ترحيب سوداني بجهود الرئيس ترمب وولي العهد السعودي لوقف الحرب

الإسلاميون يرحبون بحذر و«الدعم السريع» يرهن السلام بحلول جذرية

TT

ترحيب سوداني بجهود الرئيس ترمب وولي العهد السعودي لوقف الحرب

الأمير محمد بن سلمان والرئيس دونالد ترمب خلال حضورهما منتدى الاستثمار الأميركي - السعودي في واشنطن الأربعاء (رويترز)
الأمير محمد بن سلمان والرئيس دونالد ترمب خلال حضورهما منتدى الاستثمار الأميركي - السعودي في واشنطن الأربعاء (رويترز)

رحَّب السودانيون باحتفاء لافت بتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب التي أعلن فيها استجابته لطلب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، بإلقاء ثقله الرئاسي لوقف الحرب في السودان، وتأكيده على الانخراط «شخصياً» في جهود وقف القتال وإحلال السلام في البلاد، وعدُّوها تعزيزاً للمبادرات الدولية، ومبادرة الآلية الرباعية لوقف الحرب. وجاء الترحيب من مجلس السيادة الانتقالي ورئاسة الحكومة السودانية التي تتخذ من بورتسودان مقراً مؤقتاً لها، وقيادة «الدعم السريع»، وحكومة «تأسيس» الموالية لها وتتخذ من نيالا عاصمة، إلى جانب القوى السودانية المختلفة بما فيها التي كانت تنادي باستمرار الحرب.

تصريحات ترمب

جاءت هذه المواقف إثر تصريحات الرئيس دونالد ترمب، الأربعاء، التي كشف فيها عن أن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، طلب منه «الانخراط بقوة في ملف السودان»، وقوله إنه لم يكن يخطط مسبقاً للتدخل في هذه الأزمة، قبل لقائه ولي العهد. وأشار ترمب إلى أن ولي العهد «يود أن أقوم بشيء قوي جداً له علاقة بالسودان». رغم أن السودان لم يكن مدرجاً في حساباته، وقال: «كنت أظنه مجرد أمر مجنون وخارج عن السيطرة».

الرئيس دونالد ترمب يتحدث في منتدى الاستثمار الأميركي - السعودي الأربعاء (واس)

وأوضح ترمب أن الأمير محمد بن سلمان ذكَّره باهتماماته بوقف الحروب في العالم وبالأزمة السودانية خصوصاً بصفتها واحدة من هذه الحروب المروعة، بقوله: «أنت تتحدث عن الكثير من الحروب، لكن هناك مكاناً على الأرض يسمى السودان، وما يحدث هناك فظيع». وتابع: «كنت أنظر للوضع في السودان بأنه عشوائي، بلا حكومة، لكن ولي العهد السعودي شرح له عمق ثقافة وتاريخ السودان».

وأكد ترمب في خطابه أمام منتدى الاستثمار السعودي - الأميركي، الأربعاء، شروعه الفوري في تولي الملف شخصياً، موجهاً الحديث للأمير محمد بن سلمان: «لقد بدأنا بعد نحو 30 دقيقة من شرحك لنا، إيلاء الأهمية الكبرى لهذا الموضوع»، وأضاف أنه بدأ ينظر للسودان بطريقة مختلفة، بعد وصف ولي العهد المهمة له بأنها «أعظم شيء يمكن أن تفعله... سيكون أعظم مما قمت به حتى الآن».

وعاد الرئيس الأميركي بتأكيد اهتمامه بالوضع السوداني على منصة «تروث سوشيال» وكتب قائلاً: «إن السودان، أصبح أكثر الأماكن عنفاً على وجه الأرض، ويعاني من أكبر أزمة إنسانية». وأضاف: «طلب مني قادة عرب ومن أنحاء العالم، خاصة الأمير محمد بن سلمان، أن أستخدم قوة ونفوذ الرئاسة لوضع حد فوري لما يحدث في السودان». وأشار ترمب إلى أن «السودان حضارة وثقافة عظيمة، لكنها للأسف ساءت، ومع ذلك يمكن إصلاحها من خلال تعاون وتنسيق الدول... سنعمل مع السعودية والإمارات ومصر وشركاء آخرين في الشرق الأوسط لإنهاء هذه الفظائع».

