ترحيب سوداني بجهود الرئيس ترمب وولي العهد السعودي لوقف الحرب

الإسلاميون يرحبون بحذر و«الدعم السريع» يرهن السلام بحلول جذرية

TT

ترحيب سوداني بجهود الرئيس ترمب وولي العهد السعودي لوقف الحرب

الأمير محمد بن سلمان والرئيس دونالد ترمب خلال حضورهما منتدى الاستثمار الأميركي - السعودي في واشنطن الأربعاء (رويترز)
الأمير محمد بن سلمان والرئيس دونالد ترمب خلال حضورهما منتدى الاستثمار الأميركي - السعودي في واشنطن الأربعاء (رويترز)

رحَّب السودانيون باحتفاء لافت بتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب التي أعلن فيها استجابته لطلب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، بإلقاء ثقله الرئاسي لوقف الحرب في السودان، وتأكيده على الانخراط «شخصياً» في جهود وقف القتال وإحلال السلام في البلاد، وعدُّوها تعزيزاً للمبادرات الدولية، ومبادرة الآلية الرباعية لوقف الحرب. وجاء الترحيب من مجلس السيادة الانتقالي ورئاسة الحكومة السودانية التي تتخذ من بورتسودان مقراً مؤقتاً لها، وقيادة «الدعم السريع»، وحكومة «تأسيس» الموالية لها وتتخذ من نيالا عاصمة، إلى جانب القوى السودانية المختلفة بما فيها التي كانت تنادي باستمرار الحرب.

تصريحات ترمب

جاءت هذه المواقف إثر تصريحات الرئيس دونالد ترمب، الأربعاء، التي كشف فيها عن أن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، طلب منه «الانخراط بقوة في ملف السودان»، وقوله إنه لم يكن يخطط مسبقاً للتدخل في هذه الأزمة، قبل لقائه ولي العهد. وأشار ترمب إلى أن ولي العهد «يود أن أقوم بشيء قوي جداً له علاقة بالسودان». رغم أن السودان لم يكن مدرجاً في حساباته، وقال: «كنت أظنه مجرد أمر مجنون وخارج عن السيطرة».

الرئيس دونالد ترمب يتحدث في منتدى الاستثمار الأميركي - السعودي الأربعاء (واس)

وأوضح ترمب أن الأمير محمد بن سلمان ذكَّره باهتماماته بوقف الحروب في العالم وبالأزمة السودانية خصوصاً بصفتها واحدة من هذه الحروب المروعة، بقوله: «أنت تتحدث عن الكثير من الحروب، لكن هناك مكاناً على الأرض يسمى السودان، وما يحدث هناك فظيع». وتابع: «كنت أنظر للوضع في السودان بأنه عشوائي، بلا حكومة، لكن ولي العهد السعودي شرح له عمق ثقافة وتاريخ السودان».

وأكد ترمب في خطابه أمام منتدى الاستثمار السعودي - الأميركي، الأربعاء، شروعه الفوري في تولي الملف شخصياً، موجهاً الحديث للأمير محمد بن سلمان: «لقد بدأنا بعد نحو 30 دقيقة من شرحك لنا، إيلاء الأهمية الكبرى لهذا الموضوع»، وأضاف أنه بدأ ينظر للسودان بطريقة مختلفة، بعد وصف ولي العهد المهمة له بأنها «أعظم شيء يمكن أن تفعله... سيكون أعظم مما قمت به حتى الآن».

وعاد الرئيس الأميركي بتأكيد اهتمامه بالوضع السوداني على منصة «تروث سوشيال» وكتب قائلاً: «إن السودان، أصبح أكثر الأماكن عنفاً على وجه الأرض، ويعاني من أكبر أزمة إنسانية». وأضاف: «طلب مني قادة عرب ومن أنحاء العالم، خاصة الأمير محمد بن سلمان، أن أستخدم قوة ونفوذ الرئاسة لوضع حد فوري لما يحدث في السودان». وأشار ترمب إلى أن «السودان حضارة وثقافة عظيمة، لكنها للأسف ساءت، ومع ذلك يمكن إصلاحها من خلال تعاون وتنسيق الدول... سنعمل مع السعودية والإمارات ومصر وشركاء آخرين في الشرق الأوسط لإنهاء هذه الفظائع».

