«مهرجان العين للكتاب» في أبوظبي يحفل بـ200 فعالية ثقافية و30 شاعراً

سعيد الطنيجي لـ«الشرق الأوسط»: نسعى إلى تمكين اللغة العربية ودعم الكتاب وتشجيع الأدباء والمؤلفين

جانب من افتتاح «مهرجان العين للكتاب» في دورته الـ16 التي ينظِّمها مركز أبوظبي للغة العربية (وام)
جانب من افتتاح «مهرجان العين للكتاب» في دورته الـ16 التي ينظِّمها مركز أبوظبي للغة العربية (وام)
TT

«مهرجان العين للكتاب» في أبوظبي يحفل بـ200 فعالية ثقافية و30 شاعراً

جانب من افتتاح «مهرجان العين للكتاب» في دورته الـ16 التي ينظِّمها مركز أبوظبي للغة العربية (وام)
جانب من افتتاح «مهرجان العين للكتاب» في دورته الـ16 التي ينظِّمها مركز أبوظبي للغة العربية (وام)

افتتح في إمارة أبوظبي «مهرجان العين للكتاب»، الثلاثاء، في دورته الـ16 التي ينظِّمها «مركز أبوظبي للغة العربية»، وتستمر الفعاليات حتى 30 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، في «العين سكوير»، وعدد من المواقع الرئيسية في منطقة العين.

وأقيمت الفعالية، تحت رعاية الشيخ هزاع بن زايد آل نهيان، ممثّل الحاكم في منطقة العين، وافتتح المهرجان الشيخ محمد بن حمدان بن زايد آل نهيان، ويضم المهرجان أكثر من 200 فعالية ثقافية وفنية وتعليمية، تشارك فيها شخصيات من رموز الثقافة والشعر والفن، بالتعاون مع مؤسسات تعليمية بارزة في الدولة، إلى جانب أكثر من 220 ناشراً وعارضاً.

ويقدِّم المهرجان أجندة حافلة تمتد على مدار أسبوع تستهدف جميع فئات المجتمع، وتشمل جلسات ثقافية وأمسيات شعرية وعروضاً مسرحية وموسيقية وورش عمل تفاعلية، إلى جانب برامج فنية وتعليمية تحتفي بالمعرفة في أبهى صورها.

وتتنوَّع الفعاليات بين 28 جلسة ثقافية و54 عرضاً مسرحياً وأكثر من 100 ورشة عمل في مجالات الأدب والفن والعلم، من بينها 90 ورشة في ركن الأطفال وثلاث ورش مخصَّصة لأصحاب الهمم، تأكيداً على شمولية المهرجان، ودوره في بناء مجتمع يلتقي فيه الإبداع بمختلف أشكاله.

وفي قصر المويجعي، يُسلِّط برنامج «ليالي الشعر: الكلمة المغنّاة» في دورته الرابعة الضوء على الموروث الشعري الشعبي لمنطقة العين، من خلال ثماني أمسيات يشارك فيها أكثر من 30 شاعراً. أمّا البرنامج الثقافي، الذي يُقام بالتعاون مع مؤسسات حكومية ومجالس مجتمعية في العين، فيقدِّم جلسات حوارية تناقش قضايا المجتمع والموروث الوطني، وتمكين الشباب، وتعزيز التواصل بين الأجيال.

وفي الموقع الرئيسي للمهرجان يحتضن البرنامج التعليمي أنشطة علمية ومسرحية ومسابقات ترفيهية وجلسات قراءة مخصَّصة للأطفال والعائلات، بينما يقدِّم ركن (جيل ألفا) ورشاً تجمع بين الفن والعلم والتكنولوجيا والأدب للأطفال واليافعين، إلى جانب إطلاق مبادرة «على درب العلم» في عدد من المدارس والجامعات لنشر رسالة المهرجان في دعم التعليم والثقافة بين الأجيال الجديدة.

وشهدت انطلاقة المهرجان حفل تكريم الفائزين بجائزة «كنز الجيل»، احتفاءً بإسهاماتهم في إثراء المشهد الشعري والأدبي في دولة الإمارات، وترسيخ القيم الجمالية في الأدب المعاصر.