البرهان يرحب

وفور انتهاء خطاب ترمب أبدى رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، ترحيبه السريع بتصريحات الرئيس ترمب، وكتب على منصة «إكس»: «شكراً سمو الأمير محمد بن سلمان، شكراً الـرئيس دونالد ترمب». وبعدها بساعات أصدر مجلس السيادة الذي يترأسه البرهان، بياناً صحافياً، أعلن فيه ترحيب الحكومة السودانية التي تتخذ من بورتسودان عاصمة بـ«جهود المملكة العربية السعودية، والولايات المتحدة، من أجل إحلال السلام العادل والمنصف في السودان».

وشكر البيان للبلدين «اهتمامهما وجهودهما المستمرة من أجل إيقاف نزيف الدم السوداني»، وأعلن استعداد الحكومة للانخراط الجاد معهما من أجل تحقيق السلام الذي ينتظره شعب السودان. ونقلت وكالة الأنباء الرسمية (سونا)، أن رئيس الوزراء كامل إدريس، أبدى هو الآخر ترحيبه بجهود المملكة العربية السعودية، والولايات المتحدة لإحلال السلام المستدام في السودان، وتأكيده الاستعداد التام للانخراط الجاد معهما من أجل السلام والأمن والاستقرار.

«الدعم السريع» تؤيد

أما معسكر «قوات الدعم السريع»، فقد أبدى ترحيبه بتصريحات الرئيس الأميركي، حسب ما جاء في منشور رسمي على قناة «واتساب» بتوقيع وزير شؤون مجلس الوزراء في حكومة «تأسيس» الموالية لـ«قوات الدعم السريع». وأبدى إبراهيم الميرغني، ترحيبه بما جاء في خطاب ترمب، «وإلقاء ثقله الرئاسي لوقف الحرب، والعمل مع دول الرباعية، وفق مبادرتها التي أكدت على استبعاد الحركة الإسلامية، والمؤتمر الوطني، (أنصار النظام السابق) والمجموعات المتطرفة، من أي عملية سياسية تحدد مستقبل السودان، ووجه شكره لولي العهد لوضعه الأزمة السودانية ضمن أجندة المباحثات السعودية - الأميركية».

أما مستشار قائد «قوات الدعم السريع» الباشا طبيق، فقد رحب هو الآخر بالتصريحات الأميركية. وقال في حسابه على منصة «إكس»: «لا يرفض السلام إلا تجار الحروب ومصاصو دماء الشعوب»، وأضاف متحفظاً: «أي سلام لا يذهب إلى تشخيص جذور الأزمة السودانية، ويضع لها حلولاً جذرية، ولا يؤسس لدولة تقوم على حقوق المواطنة والعدالة والمساواة، ولا يضع أساساً لجيش مهني جديد، بعيد عن الهيمنة السياسية، ويتولى حماية حدود البلاد، لن يكون إلا امتداداً لدائرة الحروب ودوامة الصراع».

ويأتي موقف «الدعم السريع» متسقاً مع ما أعلنته في وقت سابق بترحيبها بمبادرة الرباعية ومقترح الهدنة الإنسانية، في مقابل تحفظ الجيش وحلفائه لذلك وإعلانهم الاستمرار في القتال، وفق تصريحات رسمية.

زخم جديد

أما القوى المدنية المناهضة للحرب، فقد أبدت تفاؤلها بأن يؤدي الموقف الأميركي الجديد لوقف القتال في البلاد. وأبدى التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود) الذي يقوده رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك ترحيبه بالتصريحات الأميركية، وعدّ في بيان فوري، تولي الرئيس ترمب شخصياً متابعة ملف وقف الحرب في السودان، استجابة لطلب ولي العهد السعودي «مؤشراً على عودة الاهتمام الدولي الجادّ الذي يمكن أن ينهي المأساة بإيقاف وإنهاء الحرب عبر ترتيبات ذات مصداقية».

رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك زعيم تيار «صمود» (رويترز)

ورأى التحالف أن التطور الجديد يمكن أن «يضيف زخماً لمسار الرباعية»، وأنه يمكن أن يدفع بقوة نحو هدنة إنسانية عاجلة، «توقف استهداف المدنيين وتتيح وصول الإغاثة، وتعيد فتح الطريق أمام عملية سياسية جادة تضع البلاد على مسار سلام شامل ومستدام». بيد أن 1«صمود» رهن أي تقدم في ملف إيقاف الحرب، بمواجهة مباشرة مع القوى التي تعمل على إطالة أمد الحرب، وفي مقدمتها «الحركة الإسلامية، وبقايا النظام السابق»، الذين وصفهم بأنهم «يحرضون على استمرار القتال.. لإعادة إنتاج سلطتهم على حساب حياة السودانيين والسودانيات». ودعا التحالف المدني الشعب السوداني وقواه المدنية لمواصلة الضغط على أطراف الحرب، من أجل الانخراط في «تفاوض مسؤول يقدم مصلحة المواطنين على الحسابات العسكرية الضيقة».

وضع حد لمسار العنف

أما «حزب الأمة القومي»، أحد أكبر الأحزاب السياسية، فقد وصف التصريحات بأنها «خطوة إيجابية، تعزز المساعي الدولية لإنهاء معاناة شعبنا، ووضع حد لمسار العنف والدمار الذي يهدد وحدة البلاد ومستقبلها». وفي بيان رسمي صادر عنه، أشاد الحزب عالياً بالجهود الصادقة والمقدرة التي يبذلها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ودول المبادرة الرباعية الدولية، وجميع «الدول الشقيقة والصديقة التي تعمل بإخلاص من أجل وقف الحرب واستعادة السلام». وأكد «أهمية التنفيذ الكامل لبيان الرباعية الدولية»، بصفته «خريطة طريق بناءة وشاملة» تمهد الطريق لتوافق وطني شامل، «ينتج منه مشروع وطني يعيد تأسيس الدولة السودانية على مبادئ ثورة ديسمبر (كانون الأول) المجيدة».

رئيس «حزب الأمة» فضل الله برمة ناصر (أ.ف.ب)

وسار حزب المؤتمر السوداني في الاتجاه ذاته، عادَّاً تولي الرئيس ترمب ملف وقف الحرب في السودان، خطوة إيجابية لتكثيف الاهتمام الدولي بملف السودان ودعم الجهود المبذولة لوقف القتال. وأشاد بجهود ولي العهد السعودي، وتأكيد الرئيس الأميركي، بمواصلة العمل في إطار دول الرباعية الدولية، معلناً دعمه الكامل لخريطة الطريق الصادرة عنها في 12 سبتمبر (أيلول) الماضي، وقال مؤكداً: «لن نألو جهداً، لتسريع الجهود، لإقرار هدنة إنسانية عاجلة، توقف استهداف المدنيين وتسمح بوصول الإغاثة، وتهيئ لعملية سياسية ذات مصداقية تؤسس لسلام مستدام وتحول مدني وديمقراطي». وجدد الحزب دعوته لأطراف الحرب بـ«التجاوب مع مبادرات وقف الحرب، وتحكيم صوت العقل، والانخراط في تفاوض جاد ينهي الصراع ويعيد الاستقرار للسودان». أما التجمع الاتحادي، وهو أحد الأحزاب الرئيسة المكونة لتحالف «صمود»، فقد أشار إلى أن الولايات المتحدة والسعودية بصفتهما «طرفين أصيلين في الرباعية»، سيسهم في دعم جهودها من أجل هدنة إنسانية تفتح الباب لوقف إطلاق النار في السودان.