البرهان يرحب

وفور انتهاء خطاب ترمب أبدى رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، ترحيبه السريع بتصريحات الرئيس ترمب، وكتب على منصة «إكس»: «شكراً سمو الأمير محمد بن سلمان، شكراً الـرئيس دونالد ترمب». وبعدها بساعات أصدر مجلس السيادة الذي يترأسه البرهان، بياناً صحافياً، أعلن فيه ترحيب الحكومة السودانية التي تتخذ من بورتسودان عاصمة بـ«جهود المملكة العربية السعودية، والولايات المتحدة، من أجل إحلال السلام العادل والمنصف في السودان».

وشكر البيان للبلدين «اهتمامهما وجهودهما المستمرة من أجل إيقاف نزيف الدم السوداني»، وأعلن استعداد الحكومة للانخراط الجاد معهما من أجل تحقيق السلام الذي ينتظره شعب السودان. ونقلت وكالة الأنباء الرسمية (سونا)، أن رئيس الوزراء كامل إدريس، أبدى هو الآخر ترحيبه بجهود المملكة العربية السعودية، والولايات المتحدة لإحلال السلام المستدام في السودان، وتأكيده الاستعداد التام للانخراط الجاد معهما من أجل السلام والأمن والاستقرار.

«الدعم السريع» تؤيد

أما معسكر «قوات الدعم السريع»، فقد أبدى ترحيبه بتصريحات الرئيس الأميركي، حسب ما جاء في منشور رسمي على قناة «واتساب» بتوقيع وزير شؤون مجلس الوزراء في حكومة «تأسيس» الموالية لـ«قوات الدعم السريع». وأبدى إبراهيم الميرغني، ترحيبه بما جاء في خطاب ترمب، «وإلقاء ثقله الرئاسي لوقف الحرب، والعمل مع دول الرباعية، وفق مبادرتها التي أكدت على استبعاد الحركة الإسلامية، والمؤتمر الوطني، (أنصار النظام السابق) والمجموعات المتطرفة، من أي عملية سياسية تحدد مستقبل السودان، ووجه شكره لولي العهد لوضعه الأزمة السودانية ضمن أجندة المباحثات السعودية - الأميركية».

أما مستشار قائد «قوات الدعم السريع» الباشا طبيق، فقد رحب هو الآخر بالتصريحات الأميركية. وقال في حسابه على منصة «إكس»: «لا يرفض السلام إلا تجار الحروب ومصاصو دماء الشعوب»، وأضاف متحفظاً: «أي سلام لا يذهب إلى تشخيص جذور الأزمة السودانية، ويضع لها حلولاً جذرية، ولا يؤسس لدولة تقوم على حقوق المواطنة والعدالة والمساواة، ولا يضع أساساً لجيش مهني جديد، بعيد عن الهيمنة السياسية، ويتولى حماية حدود البلاد، لن يكون إلا امتداداً لدائرة الحروب ودوامة الصراع».

ويأتي موقف «الدعم السريع» متسقاً مع ما أعلنته في وقت سابق بترحيبها بمبادرة الرباعية ومقترح الهدنة الإنسانية، في مقابل تحفظ الجيش وحلفائه لذلك وإعلانهم الاستمرار في القتال، وفق تصريحات رسمية.

زخم جديد

أما القوى المدنية المناهضة للحرب، فقد أبدت تفاؤلها بأن يؤدي الموقف الأميركي الجديد لوقف القتال في البلاد. وأبدى التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود) الذي يقوده رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك ترحيبه بالتصريحات الأميركية، وعدّ في بيان فوري، تولي الرئيس ترمب شخصياً متابعة ملف وقف الحرب في السودان، استجابة لطلب ولي العهد السعودي «مؤشراً على عودة الاهتمام الدولي الجادّ الذي يمكن أن ينهي المأساة بإيقاف وإنهاء الحرب عبر ترتيبات ذات مصداقية».

رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك زعيم تيار «صمود» (رويترز)

ورأى التحالف أن التطور الجديد يمكن أن «يضيف زخماً لمسار الرباعية»، وأنه يمكن أن يدفع بقوة نحو هدنة إنسانية عاجلة، «توقف استهداف المدنيين وتتيح وصول الإغاثة، وتعيد فتح الطريق أمام عملية سياسية جادة تضع البلاد على مسار سلام شامل ومستدام». بيد أن 1«صمود» رهن أي تقدم في ملف إيقاف الحرب، بمواجهة مباشرة مع القوى التي تعمل على إطالة أمد الحرب، وفي مقدمتها «الحركة الإسلامية، وبقايا النظام السابق»، الذين وصفهم بأنهم «يحرضون على استمرار القتال.. لإعادة إنتاج سلطتهم على حساب حياة السودانيين والسودانيات». ودعا التحالف المدني الشعب السوداني وقواه المدنية لمواصلة الضغط على أطراف الحرب، من أجل الانخراط في «تفاوض مسؤول يقدم مصلحة المواطنين على الحسابات العسكرية الضيقة».

وضع حد لمسار العنف

أما «حزب الأمة القومي»، أحد أكبر الأحزاب السياسية، فقد وصف التصريحات بأنها «خطوة إيجابية، تعزز المساعي الدولية لإنهاء معاناة شعبنا، ووضع حد لمسار العنف والدمار الذي يهدد وحدة البلاد ومستقبلها». وفي بيان رسمي صادر عنه، أشاد الحزب عالياً بالجهود الصادقة والمقدرة التي يبذلها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ودول المبادرة الرباعية الدولية، وجميع «الدول الشقيقة والصديقة التي تعمل بإخلاص من أجل وقف الحرب واستعادة السلام». وأكد «أهمية التنفيذ الكامل لبيان الرباعية الدولية»، بصفته «خريطة طريق بناءة وشاملة» تمهد الطريق لتوافق وطني شامل، «ينتج منه مشروع وطني يعيد تأسيس الدولة السودانية على مبادئ ثورة ديسمبر (كانون الأول) المجيدة».

رئيس «حزب الأمة» فضل الله برمة ناصر (أ.ف.ب)

وسار حزب المؤتمر السوداني في الاتجاه ذاته، عادَّاً تولي الرئيس ترمب ملف وقف الحرب في السودان، خطوة إيجابية لتكثيف الاهتمام الدولي بملف السودان ودعم الجهود المبذولة لوقف القتال. وأشاد بجهود ولي العهد السعودي، وتأكيد الرئيس الأميركي، بمواصلة العمل في إطار دول الرباعية الدولية، معلناً دعمه الكامل لخريطة الطريق الصادرة عنها في 12 سبتمبر (أيلول) الماضي، وقال مؤكداً: «لن نألو جهداً، لتسريع الجهود، لإقرار هدنة إنسانية عاجلة، توقف استهداف المدنيين وتسمح بوصول الإغاثة، وتهيئ لعملية سياسية ذات مصداقية تؤسس لسلام مستدام وتحول مدني وديمقراطي». وجدد الحزب دعوته لأطراف الحرب بـ«التجاوب مع مبادرات وقف الحرب، وتحكيم صوت العقل، والانخراط في تفاوض جاد ينهي الصراع ويعيد الاستقرار للسودان». أما التجمع الاتحادي، وهو أحد الأحزاب الرئيسة المكونة لتحالف «صمود»، فقد أشار إلى أن الولايات المتحدة والسعودية بصفتهما «طرفين أصيلين في الرباعية»، سيسهم في دعم جهودها من أجل هدنة إنسانية تفتح الباب لوقف إطلاق النار في السودان.

شروط للإسلاميين

ومن جانبها، عبرت «الحركة الإسلامية السودانية» عن ترحيبها في موقف التقت فيه مع الآخرين، مشيدة بدور ولي العهد السعودي، لكنها وضعت شروطاً لنجاح المهمة الجديدة.

