خلال التجربة. وفي المرّات التي كان يمتنع فيها عن خوض التجربة، كان الباحثون يحرصون على إعطائه مكافأة أقلّ قيمة، حتى لا يفقد اهتمامه بالمشاركة من الأساس.

وعن طريق علوم الكيمياء الوراثية، استخدم الباحثون مواد دوائية معيّنة للتحكّم في خلايا محدّدة في أمخاخ القرود، من أجل كبح المسارات العصبية التي تربط بين جزأين من المخ، وهما «المخطّط البطني» و«الجسم البطني الشاحب»، وكلاهما يقع في منطقة العقد القاعدية بالدماغ، ويلعب دوراً رئيسياً في آليات التحفيز والمكافآت لدى الحيوانات التي تنتمي إلى عائلة الرئيسيات.

وتوصَّل الباحثون -بعد دراسات تشريحية على المخ- إلى أنّ المخطّط البطني يبعث بإشارات عصبية ترتبط بآليات الحافز والمكافأة إلى الجسم البطني الشاحب، وأنّ التدخّل في المسارات العصبية بين الجزأين يترتّب عليه تغيّرات سلوكية تتعلّق بفتور أو تعزيز الإرادة نحو القيام بمَهمّات معيّنة.

واختبر الباحثون في إطار التجربة ما إذا كان من الممكن وقف الشعور بالنفور أو الرغبة في التسويف تجاه عمل ما، عن طريق تعطيل هذا المسار العصبي. ونجحوا -باستخدام أدوية بعينها- في تعطيل تلك الإشارات العصبية خلال تكليف القرود بأداء مَهمّات معيّنة لا ترغب في تنفيذها. ووجدوا أنه في حال تعطيل عمل الدائرة العصبية، تُبدي القرود تردّداً أقلّ في أداء المَهمّات المطلوبة منها، بما في ذلك التي يترتّب عليها التعرّض لنفثة هواء مزعجة. وبمعنى آخر، نجح الفريق البحثي في تعطيل تلك المكابح التي تؤثّر في التحفيز لدى الحيوانات.

ويقول الباحث أميموري: «نأمل أن تسهم هذه الدراسة في تعزيز فهمنا لمفهوم الحافز، في المجتمعات العصرية التي تنطوي على صعوبات». ويأمل الفريق البحثي أن تساعد هذه النتائج يوماً ما في ابتكار أدوية لبعض المشكلات النفسية والعقلية المرتبطة بالتحفيز، مثل الاكتئاب والفصام. ويرى أميموري ضرورة التعامل بحذر مع آليات التدخّل التي تستهدف إضعاف «مكابح التحفيز»؛ لأن هذا التدخّل قد يأتي بنتائج عكسية، مثل دفع الشخص إلى الاتجاه المعاكس، وتحفيزه على القيام بأفعال غير آمنة تنطوي على خطورة.


«فاجعة بنها» تجدد مطالبات مصرية بالتصدي لحوادث تسرب الغاز

جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
TT

«فاجعة بنها» تجدد مطالبات مصرية بالتصدي لحوادث تسرب الغاز

جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)

جددت فاجعة وفاة 5 أشقاء نتيجة انفجار سخان الغاز وحدوث تسريب بمنزل في إحدى قرى مدينة بنها (شمال القاهرة)، الحديث عن ضرورة التصدي لحوادث تسرب الغاز، في وقت شُيّع فيه الأشقاء الخمسة في جنازة حاشدة، الأحد، بعد تصريح النيابة بدفن الجثامين عقب الانتهاء من التحقيقات في الواقعة.

وحظيت عائلة الأشقاء الخمسة بتعاطف كبير بعد وقت قصير من الإعلان عن الحادث الذي عرف إعلامياً بـ«فاجعة بنها»، بعدما انفجر سخان الغاز خلال استحمام إحدى الفتيات بالمنزل وانفجار السخان بها، بينما توفي باقي الأشقاء نتيجة الاختناق بالغاز.