شروط للإسلاميين

ومن جانبها، عبرت «الحركة الإسلامية السودانية» عن ترحيبها في موقف التقت فيه مع الآخرين، مشيدة بدور ولي العهد السعودي، لكنها وضعت شروطاً لنجاح المهمة الجديدة.

الأمين العام للحركة الإسلامية في السودان علي أحمد كرتي (فيسبوك)

وقالت في بيان موقَّع باسم أمينها العام علي أحمد كرتي: «نثمن ونشكر المسعى الحميد المبارك لولي العهد» بكونه قد اتخذ «موقف القائد المسؤول في أرض الحرمين، ليُوصل صوت الحق، ويجلو الحقائق». وقالت إنها «تمد إليه أيديها بيضاء في المضي قدماً نحو حفظ كرامة أهل السودان، وتحقيق قيم العدالة والسلام والأمن والأمان»، بيد أنها اشترطت كف أيدي خصومها، الذين أطلقت عليهم «العابثين والمتطفلين، والمتطلعين إلى النيل من السودان وتقسيم أرضه وسرقة موارده وإذلال شعبه».

وتعهد كرتي بالوقوف في صف الحق والعدل، لـ«تحقيق تطلعات الشعب وصيانة كرامته والحفاظ على أمنه وسلامته».


مقالات ذات صلة

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

شمال افريقيا حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

يعاني كثير من السودانيين صعوبات بالغة في الحصول على الخبز بعد أن أقفلت معظم المخابز أبوابها بسبب ارتفاع أسعار القمح ونقص الوقود

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)

إثيوبيا تأمر 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد

قال ‌مسؤول إثيوبي كبير، الأربعاء، إن إثيوبيا أمرت 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد، في خطوة تعكس مزيداً من ​التدهور في علاقات البلدين.

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)
شمال افريقيا نساء يصطففن في الطابور قبل بدء عملية توزيع الطعام (الشرق الأوسط)

توقف المطابخ الخيرية يهدد آلاف الأسر بالجوع في الخرطوم

اضطرت عشرات التكايا (مطابخ خيرية) التي توفر الوجبات لآلاف الأسر في الخرطوم، إلى التوقّف عن العمل كلياً، أو تقليص نشاطها؛ بسبب نقص الدعم من المنظمات والخيِّرين.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا الأمين العام للجامعة العربية مستقبلاً وزير خارجية السودان الثلاثاء (الجامعة)

السودان يطالب الجامعة العربية بالتحقيق في «هجمات الجوار»

طالب السودان جامعة الدول العربية، الثلاثاء، بالمشارَكة في الإشراف على تحقيق دولي في هجمات تنطلق من دول بالجوار.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
شمال افريقيا مبنى متضرر جراء المعارك بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في الخرطوم (أ.ف.ب)

تجدد المعارك البرية في النيل الأزرق وكردفان

تجددت المعارك البرية بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في النيل الأزرق وكردفان، وأعلن تحالف «تأسيس» سيطرته على قاعدة «سالي» الاستراتيجية.

أحمد يونس (كمبالا)

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)
حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)
TT

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)
حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)

تروي السودانية سوسن محمود في العاصمة السودانية، حيث أقفلت معظم المخابز أبوابها بسبب ارتفاع أسعار القمح ونقص الوقود، أنها باتت توفر مجموع راتبها وراتب زوجها الشهري فقط لشراء الخبز. وتقول سوسن (44 عاماً)، وهي أم لثلاثة أطفال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «الوضع أصبح لا يحتمل. لقد خفضنا كمية الخبز التي نتناولها، وأصبحنا نأكله في وجبة واحدة فقط»، مضيفة: «علينا توفير 900 ألف جنيه شهرياً (88 دولاراً) لشرائه. وهذا تقريباً راتبي وراتب زوجي».