الأمين العام للحركة الإسلامية في السودان علي أحمد كرتي (فيسبوك)

وقالت في بيان موقَّع باسم أمينها العام علي أحمد كرتي: «نثمن ونشكر المسعى الحميد المبارك لولي العهد» بكونه قد اتخذ «موقف القائد المسؤول في أرض الحرمين، ليُوصل صوت الحق، ويجلو الحقائق». وقالت إنها «تمد إليه أيديها بيضاء في المضي قدماً نحو حفظ كرامة أهل السودان، وتحقيق قيم العدالة والسلام والأمن والأمان»، بيد أنها اشترطت كف أيدي خصومها، الذين أطلقت عليهم «العابثين والمتطفلين، والمتطلعين إلى النيل من السودان وتقسيم أرضه وسرقة موارده وإذلال شعبه».

وتعهد كرتي بالوقوف في صف الحق والعدل، لـ«تحقيق تطلعات الشعب وصيانة كرامته والحفاظ على أمنه وسلامته».


مقالات ذات صلة

مصر وأميركا لمزيد من التنسيق لخفض التصعيد بالمنطقة

العالم العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (الرئاسة المصرية)

مصر وأميركا لمزيد من التنسيق لخفض التصعيد بالمنطقة

لقاء مصري أميركي على مستوى رئاسي استخباراتي عالي المستوى، احتضنته القاهرة وسط تصعيد بمنطقة الشرق الأوسط، وأزمات متواصلة بالسودان وقطاع غزة.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في فعالية بالخرطوم يوم 15 أغسطس الماضي بمناسبة ذكرى تأسيس الجيش (أ.ف.ب)

تصاعد «حرب المُسيَّرات» في السودان تزامناً مع تقدم الجيش بمحور كردفان

أعلن الجيش السوداني إسقاط «مسيرة معادية» في ولاية شمال كردفان، فيما قالت منصات «الدعم السريع» إن مسيراتها هاجمت مدينتي الأبيض وعطبرة.

أحمد يونس (كمبالا)
خاص استمرار هبوط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي مقابل الدولار (رويترز)

خاص اقتصاد الحرب يدفع الجنيه السوداني إلى الهاوية

دخل السودان منعطفاً جديداً مع التراجع الحاد في سعر صرف عملته الجنيه أمام العملات الأجنبية، وتجاوز سعر الدولار 9 آلاف جنيه، في بعض تعاملات السوق الموازية.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا من توزيع مساعدات غذائية بمخيم للاجئين السودانيين في أدري بتشاد (برنامج الأغذية العالمي)

الحرب والجفاف والأسعار تفاقم خطر المجاعة

يواجه الموسم الزراعي الحالي في السودان أخطاراً متزايدة، بسبب تأخر هطول الأمطار وشحها في مناطق واسعة، بجانب نقص مياه الري وانقطاع الكهرباء وارتفاع الأسعار

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا 
العناية المكثفة بمستشفى بحري التعليمي (الشرق الأوسط)

قطاع الصحة في السودان للنهوض من تحت الأنقاض

بدأت مستشفيات كبرى في الخرطوم تستعيد نشاطها تدريجياً مع عودة السكان وانحسار المعارك عن أجزاء واسعة من العاصمة السودانية، فيما لا تزال الصورة أكثر قتامة.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)

معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
TT

معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)

تواجه حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة اعتصاماً جديداً يُضاف إلى سلسلة من الأزمات والاحتجاجات المتصاعدة في البلاد، مع تمسك المعلمين بمطالبهم ورفضهم ما وصفوه بـ«تحويل حقوقهم إلى وعود مؤجلة». ويأتي التحرك في وقت تواجه فيه السلطات ضغوطاً متزايدة على ملفات خدمية وأمنية ومعيشية عديدة.