وقال محمد خليفة المبارك، رئيس دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي، إن المهرجان يُعَدُّ محركاً رئيسياً للاقتصاد الإبداعي والسياحة الثقافية في منطقة العين، تماشياً مع أهداف حملة (عام المجتمع 2025)، من خلال إشراك المثقفين والكتّاب والمبدعين وأفراد المجتمع المحلي، لافتاً إلى أن مثل هذه الفعاليات تعزِّز مكانة أبوظبي بصفتها عاصمة ثقافية تحتضن الإبداع وتُشجِّع على الابتكار، لضمان استدامة الثقافة جزءاً حياً ومشتركاً في حياتنا اليومية.

من جهته، قال الدكتور علي بن تميم، إن «مهرجان العين للكتاب» يُعزِّز حضور اللغة العربية ضمن نسيج الهُوية الوطنية، وتمكين الأجيال الجديدة من أداء دورها في الحوار الحضاري العالمي، مُتمكنين بمعرفة راسخة بلغتهم، وقيمهم، وتقاليد إرثهم العريقة.

وأضاف أنه في دورته لهذا العام، يواصل المهرجان تكريس حضوره بصفته نموذجاً بارزاً في كيفية استلهام التراث الإماراتي، واستقطاب مختلف فئات المجتمع، وتوثيق علاقتهم بالقراءة والكتاب في بيئة غنية بالفنون والموسيقى وأجواء تفاعلية تشجِّع على الإبداع والابتكار.

وأوضح أن المهرجان يحتفي بالكتاب والكاتب الإماراتي، ويحتضن البيئة الإبداعية والإرث الثقافي الممتد لمنطقة العين، بما يكرِّس حضورها النوعي بوصفها منطقة ثقافية تراثية وسياحية، خصوصاً مع ما تشهده دولة الإمارات من ازدهار متنامٍ في صناعة النشر بفضل الدعم المتواصل من القيادة الحكيمة، وحِرص المؤسسات الثقافية على توفير بيئة حاضنة للناشرين والمؤلفين.

سعيد حمدان الطنيجي المدير التنفيذي لمركز أبوظبي للغة العربية (الشرق الأوسط)

تمكين اللغة العربية

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، قال سعيد حمدان الطنيجي، المدير التنفيذي لمركز أبوظبي للغة العربية، إن «(مهرجان العين للكتاب) يعكس جهود مركز أبوظبي للغة العربية، في تحقيق استراتيجيته في تمكين اللغة العربية، ودعم الكتاب، وتشجيع الأدباء والمؤلفين على مزيد من العطاء والإبداع، وتعزيز ثقافة القراءة لدى جميع أبناء المجتمع من مختلف الفئات العمرية».

وأكد أن المهرجان «تحوّل إلى منصة بارزة تعمل وفق مفهوم الصناعات الثقافية؛ لتعزز من مكانة الكتاب، وترسخ مفهوم القراءة المستدامة، عبر توفير فرص اقتناء الكتب بأسعار مدروسة، في شتى حقول المعرفة، فهناك 220 ناشراً، من ضمنهم 40 ناشراً يشاركون للمرة الأولى، يقدمون قرابة 100 ألف عنوان في حقول المعرفة كافة، إلى جانب إصدارات مركز أبوظبي للغة العربية عبر مشاريعه الرائدة؛ مشروع كلمة للترجمة، ومشروع إصدارات للنشر العربي، إضافة إلى مجموعة من إصدارات الأدباء والمبدعين الإماراتيين، التي تعكس مدى إتقانهم لفنون الشعر والقصة والرواية».

وأضاف: ينظّم المهرجان فعاليات مصاحبة ضمن برنامج ثقافي متكامل، يستهدف جميع فئات المجتمع، تماشياً مع احتفاء قيادة دولة الإمارات بعام 2025 بوصفه عاماً للمجتمع، حيث يقدّم 200 فعالية في مجالات الأدب والفن والعلم، يشارك فيها 200 متخصص من مقدمي الورش والفنانين، إلى جانب 24 ورشة تفاعلية، و13 عرضاً مسرحياً، و98 ورشة في ركن الأطفال و3 ورش مخصصة لأصحاب الهمم، و12 مشاركاً في ركن «عشانا»، و30 شاعراً في برنامج «ليالي الشعر».