مواطن من أم درمان في رحلته اليومية مع طفليه للحصول على الماء (رويترز)

* مخاوف من انتشار المجاعة

تضاعف سعر رغيف الخبز في العاصمة السودانية من 250 إلى 500 جنيه (من 0,25 سنت من الدولار إلى 0,50 سنت)، خلال الأسبوع الماضي، في ارتفاع غير مسبوق. وباتت عائلات سودانية كثيرة لا تتحمّل تكلفته، فيما تتصاعد التحذيرات الدولية من احتمال انتشار المجاعة في أنحاء البلد، الذي يعاني 20 مليوناً من سكانه من انعدام حاد في الأمن الغذائي. من جهتها، تقول عبير محمد بعد أن اشترت خبزاً من أحد المخابز القليلة، التي لا تزال تعمل في الخرطوم: «في السابق كنّا نأكل الخبز في جميع وجبات اليوم، الآن لا يمكننا ذلك». ويستورد السودان معظم احتياجاته من القمح، الذي يتأثر سعره سريعاً بتدهور العملة المحلية. وخلال الشهر الماضي، سجّلت العملة السودانية تراجعاً بنسبة 25 في المائة أمام الدولار، في انخفاض قياسي ليصل سعر العملة الخضراء إلى أكثر من 10500 جنيه سوداني في ذروة ارتفاعه، قبل أن يستقرّ عند 10200 جنيه الأربعاء. علماً بأن الدولار كان يساوي 500 جنيه قبل الحرب.

يعاني أكثر من 200 ألف شخص في جنوب كردفان وشمال دارفور من المجاعة حسب تقارير مدعومة من الأمم المتحدة (رويترز)

* غياب الطحين

داخل مخبز يملكه محمد الفاتح في الخرطوم، يخلط العمال الطحين مع الماء والخميرة لتشكيل عجينة سميكة، يقسمونها إلى أقراص مستديرة، ثم يدخلونها الفرن باستخدام ألواح خشبية طويلة، وتتحوّل العجينة في دقائق إلى خبز تقليدي يشكّل جزءاً أساسياً من وجبات السودانيين. يقول الفاتح: «أغلقت مخابز كثيرة لأنه لا يوجد طحين في السوق». ويضيف: «يمكن أن تنتظر ليوم أو يومين كاملين في مركز توزيع (الطحين)، ثم تعود بخفي حُنين». في حي الأزهري بجنوب العاصمة، يجد متوكل أحمد بابكر صعوبة في تشغيل مخبزه، بعد أن تضاعف سعر الطحين، «بالإضافة إلى قطع الكهرباء، ولذلك أصبحنا مضطرين لشراء الوقود للمولد». يقول بابكر: «أغلب الظن سأغلق المخبز. نبيع رغيف الخبز بـ500 جنيه، وهذا أقلّ من تكلفته، لكن لا يمكنني رفع السعر بسبب أوضاع الناس». وتعاني العاصمة الخرطوم ومناطق شرق السودان من انقطاع واسع للتيار، بعد هجمات بمسيّرات استهدفت محطات الكهرباء نهاية الشهر الماضي، وأخرجتها عن العمل.

طفل سوداني يعاني من سوء تغذية حادة داخل أحد المخيمات المخصصة للاجئين السودانيين (رويترز)

وفي أنحاء الخرطوم، عاد السودانيون للاصطفاف خارج المطابخ العامة (التكايا) انتظاراً للوجبات المجانية، بعد أن توقف الكثير منها عن العمل، بعد سيطرة الجيش على العاصمة وإخراج «قوات الدعم السريع» منها في مارس(آذار) 2025. وحذّرت غرفة طوارئ أمبدة في أم درمان بالخرطوم، التي تنسّق عمل التكايا في المنطقة، من اتساع «دائرة الاحتياج لتطول آلاف الأسر والنازحين»، كما حذّرت من «شحّ في المواد الغذائية وغلاء الأسعار، ما يجعل الحصول على وجبة يومية واحدة حُلماً». وبلغت معدّلات الفقر في السودان 80 في المائة، وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء، فيما أعلنت الحكومة أنها تستهدف خفض التضخم إلى ما دون 60 في المائة مع نهاية 2026، بعد أن بلغ 99 في المائة العام الماضي.