جانب من اعتصام معلمي مدرسة شهداء الانتصار للتعليم الأساسي في «أبو سليم» بطرابلس يوم الأحد (من مقطع فيديو بثته النقابة العامة للمعلمين)

وأعلن رئيس «حراك المعلمين» في ليبيا، أشرف الهادي، استمرار الاعتصام السلمي المنظم الذي ينفذه المعلمون حتى انتهاء المهلة المحددة للحوار مع الجهات الرسمية، مؤكداً أن الهدف هو الوصول إلى حلول حقيقية وتنفيذ مطالب المعلمين، وليس تعطيل العملية التعليمية.

وقال الهادي في تصريحات نقلتها وسائل إعلام محلية إن الإضراب العام «يظل أحد الخيارات المطروحة إذا انتهت المهلة دون استجابة جدية ونتائج ملموسة». وأضاف: «الحراك يُفضّل الحوار، لكنه يشترط أن يتحول إلى قرارات واضحة وجدول زمني وآليات محددة للتنفيذ».

وتشمل مطالب المعلمين معالجة المرتبات، وتسوية الفروقات والمستحقات المالية، وتوفير التأمين الصحي، وتحسين الوضع الوظيفي والمعيشي، وإصدار قانون لحماية المعلم.وفي السابع من سبتمبر (أيلول) الجاري، أعلن الحراك عن مهلة 15 يوماً لتنفيذ مطالب المعلمين.

وأوضح الهادي أن باب التفاوض مفتوح بشأن آليات التنفيذ، وليس حول أصل الحقوق، وأكد أن الحراك لم يتلقّ تواصلاً رسمياً مباشراً بالقدر المطلوب حتى الآن، داعياً الجهات صاحبة القرار إلى «فتح حوار جاد ومسؤول»، كما ناشد المعلمين الحفاظ على وحدتهم والالتزام بالسلمية والتنظيم خلال المرحلة المقبلة.

يأتي هذا في خضم موجة احتجاجات واعتصامات واسعة النطاق بدأت مع انطلاق العام الدراسي الجديد في منتصف الشهر الجاري، وامتدت من العاصمة طرابلس ومدن المنطقة الغربية مثل مصراتة وبني وليد وأبو سليم إلى بنغازي ومناطق أخرى في الشرق والجنوب.

وأعلنت نقابات معلمين في بلديات الغرب اعتصاماً مفتوحاً وإضراباً عن العودة إلى الدراسة، قائلة إنه جاء نتيجة «استمرار تجاهل حقوق المعلمين، وليس بهدف عرقلة التعليم».

وأدت هذه التحركات إلى إرباك انطلاق الدراسة في كثير من المدارس، حيث ظلت أبوابها مغلقة أو شبه فارغة في الأيام الأولى من العام الدراسي، فيما يشكو المعلمون من أن مرتباتهم، التي لا تتجاوز في كثير من الحالات 2000 دينار شهرياً، لم تعد تتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة، إضافة إلى تأخر صرف المستحقات وغياب التأمين الصحي الفعال. والدولار يساوي 6.33 دينار في السوق الرسمية، و9.56 دينار في السوق الموازية.

في مقابل ذلك عقد وزير التربية والتعليم بحكومة «الوحدة»، محمد عبد السلام القريو، اجتماعاً موسعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقتين الغربية والوسطى، الأحد، لمتابعة انطلاقة العام الدراسي الجديد الذي بدأ في 13 من الشهر الجاري، والوقوف على جاهزية المؤسسات التعليمية.

وقالت الوزارة في بيان، الأحد، إن القريو أكد أن المعلم «يمثل الركيزة الأساسية للعملية التعليمية»، مشدداً على «التزام الوزارة الكامل بحماية حقوقه، وتحسين أوضاعه المهنية والمعيشية، وتمكينه من أداء رسالته بكفاءة».

كما أشار إلى أن «ضمان حق الطلاب في تعليم جيد وعادل وشامل، داخل بيئة آمنة ومحفزة، يُعد أولوية وطنية لا تنازل عنها»، منوهاً إلى أن استقرار المؤسسات التعليمية وانتظام الدراسة مسؤولية مشتركة تستوجب تكثيف المتابعة الميدانية، وترسيخ الانضباط والمساءلة، إلى جانب تفعيل منظومة الحوافز للقيادات والمدارس المتميزة.