ويقدّم المهرجان مجموعة من الجلسات التي تحرص على التعريف بالثقافة الإماراتية، وتسليط الضوء عليها، إلى جانب تعزيز حضور اللغة العربية، ضمن حقول الثقافة، والتعليم، والتكنولوجيا، والشعر والتراث الشعبي، والأطفال، والمسابقات والترفيه، حيث تسعى جميعها إلى تعزيز مكانة الكتاب، وتحفز الوعي لدى أبناء المجتمع، عبر مشاركة الأفكار والآراء، والمساهمة في إثراء الحوار، لإبراز ثقافة مجتمع الإمارات المحب للاطلاع والمعرفة، والمهتم بالكتاب، والمتمسك بلغته وموروثه الثقافي.

وتابع الطنيجي قائلاً: «تسعى البرامج إلى تلبية الاحتياجات المعرفية لدى الجمهور، ومن ضمنها إقامة فعاليات وبرامج مرتبطة بمعالم المدينة السياحية والتاريخية، وربط المهرجان بالتاريخ العريق للمدينة والاحتفاء بثقافتها وتراثها، لترسيخ مكانتها بوصفها وجهةً ثقافية متميزة، وداعمة للغة العربية، وصناعة النشر، إلى جانب إطلاق ورش عمل يشرف عليها متخصصون، لتطوير معلومات الجيل الشاب، ومتابعة منجزات العصر الرقمي، واستثمارها في إثراء ثقافة الأجيال. إلى جانب جلسات فنية وأدبية وفكرية تستضيف طيفاً من المبدعين الإماراتيين، لإثراء المعارف لدى الشباب، سعياً إلى تحقيق أهداف التنمية الثقافية المستدامة».


مقالات ذات صلة

محمد شيخ: عرض «بارني» في قريتي بالصومال لحظة استثنائية

يوميات الشرق صور الفيلم في وقت قصير بسبب مشكلات التمويل (مهرجان لوكارنو)

محمد شيخ: عرض «بارني» في قريتي بالصومال لحظة استثنائية

قال المخرج الصومالي، محمد شيخ، إن فكرة فيلمه الروائي الأول «بارني» (Barni) انطلقت من رغبته في تقديم حكاية عن الشباب الذين ينتقلون من القرية إلى المدينة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق المايسترو فرناندو عفارة يقود الأوركسترا المرافِقة لمارينا فيوتي (الجهة المنظمة)

الأوبرا تعود إلى لبنان من بوابة «مهرجان ومسابقة بيروت الدولية»

يطمح القائمون على الحدث لإعادة لبنان إلى موقعه الريادي على الخريطة الثقافية العالمية...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق حصد فيلم «الضيف» جوائز عدة قبل عرضه في الجونة (لشركة المنتجة)

«الجونة السينمائي» يراهن على أفلام الحرب والهوية

تحضر الحرب والهوية والذاكرة بقوة في موضوعات مجموعة من الأفلام تم اختيارها للمشاركة في مهرجان «الجونة السينمائي» في نسخته التاسعة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق هاني شاكر خلال غنائه بإحدى الدورات السابقة لمهرجان القلعة الغنائي (حسابه على فيسبوك)

هاني شاكر «الغائب الحاضر» في «القلعة الغنائي» بمصر

رغم رحيل الفنان المصري هاني شاكر منذ عدة أشهر فإن اسمه عاد مجدداً إلى مهرجان القلعة الغنائي بفضل أحد محبيه.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق مخرج الفيلم حصد جائزة «الفهد الذهبي» في مهرجان لوكارنو السينمائي بسويسرا - (إدارة المهرجان)

فلورين شيربان: «أنت لا تنتمي إلى هنا» يتأمل أزمة اختلاف الأجيال

قال المخرج الروماني فلورين شيربان الحائز على جائزة «الفهد الذهبي» من «لوكارنو السينمائي» إن فيلمه «أنت لا تنتمي إلى هنا» بدأ من سؤال عن العلاقة بين الأب والابن.

أحمد عدلي (القاهرة)

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات
TT

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية واحداً من أكثر مبدعيها خصوصية وأصالة وزهداً في الأضواء، حيث عاش في مدينته المنصورة بعيداً عن صخب العاصمة ولم ينشغل بصراعات أدبائها، أو ينخرط في خلافاتهم ومعاركهم الجانبية؛ بحثاً عن مجد شخصي.