* «لا وقود»

خارج الخرطوم، يصل جزء كبير من إمدادات القمح على شكل مساعدات إغاثية، غير أن نقص الوقود وارتفاع أسعاره، إضافة إلى قطع الطرق جراء المعارك، يحول دون وصول المساعدات. وقسّمت الحرب المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023 البلاد إلى مناطق نفوذ، إذ يسيطر الجيش على الخرطوم ومدن وسط السودان وشرقه، بينما تسيطر «قوات الدعم السريع» على كامل إقليم دارفور في الغرب وأجزاء من الجنوب. ويعاني أكثر من 200 ألف شخص في جنوب كردفان وشمال دارفور من المجاعة، حسب تقارير مدعومة من الأمم المتحدة، حذّرت أيضاً من إمكانية توسّعها إلى ثمانية مدن بحلول عام 2027. وأسهم انخفاض قيمة العملة في تراجع قدرة الخرطوم على شراء الوقود، التي تستورد معظم احتياجاتها منه. يقول الموظف الحكومي ياسر محمد إنه أمضى يومه واقفاً في طابور في الخرطوم من أجل شراء الوقود من دون طائل. مضيفاً: «أقف منذ السادسة صباحاً خارج المحطة، وقد حانت الرابعة ولم أحصل على بنزين، وقد تغيبت عن العمل اليوم».

بلغت معدّلات الفقر في السودان 80 % وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء (رويترز)

وحذّر بيان وزاري وقّع عليه وزراء خارجية أوروبيون وكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، الأسبوع الماضي من أن أكثر من 19 مليون شخص (أي 41 في المائة من السكان) في السودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي، بما في ذلك خمسة ملايين يواجهون مستويات طارئة».

في إحدى أسواق أم درمان، حيث بدت حركة البيع والشراء متباطئة، يقول الموردي عوض لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بينما يشتري احتياجاته: «انخفضت القيمة الغذائية للوجبة». ويضيف: «سعر الكيلوغرام من اللحم بات يتراوح بين 50 و70 ألف جنيه (5 إلى 7 دولارات)، وإن كان في استطاعتك في السابق شراء كيلوغرامين من اللحم، فسوف تشتري اليوم 125 غراماً فقط».


إثيوبيا تأمر 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد

السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)
السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)
TT

إثيوبيا تأمر 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد

السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)
السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)

قال ‌مسؤول إثيوبي كبير، الأربعاء، إن إثيوبيا أمرت 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد، في خطوة تعكس مزيداً من ​التدهور في علاقات البلدين، بسبب اتهام كل طرف للآخر بدعم خصومه.

ويتهم السودان إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية، في حين تتهم أديس أبابا الخرطوم بدعم المتمردين في منطقة تيغراي بشمال إثيوبيا.

وأثارت الاتهامات المتبادلة، التي ينفيها الطرفان، مخاوف من تداخل الحرب في البلدين، ما ‌قد يؤدي إلى ‌اتساع رقعة الصراع في القرن ​الأفريقي.

وقالت ‌الحكومة ⁠السودانية، ​يوم الأحد، ⁠إنها قدمت شكوى ضد إثيوبيا إلى مجلس الأمن الدولي، التابع للأمم المتحدة ومجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، متهمةً إياها بالسماح لـ«قوات الدعم السريع» باستخدام أراضيها في إطلاق طائرات مسيّرة ملغومة لاستهداف البنية التحتية المدنية في السودان.

ولم يرد ⁠المتحدث باسم مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي ‌على طلب من «رويترز» ‌للتعليق.

وقال المسؤول الإثيوبي الكبير إن ​بلاده أمرت 6 ‌من موظفي القنصلية السودانية في بلدة أصوصا الحدودية ‌بمغادرة البلاد في غضون 48 ساعة، دون أن يذكر سبب هذا القرار. وطلب المسؤول عدم نشر اسمه نظراً لحساسية الأمر.

وتنفي أديس أبابا مساعدة «قوات الدعم ‌السريع» في السودان.