ويحذر مراقبون من أن استمرار الاحتقان داخل صفوف المعلمين دون حلول ملموسة قد يؤدي إلى تصعيد أوسع يشمل إضراباً عاماً، مما يفاقم الضغط على العملية التعليمية في البلاد.


جدل واسع بالجزائر بعد حبس ناشطة انتقدت الانتخابات

صورة لأستاذة اللغة الأمازيغية نادية موساوي نشرتها على حسابها على «فيسبوك» يوم 7 سبتمبر 2026
صورة لأستاذة اللغة الأمازيغية نادية موساوي نشرتها على حسابها على «فيسبوك» يوم 7 سبتمبر 2026
TT

جدل واسع بالجزائر بعد حبس ناشطة انتقدت الانتخابات

صورة لأستاذة اللغة الأمازيغية نادية موساوي نشرتها على حسابها على «فيسبوك» يوم 7 سبتمبر 2026
صورة لأستاذة اللغة الأمازيغية نادية موساوي نشرتها على حسابها على «فيسبوك» يوم 7 سبتمبر 2026

أثار حبس ناشطة وأستاذة للُّغة الأمازيغية في الجزائر موجة جدل حقوقي وسياسي واسع، بعد احتجازها بسبب منشور متصل بالانتخابات، وسط ملاحقات قضائية لكثير من النشطاء، بسبب تدويناتهم ومواقفهم السياسية عبر المنصات.

واتَّخذ الأمر منحى سياسياً، حين طالبت زعيمة «حزب العمال» اليساري المعارض ومرشحة انتخابات الرئاسة السابقة، لويزة حنون، في مؤتمر صحافي بالعاصمة، السبت، بالإفراج عن الناشطة نادية موساوي، المعروفة في منطقة القبائل، وإحدى الداعيات إلى تمكين اللغة الأمازيغية التي ينطق بها ملايين الجزائريين.

واستنكرت حنون إيداع الناشطة الحبس الاحتياطي منذ أسبوعين، بسبب منشور بحسابها الخاص على «فيسبوك»، مستغربة «توظيف قانون الانتخابات في القضية»، ومؤكدة أن «المنطق القانوني غير مفهوم في ملاحقة شخص بجريمة مرتبطة بالانتخابات».

الأمينة العامة لحزب العمال لويزة حنون (إعلام حزبي)

كما أشادت بمسار نادية موساوي التعليمي، في مجال نشر اللغة والثقافة الأمازيغيتين، وسط حملة تضامن واسعة تطالب بإعادة النظر في إجراء الحبس المتخذ بحقها.

«عرقلة عملية انتخابية»

وتُعرَف الناشطة في شبكة التواصل الاجتماعي بـ«تمازيغت موساوي»، وهي مُعلمة بمدرسة ثانوية في مدينة الشرفة بولاية البويرة، على بعد مائة كيلومتر إلى الشرق من العاصمة، بينما يُنظر ملفها قضائياً أمام محكمة مدينة مشدالة المختصة إقليمياً.

وعلى مدار سنوات، تجاوزت شهرة نادية موساوي نطاق مؤسستها التعليمية، لتصبح صانعة محتوى باللغة القبائلية؛ خصوصاً بعد أن أطلقت قناة مجانية على «يوتيوب» لتقديم دروس في الأمازيغية بهدف تبسيطها وترويجها للناطقين بالأمازيغية والعربية على حد سواء، معتبِرة أن المدرسة لا تفي بهذا الغرض بالقدر الكافي، وفق ما نقل عنها مقربون منها.