ولم تكن مبالغة أن يرثيه الشاعر دكتور عيد صالح عبر صفحته بموقع «فيسبوك» بقوله: «مرّ بحياتنا كالملائكة وأصحاب الرؤى النورانيين الملهمين»، في حين وصفه الناقد شعبان يوسف بأنه «واحد من أنبل وأجمل كُتابنا، فلم يزاحم أحداً وكان وجوده مفرطاً في الرقة والعذوبة».

ونعتته الكاتبة غادة كمال، ابنة شقيقته، بأنه «معلمها الأول الذي كان وسيظل حاضراً في كل حرف كتبته»، ومن جهته عدّ الكاتب إبراهيم عبد المجيد أننا «إزاء خبر مفجع للغاية؛ فالبهات لم يغب أبداً عن باله وكان يخطط منذ فترة طويلة لرؤيته، لكن دون جدوى».

وُلِد رضا البهات في محافظة الدقهلية عام 1955، وتخرج في كلية الطب بجامعة المنصورة، ثم عمل طبيباً، في حين واصل الكتابة والنشر في الصحف والمجلات المصرية والعربية، وقد انعكست خبرته المهنية في مشروعه الأدبي صانعة علاقة شفيفة على المستويين الفني والجمالي؛ إذ كان يرى أن الطب منجم من الخبرات الإنسانية التي يمكن للكاتب أن يستفيد منها في فهم البشر ومراقبة تفاصيل حياتهم.

ولم يكن يرى إقامته في المنصورة ابتعاداً عن الحياة الثقافية، إنما اختار أن يظل قريباً من المكان الذي شكَّل مسرح طفولته وحياته، عاش فيه وعمل، وأن يستمد مادته من الواقع المحيط به. وتُعدّ البداية الحقيقية لمشروعه الأدبي عبر رواية «بشاير اليوسفي» الصادرة عام 1992، والتي تناولت تحولات المجتمع المصري، ولا سيما تأثيرات الهجرة للخارج بحثاً عن فرص عمل وما صاحبها من تغيرات منظومة القيم والسلوك وشكل القرية المصرية.

كانت «بشاير اليوسفي» أكثر من مجرد بداية روائية؛ فقد وضعت منذ البداية عدداً من القضايا التي ستظل حاضرة في عالم البهات، وعلى رأسها التحولات الاجتماعية والسياسية التي أصابت الإنسان المصري، كما رأى النقاد فيها إشارة مبكرة إلى التغيرات التي طرأت على المجتمع.

بعدها أصدر مجموعته القصصية «طقوس بشرية» عام 1995، ثم رواية «شمعة البحر» عام 2004، قبل أن يصدر روايته «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» عام 2014. وتشكل هذه الأعمال معاً جانباً أساسياً من مشروعه الأدبي الذي ظل يتابع من خلاله تحولات المجتمع المصري والريف والمدينة والصحافة والسياسة والعلاقات الإنسانية.

في «شمعة البحر» انتقل البهات إلى الريف المصري، مستفيداً من خبرته المباشرة به، حيث خدم بالفعل في القرى، واستلهم شخصية «الشيخ جلال» التي لها أصل واقعي؛ إذ عرف رجلاً عاش أكثر من تسعين عاماً وحضر عزاءه.

أما «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» فمثلت محطة بارزة في تجربته، وحصلت على جائزة ساويرس الثقافية في فرع الرواية، وتدور الأحداث في عوالم متعددة تشمل الصحافة والسياسة والسجن والعلاقات الاجتماعية، وتقدم شخصية مثقف يعيش وسط تناقضات المجتمع وأسئلته المتعلقة بالدين والسياسة والجنس والطبقات الاجتماعية.

وفي حديثه عن هذا العمل تحديداً، كشف البهات عن أن عمله في القسم الثقافي بإحدى الصحف أمدّه بخبرة مباشرة بعالم الصحافة، كما أكد أن الكاتب لا يستطيع دائماً التحكم في المسارات التي تأخذها أعماله، وأن التجربة الواقعية والخيال يتداخلان في أثناء الكتابة.

من هنا، كانت علاقة البهات بالواقع إحدى السمات الأساسية في كتابته، فهو يكتب عما يعيشه ويعرفه، ويحسه، كما أن خبرته في الطب قدمت له مادة إنسانية واسعة، في حين أتاحت له الكتابة تحويل هذه الخبرات عالماً روائياً وقصصياً. كما اتخذ من عالم الطب نافذة يرى من خلالها الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه ومرضه؛ ولهذا ظهرت أجواء المستشفيات والعيادات والمرضى بصورة واضحة في مجموعته «حكايات شتوية»، التي استثمر فيها خبرته المهنية في بناء عالم فني له طابع إنساني.