وكشفت بيانات الأمم المتحدة أن الحرب الأهلية في السودان ⁠أدّت إلى ⁠نزوح أكثر من 14 مليون شخص، وتسببت في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم منذ اندلاعها في أبريل (نيسان) 2023.

واتهمت إثيوبيا كلاً من السودان ومصر وإريتريا بدعم متمردي تيغراي، الذين شنّوا هجوماً على القوات الحكومية في سبتمبر (أيلول). ونفت الدول الثلاث هذه الاتهامات.

وقال أمجد فريد، مستشار «مجلس السيادة الانتقالي» السوداني للشؤون السياسية والخارجية، إن الحكومة السودانية ملتزمة بحقها ​في الدفاع عن أراضيها، ​لكنها تبذل كل جهد ممكن لتجنب اندلاع حرب مفتوحة مع إثيوبيا.


هل يصبح النفط «ورقة ضغط» لتسوية خلافات الأفرقاء في ليبيا؟

رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)
رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)
TT

هل يصبح النفط «ورقة ضغط» لتسوية خلافات الأفرقاء في ليبيا؟

رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)
رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)

مع تعثر المبادرات الإقليمية والدولية في إنهاء الانقسام السياسي الليبي، يعود النفط إلى واجهة النقاش، بوصفه «ورقة ضغط محتملة» لدفع الأطراف المتنافسة إلى تسوية خلافاتها، في ظل مقترح فرنسي بـ«حظر تصديره» أثار اعتراضات مسؤولين وخبراء ليبيين.

وتعتمد ليبيا على النفط كمورد رئيسي في الإنفاق، عبر تغطية نحو 82 في المائة من الإنفاق العام، بينما يبلغ الإنتاج نحو 1.4 مليون برميل يومياً، وفق الأرقام المتداولة، في بلد دأب على الاعتماد على هذا المورد الحيوي، منذ تصدير أول شحنة من ميناء البريقة قبل 65 عاماً.

يعود النفط إلى واجهة النقاش بوصفه «ورقة ضغط محتملة» لدفع الأطراف المتنافسة إلى تسوية خلافاتها (المؤسسة الوطنية للنفط)

وطرح «معهد البحوث من أجل التنمية الفرنسي» أخيراً فكرة الرهان على «ورقة النفط» في تمويل الدولة. ويفترض هذا الطرح أن «تعطيل المورد الرئيسي لمدة شهر سيدفع القوى الليبية المتنافسة إلى مراجعة حساباتها، وسيجبر الأفرقاء الليبيين على الجلوس معاً لحل خلافاتهم، بما يعني أن الضغط الاقتصادي قد يدفع الأطراف إلى التفاوض، بعدما تتقلص الموارد المتاحة».

لكن مقترح حظر تصدير النفط أثار تساؤلات حول الجهة التي ستتحمل تكلفة الحظر، ومدى القدرة على توظيفه كورقة ضغط لدفع القوى المتنافسة إلى تسوية سياسية.

ورفض وزير النفط الليبي السابق محمد عون استخدام الصادرات النفطية كأداة للضغط السياسي، معتبراً أن الحظر «لن يحقق الغاية المعلنة منه، بل سيفاقم معاناة المواطنين، الذين يواجهون ارتفاع الأسعار وصعوبة الأوضاع المعيشية». ورأى أن «معالجة الأزمة تتطلب النظر إلى أسبابها السياسية والاقتصادية، بدلاً من تعطيل المورد الرئيسي للدولة».

وزير النفط الليبي السابق محمد عون (الوزارة)

وأوضح عون لـ«الشرق الأوسط» أن «الأزمة الليبية تتجاوز الخلافات المحلية إلى تدخل قوى إقليمية ودولية في شؤون البلاد»، مستشهداً بما كشفته تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن الفساد الاقتصادي. وانتقد صمت دول كبرى عن التجاوزات، عازياً ذلك إلى تشابك مصالحها مع أطراف ليبية نافذة.