وفي التاسع من سبتمبر (أيلول) الجاري، فوجئت الناشطة باستدعاء من الشرطة المحلية التي أخضعتها للمساءلة، وأحالتها إلى النيابة بمحكمة مشدالة في ولاية البويرة، ثم على قاضي التحقيق لدى المحكمة نفسها الذي أمر بوضعها رهن الحبس الاحتياطي، بسبب منشور تضمَّن رأيها الشخصي حول التصويت في الانتخابات التشريعية التي جرت في الثاني من يوليو (تموز) الماضي، وشهدت مقاطعة كبيرة من الناخبين؛ خصوصاً في منطقة القبائل.

ووفق دفاعها، وجَّه لها قاضي التحقيق تهمة «عرقلة عملية انتخابية»، الأمر الذي أثار استغراب الأوساط السياسية والحقوقية.

وخلال محاكمتها يوم 16 سبتمبر الحالي، التمس ممثل النيابة العامة عقوبة عامَين حبساً مع التنفيذ، مع استمرار حبسها المؤقت لحين النطق بالحكم المقرَّر في 22 سبتمبر.

عشرات النشطاء تعرَّضوا للسجن منذ الحراك الشعبي سنة 2019 (ناشطون سياسيون)

وحسب مصادر قضائية، تعرضت نادية موساوي للمتابعة بناء على «المادة 295» من القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات، والتي تنص على معاقبة كل من يعرقل أو يخلُّ بسير العملية الانتخابية، بالحبس من 6 أشهر إلى سنتين، مع احتمال تطبيق عقوبات تكميلية، تتمثل في الحرمان من حق الانتخاب والترشح، مدةً تتراوح بين 3 و5 سنوات.

وتشمل الأفعال المجَرَّمة تحت هذه المادة «تعكير سير عمليات التصويت»، و«عرقلة عمل مكتب التصويت أو مراكز الاقتراع»، و«منع مرشح أو ممثله القانوني من ممارسة حقوقه المقررة قانوناً أثناء العملية».

ويؤكد المحامون والحقوقيون أن هذه الوقائع لا تنطبق على الأفعال المنسوبة لموساوي، مشيرين إلى أن سبب سجنها منشور لها تتناول فيه موقفها من الانتخابات، إضافة إلى أن وقتاً طويلاً نسبياً مرَّ على تنظيم هذه الانتخابات.

وبتصفح حسابها على «فيسبوك»، بدا أن المنشور الذي قادها إلى السجن قد حُذِف.

حرية التعبير

وفي منطقة الشرفة وبين متابعيها عبر الإنترنت، تسود حالة من الضيق والترقب للحكم؛ إذ اعتادت على تقديم محتويات اجتماعية وتعليمية، والترويج أحياناً للتجار والحرفيين المحليين، وهو ما يفسر حجم التعبئة والتضامن الواسع حولها.

وقال أحد السكان المحليين ممن يعرفونها، لـ«الشرق الأوسط»، مفضلاً عدم نشر اسمه: «السيدة نادية تنشط دوماً في الثقافة والتعليم؛ فهي ليست في تيار المعارضة، وتقوم أحياناً بالترويج لحرفيين محليين، والتجار الصغار، ومطاعم المنطقة. يمكن أن نصفها بأنها بروفايل ربة أسرة صالحة، لا يمكنها أن تؤذي ذبابة».

ياسين عيسوان برلماني طالب بالإفراج عن أستاذة اللغة الأمازيغية نادية موساوي (حسابه الخاص)

ودعا ياسين عيسوان، النائب عن تيزي وزو، كبرى مدن منطقة القبائل، إلى الإفراج الفوري عنها، مُشدّداً في تصريحات إعلامية على أن «حرية التعبير حق أساسي، ولا يجوز تحويل الرأي إلى جريمة»؛ وهو الطرح الذي ترافعَت عنه مجدداً محاميتها نبيلة إسماعيل، مؤكدة استحالة إدراج حرية التعبير في خانة الجريمة.

ويكرِّس سجن أستاذة اللغة الأمازيغية واقعاً توثقه الهيئات الحقوقية باستمرار؛ حيث يدفع مئات النشطاء، منذ اندلاع الحراك الشعبي عام 2019 الذي أطاح بالرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، ثمناً قانونياً للتعبير عن مواقفهم السياسية عبر المنصات الرقمية، في ظل سجال متواصل بين النصوص الزجرية ومبادئ حرية الرأي.