ومن أبرز أعماله الأخرى «ليلة للغنا»، و«اختار ألا يموت»، إضافة إلى مجموعة من كتب الأطفال مثل: «جوز ولوز وبوز» و«حكاية السمكة وقطعة الخبز» و«الجميلة تتزوج الديك الشركسي».

وعلى رغم ذلك، يظل من السمات اللافتة في تجربته الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج أو يتلهف على النشر، حيث سبق أن برر تلك السمة بطبيعة ظروف حياته ومهنته؛ فهو لا يتعيش من الثقافة، ويكتب ببطء، ورغم أن روايته الأولى حظيت باهتمام نقدي وجماهيري واسع، لكنه لم يتعامل مع الكتابة بوصفها وظيفة تفرض عليه الإنتاج المتواصل.

من السمات اللافتة في تجربة البهات الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج كما كان مقلاً في النشر


قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
TT

قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء

يحتل قصر الحلابات موقعاً خاصاً في خريطة العمائر التي شيدها الأمويون وسط البادية الأردنية، وتكمن هذه الخصوصية في السجال المتجدّد حول تاريخ بنائه ومراحل تكوينه. خرج هذا الموقع الأثري من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، في عهد استكشاف علماء الآثار للعمائر الأموية المدنية التي عُرفت بقصور البادية، وأعيد استكشافه بعد عقود من الزمن تعرض خلالها لإهمال كبير، وانكبّ عدد من كبار العلماء إلى دراسته من جديد، وخرجوا بأبحاث أعادت قراءة تاريخه بشكل جذري.

يقع قصر الحلابات في منتصف الطريق بين عمّان والزرقاء، على بعد 12 كيلومتراً، شرق «طريق ترايانا نوفا» الذي شيّده الرومان قديماً فيما عُرف بمقاطعة «العربية البتارائية». تحيط بهذا القصر مجموعة من الأبنية والمنشآت تتوزع على مساحة واسعة، تضمّ مسجداً صغيراً، وخزاناً كبيراً، إضافة إلى ثمانية خزانات محفورة في الصخر. يحمل هذا المجمع الاسم الذي عُرف به محلياً، وهو الاسم الذي أثار حيرة علماء الآثار الذين سلّطوا الضوء عليه في العقود الأولى من القرن العشرين؛ إذ رأى البعض أن هذا الاسم يشير إلى حلبة الخيل، فيما رأى البعض الآخر أن هذه التسمية تشير إلى خربة مهجورة كانت النساء تقصدها لحلب الماعز والأبقار.

كانت هذه الخربة ماثلة للعين، غير أن أهميّتها التاريخية لم تتضح إلا في مطلع القرن العشرين، حين قصدها العالم الأميركي هوارد كروسبي بتلر للمرة الأولى في فبراير (شباط) 1904 على رأس بعثة من جامعة برنستون الأميركية، وقصدها ثانية في مارس (آذار) 1909، وأنجز مخطّطاً توثيقياً للموقع، كما نشر نقوشاً كتابية محفورة على صخوره، واستند العلماء على هذه الوثائق في تحديد مراحل بنائه المتعدّدة. تتمثّل هذه النقوش في ثلاث كتابات اعتُمدت لتأريخ هذا البناء، الأولى لاتينية، وتذكر «قصراً جديداً» شُيّد في عام 213. النقش الثاني يوناني بيزنطي، ويعود إلى عهد الإمبراطور يوستينيانوس، وإلى عام 529 بالتحديد، ويشير إلى بناء حصن في الموقع. أما النقش الثالث، فيوناني كذلك، وهو مبعثر على عشرات الأحجار التي استخدمت في بناء القصر، وتظهر دراساتها أنها تنقل مرسوماً وُضع في عهد الإمبراطور أنسطاس الذي حكم من عام 491 إلى عام 518، وقد أثارت هذه الكتابة نقاشاً واسعاً، ورأى البعض أنها دخيلة على القصر، ولا تمت إليه بأي شكل في الأصل، فيما ربط البعض الآخر بينها وبين البناء، واعتبر أنها تشكّل مصدراً من المصادر التي يجب الأخذ بها لتحديد مراحل تكوينه.