من جهته، لا يرى الخبير الاقتصادي محمد الشحاتي أن المبادرات الدولية «كافية وحدها لحل الأزمة؛ فالبعثة الأممية واجتماعات برلين وفرت آليات متعددة لإدارة الصراع، لكنها لم تنجح في إنهاء الانقسام». ويعتقد أن «أي تحرك جديد لن يحقق اختراقاً دون تغيير أسلوب التعامل مع جذور الأزمة، وفي مقدمتها الفساد وضعف الرقابة».

وسبق أن خلص فريق الخبراء، التابع للأمم المتحدة، في تقريره النهائي الصادر في مارس (آذار) 2026، إلى أن «جهات مرتبطة بجماعات مسلحة وسّعت نفوذها داخل مؤسسات الدولة، بما فيها المؤسسة الوطنية للنفط، عبر العنف والتدخل في صنع القرار والضغط الاقتصادي».

وهنا تحذر مديرة إدارة التعاقدات السابقة بالمؤسسة الوطنية للنفط، نجوى البشتي، من أن وقف الصادرات قد يدفع إلى مزيد من تهريب النفط، وبيعه خارج المنظومة الرسمية، بما يفاقم الخسائر ويضعف قدرة الدولة على إدارة مواردها. ويحمل هذا الاحتمال خطراً إضافياً يتمثل في تعميق انتقال جزء من النشاط النفطي إلى مسارات يصعب إخضاعها للرقابة الرسمية، بحسب البشتي.

رفض وزير النفط الليبي السابق استخدام صادرات النفط أداةً للضغط السياسي بحجة أن القرار سيفاقم معاناة المواطنين الذين يواجهون ارتفاع الأسعار (أ.ف.ب)

وسبق أن رصد تقرير خبراء الأممي تهريب الوقود داخلياً عبر تحويل شحنات مخصصة للاستهلاك المحلي والكهرباء إلى مسارات غير مشروعة، وخارجياً عبر تصدير نحو مليون طن من المشتقات النفطية من موانئ ليبية، بينها 578 ألف طن من الديزل.

وبحسب البشتي، فإن «فرض الحظر سيضر بالمواطنين أكثر من الأطراف المتصارعة»، وتؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن تداعياته «قد تكون أشد وطأة مما شهدته دول، مثل روسيا وإيران وفنزويلا، بالنظر إلى الانقسام السياسي والمؤسسي الذي تعانيه ليبيا».

ويكتسب النقاش حول المقترح الفرنسي أهمية بالنظر إلى أن الاتحاد الأوروبي يمثل السوق الرئيسية للنفط الخام الليبي بين الجهات المستوردة، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، التي أوردتها وكالة «إيكوفين».

وبالتوازي مع رفض فرض حظر على صادرات النفط، تبرز بدائل أخرى لمعالجة الاختلالات القائمة، إذ يرى عون «ضرورة مكافحة الفساد، وإبعاد المتورطين فيه عن مواقع النفوذ»، وحذر من أن «استمرار الصراع على الثروة يفتح المجال أمام مزيد من النهب، وسوء إدارة الموارد العامة».

ومن وجهة نظره، لا يمكن تحويل النفط إلى مدخل لتسوية سياسية، من دون معالجة آليات استغلال عائداته.

أما البشتي فإنها ترى «ضرورة إصلاح القطاع النفطي الليبي، وإعادة هيكلته على أسس مهنية، بدلاً من حظر تصديره، بل وإبعاده عن التجاذبات السياسية وتدخل أصحاب النفوذ، مع إسناد المسؤوليات إلى أصحاب الكفاءة والخبرة والنزاهة، وضمان استقلال القرارات الفنية والإدارية عن المحاصصة وموازين القوى المتنافسة»، مبرزة أن هذه الحلول «لن تأتي بها السلطات القائمة في شرق البلاد وغربها، بل تحتاج ربما إلى إرادة وتحرك من شخصيات وطنية حقيقية للحل، بعيداً عن الوجوه المتصدرة للمشهد الليبي».