10 قتلى و21 جريحاً في انهيار منجم للذهب بالسودان

تجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل (أرشيفية - رويترز)
تجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل (أرشيفية - رويترز)
TT

10 قتلى و21 جريحاً في انهيار منجم للذهب بالسودان

تجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل (أرشيفية - رويترز)
تجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل (أرشيفية - رويترز)

انهار منجم للذهب في شمال السودان، ما أسفر عن مقتل 10 أشخاص، وإصابة 21 على الأقلّ، بحسب ما أفاد اثنان من الناجين لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، اليوم (الأحد)، عقب عمليات إسعاف في الليل.

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023 بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، اعتمد الطرفان في تمويل جهدهما الحربي بشكل كبير على قطاع الذهب، وفق الأمم المتحدة، إلى جانب دعم أطراف خارجية.

وقد بدأت آبار في منطقة تعدين أوني، شمال السودان، بالقرب من الحدود المصرية، تنهار أمس.

وبحلول صباح اليوم، «تمّ انتشال 10 جثث و21 مصاباً»، بحسب أحد الناجين، الذي كان يعمل في الموقع، وطلب عدم الكشف عن هويته لدواعٍ أمنية.

وقال ناجٍ آخر لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طلب كذلك عدم الإفصاح عن هويته، إن «الحفر يتمّ بالآليات المتوفّرة في المنجم ومن الناس الشغّالين».

وأفاد الناجيان بأن عمليات البحث ما زالت متواصلة، فيما يُخشى العثور على مزيد من الضحايا.

وألحق النزاع ضرراً كبيراً بالاقتصاد السوداني، الذي كان ضعيفاً أصلاً، وخسر عدد كبير من السودانيين عملهم، ما دفع كثيرين إلى ممارسة عمليات خطيرة للتنقيب عن الذهب.

وتجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية، أو في مناجم متوقفة عن العمل.

ويقوم عمّال المناجم بالتنقيب بأيديهم وباستخدام أدوات بدائية مقابل أجور يومية زهيدة.

وداخل المناجم، وكثيرة منها غير مجهّزة، يستخلص العاملون شذرات الذهب من الكتل الصخرية، ما يعرضهم لمواد كيميائية خطرة، مثل السيانيد الذي يتسبب في انتشار الأمراض.

وتتكرّر انهيارات المناجم في أنحاء السودان. وفي مناطق سيطرة الجيش في شمال وشرق البلاد، يتسلل العمّال إلى داخل المناجم المتوقفة عن العمل أملاً في أجور يومية زهيدة.

والأسبوع الماضي، قُتل 82 شخصاً على الأقل، وأصيب العشرات في انهيار منجم في منطقة كردفان.

حتى قبل أن تهدّد الحرب ملايين السودانيين بالجوع، كان التعدين يوفّر العمل لأكثر من مليوني شخص، وفق بيانات القطاع.

ويعدّ السودان، ثالث أكبر دولة في أفريقيا من حيث المساحة، من أبرز منتجي الذهب في القارة، وسجل العام الماضي أعلى مستوى للإنتاج في 5 أعوام، بلغ 70 طناً، وفق البيانات.

لكن المسؤولين يقولون إن معظم الذهب يُهرب عبر حدود السودان، بما في ذلك عبر تشاد وجنوب السودان ومصر، قبل وصوله إلى دول في الخليج، ولا سيما الإمارات، ثاني أكبر مصدر للذهب في العالم.

وفي يوليو (تموز)، حظر الاتحاد الأوروبي بيع ونقل وتصدير الزئبق والسيانيد إلى السودان، نظراً لاستخدام هذه المواد في تجارة الذهب غير النظامية.

وحذّرت الأمم المتحدة مراراً من أن طرفي الحرب يحققان مكاسب مالية من السيطرة على موارد البلاد، وأن «اقتصاد الحرب» هو ما يُبقي الصراع مستمراً.