الأشقاء الذين يقيمون في الشقة بمفردهم لسفر والدَيهم للعمل بالخارج، تتراوح أعمارهم بين 8 و15 عاماً فيما كانت ترعاهم خالتهم المقيمة بالعقار نفسه، والتي أبلغت عن الحادث وتعرضت للاختناق ونقلت للمستشفى لتلقي العلاج.

وهذه ليست الواقعة الأولى التي يؤدي فيها انفجار الغاز بالمنازل لوفيات وإصابات، فسبق أن انهار عقار في منطقة إمبابة بالجيزة الشهر الماضي، بعد انفجار غاز، مما أدى لوفاة شخص وسقوط 3 مصابين آخرين، بينما توفي شقيقان الأسبوع الماضي، بعد تسرب الغاز داخل المنزل خلال نومهما بمنطقة أبو النمرس، فيما توفي شخصان آخران بعدها بساعات قليلة نتيجة تسرب غاز في المنزل بمنطقة العمرانية بالجيزة أيضاً.

سخانات مياه تعمل بالغاز تسببت في حدوث فواجع بمصر (الشرق الأوسط)

وأطلقت «الشركة القابضة للغازات الطبيعية» المسؤولة بشكل أساسي عن توصيل الغاز الطبيعي في الجزء الأكبر من المنازل الشهر الماضي، حملة إرشادية متضمنة إرشادات لتجنب عمليات التسريب، مع التأكيد على أن مواسير شبكات الغاز الطبيعي المنفذة من جانب الشركات المختلفة، تطابق اشتراطات الأمان والمواصفات القياسية، بما يجعلها تتحمل ضغوط تشغيلية كبيرة.

وحذرت الحملة التي تضمنت فيديوهات ومنشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من العبث أو التعديل في المواسير بالاستعانة بأشخاص غير مؤهلين، بالإضافة إلى ترك الموقد وشعلة الغاز سهواً مفتوحين دون اشتعال، مؤكدة أن التسريب ينتج عنه تجمع خليط من الهواء مع الغاز في المكان، وإذ وجدت شرارة أو مصدر اشتعال تحدث موجة انفجارية لحظية تختلف شدتها حسب كمية الغاز المسرب.

آثار انفجار الغاز على المنازل المحيطة بالمنزل المنهار في إمبابة - محافظة الجيزة

وطالب عضو مجلس النواب (البرلمان) عمرو درويش عبر حسابه على «إكس»، شركات الغاز، بتركيب «جهاز ذاتي الغلق نتيجة استشعار خطورة تسرب الغاز»، مؤكداً اعتزامه التقدم بطلب إحاطة لإلزام الوزارات المعنية بتركيب هذه المنظمات عند تركيب العدادات المنزلية والخدمية، للحد من تسرب الغاز سواء في المنازل أو الأماكن العامة، مع تحويل الأمر ليكون بشكل إلزامي.

وأكد خبير الحماية المدنية أيمن سيد الأهل، لـ«الشرق الأوسط»، ضرورة العمل من أجل نشر ثقافة الوعي بالمخاطر، للتعامل مع أخطار حوادث الغاز التي تحدث عادة بسبب غياب منافذ التهوية السليمة، واستخدام وصلات أو قطع غيار غير مطابقة للمواصفات، مشيراً إلى أن هذا الأمر يتطلب إنشاء هيئة وطنية للسلامة تتواصل مع مختلف الجهات وتضع المعايير اللازمة، لضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث.

وأضاف أن احتمالات الوفاة تزيد عند حدوث التسريب أثناء النوم لعدم شعور النائمين بتسريب الغاز، مما يؤدي إلى حدوث عملية استنشاق تزيد من ترجيح حالات الوفاة على خلفية تشديد إغلاق النوافذ، خصوصاً في فصل الشتاء وعدم وجود مجال لخروج الغاز المسرب خارج المنزل.

وأوضح أن لجوء بعض الفنيين لاستخدام وصلات وقطع غير مطابقة للمواصفات لانخفاض سعرها، أحد أسباب المشكلة بشكل أساسي، معتبراً أن التساهل لتوفير مبالغ مالية محدودة قد يؤدي إلى كارثة تودي بحياة عائلات بأكملها.