اتّفق البحاثة على تحديد ثلاث مراحل لبناء هذا القصر، واعتمد هذا التحديد على النقوش الكتابية من جهة، وعلى مخطط البناء وطرازه من جهة أخرى. في المرحلة الأولى، شُيّد البناء من الزاوية الشمالية الغربية خلال القرن الأول، وشكّل برجاً لمراقبة «طريق ترايانا نوفا». في المرحلة الثانية، أُحيط المبنى بسور خارجي تحده أبراج مربّعة في الزوايا الأربع خلال العقود الأولى من القرن الثالث. في تلك المرحلة، جمع البناء بين الحجارة الكلسية والحجارة البازلتية، وبقي عامراً في القرون التالية. تُنسب المرحلة الثالثة إلى عهد يوستينيانوس، وتمثّل الحقبة الأخيرة من تاريخ البناء القديم الذي تحوّل إلى حصن هُجر في نهاية العهد البيزنطي، وتساقطت أجزاء كبيرة منه. أعيد بناء هذا الموقع بشكل جديد في العهد الأموي، واستخدم بناؤه كتلاً حجرية كلسية وبازلتية كانت قد تساقطت منه، كما استخدموا قطعاً تعود إلى مرسوم أنسطاس، وحافظوا على الأبراج المربعة والتقسيمات الداخلية المتوازية، على خلاف ما نراه في القصور الأموية الكبرى، مثل قصر الطوبة وقصر المشتى، حيث يتكون المجمع السكني من قاعة مركزية، تحيط بها غرف جانبية، وتحدّها أبراج نصف دائرية. نسب هوارد كروسبي بتلر هذا البناء إلى هشام بن عبد الملك، الخليفة الذي شيّد ما يُعرف بـ«حمّام الصرح»، وهو حمّام يضم ملحقات عدة، أُقيم في منطقة سهلية تعود إلى مدينة الزرقاء، ويُعرف كذلك بقصر الحلابات الشرقي.

في عام 1978، زار عالم الآثار البريطاني ديفيد كندي الموقع لدراسته، وقدّم قراءة جديدة له اعتمدت بشكل كبير القراءة الأولى. في العام التالي، شرعت دائرة الآثار العامة في الأردن في سلسلة تنقيبات في الموقع، بالتعاون مع جامعة مدينة ليون الفرنسية، واستمرت هذه الحملات التي ترأسها عالم الآثار الأردني غازي بيشه حتى عام 1984. بدوره، قدّم غازي بيشه خلال حملات المسح التي قادها سلسلة من المقالات اعتمدت التأريخ المعهود، غير أنه عاد ونشر في عام 1993 مقالة علمية رأى فيها أن النقوش الكتابية التي شكّلت أساساً لتأريخ مراحل بناء الموقع لا يُمكن الأخذ بها.

في الواقع، خرج البحاثة في هذه الحقبة برأي يقول بأن هذه النقوش دخيلة على القصر، وقد جرى استخدامها بعد نقلها إليه. وأظهرت الدراسات أن البناء شُيّد كحصن في أيام البيزنطيين، وهو بناء محلّي يعود على الأرجح إلى قبائل الغساسنة التي استقرّت في بلاد الشام، وكانت لملوكها ديار «باليرموك والجولان وغيرهما، من غُوطَة دمشق وعمالها، ومنهم من نزل الأردن من أرض الشام»، كما ذكر المسعودي في «مروج الذهب». في الحقبة الأموية المبكرة، تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي، وتم تشييده من جديد مع تعديلات جذرية في تكوينه، غير أنه حافظ على أسسه الهندسية الأولى المتمثلة في مسقط مربع الشكل، تحدّ زواياه أربعة أبراج.

تحوّل قصر الحلابات إلى موقع أثري سياحي، وأنشئ متحف خاص به، افتتح في عام 2008، وحوى نحو 150 قطعة أثرية متنوعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، ومجموعة من ألواح الفسيفساء المجتزأة، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية. تجمع نقوش قصر الحلابات بين التكوينات الهندسية والعناصر التصويرية المحوّرة، وتماثل من حيث الأسلوب والتنفيذ النقوش التي خرجت من القصور الأموية الكبرى. في المقابل، تبرز الأرضيات الفسيفسائية وتتميّز بتنوّع تقاسيمها، وتشكّل هذه الألواح مادة أساسية لدراسة استمرارية هذا الفن وتطوّره خلال العهد الأموي.


صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي
TT

صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي

في روايتها «غداً غداً» الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، وترجمة علا محمود، ترسم الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا جانونيه صورة مؤثرة لصراعات اجتماعية وإنسانية تنطلق من قلب ريف «سالنتو» في أواخر خمسينات القرن العشرين بإيطاليا، حيث يعيش الشقيقان «لورينسو» و«أنييزيه» داخل عالمهما الصغير الذي تديره عائلتهم المعروفة بصناعة الصابون.

يتجلى المصنع الذي أسسه الجد والممتلئ برائحة الزيوت العطرية والزهور رمزاً للاستمرارية والأمان في بقعة تجمع بين الماضي والمستقبل وبين الحلم العائلي والحياة اليومية البسيطة، لكن حين يقرر والدهما بيع المصنع فجأة ينقلب التوازن العائلي رأساً على عقب.

يغادر «لورينسو» البيت مدفوعاً بالغضب والرغبة في استعادة إرثه الضائع في حين تبقى «أنييزيه» الهادئة لتواجه التغير وحدها وتنقذ ما يمكن إنقاذه، وهكذا على مر السنين يسير الشقيقان في طريقين متوازيين لا يلتقيان، أحدهما في مواجهة العالم والآخر في مواجهة الذات.

وفي خلفية الأحداث، تتحول إيطاليا من بلد ريفي تقليدي إلى وطن جديد تنبض شوارعه بالأمل والصراعات والطموح، في نص مدهش عن الأسرة والاختيارات والحنين، فضلاً عن الغضب الذي يورّث والإخلاص الذي يبقى رغم المسافات.

اللافت، أن المؤلفة فرانشيسكا جانونيه تعود أصولها إلى منطقة «سالنتو» في جنوب إيطاليا، كما درست علوم الاتصالات ودرست في المركز التجريبي للتصوير السينمائي.

من أجواء الرواية نقرأ:

«كانت غرفة لورينسو بسيطة وشبه خالية، الآثار الباقية من وجوده انحصرت في عدة ملصقات سينمائية معلقة على الجدران كلها لأفلام لم يشاهدها «ماركو» من قبل، مع حامل للرسم وأنابيب ألوان قديمة وفُرش جفت شعيراتها وتصلبت. ومن حافظة أوراق موضوعة على المكتب برزت بضع رسومات فاقترب الفتى وتصفح بعضها فانتبه إلى أن كل الرسومات تصور الفتاة ذاتها، فتاة رائعة الجمال ولها شعر أشقر طويل.

تفرَّس الشاب في ملامحها قليلاً وسأل نفسه: هذه الفتاة تشبه شخصاً أعرفه، أظن أنني رأيتها من قبل... لكن أين؟... وبينما راح يعصر ذهنه محاولاً التذكر، قال ماريو فجأة يا فتى عليّ أن أذهب الآن، حان موعد تناول أدويتي، لكن إن أردت البقاء فلا بأس سأترك لك المفاتيح على أن تعيدها لاحقاً.

حالما بقى ماركو وحيداً أعاد وضع السماعات على أذنيه وشرع يدندن وهو يسير عبر الطريق الترابية مع صوت «فابريتسيو ديه أندره» الذي راح يقول: «ما لا أملكه هو أن أنجو بلا ثمن... ما لا أملكه هو ذاك الشيء الذي لا أفتقده في الغياب...».

وفجأة لمح اللافتة التي كتب عليها: «كازا ريتسو»، مصنع الصابون العريق منذ عام 1920، واصل سيره وبعد فترة وجيزة بلغ الفضاء الفسيح الواقع أمام المصنع بينما كان فابرتسيو يتابع غناءه: «ما لا أملكه... هو قطار صدئ يعيدني من حيث بدأت طريقي».

توقف ماركو ورفع بصره نحو مبنى المصنع المهجور، تأمل الواجهة التي اسوّدت بفعل الزمن وشجر اللبلاب الذي تسلق جدرانها حتى أخفى جزءا منها وزجاج النوافذ المعتم وخشب الباب المتآكل. استعاد في ذهنه ما رآه في غرفة والدته القديمة وتلك التفاصيل الكثيرة التي تخص ذلك المكان وأدرك أن المصنع لابد أنه كان يعني لهما الكثير.